|
|
|
 |
الحضارية
«رحلة في كتاب» |
|
الاحد:
30/11/2008
التصدع العظيم
المؤلف: فرانسيس
فوكوياما
المترجم: عزة حسين كبة
عرض: د. نبيل رشاد سعيد
(خاص للمعهد)
يتكون هذا الكتاب من ثلاثة أجزاء
الأول: التصدع العظيم، والثاني: حول أصل القيم والأخلاق، والثالث:
الترميم العظيم. وعدد صفحاته 288. وقد صدر بالانجليزية عام 1999، وتمت
ترجمته إلى العربية عام 2004. وتدور فكرة هذا الكتاب حول القيم والمعايير
الأخلاقية أو «رأس المال الاجتماعي» في الولايات المتحدة الأمريكية ودول
أوربا.
ان أهم مرحلة للتصدع العظيم The Great Disruption هي في الستينات
والسبعينات من القرن العشرين، إذ حدث تفكك وتحطم النظام القديم، وان
نظاماً اجتماعياً جديداً بدأ يتشكل. والتصدع حدث في القيم الاجتماعية
والأخلاقية بحيث تتناسب مع الواقع المتغير لعالم (ما بعد عصر الصناعة)،
وهو عالم المعلومات. ففي تلك المرحلة شهدت الولايات المتحدة الامريكية
وأوربا تحولات كبيرة في العقود الثلاثة الأخيرة، فقد تحولت من مجتمعات
صناعية الى معلوماتية.
لذا فهناك (تفكك) او تصدع، وإعادة بناء يحدث في تاريخ البشرية... وان «فوكوياما»
ينظر نحو المستقبل بتوقعات تشكل قيم وحياة جديدة لحضارة جديدة.
ففي الجزء الأول، يتكلم فوكوياما عن الولايات المتحدة وأوربا وكيف انتقلت
الى ما بعد عصر الصناعة (عصر المعلوماتية)، الذي أطلق «الفن توفلر» Alvin
Toffler عليه اسم (الموجة الحضارية الثالثة). في هذا العصر أصبح الجهد
الذهني مكان الجهد العضلي، وأصبح الإنتاج معولماً عبر الحدود القومية.
ان التحول من عصر الصناعة الى عصر المعلومات احدث تصدعاً شمل حقبة
الستينات الى بداية التسعينات، والتصدع يتصف بارتفاع نسبة الجريمة وتدهور
الظروف الاجتماعية، وتدهور الأسرة في معظم دول العالم الصناعي.
ولكن هذا التصدع في النظام الاجتماعي يعود الى التشكل مرة أخرى، إذ أن
الإنسان اجتماعي بطبيعته، ونتيجة الدوافع الغريزية يبدأ في إيجاد او خلق
قواعد أخلاقية تجمع بين الناس. لذا نجد ان التصدع الذي حدث في المدة ما
بين الستينات وما بين التسعينات اخذ بالانحسار، فقد انخفضت معدلات
الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا.
يستخدم المؤلف في كتابه هذا المصطلح «رأس المال الاجتماعي» الذي هو
مجموعة من القيم والمعايير غير الرسمية التي تسود في مجموعة من الناس،
وهي التي تؤدي الى الترابط والتعاون فيما بينها، وهذا التعاون بين هؤلاء
الناس يعتمد «الثقة»، وان للثقة أثرا كبيراً في تيسير التعامل فيما
بينهم. وأول من استخدم المصطلح المذكور بمعنى الفضائل الأخلاقية هي «ليدا
جادسون هاينفان» عام 1916. والمقصود به القيم والمعايير الايجابية، وليست
القيم الهدامة لدى المافيا مثلاً.
ان رأس المال الاجتماعي يتضمن فضائل كالصدق والالتزام بالواجب.. والواقع
ان جميع المجتمعات تملك رأس مال اجتماعي، وان الاختلاف فيما بينها في
«درجة الثقة» في التعامل بها كالصدق والمعاملة الطيبة المتبادلة، إذ أن
«رأس المال الاجتماعي» هو العامل الحاسم والمهم لخلق مجتمع مدني صحي، وهو
يشكل المجموعات والمؤسسات الواقعة بين مؤسستي العائلة.. والدولة.
ويمكن استخدام رأس المال الاجتماعي لأغراض هدامة او سلبية- كما اشرنا-
بحيث لا تنسجم او لا تواكب المستجدات الحديثة، وحتى رأس المال المادي قد
لا يكون وجوده جيداً دائماً. لكن المجتمعات تضع القوانين التي تمنع مثل
هذه القيم السلبية.
تأثيرات التصدع العظيم
ان جميع المجتمعات الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية قد تأثرت
بالتصدع العظيم. ومن آثار تلك التصدعات:
1. الجريمة: هناك علاقة بين رأس المال الاجتماعي والجريمة. فالجريمة تعني
خرقاً للمعايير الاجتماعية التي تمثل السلوك الاجتماعي او العلاقات بين
مجموعة من الناس. بينما خرق قانون الجنايات يعد اعتداءً على الفرد
والمجتمع.
ومنذ الستينات بدأ التصدع الكبير، إذ حصل ارتفاع في الجريمة في أمريكا
وغيرها من جرائم القتل والسرقة، بسبب تناقص الثقة والتفكك المدني، وظهر
التصدع في دول مثل روسيا إذ ارتفعت معدلات الجريمة بصورة كبيرة بعد سقوط
جدار برلين عام 1989، وشهدت ذلك هنغاريا وبولندا وغيرهما.
وكان الرأسمال الاجتماعي منخفضاً جداً تحت ظل النظام السوفياتي، لان هدف
الماركسية- اللينينية هو إزالة «المجتمع المدني» المستقل والقضاء على
«العلاقات الأفقية التي يعتمد عليها مثل هذا المجتمع».
2. العائلة: حدث في أوربا وأمريكا «التصدع العظيم» نتيجة التحولات
المفاجئة فيما يتعلق بالعائلة والعلاقة بين المرأة والرجل. كان أثر
الثورة الجنسية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين أن أدى إلى
تغيرات كبيرة داخل البيت، وفي المعامل، والجيش. فالمجتمع القديم يعتمد
الروابط العائلية والعشائرية، ففي حضارة مثل حضارة الصين تعزز العلاقة
العائلية من خلال الكونفوشيوسية، فهنا نجد نسبة عالية من رأس المال
الاجتماعي (داخل العوائل). أما في المجتمع الحديث، فأنت لا تذهب الى عمك
او خالك عندما تحتاج الى قرض، بل تذهب الى البنك.. في حين نجد ان الكفاءة
الاقتصادية تعني اختيار الشركاء والمعارف على أساس المؤهلات الجيدة
الكفاءة، وليس على أساس روابط الدم والقرابة.
والآن، قد تحولت العوائل وببساطة الى «عوائل نووية» تتلائم مع ظروف
الحياة في المجتمعات الصناعية. والعائلة النووية هي التي تتكون من الأب
والأم والأبناء.
والمجتمعات الاوربية والولايات المتحدة الأمريكية تعيش مرحلة التحول من
عصر الصناعة الى مرحلة «عصر المعلومات»، مما أدى الى تفكك في الروابط
العائلية.
3. الثقة: لقد حدثت تغيرات هائلة فيما يتعلق بالقيم، وهي ما يسميها
(الفردية المتصاعدة). صحيح ان الناس في هذه المجتمعات لا تلغي القيم
والروابط الاجتماعية التقليدية تماماً من عائلية وعشائرية وقبلية ودينية
وإقطاعية، إلا انها استبدلتها بطرق أخرى، لأبنائهم الذين يختارون شريك
حياتهم وليس الآباء. ويعدّ الانترنيت تكنولوجيا تحمل إمكانيات تطور
الروابط الاجتماعية الاختيارية.. فبإمكان أي شخص ان يقيم علاقة مع أي شخص
آخر في العالم بالاعتماد على اهتمام مشترك، دون الخضوع لقيود المكان.
إلا انه حدث تصدع عظيم أدى الى أنواع من التغيرات في الأنماط الاجتماعية،
فقد ثبت ان «ثقة» الأشخاص بالمؤسسات وببعضهم البعض قد تراجعت. ففي
الولايات المتحدة الأمريكية قد انخفضت الثقة في الكثير من أنماط السلطة
التقليدية، مثل السياسيين، والشرطة والجيش، وحدث مثل ذلك في معظم بلدان
الغرب. وان التراجع في المعايير الاخلاقية ينتج عن ضعف الثقة في العلاقات
الاجتماعية.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت الثقة بالحكومات بصورة مستمرة حتى
وصلت الى أدنى مستوى في حقبة التسعينات. ففي عام 1958 أجاب 73% من العينة
التي وجه إليها السؤال: هل هم يثقون بالحكومة الفدرالية للقيام بما هو
صحيح؟ وفي عام 1994 انخفض الرقم الى 15% فقط.
لقد انخفضت الثقة عند الأمريكان بسبب الانتهازية المفرطة. لقد أجريت
استطلاعات ومقابلات مع شرائح مختلفة في الولايات المتحدة تبين ان المدة
من 1981- 1990 شهدت تفاؤل الثقة في معظم المؤسسات، إذ أجابت الأكثرية بأن
الأمريكان أصبحوا أكثر أنانية عما كانوا عليه قبل عشرين عاماً. «ان الثقة
هي نتاج جانبي لسلوكيات أخلاقية مشتركة المعايير فإذا اعتاد الناس التصرف
بطرق غير أهل للثقة- إذ كانوا أكثر استعداداً لقبول الرشاوى، وكانوا
يغشون في أجرة سيارات الأجرة، وكانوا يزورون في مدخولاتهم تهربا من
الضريبة- فمن المتوقع ان يتضاءل الإنسان الايجابي للثقة بالآخرين».
أسباب التصدع العظيم
التفسير الأول: الفقر وعدم المساواة وعدم توفر العمل، ويرتبط به زيادة في
معدلات الطلاق، وأطفال غير شرعيين، وحالة الانهيار العائلي.
ان ما حدث في أمريكا من اضطراب اقتصادي أدى الى عدم المساواة في الدخل
مما سبب في مستويات اكبر من المرارة. فقد واجه الأمريكان في مرحلة التصدع
العظيم اضطراباً اقتصادياً، وعلى الأخص في مرحلة السبعينات وبدايات
الثمانينات تسبب بأزمة اقتصادية مرتبطة بأزمة البترول والتضخم. وأصبح
بقاء الموظف أو العامل مستمراً في العمل طوال حياته من الماضي.
ان زيادة معدلات انهيار مؤسسة العائلة او الجريمة وانعدام الثقة قد
ارتفعت في المدة الزمنية التي ازدادت فيها أمريكا ودول أوربا ثراء.
التفسير الثاني: الاستقرار والثروة المتنامية، قد يكون حدوث التصدع
العظيم بسبب زيادة الثروة وليس بسبب الفقر وعدم المساواة - كما مرّ- ففي
البلدان التي ازدادت ثراء صاحبها انهيار مؤسسة العائلة وازدياد الجريمة
وانعدام الثقة. وهكذا كانت معدلات الجريمة ترتفع في البلدان الأكثر ثروة
كالولايات المتحدة الأمريكية، وكندا والدول الاسكندينافية مقارنة بالدول
الأقل ثروة كالبرتغال واسبانيا. وتفسير ذلك: ان ارتفاع الدخل يؤدي الى
تفكك وضعف الروابط العائلية وضعف العلاقات الاجتماعية عموماً. ان زيادة
الدخل وزيادة القدرة المالية للأفراد يؤدي الى استغناء الأفراد بعضهم عن
بعض، وذلك لاعتمادهم على أنفسهم. وعلى العكس ان ضعف الحال المادي للأفراد
يؤدي الى عدم التضحية بالآخرين والسعي من اجل ايجاد روابط ايجابية بين
الفرد والآخرين. ان مؤلف هذا الكتاب يميل الى النظرية الأولى، فيرى العكس
ان الذين تغيرت سلوكياتهم سلباً خلال التصدع العظيم، كانوا من أفراد
الطبقة الأقل ثروة.
التفسير الثالث: (السياسات الحكومية الخاطئة)، أدت الى التصدع العظيم او
الخلل الاجتماعي وزيادته والى انهيار مؤسسة العائلة وارتفاع مستوى
الجريمة، فالمحافظون في الحكومات الأمريكية يرون أن ارتفاع الجريمة هو
نتيجة لضعف العقوبات الجنائية وسيادة فكرة «التسامح» اتجاه الجريمة في
الستينات من القرن العشرين. في حين عندما شددت العقوبات في التسعينات
انخفض معدل الجريمة بشكل واضح. وعلى الرغم من ذلك هناك من يخطّئ هذه
النظرية (تشديد العقوبات)، لان رأيهم كما ظهر في نظرياتهم المعاصرة هو أن
الجريمة نتاج لضعف التربية الاجتماعية وضعف التوجه الاجتماعي باتجاه ضبط
النفس، في مراحل الطفولة. وهكذا فان الارتفاع في مستوى الجريمة يتم
تفسيره على ما يتلقاه الأفراد منذ الطفولة من «التربية»، ومن ثمّ يجب
النظر الى مؤسسة العائلة والجيران والمدرسة ودورهم في انخفاض مستوى
الجريمة.
التفسير الرابع: التحولات الثقافية- الحضارية، حدثت تحولات ثقافية كبيرة
في المعايير الاجتماعية أدت الى التصدع العظيم.. وطبعاً هناك جذور لتلك
التحولات. ان المعايير الثقافية والحضارية تحتاج الى وقت طويل اذا ما
قارناها بالتحولات الاقتصادية او السياسية. ان التصدع العظيم قد بدأ منذ
جيلين او ثلاثة أجيال، ثم فجأة ازدادت سرعته، فحدث تحول هائل في قضايا
جوهرية مثل: الزواج والطلاق والإنجاب والسلطة والمجتمع، بالإضافة الى
عوامل أخرى كان لها اثر كبير في حدوث التصدع العظيم.
نتائج التصدع العظيم
انخفاض الخصوبة في الحياة العائلية:
معناها ان عدد الشباب يتناقص بشكل مستمر، وبالمقابل صارت هناك جماعات
اكبر سناً تعيش بالتقاعد، تحتاج الى من ينفق عليها الى آخر عمرها. ان
استمرار انخفاض نسبة إنجاب الأطفال سيجعل أوربا واليابان بعد جيلين نصف
عدد سكانها أعمارهم فوق الخمسين.
ان انخفاض الخصوبة يؤدي الى مشاكل في التماسك الاجتماعي، بسبب إضعاف
علاقات النسب والقرابة كمصدر لرأس المال الاجتماعي. ان احد أسباب ارتفاع
معدلات الطلاق خلال مرحلة التصدع العظيم هو امتداد العمر الذي يؤدي الى
الطلاق، في أحيان كثيرة- إذ أن أكثر الآباء والأمهات عندما يتخلصون من
مسؤولية الأبناء، عند كبرهم، يصبح لا ضرورة للبقاء سوية فيحدث الطلاق من
احدهم. تشير الإحصائيات الى ان الدول الاسكندنافية شهدت تدهورا كبيراً في
العائلة النووية، إذ أن نصف الوحدات السكنية يسكنها أشخاص لوحدهم في بعض
المناطق، لهذا تعمد بعض البلدان الأوربية الى استقطاب الأجانب وتشجيع
الهجرة الى بلدانهم لتعويض سكانها بمواليد جدد.
لقد كان لتصدع العائلة اثر سلبي على رأس المال الاجتماعي، مما ادى الى
الفقر وازدياد نسبة الجريمة وانخفاض الثقة. ان العوائل، في الولايات
المتحدة الأمريكية، في مرحلة التصدع العظيم كانت متصدعة، مشتته، وعلى
الأخص الأطفال، فكثير منهم يعيش في عائلة أحادية الوالدين، او عديمة
الوالدين. ومن الناحية التربوية والنفسية، من الأفضل ان يعيش الطفل في
كنف عائلة تقليدية مكونة من الأبوين.
الجزء الثاني من الكتاب وهو بعنوان: حول أصل القيم
الأخلاقية
يؤكد المؤلف ان نشوء القيم الأخلاقية والروابط الاجتماعية (رأس المال
الاجتماعي) يبدأ من المجتمع نفسه، من الناس، فتتألف وتتكون القيم
بالممارسة، ثم تتأصل وتسود فيما بعد. يأتي بمثال على ذلك: ففي منطقة
قريبة من واشنطن يتجمع كل صباح عدد كبير من الناس ويصطفون في خط مستقيم،
حيث تقف السيارات، كل سيارة يصعد بها شخصان او ثلاثة، دون معرفة هؤلاء
بصاحب السيارة، لإيصالهم الى وسط المدينة واشنطن. ويتكرر المشهد مساءً،
بشكل معكوس، أي العودة بسيارات تحمل أشخاصا غرباء من وسط المدينة
لإيصالهم الى ساحة رئيسية تركوا فيها سياراتهم، التي تقودهم الى بيوتهم.
حدثت هذه الممارسة عام 1973 كإجراء لمواجهة أزمة الطاقة.
أطلق هؤلاء على أنفسهم اسم «الكادحون» فهم في هذا قد أسسوا مجموعة قواعد
سلوك خلال عدة سنوات. غير مسموح للسيارات او الركاب تجاوز الصف، والتدخين
ممنوع، مع تجنب الكلام في الجنس والدين والسياسة. ولم تحدث حوادث إجرامية
سوى حادثتين خلال ثلاثة عشر سنة.
بهذا النظام التعاوني استطاع «الكادحون» خلق رأسمال اجتماعي. والشيء
المهم هو أن هذه الممارسة لم تفرض من اي «سلطة خارجية»، حكومية، او
غيرها، بل انها جاءت من أناس لهم رغبة في التصرف لتنظيم شؤون حياتهم فيما
يتعلق بالوصول الى مقرات عملهم بشكل أسرع.
ان هذه الممارسة عند «الكادحين» تتعلق بقضايا هي: الجريمة، وانهيار
العائلة، والثقة، وهذه الممارسة تعطي رؤية رأس المال الاجتماعي وهو
يتشكل. «ان رأس المال الاجتماعي ليس- كما يتصوره البعض- كنزاً ثقافياً
نادراً ينتقل من جيل الى آخر، ولا هو شيء لا يمكن استرجاعه اذا تعرض
للضياع. بل ان رأس المال الاجتماعي هو شيء يتشكل طيلة الوقت من خلال
الناس وهم يعيشون حياتهم اليومية. لقد قامت المجتمعات التقليدية بإيجاده
في البدء، ثم أصبح يتداوله الأفراد والمنظمات في مجتمع رأس مالي. بل يصبح
رأس المال الاجتماعي اكبر أهمية مع تقدم التكنولوجيا.....». ويشير المؤلف
الى نظريات أخرى تقول بوجود أساس لرأس المال الاجتماعي، كالأساس
البيولوجي، في مسألة (الاتصال الجنسي بالقربى) الذي تحرمه الشرائع. إذ
كان علماء الاجتماع مدة طويلة يؤمنون بأن أساس المعايير والسلوك او
التقاليد الاجتماعية هي سبب هذا التحريم. ان هذه القيم والتقاليد هي التي
وقفت أمام الرغبات الطبيعية لدى الإنسان. فهذا «فرويد» في كتابه «الطوطم
والتحريم» Totem and Taboo يعتقد ان الرغبة في سفاح القربى هي رغبة
إنسانية عميقة، لذلك تطلب السيطرة عليها وكبحها. واعتقد فرويد ان
الحيوانات تمارس الجنس دون تمييز وانها تقدم على مقاربة الأقارب، ومن ثمّ
فان تحريم ممارسة الجنس مع القربى هي من صنع الإنسان وبتوالي العصور
تأصلت وأصبحت من التقاليد التي تناولها الدين بعد ان كانت من صنع الأعراف
او التقاليد.
اما «ميستر مارك» Edward Mester Mark فقد نشر نظرية مضادة تماماً لنظرية
فرويد، إذ يؤكد أن الحيوانات جميعاً والإنسان بضمنها لديها نفور شديد من
مقارنة الأقارب وارتكاب سفاح القربى، وان القيم التي جاءت لتحريم هذا
الفعل جاءت لتعزز هذه النزعة التي هي موجودة أصلا. هذه احدى القيم
الفطرية او الغريزية لدى الحيوان والإنسان والتي نعني بها النفور من
ارتكاب «سفاح القربى».
لدينا، هنا فكرتان الأولى: تقول ان بعض القيم فطرية ولكن المجتمع يكبحها
وبمرور الزمن تصبح محرمة او مرفوضة. والثانية: فطرية ايضاً، ومضادة
للأولى، ترى ان نفور الإنسان غريزي في مقارنة القربى. وبكلمة أخرى،
النظرية الأولى، تقول ان «الرغبة» في سفاح القربى غريزية، والأخرى تقول:
ان «النفور» من ارتكاب سفاح القربى غريزي.
اما ادموند بيرك Admond Barke فيعتقد ان النظم الاجتماعية او السلوك
الأخلاقي لآي مجتمع ينبثق من التجربة والخطأ من خلال النشوء والارتقاء
بالقيم. لذا فان رأس المال الاجتماعي لا ينشأ على أساس عقلاني، فقد كان
الدين والعادات الاجتماعية ما زالت تلعب دوراً مهماً في تشكيل النظم
وصياغتها. ومن الناحية النسبية يرى بيرك ان النظم المختلفة تتجاوب مع
القيم والأخلاق التي تتكيف معها أي المنبثقة من ظروفها هي. وعدّ بيرك أن
«المشروع النهضوي» الذي يحضر القيم والنظم الاجتماعية، كارثة إنسانية،
فالثورة سعت الى استبدال القيم التقليدية بقيم أخرى عقلانية، تفرض على
إفراد المجتمع والالتزام بها. انه يرى ان الحجج العقلية لا تكفي لوضع
حدود أخلاقية تحتاج اليها المجتمعات للمحفاظة على ترابطها. صارت لدينا
فكرتان: الأولى تؤكد على ان رأس المال الاجتماعي فطري غريزي موجود لدى
الإنسان ومن طبيعته. والثانية تقول ان القيم والسلوكيات تنبثق من
الناس(النشوء والارتقاء) وتتطور وتترسخ بمرور الزمن. ومن الواضح ان
المؤلف يميل الى النظرية الثانية.
اما الجزء الثالث من الكتاب فهو بعنوان: هل تستنفد الرأسمالية رأس المال
الاجتماعي؟
هناك من يعتقد ان الرأسمالية تستنفد رأس المال الاجتماعي (مجموعة القيم
والمعايير الأخلاقية) لانها تتعامل في كل شيء على أساس مادي محض، كل شيء
له سعره، هكذا نجد أمريكا الشمالية وأوربا، وهذا يؤدي الى استنزاف او
تناقص الثقة بالمؤسسات وارتفاع مستويات الجريمة، وضعف مستمر في الروابط
العائلية. وعلى ذلك فان الرأسمالية المعاصرة قد وضعت نهايتها وسقوطها
بنفسها.
ان ترك المعايير الأخلاقية لأي مجتمع من المجتمعات يؤدي الى تصدع عظيم.
وقد تخلق المجتمعات رأس المال الاجتماعي، ولكن هذا يشمل أجيالاً متعددة،
إنها في هذه الحال تحطم قيماً ومعايير تعاونية سبقتها، دون ان تحل معايير
وقيماً جديدة لتحل محلها. «ان التصدع العظيم لن يصحح نفسه بشكل
أوتوماتيكي، بل من الضروري ان يدرك الناس ان حياتهم الاجتماعية في تدهور،
وانهم ينحرفون الى تصرفات وسلوكيات تحطم ذواتهم، وبانهم يجب ان يعملوا
بجد لإعادة وضع معايير لمجتمعهم من خلال المناقشات، والحوارات
الثقافية... وتؤكد حقب من الماضي ان إعادة تشكيل وإعادة صياغة المعايير
والقيم أمر ممكن...».
وهناك رأي آخر معاكس للرأي الأول (حول القيم في النظام الرأسمالي)، وهو
رأي مونتسكيو:
يعتقد مونتسكيو ان الرأسمالية لم تقوض القيم الأخلاقية، بل في الحقيقة
انها حسنتها. إذ قال: «... ان التجارة تهذب وتشذب الطرق البربرية، كما
نرى ذلك كل يوم».
والمقصود ان هناك ربطاً بين رجال الإعمال والتجارة، بمعنى ان الشخص يتعلم
كيف يتعامل على أسس أخلاقية مع الآخرين، كيف يكون أمينا وطيب الأخلاق
قولاً وفعلاً من اجل تحقيق النجاح في تجارته... من هنا يأتي أثر «نظرية
اللعبة الاقتصادية»، التي تعني ان البشر كائنات لديها التزامات وروابط مع
بعضها البعض، ولديها حاجات كثيرة، تستطيع ارضاءها بالتعاون مع الآخرين،
فنجد الإنسان يتبادل المعايير والسلوكيات التعاونية مع غيره. لهذا السبب
يتخذ الأشخاص «الإيثار» وحب الغير اسلوباً لهم، لانهم يدركون ان الإيثار
ذو فائدة لهم.
نجد هنا، ان المؤلف يعرض لنا رأيين مختلفين:
الأول: يعتقد ان النظام الرأسمالي يحطم القيم والمعايير الأخلاقية بطبيعة
المادية والأنانية.
الثاني: يرى العكس ان الرأسمالية تدفع الناس لتحسين سلوكهم من اجل كسب
ثقة الآخرين بهم وقبول التعامل معهم تجارياً.
إن التصدع العظيم الذي حصل في القيم الأخلاقية، كالروابط العائلية وضعف
الثقة بين أفراد المجتمع ومؤسساته، الذي أحدثته مرحلة النهضة والتنوير،
او فقدان الشعور الديني، لا يعد شيئاً مسلماً به بوصفه تراجعاً مستمراً
بالقيم. التصدع العظيم نتج من التحول من الاقتصاد الصناعي الى اقتصاد (ما
بعد الصناعي) المعلوماتي.. وبالرغم من التناقص في رأس المال الاجتماعي،
إلا انه ازداد في حقب تاريخية معينة، اي هناك مراحل تشير إلى انخفاض معدل
الجريمة. ان معدل جرائم القتل كانت في القرن الثالث عشر في انجلترا ثلاثة
إضعاف معدلها في القرن السابع عشر، وكانت نسبتها في القرن السابع عشر
ثلاثة اضعاف عما هي عليه في القرن التاسع عشر.
ويسأل فوكوياما: هل يمكن ان يحدث الآن تطور في رأس المال الاجتماعي بعد
حدوث التصدع العظيم؟
يرى ان عملية إعادة وضع القيم قد بدأ بالفعل، فقد تباطأت معدلات زيادة
الجريمة، وهذا يثبت ان التصدع العظيم قد استنفد مسيرته.
وما يدل على ذلك، هو تضاؤل نسب الطلاق والأطفال غير الشرعيين، وعلى الأخص
في التسعينات التي كانت تعاني من انفجار في الفوضى الاجتماعية. ففي
الولايات المتحدة الأمريكية انخفضت معدلات الجريمة أكثر من 15% عما كانت
عليه في الثمانينات من القرن الفائت. وتوقفت زيادة نسبة مواليد الأمهات
غير المتزوجات. وقد ارتفعت ايضاً معدلات الثقة بين المؤسسات عما كانت
عليه في التسعينات. واليوم أدركت جميع الأطراف أهمية البناء العائلي
والقيم الأسرية، ودورها في تحديد النتائج الاجتماعية.
ان إعادة تشكيل النظام الاجتماعي يحتاج الى التعاون بين الأفراد
والحكومات. فالحكومة تمتلك الشرطة، وتقوم بتعزيز التعليم.
يرجح الكاتب أننا سنشهد تغيرات دراماتيكية في مستويات الجريمة والثقة.
اما مستويات المعايير الخاصة بالجنس والانجاب والحياة العائلية فستشهد
تغيرات اقل. وفي الولايات المتحدة الأمريكية التي تتم الممارسات الجنسية
فيها بصورة غير منضبطة، والتي تؤدي إلى الحمل، وولادة أطفال خارج رباط
الزوجية، فالمشكلة الأولى قد حلتها أساليب منع الحمل، والثانية، هو ما
تفرضه الدولة من إعانات للأمهات بلا أزواج.
وعلى أية حال، سوف يحدث تكيف ثقافي مختلف يجعل مجتمع (عصر المعلوماتية)
مجتمعاً يرحب بالأطفال. والشيء الذي يبشر بالايجابية هو ان عصر
المعلوماتية سيجمع شمل العائلة، لانه سيجعل مكان العمل في البيت كما كان
في عصر الزراعة. وان تحول مكان العمل الى البيت يكون أكثر ملائمة للطبيعة
الإنسانية.
وأخيرا فان الرأسمال الاجتماعي ليس سلعة تباع وتشترى مثل السلع المنتجة.
وهي لا تتعرض للاستنزاف في الوقت الحالي، بل ان القيم والمعايير
الأخلاقية متجددة ومستمرة وهي ليست عملية سهلة او منخفضة التكاليف، ان
الاختراعات التي تعمل على زيادة الإنتاجية، او قيام صناعة جديدة، تؤثر في
كيان المجموعة البشرية، وفي طريقة حياتها وقيمها التي كانت سائدة.
ان المجتمعات التي نالت التقدم اقتصادياً وصناعياً تسعى دائما للبحث عن
قيم ومعايير جديدة تتناسب مع الظروف الجديدة التي توفي متطلباتها.
والحقيقة ان الناس قادرين على التكيف الاجتماعي مع جميع الظروف المتغيرة.
ولا بد من الإشارة الى ان سرعة التغيرات التكنولوجية او العلمية، تتجاوز
وتتفوق على سرعة التكيف الاجتماعي، اي ان الاختراعات وتقدم الصناعة تنمو
بشكل سريع قياساً مع نمو وتقدم القيم والمعايير الأخلاقية، اما اذا لم
يستطع رأس المال الاجتماعي مواكبة التقدم الصناعي فان المجتمع يدفع الثمن
باهظاً.
يبدو واضحاً ان هناك عمليتين مختلفتين في سرعة التحقق. ففي المجال
السياسي نجد ان التاريخ تقدمياً، فقد تجسد في القرن العشرين في
الديمقراطية الليبرالية، بوصفها النظام الشرعي الوحيد الذي يصلح
للمجتمعات التكنولوجية المتقدمة. لكن يظهر ان التاريخ يسير بشكل (دائري)،
ليس سريعاً في تقدمه. إلا ان السبب الوحيد الذي يجعلنا لا نفقد الأمل هو
القدرة الإنسانية وقابليتها على إعادة تشكيل وبناء النظام الاجتماعي.
الخاتمة
ان هذا الكتاب يحوي أفكارا عن القيم الأخلاقية السائدة في المجتمعات
الغربية وأمريكا واليابان، وهي تعاني من الاضطراب بسبب «صدمة» التقدم
العلمي الفائق وما افرزه من قيم جديدة.
ان الاطلاع على أفكار هذا الكتاب يعطينا العبرة والحذر والاستعداد
والاستفادة من التجربة التي مرت بها تلك المجتمعات، لكي نقلل من المعاناة
لمرحلة التحول التي سوف يمر بها مجتمعنا، وما يطرأ عليه من قيم جديدة
نتيجة الاحتكاك بقيم الدول المتحضرة، والأخذ بأسباب العلوم والتكنولوجيا
وما يسمى بالموجة الحضارية الثالثة.
ان اي تطور في العلوم والصناعة وما بعد عصر الصناعة (عصر المعلومات)
ينعكس على قيم المجتمع وأخلاقه، فيحدث تخلخل في تلك القيم وينتج عنه
الاضطراب الاجتماعي والنفسي. وبطبيعة الحال ستبرز قيم أخلاقية جديدة
تتلاءم مع مرحلة التقدم العلمي والتقني، إلا ان ذلك يتطلب ثمناً غالياً.
نحن مقبلون على الحداثة وما بعد الحداثة اي ثقافة ليس لنا خيار فيها،
فاما ان نعيش عصرنا وننسجم مع ثقافته او ننتهي نهاية الهنود الحمر. فهناك
تحول للثقافة يفرض نفسه، من ثقافة تقليدية تعبر عن قيم تلائم ظروف
المجتمع في الزمن الماضي، الى قيم جديدة تلائم مرحلة الحداثة وعصر
المعلومات. انه تحدٍّ تاريخي لنا، ومن الخطأ القاتل التخندق وراء قيم
قديمة بالية بحجة المحفاظة على الهوية... أصبحت المعرفة معرفة تقنية
وعلوم إنسانية. وعندما تصطدم القيم القديمة بالحداثة فانها تولد تمزقات
ذات نتائج مدمرة للمجتمع داخل الأسرة والعلاقات الاجتماعية عموماً.
لهذا يجب الاستعداد لتقبل القيم التي تنسجم مع التطورات العلمية الجديدة
مع التمسك ببعض القيم الايجابية الموروثة.
ان صانعي الحداثة ومبدعيها الأوربيين، عانوا من مرحلة التحول، من تخلخل،
في قيمهم الاخلاقية، بالرغم من ان الحداثة نبتت في مجتمعاتهم إلا ان
«التصدعات» في القيم كانت مؤثرة سلباً عليهم، وانهم يدفعون الثمن غالياً
في تفكك الأسرة والجريمة والانتحار.... الخ. واذا كان المجتمع الأوربي
يعاني من «الصدمة» صدمة الحداثة وعصر المعلومات، في الوقت الذي فيه نشأت
(الحداثة وما بعدها) طبيعياً في أرضهم، فكيف ومجتمعاتنا التي تستورد
العلم والتقنيات وكل منتجات الحداثة من الخارج، وهي لم تساهم في أي تطور
علمي معاصر. نقول كيف سيكون وقع «الصدمة» او التصدع على مجتمعاتنا من حيث
القيم الأخلاقية والايديولوجية وتأثيراتها.
|
|
|