الحضارية «رحلة في كتاب»

الاثنين: 08/09/2008

 

التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات

أسم الكتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات
أسم المؤلف: ماجد الغرباوي
إصدار: معهد الأبحاث والتنمية الحضارية
قراءة: صادق الروازق(*)
(خاص للمعهد)

مما لاشك فيه أن مفردة التسامح تحمل الشيء الكثير من الرقة واللطف، مفردة فيها روح الطمأنينة والاستقرار، وأصل من أصول التعايش بين الإنسان وأخيه الإنسان، مفردة تفتح آفاق كثيرة وكبيرة للتعايش بين الأديان والثقافات، فهي بمضمونها تعني الرحمة، تلك المفردة ومشتقاتها التي تكررت في القرآن الكريم أكثر من«330» مرة، غير ذكرها في البسملة «114» مرة، فهي حقاً ظاهرة دلالية تستحق العناية والتدبر، حتى وصف القرآن الكريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه الرحمة الشاملة لكل البشرية: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
ومما لاريب فيه ان الرحمة هي بالضد من الكراهية والإكراه، فالرحمة تستلزم الحب والسلام والأخوة والرأفة والعطف العدل والاحسان، فيما الكراهية تستلزم النقمة والعدوان والبغض والأحقاد وسفك الدماء.
فالكتاب بمجمل عناوينه يبحث عن سُبل العلاج لما مرّ بالعراق من واقع مأساوي طغت فيه ثقافة العنف مدّعمة بثقافة تكفيرية وفق اجتهادات دينية مبتسرة لا تنم عن حقيقة الدين ولا عن تشريعاته السمحة، فالتفكيريون من أصحاب الفتاوى الدموية ركـّزوا على أغلب الآيات القتالية المنسوخة التي احتكمت بظروف معينة وخاصة من مسار الرسالة، فمثلاً ـ وكما يقول المؤلف ـ مسألة قتال المشركين كافة الشاملة لأهل الكتاب، كما في آية: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)(1)، فهي مختصة بالمشرك الحربي، وليس لها إطلاق يقتضي التعامل على اساسها في كل زمان ومع أي شخص، سيما وأن هذه الآية تحد من ثبوت إطلاقها آية أخرى كما في قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(2).
فيصبح الحكم فيها بالمحارب دون غيره. فضلاً عما ذهب إليه بعض الفقهاء من قولهم انها: تخص مشركي مكة الذين حاربوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصبوا للإسلام العداء.
فالحكم في الآية مأخوذ ـ كما يعبر الأصوليون ـ على نحو القضية الخارجية، أي ان موضوعها عدد أو مجموعة محددة من المشركين، وهم مشركو مكة المحاربون في زمن الرسالة، ولا يتعدى الحكم في هذه الآية إلى غيرهم.
فيصبح حينذاك قراءة هذه الآية وأمثالها ـ التي اختصت بمرحلة معينة أي كقضية خارجية، عند انصاف الفقهاء والفقهاء المتطرفين ـ منبعاً من منابع التطرف الديني الذي يقود الأمم والمجتمعات إلى الدمار والفناء. والأنكى ان هذا التطرف وبعد أن يتلبسه البـُعد الشرعي يكون من السهولة تصديقه من قبل الناس، فينضوي متستراً تحت غطاء الشرعية والواجب المقدس، والجهاد، والعمل بالمعروف والنهي عن المنكر، فيصبح تكليفاً شرعياً!! من الصعب على الناس حل مكامن لغزه، ويصبح آنذاك بحاجة حقيقية إلى وعي يـُعري طبيعته المزيفة. ولم يكن هذا الوعي من ميزة عوام الناس وانما من ميزة العلماء والفقهاء الشجعان الذين يقفون بالضد من كل ما هو مبتسر ومزيف، فهم وحدهم ـ العلماء ـ الذين يفقهون أساليب الخطاب وطريقة توظيف الآيات، وهو وحدهم الذين يميّزون بدقة بين الأحايث والروايات الصحيحة والموضوعة، وما هو عام في النص (مطلق النص) وما هو خاص، وأيهما مـُقيد وايهما مخصص، وبشكل عام: فالتطرف الديني لا يعدوا كونه قراءة متحيزة للدين، وقراءة مجتزئة للنصوص.
وأمام هذه الحالة الخطيرة يؤكد المؤلف على مسألة تعدد القراءات كواقع يدعمه أمران:
الأول: تعدد التفاسير رغم وحدة النص الديني.
والثاني: تعدد الرأي الفقهي واختلاف فتاوى الفقهاء رغم وحدة المرجعيات (القرآن، السنة) ويظهر من ذلك بالطبع التباين الواضح بين التطرف والتسامح.
إلا أن المؤلف يؤكد أن التطرف هو أزمة منشأها بساطة الوعي وضحالته واختلاله، وعدم القدرة على فهم النص والتمسك بظاهره، رغم وجود المتشابه فيها، مع ان الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين برد المتشابه إلى المحكمات من الآيات: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(3).
وأول من تطرف في تاريخ الإسلام هم الخوارج الذين تمردوا على الامام علي (عليه السلام) وفق قراءتهم اللاوعية للنص، وصاغوا منظومة من المفاهيم تتنافى مع العقل والاجتهاد والتدبر.
منابع اللاتسامح
ينبع اللاتسامح كما يعتقد المؤلف، من أسباب خطيرة جداً هي في صميم بحثه، ذكر بعضاً منها وترك أسباباً أخرى إلى فرصة أخرى على أمل تناولها بشكل مفصل، ومنها بالأخص:
1ـ حديث الفرقة الناجية: «ستفترق أمتي على نيف و سبعين فرقة، الناجية منها واحدة» يقول المؤلف: لعب هذا الحديث دوراً خطيراً في تقطيع أوصال الأمة الإسلامية وتفتيت مقوماتها. وهو الأساس المعرفي في التناحر والصراع بين الفرق والمذاهب. باعتبار الفرق غير الناجية فرق ضالة ومحرفة، فيجب قتالها.
ولما كانت كل فرقة تعتقد انها مصداقاً لهذا الحديث فهي بالتالي مخولة بقتال الفرق الضالة بموجب آيات وأحاديث أخرى.. مع ان هذا الحديث لم يرد في المجاميع الحديثية المعتبرة، ولم تحز أي من رواياته على شروط الصحة المعتبرة في الصحاح من كتب الحديث النبوي الشريف. لكن ـ وكما يقول المؤلف ـ نجد كلّ فرقة من الفرق الإسلامية تتشبث بهذا الحديث، لتؤكد تفوقها على الفرق الأخرى، ونجاتها يوم القيامة. وبالتالي هلاك جميع الفرق التي سيكون مصيرها النار، وفق منطوق هذه الرواية.
أما الصيغة العلمية في التعامل مع هذا الحديث ـ وكما يقول المؤلف ـ فهي في الرجوع إلى علمي الرواية والدراية ومن ثم اعلان نتائج البحث أمام الملأ. فمثل هكذا قرار عملي هو مسؤولية تأريخية تحصن ثقافتنا من تسرب النصوص الموضوعة. رغم أن الخلاف بحد ذاته قد أقرّه القرآن الكريم )وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)(4) بيد أن على الإنسان أن يجد صبغاً للتفاهم مع الآخر.
2ـ خطاب الحركات الإسلامية:
مما لاشك فيه ان خطاب بعض الحركات الإسلامية ينضوي على كثير من التطرف وإلغاء الآخر، بل تكتمل فيه نظرة التعالي على الآخر بشكل سافر واضح، فهي لا ترى في المجتمع إلا ضالاً تجب هدايته، وعاصياً تجب معاقبته، وفاسداً ينبغي إصلاحه، فمثل هكذا نظرة متعالية تصبح بؤرة خطرة للتنافر والصراع وعدم التسامح. فالمؤلف نفسه يقول: فهكذا خطاب ليس أقل خطراً من حديث الفرقة الناجية إن لم يكن أشدُ خطراً، لتعدد أساليبه ووفرة خزينه، وارتكازه على قراءات احادية ومجتزئة، أفضت إلى تصورات ظلامية، لا إنسانية، شكلت خطراً كبيراً على مستقبل الرسالة ومصداقية الدين الحنيف.
فالحركات الإسلامية وكما يقول المؤلف ـ بالعموم ـ تنظر إلى المجتمع نظرة سلبية تتراوح بين الانحراف والجاهلية مروراً بالفسق والضلال والعصيان والفساد والانحطاط، وهذه النظرة السلبية كانت وما تزال المسوغ لعمل الحركات الإسلامية داخل المجتمع(5) فأمام هكذا حاكمية باسم الإسلام، لا ندري كيف سيكون حال المجتمع المتعدد الأفكار والايديولوجيات والمذاهب كما هو اليوم مجتمع العراق؟
فالمؤلف لا يجد وسيلة للتعايش أمام هكذا واقع إلا بالاحتكام للنص القرآني: «لا إكراه في الدين» وقوله سبحانه: «لست عليهم بوكيل» ما دام الآخر لا يؤثر سلباً على أمن المجتمع. وإذا كان بعض أفراد المجتمع عصاة بغاة خارجين على قانون السماء يستحقون العقوبة والعذاب، فان الداعية لا يشعر تجاههم بأي ودّ أو احترام ولا يمكن التعامل معهم إلا وفق منطق الأبوة والولاية والفوقية.
ويخلص المؤلف في قوله: إن الحركات القائمة على فكر الشهيد السيد قطب لاشك إنها تحكم بضلال المجتمع والذي يعتبره قطب مجتمعا جاهلياً ينبغي التعامل معه على هذا الأساس، وكما يقول الشيخ يوسف القرضاوي في قراءة لسيد قطب، ان الاخير ركن إلى فكرة التكفير والتوسع فيه، فهو يعتقد ان المجتمعات كلها قد أصبحت جاهلية لا بالعمل والسلوك فقط، وإنما (جاهلية العقيدة) «إنها الشرك والكفر بالله حيث لم ترض بحاكميته تعالى وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي العراق... ـ في مرحلة من مراحله ـ لا يمكن لنا غض الطرف عن واقع الحركات الإسلامية (سنة وشيعة) آخذةً بأفكار سيد قطب مع ما اتضحت منها نظرتها الفوقية في إطار تعاملها الحزبي والفئوي، والأبلغ في القول؛ ممارساتها التي يستشفُ منها «إن لم تكن معي فأنت ضدي»!!
وكان الأجدر بالمؤلف وهو يضع خطاب الحركات الاسلامية كمنبع من منابع اللاتسامح ان يغور في عمق المصاديق، لا أن يقتصر بنقده على عموميات متعارفة باتت من أوضح الواضحات عند عوام الناس في العراق.
3ـ فتاوى التكفير، وخطب التحريض:
لعبت هذه الفتاوى ومعها خُطب صلاة الجمعة دوراً كبيراً في التحريض على الكراهية والقتل، وراح ضحيتها الكثير من الأبرياء المدنيين والأطفال مع هجرة جماعية من أغلب مناطق بغداد، والعاصمة، فصودرت أموالهم، واستبيحت دماؤهم، واستبد القتال الطائفي على الظن والتهمة والهوية.
ولكن يبقى التساؤل، من أين استنبطوا هذه الفتاوى وهذا الخطاب التحريضي؟ وعلى ما يبدو أن المشكلة ـ وكما يقول المؤلف ـ تكمن في فهم النص وتحديد الثابت والمتغير من الدين، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، سيما وأن هناك من نسخ الكثير من آيات المودة والرحمة بآيات آمرة بقتال الكفار والمشركين، حتى ان ابن حزم الاندلسي يرى أن آية (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)( (6يقول قد نسخت «47» مورداً من آيات الكتاب فيها إشارة إلى الرحمة والمودة والعفو والتسامح وعدم الإكراه(7). كما ويعتقد الأندلسي ان «40» سورة دخلها النسخ، و«25» دخلها الناسخ والمنسوخ، و«43» فقط لم يدخلها النسخ! اذن وكما يقول المؤلف: لا غرابة ان ترتكز فتاوى التكفير وخطب التحريض على هذا القسم من الآيات بينما تتجاهل الآيات الأخرى ولا تدخلها في عملية استنباط الأحكام الشرعية. فالنسخ موجود كما في آية النجوى (سورة المجادلة، الآيتان (12و13)) ولكن ليس النسخ بهذه الكثافة التي لازال بعض الفقهاء يصرّ عليها ويعتبرها ركيزة أساسية في فهم القرآن الكريم وآياته البينات، وعلى أساسها يفتي بقتال كلّ المخالفين عقيدة وديناً، ويحرض ضد الآخر وحقه في اعتناق عقيدته وممارسة شعائره. فهذا التكريس بالنسخ لا ندري هل هو يمثل اسقاطات فهم الرواة والمحدّثين والفقهاء والمفكرين المسلمين، أم أنه يمثل مشروع سلطاني لتكريس الحروب والقتال؟
فهذا التكريس هو أحد منابع اللاتسامح والذي لا ينسجم مع روح الشريعة الاسلامية وبـُعدها الإنساني، المتمثل بقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(8).
بعد ذلك يغور المؤلف في البحث عن منابع التسامح والسلام والعفو والصفح والمغفرة والاحسان والتجاوز والعدل، فلابد لهذه القيم من إطار فكري عملي يستوعبها للحد من إيقاف نزيف الدم والبغض والكراهية التي خلقتها منابع اللاتسامح داخل كيان المجتمع، فينتهي المؤلف إلى معالجة واقعية بعد أن يضع رسماً لإطار قيم التسامح متمثلة بـ :
1 ـ حقوق المواطنة.
2 ـ سيادة القانون.
3 ـ إعادة تشكيل قيم التفاضل.
ففي الأولى «حقوق المواطنة» لابد أن يكون الولاء أولاً إلى الوطن، لأن الوطن واحد ثابت لا تغير فيه؛ بقعة مكانية تجتمع عليها كلّ القوميات والمذاهب والايديولوجيات المتعددة والمختلفة، ثم ان الوطن هو التأريخ لهذه الجماعات، فلابد ان تكون المواطنة قبل الدين وقبل كل شيء. فإيقاف الصراعات والتناحرات ضرورة أولية للحفاظ على الوطن روحاً ومعنى للحد من دخول الطامعين فيه، فيصبح الوطن مساحة لقبول التعايش مع الآخر وبالتأكيد ان للكل حقة في الوطن، فقبول الأخر. هو الاعتراف بالأمر الواقع المعاش وأما الاعتراف به كآخر مختلف فهذه مرحلة أخرى تتطلب تجريد الانسان من نوازع التعالي الناشئ من عقيدة التفوق العنصري والاجتماعي والديني والمذهبي والثقافي.
وفي الثانية (سيادة القانون) القانون يمثل قوة ردع عالية بوجه اصحاب الصراعات والتناحرات، ثم أن سيادة القانون تـُعيّن الحقوق وتفرض الواجبات، وحينها تصبح حقوق المواطنة إحدى القضايا التي تتوقف فاعليتها على وجود قانون متماسك وفاعل، وبذا يصبح القانون هو المسيطر المتحكم في قمع أي فقاعة طائفية أو عنصرية أو دينية في مهدها ولا يسمح باتساع دائرتها.
وأما الثالثة (إعادة تشكل قيم التفاضل): والمطلوب فيها ان تكون الجنبة الإنسانية هي المعيار الأول والقيم الفضلى بين باقي القيم التي تتصدرها القوميات المختلفة والاحزاب المختلفة والطوائف المختلفة، لأن مجتمعاً مثل العراق وبتعدد تكويناته، انتج تعدداً في القيم، بيد ان الفاضل في هذه القيم هو القيمة الإنسانية، التي تشكل الجامع لهذا التعدد الديني والقومي، فعلي (عليه السلام) أكد هذا المعنى في قوله «إما أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق» والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أول من مارس عملياً تلك الجنبة الإنسانية. فعن جابر بن عبد الله قال: مرت بنا جنازة، فقام النبي وقمنا، فقلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودي، فقال: «أوليست نفساً؟ إذ رأيتم الجنازة فقوموا»(9).
وفي خاتمة البحث يترك المؤلف نصوصاً قرآنية تشكل قيمة عليا للتسامح والاخاء والمحبة والوئام والعفو والرحمة والمغفرة، نصوصاً تخلق الحب والسلام في المجتمع، إلا إنها خضعت لعمليات نسخ قسري أراد لآيات القتال والحروب «الاستثنائية» أن تكون هي مادة القرآن الكريم لوحدها!! فأفرد المؤلف عنواناً مثيراً موسوماً «نصوص غيّبها النسخ» وعددها «61» آية، منها:
1 ـ (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(10).
2 ـ (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ)(11).
3 ـ (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(12).
4 ـ (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(13).
5 ـ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)(14).
6 ـ (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)(15).
فالدراسة هذه، جاءت وفق مرحلة أزمة، وعبرت عن الضمير الوطني الإنساني لدى المؤلف، ومن ساهم في نشرها مع تقديم قيم ولائق ينم عن همة ومسؤولية اتضحت في ثنايا أسطر ما كتبه الأستاذ صائب عبد الحميد فضلاً عن انسجام هذه الدراسة مع تطلعات كاتب السطور، وما يطمح له العراقيون جميعاً من وطن واحدٍ وشعب متحابٍ متآخي بين أفراده كـُرداً وعرباً وسنة وشيعة ومسيحاً ويهوداً وآشورين وغيرهم في إطار موزائيكية قيم عراقية أصيلة. فهي بلورت نسق قيمي جديد لمفهوم اسلامي عريق أكدته نصوص الكتاب وعضدته السيرة الصحيحة، وارتكز إليه المسلمون في عهدهم الأول.

الهوامش
ـــــــــ

(*) كاتب وباحث من العراق
(1) سورة التوبة، الآية: 36.
(2) سورة الممتحنة، الآيتان: 8و9.
(3) سورة آل عمران، الآية: 7.
(4) سورة هود، الآية: 118.
(5) قضى المؤلف أكثر من ربع قرن عاملاً في الحركات الإسلامية العراقية.
(6) سورة التوبة، الآية 5.
(7) ابن حزم الأندلسي، الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، تحقيق: د.عبد الغفارسليمان البنداري، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1406هـ ـ 1986م: 10.
(8) سورة آل عمران، الآية: 159.
(9) الذكرى، الشهيد الأول: 53.
(10) سورة البقرة، الآية: 62.
(11) سورة البقرة، الآية: 83.
(12) سورة البقرة، الآية: 109.
(13) سورة البقرة، الآية: 192.
(14) سورة البقرة، الآية: 256.
(15) سورة آل عمران، الآية: 20.