|
الاحد: 06/07/2008
مفهوم العقلانية عند الالوسي
(قراءة في كتابه حول العقل والعقلانية)
د. علي عبد
الهادي المرهج(*)
(خاص للمعهد)
حسام محي الدين الآلوسي احد
اهم الأسماء الفكرية في الثقافة الفلسفية العربية المعاصرة، ومن الذين
انشغلوا في كيفية النهوض بالعقل العربي وتجاوز المجتمع العربي لاشكالية
التخلف وذلك عبر معالجات أصيلة ونقدية للكثير من الطروحات الفلسفية سواء
في التراث الفلسفي العربي والاسلامي، او في الفكر العربي المعاصر ومحاولة
تصحيح مسار الفهم للكثير من القضايا الاشكالية في الفلسفة الاسلامية مثل
الفيض وشيئية المعدوم في كتابه (دراسات في الفكر الفلسفي الاسلامي) او
التصدي لآراء المفكرين الغربيين الذين يقولون بابداع العقل اليوناني
للفلسفة في كتابيه (من الميثولوجيا الى الفلسفة) و (الفلسفة اليونانية
قبل ارسطو) وحتى في كتابه (الفلسفة والانسان) فضلا عن محاولته التأصيلية
لتثبيت القول بابداع العقل العربي الاسلامي في مقابل العقل اليوناني وان
الفلسفة العربية لم تكن «فلسفة يونانية بلغة عربية» كما ذهب الى ذلك
رينان في كتابه (ابن رشد)، فالفلسفة بوصفها رؤية شمولية للكون والعالم
والحياة لا تخص مجتمعاً بعينه بل من اهم صفاتها هي العالمية، وهذا لا
يعني بطبيعة الحال ان الفلسفة في بلاد المسلمين او في بلاد اليونان تفقد
خصوصيتها المكانية او الثقافية ولكنها ايضا ليست ايدولوجية حزبية، بل حرة
الحركة تتحرك من جميع الجهات الى جميع الجهات ولا تنغلق على نفسها.
حاول الآلوسي وبشكل مستمر ان يؤكد انتماءه الى الفلسفة، اي الى العقل
الانساني بوصفه طاقة ابداعية خلاقة لا توقفه مسلمات، العقل الذي دائما
يتصدى لكل العوائق امام حريته لاسيما سطوة المقدس التي هيمنت بالتحديد
على ثقافتنا العربية والاسلامية والتي حاول الفقهاء والسلاطين ان يتخذوها
غطاء لكبح الابداع امام العقل العربي، لكن هذا العقل وعلى الرغم من كل
النقود الموجهة اليه وتوصيفه بانه عقل غيبي سحري غنوصي باطني، الا انه
برأي الآلوسي استطاع ان يتخلص من سطوة النص المفارق ومحاولة انسنته، والا
كيف بقى النص المقدس فاعلا اذا لم يكن العقل الاسلامي يمارس فاعليته
فيستنهض الديني لكي يكون مؤيدا ومساندا للإرادة الانسانية (الدنيوي).
ان العقلانية التي دعى اليها الآلوسي ليست عقلانية مجردة او مطلقة بل هي
كما يقول «عقلانية معاشة ومكونة تأريخيا»(1) تكاملية تتخذ من المنهج
التاريخي الجدلي طريقا لفهم الخطاب الإنساني ولاسيما الخطاب الفلسفي
بوصفه جزءا داخل هذا الكل ولا يمكن معرفة هذا الجزء من دون الاحاطة
بالعلاقات المتبادلة بين الطبقات الاجتماعية أو معرفة مستوى تطور العلوم
لاسيما العلوم الطبيعية، غير مستبعدٍ بطبيعة الحال تناول الاحتياط
المتراكم من التصورات الفلسفية والمواد الفكرية أو الجو الروحي والفكري
لذلك الخطاب، فالفلسفة كما يقول هي «نظام لأكثر المفاهيم شمولا عن العالم
وعلاقة الانسان بهذا العالم وتعبر عن مصالح الفئات والطبقات
الاجتماعية»(2).
ومن خلال دراسته للفلسفة الاسلامية وفي ضوء هذا المنهج وجدناه ينظر الى
العقلانية العربية بانها عقلانية مختلفة عن الدين في المنهج وان كانت
تشترك معه احيانا كثيرة في وحدة الموضوع، إذ يمكن وصفها (عقلانية
لاهوتية) وهي تختلف عن العقلانية اليونانية لان الاخيرة «لا توجد فيها
مشكلة نص مقدس ولا توجد مشكلة توفيق (بين الفلسفة والشريعة) ولا مشكلة
صراع بين العقل والنقل، فالانسان وحده يشرع لنفسه في كل مجالات الحياة
والفكر»(3).
لذلك حاول الآلوسي متفقا مع فؤاد زكريا ان يضع مجموعة محددات للتمييز بين
منهج التفكير الفلسفي ومنهج التفكير الديني، وهذه الفروقات تنطبق في
الوقت نفسه على الفرق بين منهج التفكير عند الفلاسفة المسلمين والفقهاء
والمتكلمين،إذ ان منهج التفكير الفلسفي منهج نقدي والى حدود كبيرة شكي
بينما منهج التفكير الديني منهج إيماني، ان الفلسفة تناقش المسلمات كافة
ولا تعترف الا بما يصمد باختبار المنطق الدقيق، في حين ان مبدأ التسليم
ذاته هو الأساس في الفكر الديني كما ان المنهج الفلسفي يسير في طريق
التشكيك والتدقيق الى نهايته بينما يرتكز التفكير الديني على القبول
والتصديق.
العقل عند الفيلسوف يريد ان يناقش كل شيء في حين ان رجل الدين حتى لو
اعترف بمبدأ المناقشة لا يسمح لهذه المناقشة الا في حدود معينة وتقف امام
المعتقدات الاساسية. الفلسفة بشرية المصدر بينما الديني السماوي على
الاقل وحي الهي، كما ان الدين يقوم على اساس فكرة الحقيقة المطلقة
الواحدة، فهو وحده يملك الحقيقة وحتى الاديان الآخرى التي تشاركه هي
خطوات ناقصة او مغيرة او مبدلة، او انها لا تعبر عن المطلوب كما يجب،
بينما تفترض الفلسفة تعدد الاراء وتقبل الرأي والمناقشة وترى في ذلك
اثراء للعقل واقترابا من الحقيقة، بينما يرى الدين في الرأي الآخر
المخالف زندقة وكفرا ومروقا، المناقشة في الدين تكون في الفروع وليس في
الاصول فالمناقشة فيها تعد كفرا. الخطاب الفلسفي (لوغوس ذاته) حتى يمكن
القول انه يبدا بلا مسلمات ووسيلة الفيلسوف هي العقل لا النص الديني او
الوحي كما هو الحال مع المفكر الديني الذي ينطلق من النص بوصفه حقيقة
نهائية بينما الفلسفة هي بحث عن الحقيقة اما في الدين فالحقيقة موجودة
سلفاً، كذلك يمكن القول ان الفكر الفلسفي فكر تاريخي، متفاعل تفاعلا
حتميا مع التأريخ سواء أتقدم عليه او عاصره او لحق به، اما التوجه الديني
فهو في الغالب خارج التاريخ والزمان ذلك انه يستند على الوحي ويلغي مبدأ
اعادة الصياغة والبناء والتفاعل التاريخي في اسسه الكبرى وعقائده(4).
أسباب غياب العقل الفلسفي في المجتمع العربي:
وضع لنا الدكتور الآلوسي وعبر عديد كتاباته مجموعة من الاسباب التي يعتقد
بانها كانت السبب في غياب التفلسف بوصفه فاعلية ثقافية حاضرة في المجتمع
العربي و الاسلامي وهذه الاسباب منها ما هو نابع من طبيعة الفكر الفلسفي
نفسه وماهو من خارجه وهي كالاتي:
1- غلبة اهل الحديث والفقهاء والمفسرين واهل اللغة وعلومها والقصاصين.
2- معارضة الفقهاء واهل الحديث للفلسفة وتأييد الجمهور لهم واستمرار
دعوات التحريم للفكر الفلسفي.
3- حجب متعاطي الفلسفة لعلومهم عن الناس تحت مقولة «المظنون به على غير
اهله» ومن ثم تقسيمهم الناس الى عامة (خطابيين)، ووسط (جدليين)، وخاصة (برهانيين)،
وهم الفلاسفة(5).
4- لغة الخطاب الفلسفي كونها لغة اصطلاحية تميل الى التعقيد لا يستطيع
اغلب الناس فهمها، فضلا عن طبيعة الفلسفة وطبيعة وظيفتها «التي هي نوع من
البناء المعرفي والايدلوجي الفوقي»(6) .
5- ابتعاد الفلسفة عن معالجة المشاكل السياسية والاجتماعية والقيمية
وقصورها عن نقد ما هو سائد وانحيازها للفكر التأملي بحيث اصبحت الفلسفة
كلاما على كلامنا عن العالم على حد قول (جلبرت رايل)(7).
6- عدم توفر الحرية الكاملة للفلاسفة للتعبير عن آرائهم، فتبقى مائعة لا
تسترعي الانتباه نتيجة لاسباب عديدة منها القهر السياسي والقهر الاجتماعي
والقهر القيمي(8).
7- اهتمامها بالجدل اللفظي المنطقي واهمالها لمشاكل الانسان الواقعية(9).
8- العناية بالتاليف اكثر من العناية بالترجمة خلافا لتراثنا الاسلامي،
تلك الترجمة التي ساعدتهم في الابتكار الفلسفي(10).
وهناك باعتقادي سبب اخرى لم يذكر بشكل واضح عند الآلوسي ولكن يمكن
استنتاجه من مجموع كتاباته وهو هيمنة الثقافة الغربية (الآخر) بوصفها
ثقافة مركز وقبول (الآنا) ان يكون هامشا ويعيش عالة ثقافية على اكتاف هذه
الثقافة مقلدا وتابعا ومستنسخا من دون ان يجعل من هذا التقليد خطوة اولى
للابتكار الفلسفي.
هل هناك فلسفة عربية معاصرة؟
هذا سؤال طالما حاول الآلوسي في جل كتاباته الاجابة عليه، ولتجاوز هذا
السؤال الاشكالي نجد الآلوسي يعتقد ان المشكلة هي كامنة بطبيعة طرح
السؤال، بمعنى ان السؤال له حمولة ايدلوجية تنطوي على الاعتراف ظمنا
بغياب الفلسفة العربية، فكانت الاجابة عند الآلوسي تدور حول حل اشكالية
تعريف الفلسفة نفسها، فاذا التزمنا بتعريف الفلسفة كما هو عند اليونان
بوصفها «منهجا عقليا مقترنا بالكلام العقلي المنطقي» فذلك يعني:«ان كل ما
عند الشرقيين(الهنود والصينيين والعرب) يعد خارج حدود التفلسف والفلسفة»
والحل يكون برأي الآلوسي بضرورة «توسيع مفهوم الفلسفة والتفلسف ليتطابق
مع وضع (الشرقي) ماضيا وحاضرا»(11)، لذلك يعتقد الآلوسي ان العقل العربي
كان فاعلا في مجالات عدة لاسيما (الفقه) و(علم الكلام) و(الفلسفة)
و(التصوف) وان العقل في هذه المجالات يعتمد الحجج العقلية وليس على
النصوص «فبالنسبة للمتكلم صحيح انه يدافع عن العقائد الايمانية بالطرق
العقلية وهو يستمد منظوره العام الرئيس من النص من الاسلام كدين، لكنه اي
المتكلم يٌعمل عقله لاختيار نص ظاهر وتأويل آخر (متشابه) بحسب رأيه، فذلك
يعني ان الموقف المتبنى هو الاول عند المتكلم ثم النص ثانيا ما عدا
المسائل الرئيسة مثل(وجود الله)، (النبوة)، (المعاد)، فالنص اولا ثم
الموقف والتفسير والتاويل ثانيا. أما الفيلسوف فيتكون عنده المذهب او
الفلسفة اولا، وربما احتاج الى استشهاد بالآيات في كتبه التوفيقية،
فالعقل عنده هو الأول والنص هو الثاني، كذلك الامر بالنسبة للصوفي فهو
الآخر انتقائي بالنسبة للنص الديني، فهو يختار الآيات الدالة على وحدة
الوجود او الاتحاد او الحلول وهكذا»(12)، لذلك اعتمد الالوسي بتعريفه
للعقل على تعريف ابي حيان التوحيدي بقوله «العقل منظومة التجارب
الانسانية وكلما كانت تجارب العقل اكثر، كانت النفس اتم عقلا»، والعقل
عند الالوسي بمعنى «الفاعلية التي يقوم بها الانسان بوعي وتدبر، وبمعنى
الوظيفة او الوظائف كأداة للمعرفة النظرية وكاداة للسلوك العملي
والصناعات وكل ذلك في مقابل الهوى»(13).
العقلانية لدى الالوسي:
في ضوء ما ذكرناه سابقا نجد ان هذه الطروحات عند الالوسي جاءت وفق
عقلانية سماها (العقلانية التكاملية) التي تؤمن بوجود عقلانيات متعددة
سنذكرها لاحقا، هذه العقلانية تفسح المجال امامها كي توجد بشرط الا تلغي
الواحدة منها الاخرى. وهذا لا يعني ان الالوسي يدعو الى ان يكون كل شخص
منا تكاملياً، بل هي دعوة للقبول بتعدد الرؤى واختلاف الفكر «في جو
تعايشي وحتى صراعي، حواري، تتساوى فيه الفرص للوجود والدفاع والهجوم،
صراع حضري تحضري، لا يقوم على التسلط والقهر والهوى والافتراءات على
الاخر بمعنى الابقاء على كل العقلانيات سواء أكانت متمثلة في قطاعات او
افراد، ولكل حرية التعبير والوجود بقواه المعتمدة على قوة طرحه لا
بالاعتماد على قوى من خارجه بما في ذلك السلطة السياسية او الجهل او
التجهيل او التضليل»(14).
مبررات طرح العقلانية التكاملية:
يضع لنا الالوسي مجموعة مبررات دعته الى طرح العقلانية التكاملية بوصفها
طريقة للتعايش اهم هذه المبررات هي:
1- لأن هذه العقلانية موجودة شئنا ام ابينا، لان فعالية الانسان كفرد او
جماعة لا تستنفذ ببعد واحد العقل او الاحساس أو بالحدس.
2- الايمان بفكرة البنية والعلاقة يعني كل جزء مرتبط ببقية الاجزاء،
لايمكن شطب شيء ولا يمكن فهم شيء الا من خلال الشبكة كلها فلا انتقاء ولا
تجزئة.
3- امكانية الفهم المتعدد وفسح المجال امام التأويل بوصفه فعالية امام
النص اي نص كان.
4- الحرية بلا قيد او شرط، سوى شرط الموضوعية، وعدم التهيب من طرح اي
شيء.
الصعوبات امام هذه العقلانية:
في مقابل هذه المبررات ولتحقيق هذه العقلانية يعتقد الالوسي بضرورة تجاوز
مجموعة من الصعوبات التي تعيق القبول بهذا الطرح، وهذه الصعوبات هي:
1- رجال الدين والنص الديني، ان اليات استخدام النصوص الدينية تتضمن عنصر
كبح وتخويف بمعنى انك اما ان تقبل النص او انت ضده فتتحمل العواقب، هذه
العملية التخويفية عادة ما تكون عائقا امام حركة العقل وفاعليته كونها
تعطي سلطة لرجال الدين الذين يحتكرون تفسير النص الديني ويجعلون من
أنفسهم اوصياء على الحقيقة وكأن تفسيرهم هو الحقيقة النهائية.
2- البنية التقليدية المحافظة في اي مجتمع، لاسيما مجتمعنا الذي تؤثر فيه
التقاليد والمحافظة على القديم حتى تتحدى احيانا ثوابت النصوص الدينية
فكيف بالفكر الجديد؟!
3- الاستبداد السياسي وهذا لا يحتاج الى شرح لان البلدان العربية كلها
تعيشه واقعا وليس افتراضا.
4- التبعية والعالمية بمعنى قوة وسطوة فكر الاقوى الذي يسعى الى تصدير
افكاره التي عادة ما تكون عائقا امام تنوع الفكر وجعله تابعا وخاضعا
للدعاية التي يمتلكها الاقوى والعولمة اليوم خير مثال على ذلك.
5- التقوقع وهذه النقطة في مقابل النقطة السابقة، فنتيجة الخوف من
التبعية نجد الكثير من فئات المجتمع تنكفئ على نفسها وعلى ثقافتها وتقف
ضد اي حداثة ومعاصرة، فيهيمن نوع واحد من انواع العقلانية(15).
أنواع العقلانية كما حددها الالوسي:
بين الالوسي مجموعة من العقلانيات التي يتحرك الفكر الانساني في ضوئها
عامة والفكر الاسلامي والعربي خاصة، بحسب الثقافة والطبيعة والبيئة
والمستوى العقلي لاصحاب هذه العقلانيات، وهذه العقلانيات ترتبط فقط في
التسمية مع العقلانية الفلسفية الخالصة، بمعنى انها لا تتحرك في ضوء
العقل فقط بل في ضوء مجموعة من المشتركات منها النص والحس والحدس. أما
هذه العقلانيات فهي كالاتي(16):
أ - عقلانية دينية تجاوزية: واستطيع انا ان اسميها (مفارقة)، وتنقسم الى
قسمين: عقلانية تجاوزية صوفية، تعتمد الحدس او الذوق وسماها الجابري
(بالعقل العرفاني).. وعقلانية تجاوزية وضوحية او نصية، العقل فيها يشتغل
في ضوء النص والايمان بتعطيل العقل امام النص.
ب - عقلانية دينية مفتوحة او مرنة: يشتغل اصحابها في ضوء الموافقة بين
العقل والنقل او الشريعة والفلسفة، العقل فيها يشتغل داخل النص وتؤمن
بامكانية التأويل وفاعلية العقل امام النص لكن مع الايمان بأولوية النص
على العقل.
جـ - عقلانية لاهوتية وليست دينية تعتمد على العقل فقط: مثل عقلانية
الرازي الطبيب والمعري وابن الراوندي تنطلق من العقل ولا يحدها نص، لكنها
تشترك مع العقلانية الدينية في انها تشتغل حول موضوعة اصل الوجود وتتفق
معها في ان للعالم مدبراً، بمعنى انها تشترك مع العقلانية الدينية في
وحدة الموضوع وليس في المعالجة او المنهج.
د- عقلانية لاهوتية وليست دينية تعتمد على العقل ولكنها لا تراه مناقضا
للنصوص الدينية: بمعنى انها تنطلق من العقل ولا تعارض النص وهذه عقلانية
معظم فلاسفتنا.
هـ - عقلانية علمانية: تقول بفصل الديني عن الدنيوي وحصر الدين في علاقة
فردية بين الانسان والله، وهذه العقلانية تبدو من وحي الصراع الحالي اكثر
مما هي عقلانية لها جذورها في التراث العربي الاسلامي، وقد وضعها الالوسي
كما اعتقد في مقابل العقلانيات التي ذكرها سابقا الدينية واللاهوتية.
وـ عقلانية عقلية خالصة: تتجاوز كل سلطان او سلطة سوى سلطة العقل، اي
تتحرك من العقل الى العقل لا يحدها نص، ويقصد بها الالوسي «فعل التفلسف
المعتمد على العقل الحر الذي هو منبع ذاته وفيصل نفسه ومقياس رؤاه فيما
يقبل او يرفض»(17).
ونعتقد ان فكر الالوسي يتحرك في اطار هذه
العقلانية، ولهذه العقلانية انوع:
(1) عقلانية شكية منهجها الشك.
(2) عقلانية تجريبية او وضعية ترفض ما لا يدرك بالحس وترفض الميتافزيقا.
(3) العقلانية النفعية او الذرائعية، ومثالها فلسفة ابن رشد عند المسلمين
كما يذهب الى ذلك الالوسي، ولا اعتقد ان عقلانية ابن رشد وموقفه من فكرة
المعاد ينطبق عليها مفهوم الذرائعية كما ذهب الى ذلك الالوسي او ماجد
فخري في كتابه ابن رشد، لان الذرائعية كما هو معروف تهتم بالنتائج اكثر
من الوسائل، ولم تكن عقلانية ابن رشد كذلك.
زـ عقلانية حقوقية: يقصد بها الالوسي تلك التي تؤكد لوائح هيئة الامم
ومنظماتها العالمية على حقوق الفرد في الاعتقاد والراي الفردي بلا قيد او
شرط ولا اعتقد ان لهذه العقلانية مكاناً بين هذه العقلانيات لانها من
الممكن ان تحقق من العقلانيات بتنوعاتها فضلا عن ذلك فانها ستدفعنا
باتجاه القول بعقلانيات اخرى مثل العقلانية التاريخية او السياسية او
الاقتصادية وهذه كلها باعتقادي تتحرك داخل العقلانيات سابقة الذكر التي
هي اكثر شمولية وتوصيف للعقلانيات عموما، فمن الممكن مثلا ان تكون هناك
عقلانية حقوقية تبنى في ضوء العقلانية الخالصة او العقلانية العلمانية
ومن الممكن ان تكون هناك عقلانية اقتصادية تطلق في ضوء العقلانيات
الدينية او العقلانية الخالصة وهكذا.
نقد الالوسي للاتجاهات المادية في الفكر العربي
المعاصر:
ذهب بعض المفكرين العرب من امثال طيب تيزيني وحسين مروه الى القول
بالتقسيم المادي للعالم انسجاما مع المنظومة الماركسية التي ينتمون اليها،
من جهة، وانسجاما مع الفلسفات المادية في التاريخ الفلسفي التي تقول بقدم
المادة بدءا من الفلسفة الطبيعية اليونانية مرورا بارسطو وصولا الى ابن
رشد. ويبدو ان الالوسي قد ركز في نقده للماديين حول هذه النقطة، اي القول
بالاصل المادي للعالم، او القول بان المادة هي الاصل. ويذهب الالوسي الى
القول «لا يوجد بين فلاسفتنا فيلسوف مادي واحد... فيلسوف يضع المادة كاصل
للكون مبطلا وجود اله مدبر له»(18).
ولكن الذي لم ياخذه الالوسي بنظر الاعتبار هو ان الماديين العرب انما
قالوا بوجود نزعات او ميول مادية ولم يؤكدوا على القول بالمادية
الاسلامية، فتيزيني يقول: «ايهما تكوّن قبل، الميل المادي ام الميل
المثالي؟ ان التوغل في جوهر القضية يظهر أن هذين الميلين لم يجتازا في
نشوئهما تطورا متساويا متوازيا، بل تطوراً برز فيه الميل المادي قبل
الاخر المثالي»(19).
اما حسين مروه فكتابه يعلن عنه «النزعات المادية في التراث العربي
الاسلامي» وهذه القراءة بعيداً عن المنحى الايدلوجي الذي تحمله والذي
حاولت به قسر النصوص لكي تنسجم مع التوجهات الايديولوجية لاصحابها، وهذا
ما وجدنا الالوسي ناقداً اياه، الا انها (باعتقادنا) تحمل نزوعاً لمحاولة
انسنة الوجود وتأكيد فاعلية الانسان في عالمه بعيداً عن النزعة
الثيولوجية التي هيمنت على الثقافة العربية والاسلامية. وما هذه المحاولة
الا للتخلص من هذه الهيمنة. وهذا ما تنبه له الالوسي في معرض نقده لآراء
تيزيني حول الكندي، حينما اشار لقول تيزيني: «مع الكندي تحول الاله الى
اله انساني (مؤنسن)»(20). هذه النزعة الانسانية في دراسة الفكر الاسلامي
باعتقادنا لم يبحث الالوسي لها عن تبرير كونه نظر الى الفكر الاسلامي في
ضوء طبيعته النسقية التي يحركها النص والنزعة اللاهوتية في الفلسفة بشكل
مستمر، وما كانت محاولة الماديين العرب المعاصرين الا لتكريس القول
بالنزعة الانسانية التي تجلت حسب اعتقاد تيزيني بابهى صورها مع ابن رشد
حينما «اخذ الفكر الانساني بالانفصال عن التصور الغيبي للعالم، ومن طرف
اخر التاكيد على الوجود المادي للعالم»(21). هذا التصور برأينا لم يكن
همه الاساس الغاء الفعل الثيولوجي في الطبيعة بقدر ما كان محاولة لتكريس
الفعل الطبيعي والانساني ومحاولة الدمج بين اصلي الوجود (المثالي
والمادي) وان كانت الغلبة عندهم للمادي على المثالي فانها كانت انتصاراً
للانساني في مقابل هيمنة الثيولوجي.
ولا اعتقد ان نزعة الالوسي في كل دراساته تخرج عن هذا الاطار، لا سيما
بحثه عن (نزعة الانسنة عند ابن رشد) او في تاكيده المستمر على فاعلية
العقل العربي الاسلامي في مقابل النص، لكن نقوداته كانت تنصب على نزعة
التزييف للرؤى الفلسفية في الفكر الاسلامي التي كان يتبناها دعاة
الماركسية في الفكر العربي المعاصر. لاسيما في محاولاتهم المتكررة في
قراءة التراث الاسلامي ونزوعهم في فهمه الى القول بأنه يسير باتجاه انكار
وجود مدبر للكون سوى المادة، وهذا ما لا تحتمله كل نصوص الفلاسفة
والمفكرين المسلمين كما يذهب الى ذلك الالوسي في اغلب كتاباته.
علما اننا بهذا الفهم للفكر الماركسي لا يعني باي حال من الاحوال اننا
نختلف مع الالوسي في قراءته للتراث العربي الاسلامي في ضوء تاريخيته
وزمانيته، ولكننا ننطلق من رؤية براغماتية للقراءة الماركسية تاخذ بنظر
الاعتبار الواقع العربي اليوم الذي تهيمن عليه النزعة الثيولوجية
والغيبية والسحرية والنصية ومحاولة التخلص منها حتى وان كانت هذه
المحاولة تنطوي على نزوع ايديولوجي او تبريري.
الهوامش
ـــــــــــ
(*)
استاذ
الفلسفة المساعد في كلية الاداب الجامعة المستنصرية، معهد الابحاث
والتنمية الحضارية.
(1) الالوسي، حسام محي الدين، حول العقل والعقلانية، طبيعة ومستقبلا
وتناولا، دار القدس، عمان،الاردن، ط1، 2005، ص9.
(2) الالوسي، حسام محي الدين، دراسات في الفكر الفلسفي الاسلامي، المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، بلا، ص18
(3) المصدر نفسه، ص11.
(4) المصدر نفسه، ص18 وما بعدها.
(5) المصدر نفسه، ص21.
(6) الالوسي، حسام محي الدين، دراسات في الفكر الفلسفي الاسلامي، مصدر
سابق، ص23.
(7) الالوسي، حسام محي الدين، حول العقل والعقلانية، مصدر سابق، ص304.
(8) المصدر نفسه، ص96.
(9) المصدر نفسه، ص289.
(10) المصدر نفسه، ص 75، متفقا في ذلك مع رأي كل من جميل صليبه وابراهيم
بيوم مدكور في بحثيهما المنشورين ضمن كتاب الفكر الفلسفي في مائة عام،
بيروت، 1962.
(11) ينظر الالوسي، حول العقل والعقلانية، مصدر سابق، ص70.
(12) ينظر المصدر نفسه،ص190 الى 191، كذلك ص212، كذلك ص274، نفس
المعطيات.
(13) المصدر نفسه، ص182 الى 183.
(14) ينظر المصدر نفسه، ص25.
(15) ينظر المصدر نفسه، ص26.
(16) ينظر المصدر نفسه، ص23.
(17) المصدر نفسه،ص253.
(18) المصدر نفسه، ص17.
(19) تيزيني، طيب، مشروع رؤية جديدة في الفكر الاسلامي، دار دمشق، سوريا،
ط5، 1971، ص23
(20) الالوسي، حسام محي الدين، فلسفة الكندي واراء القدامى والمحدثين
فيه، دار الطليعة، بيروت، ط1،1985، ص343.
(21) تيزيني، طيب، المصدر السابق، ص372.
drali_almerhj@yahoo.com
|