|
الاثنين: 16/06/2008
الانسداد التاريخي
لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟
المؤلف:
هاشم صالح
قراءة: مختار الأسدي(*)
(خاص للمعهد)
بعد هذا العنوان المعبّر
طبعاً، وبعد مقدمة مفجوعة حاول فيها الاستاذ هاشم صالح اسقاط التجربة
الأوربية على العربية مشيراً إلى سقوط الخطابات الأيديولوجية السابقة
وحلول الخطاب السلفي، وبعد تسفيه دعاة التيار التبجيلي الذي يحاول
المطابقة بين الشورى والديمقراطية، والتأكيد على أن الشورى لن تصبح
ديمقراطية بالفعل الا إذا فـُرّغت من مضمونها اللاهوتي القروسطي ـ حسب
تعبيراته ـ أقول: ... بعد هذه المقدمة يتوجّع الأستاذ المفكر على ما وصل
إليه العرب والمسلمون من تخبّط وتراجُع، ويناشد (فاتحاً) أيَّ فاتح لأن
يضحّي بعمره من أجل إنقاذ تلك الجوهرة المخبوءة في أعماق البئر بعد أن
تراكمت عليها الشوائب والرواسب، ويروح يطرح سؤالاً معبراً هو الآخر تحت
عنوان: (أما لهذا الليل من آخِر؟).
ولعلّ أهم ما جاء تحت هذا العنوان هو استنتاجه القائل: «..إن الإصلاح لن
ينجح، أو قل لن يترسّخ في الأرض، إلا إذا كان نتيجةً لاشتغال الذات على
ذاتها. وهذا ما تـُعلـّمنا إياه التجربة الأوربية نفسها. فقد حصل (أي هذا
الإصلاح) نتيجة لمخاطر عسيرة استغرق فترة طويلة من الزمن..» مضيفاً،
مستدلاً طبعاً: «وعندما غطستُ في تاريخ الفكر الأوربي اكتشفتُ مثلاً أن
التنوير في ألمانيا لم يظهر إلا بعد حرب الثلاثين عاماً (1618م ـ 1648م).
وهي الحرب التي اكتسحت البلاد والعباد ودمّرت ما لا يقلّ عن ثلث السكان!
بعدئذ أخذ المثقفون الألمان يطرحون السؤال التالي: لماذا نقتل بعضنا
بعضاً على الهوية؟ لماذا يحقد الكاثوليكي على البروتستانتي، والعكس، وهو
ألماني مثله؟ لماذا يطلـق الكاهن الكاثوليكي الفتاوى الدينية التي تبيح
دم البروتستانتيين، وكذلك يفعل القسّ البروتستانتي ضد الكاثوليكي؟
إلى أن يصرخ قائلاً: «كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة الجهنمية للحقد
والحقد المضاد؟».
ورغم أن هذا الباحث يقول إن المقارنة لا تجوز إطلاقاً بين العالم
الإسلامي وأوربا الحالية، وأن المسألة تتطلب العودة إلى ما قبل التنوير
الأوربي بمئتي سنة أي إلى عصر النهضة والافتراق عن القرون الوسطى في
القرنين الخامس عشر والسادس عشر، غير أنه يعود إلى مسألة اشتغال الذات مع
ذاتها قائلاً: «ولإثبات ذلك، أي لإثبات أن الإصلاحات لا تنجح إلا إذا
كانت حصيلة اشتغال الذات على ذاتها، سوف أعود إلى التاريخ الألماني مرّة
أخرى و(أقول): عندما نشر كانط كتابه (الدين ضمن حدود العقل فقط) أثار
عليه عاصفة من الاحتجاجات والردود. وقد وصلته رسالة تهديد من الملك
شخصياً يحذره فيها من إفساد الشبيبة عن طريق نشر الأفكار المحرّفة أو
الضّالة! وأفهمه بأن هناك بعض الخطوط الحمر التي لا يمكن تجاوزها في ما
يخصّ هذا الموضوع المقدّس والسياسي».
وقد ردّ عليها كانط برسالة طويلة شرح فيها موقفه وتعهّد في نهايتها
بإطاعة أوامر الملك، وعدم الخوض في الشؤون الدينية مادام أحدهما حياً.
ولحسن الحظ ـ والكلام للأستاذ هاشم صالح طبعاً ـ فإن الملك مات قبله فعاد
إلى الموضوع من جديد وأخرج كتابه الشهير الذي يُصالح بين العقل والدين
ويعطي لكل ذي حق حقــّه..» وهكذا إلى أن يصرخ الأستاذ صالح مرّة أخرى
سائلاً: «فأين هو كانط الجديد في العالم العربي؟» وإذا كان المؤلف وجد
عزاءه في ما قاله كانط في تعليقه على أجواء الرعب والخوف التي كان
التنويريون الأوربيون يعيشونها آنذاك، فهل نجد نحن عزاءنا كذلك في هذا
الأفق؟
يقول كانط ما نصّه أيضاً: «قد لا أقول كل شيء أعتقد به، ولكني لن أقول
شيئاً لا أعتقد به» وهو ما استحسنه المؤلف طبعاً حين راح معلقاً على هذه
الجملة بقوله: «وهذا يعني أن الإصلاح ينبغي أن يحصل تدريجياً لأن الشعب
ليس مؤهلاً للانتقال دفعة واحدة من عقلية القرون الوسطى إلى عقلية العصور
الحديثة. ومن ثم فإذا كان الغرب نفسه قد أخذ الوقت الكافي للقيام
بإصلاحاته فلماذا يريد أن يفرض علينا الإصلاح بين عشية وضحاها؟».
مضيفاً وبيقينية واضحة: «هذا مستحيل، بل خطر من الناحية الإنسانية
والنفسية لأنه يزلزل العقلية الجماعية. ولذلك نقول نعم للإصلاح ولكن على
مراحل وبهدوء». ولعلـّنا بهذا الاستنتاج نقف جميعاً على أرض مشتركة نحن
(أي أنا) والكاتب وكانط وحتى الملك المسكين الذي ربما كان يحذر من زلزلة
العقلية الجماعية حينما أرسل تهديده إلى المفكر الكبير كانط في خطوته
العريضة حول المصالحة بين ما سماه صالح (العقل والدين) أو ما أشار إليه
كانط في كتابه (الدين ضمن حدود العقل فقط) المذكور.
الفهم الأصولي للدين والانسداد التاريخي
يعرض المؤلف تحت هذا العنوان إلى حقبة سوداء أخرى في أوربا امتدت حتى
القرن التاسع عشر عندما كان الأصوليون لا يزالون قادرين على الضرب وتخويف
العلماء والمفكرين، ويضرب مثالاً على فولتير الذي اضطر إلى نشر بعض كتبه
دون توقيع، وكذلك هيغل الذي لم تـُنشر دراساته عن الدين الا بعد موته،
وفي ذلك.. ويروح مندداً بما أسماه الموجات الأصولية وكيف أن المشكلة
التراثية لا تـُحلّ الا بخوض معركة الصراحة معها على المكشوف ـ حسب
تعبيراته ـ ويضيف معللاً: «ولهذا السبب فان كاتب هذه السطور اتـّبع
منهجية محمد أركون مدة ربع قرن لأنها تتموضع على أرضية الأصوليين نفسها،
وتقوم بتفكيك مقولاتهم المتحجّرة بشكل علمي وتاريخي دقيق. ولهذا السبب
قلتُ إن التحرير من الداخل أهم بألف مرّة من التحرير الآتي من الخارج
لأنه أكثر إقناعاً وجدوى، وأكثر رسوخاً في الأرض..».
ويروح الكاتب واصفاً أولئك المتشدقين بأنهم ضد التراث الجامد ويكتفون
بالمكرور في مقولاتهم أنهم ضد التخلف وانهم حداثيون وتحرريون وتنويريون...
دون أن يفعلوا شيئاً، يصفهم بأنهم (مراهقون) فكرياً وان كلامهم (هراء) لا
معنى له.. إلى أن يقول ما نصّه: «ثم ما معنى أن أقول إن التراث الماضوي
لا معنى له إذا كان ثلاثة أرباع الشعب متعلـّقين به ويعيشون عليه ويحقق
لهم التوازن والطمأنينة؟ وهل يحقّ لي أن أفعل ذلك إذا كنت مثقفاً جاداً
ومسؤولاً؟ ألا ينبغي أن أمشي معهم خطوة خطوة على طريق التحرير لكي أصل
بهم في نهاية المطاف إلى التأويل العقلاني للدين؟».
وبعدها يروح مـُشيداً بما فعله فلاسفة التنوير في أوربا وكيف دخلوا في
صراعهم مع الأصوليين المسيحيين وتصوّر بعضهم الغيبي اللاعقلاني القائم
على الخرافات والمعجزات، وكيف أنّ معظمهم (أي المثقفين في ذلك العصر)
كانوا من المؤمنين بوجود الله، ولذلك كانوا يدعونهم المتألهين و
الربوبيين، ولكنّ إيمانهم كان يختلف عن إيمان الأصوليين والعامة من حيث
إهمالهم الطقوس والشعائر واعتبارها نسبية.
وهنا يمكننا القول فات الأستاذ الكاتب هنا أن الطقوس والشعائر ونسبيتها
أو عدم نسبيتها في الإسلام لا تعنى بالبعد التعبدي فقط الذي سمّاه أو سوف
يسميه البعد (الباطني) أو (الجواني)، وإنما البعدين الاجتماعي والاقتصادي
اللذين لا يقلان أهمية عن البـُعد الاول إن لم نقل إنهما أكثر منه أهمية
في بعض الأحيان،من قبيل صلاة الجمعة والجماعة مثلاً، وموائد الافطار في
رمضان، والحج الابراهيمي بمثابة الضريبة (الجوانية) التي تـُدفع للفقراء،
وغير ذلك من العبادات والشعائر، التي لا نجد لها مماثلاً في الغرب.
ويعود السيد المؤلف إلى القول مؤكداً على نسبية تأثير الطقوس في الغرب
مقارباً ذلك ـ خطأ طبعاً ـ بما يجري في العالم الإسلامي قائلاً: «..
فالمهم هو التديّن الداخلي الجواني، لا التدين الخارجي البراني
الاستعراضي. وفولتير الذي خاض المعارك الشهيرة مع الكهنة من هؤلاء، وكان
يقول بوجود كائن أعلى صانع للكون أو مهندس الكون. ولكنه كان يقول أيضاً
إن الإنسان مسؤول عن أعماله وأن العقل هو الذي يحكم العالم. فالله الذي
صنع هذا العالم بشكل عقلاني منظـّم على أحسن ترتيب لا يمكنه أن يطلب
إلينا التخلي عن العقل! ومن ثم ـ والكلام كله للاستاذ صالح ـ فالفهم
الصحيح للدين هو ذلك الذي يتوافق مع العقل ولا يتناقض معه بشكل صارخ كما
هو حاصل اليوم في جهتنا».
ثم يروح مستشهداً بسؤال فولتير الذي طرحه على الأصوليين المسيحيين
وخصوصاً الكاثوليكيين في عدم مقبولية فكرة نجاة المسيحيين هؤلاء في
الآخرة فقط، «فماذا سيفعل الله ببقية البشر من أمثال سقراط وأفلاطون
وأرسطوا وملايين الناس البسطاء النزيهين من الطيبين والفضلاء من أتباع
الأديان الأخرى؟».
ونعود نحن ـ من جهتنا أيضاً ـ إلى إلفات نظر أستاذنا أنه ـ وكما يظهر ـ
لم يتعمق في دراسة الفكر الإسلامي قديمه وحديثه وما جرى ويجري من سجالات
(المعتزلة) القدامى والجدد، وكذلك أحاديث (الفرقة الناجية) في تأريخنا
وواقعنا، وكيف تطورت الدراسات الدينية على هذا الصعيد تطوراً كبيراً، وإن
كانت ما زالت ترسو على التراث الذي يبدو انه لا يروق له لأنه في النهاية
كما يقول في عموم كتابه قوالب ورواسب لابد من التحرّر منها قبل تحرير
أنفسنا، ناسياً ان القراءات الجديدة للاسلام باتت تستوعب كل الموحدين في
العالم بشتى أديانهم ومذاهبهم، بعد أن نأت بعيداً عما تخوّف منه من قتل
المرتد التي لا تنفذ الا بشروطها الصعبة جداً وكيف ان المسلم إصطلاحاً
ومفهوماً هو كل من أسلم وجهه لخالق ومهندس صانع للكون عاقل عادل حكيم،
وما بعد ذك تفاصيل يمكن تسويتها أو مناقشتها على أساس التكامل البشري
المحمود وليس الاقتتال الديني والمذهبي المذموم الذي بات يرفضه كل
العقلاء من كل الأديان والطوائف والقوميات ولا شأن لنا بقراءة الزرقاوي
وغير الزرقاوي للإسلام ولا من يحزنون.
نعم، ان الجنة التي يسعى لاقامتها هؤلاء العقلاء هي عل الأرض فعلاً وليس
في السماء كما حب الباحث وإن كانت جنة السماء تبقى طموحاً وعزاءً اذا
عزّت جنة الأرض وهي عزيزة فعلاً على الاقل حتى ساعة كتابة هذه السطور!!
(كما ان الأقفاص العقائدية) حسب التعبير الجميل للأستاذ سيجري تهميشها
عاجلاً أم آجلاً اذا تم التنسيق على الأرضية المشتركة التي لا نظن أن
الكاتب يرفضها وهي أرضية (المهندس الصانع المدبّر) التي قد نضيف إليها:
(المحاسب المكافئ) في يوم آخر سيأتي لا خير فيه إذا كان المنطلق هو
التوازن وحفظ العقلية الجماعية من (زلزال كبير) قد لا ينفع اذا وقع انْ
لم نقل أنه قد يضرّ كثيراً:
|
قال (المهندس والطبيب) كلاهما
إن صح قولكما فلست بنادم |
|
لا بعث بعد الموت قلت إليكما
أو صح قولي فالخسار عليكما |
ولعلّ ما في الآيات
القرآنية التالية ما يمكن أن نضعه مشتركاً، أو ركناً ارتكازياً متيناً
للوقوف على أرض دينية عقلانية مشتركة بدل الاقتتال والاحتراب ولغة
التكفير والتفجير، وربما التحرير الذي قد يخلّ بالتوازن ولا ينير.. وهذه
الآيات هي:
(قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ
وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(آل عمران:
84، والبقرة: 136)، مع فارق بسيط.
(وإذ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي
قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)(المائدة: 111).
(...قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ
بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(يونس: 90).
والعديد من الآيات القرآنية المشابهة التي تؤكـّد على وحدة الأديان وأن
جميع الذين آمنوا بأي من الأنبياء إنهم مسلمون ولا يمكن لأحد أن يخرجهم
من (ربقة) الاسلام،الا من يخرجهم الزرقاوي وأمثاله من (المسلمين)!!
عندما كانت أوربا متزمّتة
وفي مقاربة تاريخية واضحة بين الانغلاق في الشرق الإسلامي، ومثيله في
أوربا، وتحت عنوان (عندما كانت أوربا لا تزال أصولية، متزمّتة) يقول
الأستاذ هاشم صالح إنه كان قد دعا قبل سنوات الى تأسيس علم جديد سمّاه:
(علم الأصوليات المقارن) لمعالجة الأزمة التي قال إن العالم العربي ـ
الإسلامي يعاني اليوم من نفس الأزمة التي شهدها العالم المسيحي الأوربي
قبل مائة أو مائتي سنة، وأعراض هذه لأزمة وكيف كان الوعي منقسم على نفسه
هناك، وكيف عجزت الكنيسة عن التصالح مع العالم الحديث.. وكيف انتهت
المسألة بعد كل تلك السجالات إلى ما سماه (الفهم المتسامح والروحاني
للدين) وتغلـّب هذا الفهم على (الفهم الشكلاني والظلامي) الذي كان سائداً
طوال قرون وقرون.
ويضرب السيد المؤلف مثالاً على انقسام الوعي المذكور فيقول: «... ومن
الأخطاء التي دانها البابا (مثلاً) عام 1864 الفلسفة الطبيعية، والفلسفة
العقلانية، سواء كانت مطلقة أم معتدلة. وكذلك دان انصراف الناس في أوربا
عن أداء الطقوس والشعائر المسيحية، وعدم تردّدهم على الكنائس، هذا
بالإضافة إلى إدانته للاشتراكية والشيوعية بعد الليبرالية، (أي فلسفة
الحرية الناتجة من عصر التنوير والثورات الانكليزية فالأمريكية
فالفرنسية). (الكتاب ص 51).
ويضيف لتجلية هذا الانقسام طبعاً: «لكي أعطي القارئ فكرة دقيقة عن التطور
الذي طرأ على أوربا خلال قرن واحد فقط يكفي أن أذكـّر بموقف الفاتيكان
المعادي للتسامح الديني عام 1864 والمؤيد له عام 1965. فالبابا بيوس
التاسع دان الخطأ التالي المنتشر في العالم الحديث بعد فلسفة
التنوير،والذي يقول إنه يحق لأي شخص أن يختار المعتقد الذي هداه إليه ضوء
العقل وأقنعه بأنه هو المعتقد الصحيح. وقال البابا: «لا يوجد الا معتقد
صحيح واحد على وجه الأرض هو المعتقد المسيحي الكاثوليكي» وليس
البروتستانتي أو الأرذوسكي مثلاً. فأتباع هذين المعتقدين هراطقة في نظره.
وربما كانوا مدانين لاهوتياً مثل أتباع الأديان الأخرى غير المسيحية، هذا
إن لم يكن أكثر!.
ولتجلية التطور الذي حصل في هذا الذهن الكنسي بعد تلك السجالات، يواصل
الاستاذ المؤلف حديثه قائلاً: «وأما البابا الذي جاء بعده بمائة سنة فقد
اتـّخذ موقفاً مضاداً لهذا الموقف من خلال المقرارات اللاهوتية الجريئة
والتنويرية التي اتــّخذها المجمع الكنسي المعروف باسم الفاتيكان الثاني.
يقول التصريح بالحرف الواحد: إنّ الشخص البشري له الحق في الحرية
الدينية، ولا يمكن إجبار الناس على الإيمان بديننا غصباً عنهم، ولا معنى
لإيمان مفروض عن طريق القوة أو الخوف. وعن طريق وساطة وعيه يستطيع
الانسان أن يلحظ أوامر الشرع الإلهي ونواهيه. ومن ثم فالوعي الذاتي للفرد
شيء أساسي وحرية الضمير مكفولة ومضمونة»(الكتاب : 52).
إلى أن ينتهي المؤلف من هذا الموضوع مستقراً، مرتاحاً لما آلت إليه
الأوضاع اليوم في أوربا فيختتم حديثه قائلاً: «لم يكن المذهب الكاثوليكي
طول تلك العصور كلها بقادر على أن يقبل وبوجود أي دين آخر أو مذهب آخر
غيره. كان يعتبر الانسان الآخر بمنزلة النجس أو الكافر الذي ينبغي
استئصاله من على سطح الأرض.. وكانت فكرة التسامح نفسها تدخل دائرة
اللامفكـّر فيه أو المستحيل التفكير فيه. وكان الفرنسيون يقتلون أنفسهم
على الهوية مثلما حصل في لبنان أخيراً، وكما يحصل الآن في العراق. وكانوا
يلاحقون مفكريهم وفلاسفتهم. نعم كانوا منقسمين إلى بروتستانتين
وكاثوليكيين ويكرهون بعضهم بعضاً كرهاً شديداً. أما الآن فلم يـعد هناك
من أثر لذلك في أوربا الحضارية المتقدمة».
ولابد لنا هنا من أن نزيد اطمئنان الكاتب انه على الرغم مما ذكره عن
القتال الدائر ويدور في لبنان والعراق والاقتتال على الهوية، إلا أن هناك
مساع حثيثة لمفكرين وفلاسفة في الشرق العربي والاسلامي يسعون جاهدين
للوصول إلى ما سمّاه الفهم المتسامح والروحاني للدين، وسوف يصلون إلى
مرحلة التسامح مع هذه عاجلاً أم آجلاً بجهود المتنورين والمخلصين من
أبناء جيلنا هذا أو الجيل القادم(1). واذا أردنا أن نذكر أسماء مهمة على
هذا الصعيد فيمكن الإشارة إلى كتابات الدكتور عبد الكريم سروش والسيد
محمد حسين فضل الله ومحسن كديور وحسن حنفي ومليكيان وآخرين منتشرين هنا
وهناك في العالمين العربي والاسلامي نظن أن الكاتب قد يعرف بعضهم وأن
بعضهم من المجددين والمتنورين السائرين على طريق التسامح بل الاحترام
الذي تجاوز التسامح.
لماذا نجح الاصلاح الديني في المسيحية ولم ينجح في
الاسلام؟
أشار الأستاذ صالح في هذا الفصل الى احتفالية العالم الأوربي لحدثين
مهمين ـ كما سماهما ـ وليس حدث واحد وهما مرور مئة عام على تأسيس
العلمانية الفرنسية، وفصل الكنيسة عن الدولة أو الدين عن السياسية،
لاسيما بعد مرور أربعين عاماً على انعقاد المجتمع الكنسي الشهير باسم
(مجتمع الفاتيكان الثاني) بين عامي 1962-1965، والذي خرج بقرارات لاهوتية
ثورية ـ حسب تعبيره ـ أدّت إلى تصالح المسيحية مع العالم الحديث وفلسفة
الأنوار والقيم الليبرالية والديمقراطية ـ حسب تعبيره أيضاً ـ والتي
انعتقت من محاكم التفتيش، واستسلمت (أي المسيحية الكاثوليكية) أخيراً
لمنطق العصر وغيّرت لاهوتها وفقهها القديم ونقضت الغبار عن نفسها، وجدّدت
معتقداتها وموقفها من الآخرين، وأضاف:
ولأول مرة كما يقول المؤلف ـ تتراجع الكنيسة الكاثوليكية عما سمّاه
احتكار الحقيقة المطلقة للدين وتعترف بمشروعية الأديان والمذاهب الأخرى.
وتعترف كذلك ـ ولأول مرة ـ بالدين الإسلامي بعد أن تصوّروه بشكل أسود
قاتم يعرّضن به وبنبيّه محمد، وكيف تغيّر ذلك وانقلب رأساً على عقب، اذ
جاء في البيان الختامي لهذا المجمع الكنسي الشهير ما نصّه: «ان الكنيسة
المسيحية (الكاثوليكية) تنظر باحترام وتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون
الله الواحد، الحي، القيوم، الرحمن الرحيم ذا القدرة الكلية والجبروت،
خالق الأرض والسماء»(الكاتب: 62).
ويواصل هذا البيان الختامي: «...وحتى لو حصلت في أثناء القرون الماضية
خصومات أو عداوات عديدة بين المسيحيين والمسلمين، إلا أن المجتمع المقدس
يدعوهم جميعاً إلى نسيان هذا الماضي الأليم وفتح صفحة جديدة في العلاقات
عن طريق التفاهم المتبادل. كما يدعو الجميع إلى نشر العدالة الاجتماعية
والقيم الأخلاقية والسلام والحرية بين كل البشر والمصلحة البشرية بأسرها
من دون أي تمييز».
ويعلّق الاستاذ صالح على كل ذلك بقوله: «هذا التصريح يقطع إذن الف
وخمسمائة سنة من الموقف السلبي والعدائي تجاه الاسلام. وهذا دليل على أن
التجديد الفقهي أو اللاهوتي ممكن وليس مستحيلاً كما يزعم أولئك الجامدون
المحنـّطون الذين يعتقدون بأنهم ختموا العلم منذ مئات السنين، وأنه لا
جديد تحت الشمس في ما يخصّ الشؤون العقائدية والدينية، وأنه لا مجال
لنمسّ بثوابت الأمة! وهذا يعني أن ما كفـّره القدماء قبل ألف سنة ينبغي
أن نظل نكفـّره ونلعنه مليون سنة أخرى حتى يرث الله الأرض ومن عليها!!».
ثم يروح ينزل جام غضبه على هذا (الموقف الانغلاقي المتخلـّف) الذي يجعل
الصدام بين الأديان والمذاهب حتمية مطلقة لا مجال للفكاك منها، ويتساءل:
لماذا خرج المسيحيون من أسر لاهوت القرون الوسطى والفتاوى الكنسية التي
كانت تدين الاسلام واليهودية وكل الأديان الأخرى. بل كانت تدين حتى
المذاهب المسيحية غير الكاثوليكية وبخاصة المذهب البروتستانتي؟ ولماذا لا
يستطيع شيوخ الاسلام ـ في معظمهم ـ أن يخرجوا من هذا الموقف المتحجّر
الذي يتـّخذ صفة الحقيقة المطلقة التي لا تـُناقش ولا تـُمسّ؟
جوابه على كل ذلك، وباختصار طبعاً، ان لحظة الإصلاح الديني لم تحن بعد،
ناهيك عن لحظة التنوير! لأن هيبة الماضي وسلطة الأقدمين العقائدية ـ حسب
تعبيره ـ هي السائدة في مجتمعاتنا إلى الآن «وانّ الشيخ الجليل الذي
يتحدث على شاشة التلفزيون يـُعادل في تأثيره كل المثقفين العرب دفعة
واحدة أو يزيد».
ولكن، وكما يتأمل ونأمل نحن معه أيضاً، أن هناك شيئاً ما يختلج في
أعماقنا، وانْ كان جنيناً لم يولد، سوف يقود إلى هذا الاصلاح شريطة أن لا
يقع الزلزال الذي ينبغي الحذر منه وان وقعت الكارثة التي يشير إليها في
عموم كتابه ويتوقع أنها نازلة لا محالة وقبل نزول الكارثة لابدّ من
الاشارة إلى الموقف المتطور الذي وقفه الأزهر مثلاً عام 1959 عندما اعتبر
مذهب التشيّع مذهباً اسلامياً يجوز التعبد به وأهله مسلمون مؤمنون. ولعل
في أمثال هذه الخطوات ما يمكن انقاذه من البيت المتهري الذي يتمنى
الأستاذ صالح تخريبه، اذ يمكن حينها أن ترتفع عمارة، وعمارة شاهقة على
أنقاض هذا البيت..
أسباب الانحطاط الحضاري للعالم العربي الاسلامي
يقول المستشرق الأمريكي المعاصر مارتن كريمر: «حوالي عام 1000 للميلاد،
أي في القرن الرابع الهجري، كان الشرق الأوسط محطة الحضارة العالمية. ففي
ذلك الوقت ماكان الانسان الأوربي مثقفاً إنْ لم يكن يعرف العربية..
فالأمبراطورية الاسلامية التي ترسّخت دعائمها على مدار القرون الأربعة
الماضية كانت قد نشرت حضارة اسلامية. وهذه الحضارة كانت صامدة بفضل
الإرادة الحرة لأكبر العقول المبدعة في العالم آنذاك.. ولا يوجد لدينا أي
شك في أن السلالات الاسلامية كانت تمثـّل آنذاك القوى العظمى من مختلف
النواحي السياسية، والعسكرية، والاقتصادية. ويضيف هاشم صالح الى ذلك
قائلا:ً «وهذه الحضارة المدنية العالمية كانت تنجب العباقرة وترعاهم...»
إلى أن يصل هذا المستشرق: « وهو ليس أصولي إسلامي أو أحد القوميين العرب
الشوفينيين» إلى القول: «ولو أن جائزة نوبل كانت موجودة في ذلك الزمان
لكانت الغالبية العظمى ممن ينالونها هم من المسلمين!!«(2).
نعم، كانت اللغة العربية كالانكليزية اليوم، من لا يُتقنها لا يـُعتبر
مثقفاً!!
ترى ما هو سبب الانحطاط؟ يتساءل الاستاذ صالح، لماذا أفلت تلك الحضارة أو
ذبلت؟! ولماذا أصبحت الآن ذكرى نفتخر بها فقط حتى بعد أن ماتت بستة أو
سبعة قرون؟!
يطرح السيد المؤلف عدة أسباب ربما يتفق فيها قليلاً مع الأصوليين أو
القوميين العرب، والتي منها الغزو المغولي الذي دمّـر بغداد، ومنها
العوامل الاقتصادية وتحوّل الخطوط التجارية عن العالم الاسلامي، وتراجع
البحث العلمي والترجمة، ومنها الظروف المناخية والتصحّر وانحسار الغابات
والمياه وتناقص الثروة الطبيعية والحيوانية وما إلى ذلك. مما يشكـّل أو
شكـّل بدايات (الانسداد التاريخي). وإن كان يعترف أن الحضارات (دوارة في
التاريخ ولا تدوم لأحد) ـ حسب تعبيره فعلاً ـ . ولكنه يرجع ويعود إلى
التأكيد بأن السبب الأهم اليوم هو ما سمّاه «التعلق الطفولي بالماضي، أو
الانشداد باستمرار نحو الاسلاف» الذي ليس له أي معنى ـ حسب تعبيره أيضاً
ـ مضيفاً: «ولكن اعتقد في الوقت نفسه أن هذا التعلـّق الطفولي سوف يظل
مستمراً ما لم نقم بتصفية حساباتنا مع الماضي». وهنا يعلن وبشكل واضح
وصريح أنه يختلف مع الكثيرين ممن سماهم «المثقفين المحافظين في العالم
العربي الذين يعتقدون أن الماضي لا يمثـّل أية مشكلة ولا يمنعنا من
التقدّم»!.
فيقول: «ولكن اعتقد أنه يمنعنا ويعرقلنا، بل يجعلنا ننتكس في كل مرّة..»،
والسبب كما يقول وباختصار شديد: «فما دمنا نرفض أن نطبّق منهجية النقد
التاريخي على تراث الماضي كما فعل الأوربيون منذ لحظة سبينوزا وفلاسفة
التنوير فلا أعرف كيف يمكن لنا أن نخرج من الورطة التي نتخبـّط فيها
حالياً»(الكتاب: 69).
نعم، لعلّ الرجل هنا له بعض الحق وربما الحق كله في اعتراضه على غياب أو
تغييب المنهجية النقدية للتراث، وكذلك معه بعض الحق في رفضه التعلـّق
الطفولي بالماضي. ولكن كيف يتسنى لأمة تريد أن تنهض وهي لا تعتز أو لا
تفتخر، وبالأحرى لا تنشد حماسياً وعاطفياً (أي طفولياً) الى ماضٍ مجيد
اعترف ويعترف به المستشرقون المعاصرون بعد الماضين طبعا، بل إن هذا
التأريخ هو جزء لا يتجزأ من عوامل نهضة الأمة حيث لابد لها من دراسة
معالمه المجيدة وملامحه وأسبابه في أقل التقادير، نعم بعقلية نقدية، أي
ليس عبر الإلغاء والتهميش والحذف ، ولاً عبر التماهي والتمجيد الكاذب
والمنافقة السياسية بل الدينية أحياناً.
زلزال فكري سياسي يهزّ العالم العربي من أعماق
أعماقه
يقول فرود ما مفاده أن كل ما كـُبِتَ على مدار التأريخ سوف يستيقظ يوماً
ما، وينفجر كما تنفجر البراكين من أعماق الأرض ويطالب بحقـّه في الوجود
والتعبير عن نفسه. وسوف ينتقم لنفسه ممن كبتوه وظلموه.
وفق هذه الرؤية يروح الاستاذ صالح محللاً ما يجري اليوم في العراق مثلاً
ويتمنى على قارئه ألا يـُصدم بهذا التحليل، فيقول: «عكس ما نتوهم فإن
التدخـّل الأمريكي ـ الانكليزي في العراق وعلى الرغم من ضحاياه البريئة
وتجاوزاته إلا أنه ليس سبب اندلاع المشكلة الطائفية أو المذهبية هناك وفي
المنطقة برمّتها. فهذه المشكلة لها جذورعميقة في الذاكرة الجماعية
للسنـّة والشيعة وتعود إلى مئات السنين »(الكتاب:72).
ويضيف: « وحدها أوربا استطاعت أن تتجاوز المرحلة اللاهوتية الطائفية
القديمة وتتوصّل إلى المرحلة العملية والفلسفية الحديثة التي لا تقيّم
الانسان طبعاً لمكان ولادته وإنما طبقاً لإمكاناته وكفاءاته وميّزاته
الشخصية. ولإننا ـ والكلام للكاتب طبعاً ـ لم نتوصل إلى هذه المرحلة بعد
«فإن الطائفية أو المذهبية سوف تظل منتعشة في العالم العربي، وسوف تظلّ
هي المعيار أو المقياس الأساسي لتقييم الناس ويا ويلك إذا ما وُلدتَ في
المكان الخطأ» ويضيف: «أو الزمن الخطأ أيضاً ـ حسب رأينا طبعاً ـ».
ولذلك يتأسف الكاتب على الحركات (التقدمية) التي يضعها بين قوسين طبعاً
والتي حاولت القفز على المشكلة الطائفية بدلاً من مواجهتها بشكل مباشر،
ولذلك «تراها تنفجر في وجوهنا الآن بكل عنف ورعب ودموية. وسف تظلّ تنفجر
حتى تشبع انفجاراً».
وبعد هذا الانفجار أو هذه الانفجارات والشبع منها يرى الكاتب ونرى أيضاً
معه أن الزمن سيأتي لتشخيصها وتحليلها وتفكيكها تمهيداً لإزالتها، أو على
الأقل إعادة قراءتها أي قراءة التأريخ من جديد.
وفي آخر هذا التحليل المقتضب طبعاً يقول مختتماً: «وبالتالي فنحن بحاجة
إلى نظام جديد يتساوى فيه الجميع أمام القانون والمؤسسات كما حصل في
الدول المتقدمة».
وهكذا ونحن معه فعلاً وكما قال: «لقد ولـّى زمن الاحتقار والتمييز
الطائفي أو العرقي، وبغير ذلك فإنّ البديل والكارثة والزلزال بل الزلازل
والكوارث، هو الحرب الأهلية وانهيار السقف على رؤوس الجميع».
ولعلّ بانهيار السقف هذا ما هو صحوة أو يقظة يمكن أن تنبّه الغافلين بل
النائمين تحت هذا السقف علماً بأن السقف ليس وحده هو الذي يعانيه التهرؤ،
وإنما الأركان والقواعد، وبالتالي فلا بدّ من تهديم البيت من الأساس
وإعادة بناء معمارية جديدة قد تقوم على أساس بعض الحق وبعض المصلحة في
البداية شريطة ألا يموت. جميع من همْ تحت السقف اذا انهار على رؤوسهم،
وهو ما نتمناه ويُُفرض أن نحسب حساباتنا (الجديدة)، وكما يقول الغربيون
فعلاً أنه ليست هناك عداوات دائمة أو صداقات دائمة ـ وفق منطق المصلحة ـ
وانما هناك مصالح دائمة...
نعم، قد تصطدم هذه المصلحة مع الحق أحياناً وأحياناً كثيرة، ولكن القفز
عليها جملة وتفصيلا لا يأتي بالحل السهل، فمعظم الناس إن ما نقلّ جلـّهم
يفضلون مصالحهم على الحق الذي يناقض هذه المصالح «وأكثرهم للحق كارهون»
كما يقول القرآن الكريم. ولكنّ تفهم هذه المصلحة ربما يقود يوماً إلى
عودة الناس إلى الحق، وهو ما تراهن عليه حركات التأريخ، المكبوت فيها
والمعلن، وهو ما يمكن التعاطي معه عبر التسوية المعقولة التي ترضي شيئاً
من المصالح وتسعى ـ وفي طول ذلك ـ إلى ترسيخ بعض القيم الحقــّة... التي
تفرض نفسها حتماً، والتي يحملها الـ 10% ممن لا يمكن إفسادهم حتى لو جيء
لهم بكل الشياطين والأبالسة، وهم من يسمون الثوار والشجعان الصادقين
بمنطق الحركات التأريخية، ويسمون الأتقياء الصالحين المصلحين المؤمنين
حقاً بمنطق الأديان التي هي كيان الناس ودمهم ولحمهم. ولا يمكن سلخ هذا
اللحم عن أبدانهم أو سحب هذا الدم من شرايينهم، أو قل على الأقل أبدان
بعضهم أو شرايين من تصطفيهم الأقدار أو الله لا فرق، فالنتيجة واحدة في
النهاية. فهل ترانا، وبالتعاون مع المصلحين، المفكرين المصلحين وليس
الصالحين طبعا،ً قادرين على بناء معمارية جديدة على أنقاض البيت القديم،
بدون تهديمه؟ لاسيما إذا شعرنا ان السقف سينهار على الجميع؟
أو قل هل يمكن إخراج بعض الناس من تحت السقف قبل تهدّمه أو تهديمه على
رؤوسهم ولو من باب الرحمة أو الشفقة؟ بمعنى هل يمكن استباق التهديم
والتحرّز وانقاذ من يمكن إنقاذه عبر تفهّم مصالح البعض، واستيعاب صعوبة
الحق وكيف أن تجسير هذه المعادلة هي المهمة الأصعب بل الأشق، حتى بالنسبة
للأنبياء والرسل، ناهيك عن عموم المفكرين والمثقفين والمصلحين؟
الأصولية والتطرف هما الخطر الداهم
يواصل الأستاذ صالح حديثه عن الانفجار الذي لابدّ منه، وعن ضرورته لإحداث
اليقظة وكيف أنه سيكون اكثر قدرة على استنهاض الآخرين الغافلين من كل
القصائد الشعرية والتباهي بالآباء والأجداد والتأريخ المجيد، إلى أن يصل
إلى أحداث 11 سبتمبر التي سماها الكارثة (الضارة النافعة) رغم اعتذاره من
الضحايا الأبرياء وذويهم من سائر الجنسيات الذين راحوا بسبب هذا الحادث
المروّع، ثم يطرح سؤالاً مهماً مفاده: هل سيكون حادث «سبتمبر» هو الزلزال
الذي سيغيّر مجرى التأريخ كما فعلت الثورة الفرنسية أو الإصلاح الديني
مثلاً؟! وهي سيكون سبباً لصحوة الضمير الغربي، الذي غط في سبات عميق تجاه
الكوارث والرزايا التي حلـّت وتحل بالمسلمين، وكيف أن جاك دريدا راح
يتحدّث بعد الحادث بكل جدّية وخطورة عن سياسة شارون الكارثية
والانتحارية.
نعم، إن هذا الحادث يختلف بالتأكيد عما أحدثته الثورة الفرنسية وإن كان
كلاهما متقاربان في إحداث التداعيات اللاحقة للحدثين. فالثورة الفرنسية
لم تكن مهمة ـ كما يرى المؤلف ـ لأنها أسقطت سجن الباستيل وقطعت رأس
(المسكين) لويس السادس عشر ومعه زوجته ماري انطوانيت، ولكنها كانت مهمة
لأنها أثارت حماس الشعوب الأوربية لها علاوة على حماسة الشعب الفرنسي،
ويضيف: «وهذه الحماسة كنز لا يـُقدّر بثمن، فهي تدلّ على تعطـّش الشعوب
إلى الحرية ورغبتها في التغيير والتقدّم نحو الأحسن. والجنس البشري لا
يمن أن يتقدّم إلا إذا كان مفعماً بالحماسة لهذه القيم النبيلة».
ورغم أن تحمّس الشعوب الإسلامية أو العربية ينطوي على الكثير من الرعب
لأن هذه الشعوب متطرفة ومازالت بعيدة عن الاستنارة العقلية حسب تعبيره،
وهو الأمر الذي دعاها الى الشماتة جراء ما تشعر به من الظلم والقهر بسبب
السياسية الخارجية الأمريكية، ولكنّ هذه الحماسة أو هذا الحادث أو هذه
الفاجعة أو الكارثة قل ما شئت تنطوي على دلالات مزدوجة أو تناقضية وإنها
سوف تفجـّر كل القنابل الموقوقة والتناقضات سواء في الداخل العربي أو
الداخل الأمريكي، هو ما سيقود إلى لوازم وتداعيات لابدّ من الاستعداد لها
والتعاطي معها بشكل مغاير.
ولعلّ أول هذه اللوازم هو إيقاظ الداخل الأمريكي على ترجيح كفـّة التيار
العقلاني في السياسة الاسرائيلية مثلاً بدلاً من تيار شارون الاستئصالي
المجرم الذي لا يرى أبعد من أنفه، وهو تيار سوف يقود المنطقة الى كوارث
جديدة لن تستطيع أمريكا السيطرة عليها حتى لو نجحت في حربها ضد العراق.
اذ إن معركة السلام في الشرق الأوسط سوف تكون أصعب من معركة الحرب كما
يقول جيرار شاليان أحد المفكرين الاستراتيجيين الفرنسيين. وبالتالي لابد
من اختبار أحد خيارين؛ إما عالم تسيطر عليه أفكا رجون لوك الانكليزي
وعمانوئيل كانط الألماني، أو علم تسيطر عليه أفكار نيتشه وماركس وهوبز،
حيث يقول هذا الأخير: «الانسان ذئب لأخيه الإنسان»، وهذا يعني ـ وفق هذه
الفلسفة ـ إننا ربما سندخل عالماً متوحشاً لا أمان فيه لأحد ولا اطمئنان،
وكل طرف يُتاح له أن يضرب الطرف الآخر في المكان الذي يوجعه فعلاً سوف
يضربه ولن يتوانى عن ذلك أبداً. فاذا لم تكن ذئباً أكتلك الذئاب. وهذا هو
النكوص بعينه إلى عصور التخلـّف التي يحذر الكاتب من الانجرار أو العودة
إلهيا، وحينها سوف نعود مترحّمين على مقولة شاعرنا العرب:
|
إذا لم تكن ذئباً على الأرض أجردا |
|
كثير الأذى بالت عليك الثعالب |
العقلاء يراهنون طبعاً على
التيارات العقلانية والانسانية الموجودة في كلا العالـَمين، وهنا تأتي
ضرورة التأني في إشارة جيمي كارتر التي يقول فيها «إن بعض الكوارث ضرورة
لتقدّم الشعوب فهي التي توقظها من غفلتها وتنبهها إلى مواطن الخطأ
والنقص». أو كما يقول المثل العربي أيضاً:«اشتدى أزمة تنفرجي»، أو «إن
الضربة التي لا تقصم ظهرت تقويك»، وهنا يمكن للعقلاء أيضاً أن يراهنوا
على تيار لوك وروسو وكانط، ويقفوا في وجه التيار الآخر الذي يريد أن
يتحلـّل من العقلانية وحتى الانسانية بحجة محاربة الارهاب، ولكنه في
الواقع ـ وكما يرى الاستاذ صالح فعلاً ـ يريد أن يبطش بالعالم الاسلامي
ويهيمن عليه ويتحكـّم به وبثرواته البترولية كما يشاء ويشتهي. وإذا ما
قدّر لهذا الثاني أن يسود ـ لا سمح الله ـ فهذا يعني أن مفهوم الحضارة
سوف يـُنسف من أساسه، وإن (صدام الحضارات) هو القادم، وهذا يختلف تماماً
عن عالم (الكوارث الضرورية) ـ إذا صحّ التعبير ـ لأن الضربة التي لا تقسم
ظهرك تقويك ـ كما قلناـ وان خلافها هي الضربة التي ستقود إلى نهاية
العالم بل نهاية التاريخ، ليس تاريخ فوكوياما طبعاً، وإنما تأريخ البشرية
كلها.
وهنا لابدّ للعالم العربي والاسلامي أن يقول كلمته، فكما انتصرت الحضارة
الليبرالية والديمقراطية بعد جهود كبيرة اعقبت سقوط هتلر وموسوليني
والفاشيات المعاصرة وأصوليات القرون الوسطى الكلامية، فهل سيأتي يوم
الانتصار ـ كما يحلل الاستاذ صالح متحمساً هذه المرّة ـ على الأصولية
الاسلامية الحالية التي يعتبرها أشدّ خطراً من الفاشية، لأنها حسب تحليله
ـ تخلع على نفسها عبارة الدين والتعالي الإلهي، فتروح مشكـّلة لاهوتاً
انحطاطياً ظلامياً بات اليوم يستخدمه بن لادن والزرقاوي لتبرير أعمالهما
الإجرامية؟!
صحيح إن العلام العربي مريض بأصوليته ـ حسب تعبير الكاتب ـ وإنه بحاجة
إلى من يشفيه أو يشفى غليله من قبيل كتاب الباحث التونسي محمد شريف
فرجاني (السياسي والديني في الساحة الاسلامية) والذي اقترح الاستاذ صالح
ترجمته تحت عنوان (السياسة والدين في العالم الإسلامي)، ولكن هل يمكن
حصول ذلك بسهولة في العالم العربي وهو الذي ما زال طفلاً رضيعاً وفي أحس
الأحوال طفلاً يحبو في هذا المتشابك الحضاري الدولي الاخطبوطي الرهيب.
يقول الأستاذ صالح، أو يجيب قائلاً: «نعم، ان التفسير الجديد للعقيدة
الاسلامية سوف يدخل في صراع مرير مع التفسير العتيق الراسخ الجذور، والذي
يعتمد عليه الأصوليون لارتكاب أعمالهم الاجرامية. فهو الذي يقدّم لهم
المشروعية الدينية والحماية الكافية من الناحية النفسية وإلا لما
استطاعوا ارتكاب كل هذه المجازر بحق المدنيين أو الأبرياء العزل الذين
يؤخذن على حين غرّة. إذاً فالمسألة فكرية قبل أن تكون سياسية، وإذا لم
تـُحسم فكرياً فلن تـُحسم سياسياً يوماً. وهذا ما أهمله المثقفون العرب
أو قل معظمهم على مدار السنوات السابقة»ـ مع الأسف ـ (الكتاب: 89).
بعد ذلك يروح السيد المؤلف مشيداً بدور الفيلسوف الفرنسي فولتير وقصته في
محاربة التعصب المسيحي والمتعصبين وكيف خاطر بحياته غير مرة من أجل انجاز
هذه المهمة التي قادت إلى عصر التنوير، وكيف أشاد بانكلترا وصبّ جام غضبه
على فرنسا والفرنسيين.
نعم الحكومة الفرنسية لم تسمح إلا بدين واحد أو مذهب واحد وهو المذهب
الكاثوليكي البابوي الروماني ـ حسب تعبيره ـ وكل ما عداه ممنوع منعاً
باتاً فيما تتعايش كافة الأديان والمذاهب في انكلترا السلام ووئام. وليس
هناك أحد يقتل أحداً لأنه يؤمن بدين آخر غير دينه أو مذهب آخر غير مذهبه.
بل حتى العقلانيين الذين لا يؤمنون بالطقوس والشعائر يعيشون بأمان في
بلاد شكسبير من دون أن يؤذيهم أحد.
تعليقنا: متى يصل الشرق إلى ما وصل إليه الغرب على هذا الصعيد؟ وهل لليل
من آخر؟!
الهوامش
ــــــ
(*)
كاتب وباحث من العراق.
(1)راجع كتاب (الاسلام والتعددية الدينية) (Islam and Religious
Plurlalism) للمفكر المسلم محمد لييغنها وزن ترجمة: مختار الأسدي، الطبعة
الأولى سنة 2000، مؤسسة الهدى للنشر والتوزيع. في جامعة رايس في الولايات
المتحدة الأمريكية وهو الآن يدرس الفلسفة الغربية وفلسفة الدين في إيران.
(2) والمستشرق المذكور هنا هو صاحب كتاب (القرن العرب)، 1988، (The Arab
Century)، وكتاب (اليقظة العربية والانتعاش الاسلامي، (19987)، (Arab
Awakenig and Islamic Revival).
|