|
الثلاثاء:
29/04/2008
الإعلام؛ النسق القيمي وهيمنة القوة
المؤلف: د. صباح
ياسين
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
قراءة: صادق الروازق(*)
(خاص للمعهد)
بات من المعلوم أن الخطاب الإعلامي/السياسي، سلاح ذو حدّين، ومن أهميته
القصوى أن يكون قوة مؤثرة وفاعلة في الساحة السياسية والاجتماعية بمصاف
السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ كونه يقوم بمهمة مزدوجة ، فهو في الوقت
الذي ينشر أفكار ورؤى وتطلعات وتوجهات أصحاب كتلة القرار، يأخذ على عاتقه
مهمة عملية ابطال ونقض توجهات الآخر ولأهميته في الحياة فهو قد ارتبط
بشكل أو بآخر في الدراسات النفسية والاجتماعية، لأن مبلغ مداه من التأثير
ينسجم مع الفهم العام للطبيعة الاجتماعية والنفسية لمن يشملهم أو يخصهم
الخطاب. وعلى ضوء ذلك يقول المؤلف ـ وهو في سياق نقده للإعلام الأمريكي
ـ: هل استطاع الإعلام المدجج بالإمكانات المالية والمادية من اكتساح
الساحة العراقية والسيطرة على الرأي العام وفرض وجهة نظره ومقولاته
وتحقيق أهدافه؟!!
بالطبع وكما يقول المؤلف: ان هذا التساؤل لا يحتاج إلى عرض مشاهد متعددة
لأساليب مواجهة الإعلام المضلـّل أو الإعلام المعادي لحرية الشعوب
وسيادتها، فقد كشفت حالة العراق بع الاحتلال عن عجز وفقر حقيقيين في
إمكانيات الإعلام الأمريكي لفرض قناعاته على شعب العراق، فلم تعد مقولات
ـ على حد تعبير المؤلف ـ مثل «تحرير العراق» أو «بناء العراق الجديد» أو
«إشاعة الديمقراطية» قابلة للتصديق، بل كشفت ممارسات الاحتلال ابتداءً من
خطوة تدمير مؤسسات الدولة وتفكيك رموز سيادتها مثل؛ الجيش العراقي
والاعلام، وتطورها إلى عمليات قصف المدن والاعتقالات ثم التعذيب. ثم يقول:
أن المحتل هو ذاته في كلّ زمان ومكان، ولن تجدي محاولاته للتغطية على
أهدافه، مهما استخدم من وسائل اعلامية متنوعة، بيد أن في المقابل برز
نموذج اعلامي متواضع الوسائل والإمكانات ولكنه يتميز بقدرة كبيرة على
النفاذية والانتشار والتأثير بالمواطن، إنه إعلام المقاومة الوطنية
المسلحة في العراق الذي أبتدأ من بضعة شعارات كتبت على جدران مدينة بغداد
تدعو إلى مقاومة الغزاة والدفاع عن العراق، وتطور إلى توظيف واسع لمختلف
وسائل الاتصال، وفي المقدمة منها التلفزيون والإنترنيت، وتكريس طاقة كلّ
مواطن مقاوم للاحتلال إلى مصدر للمعلومات والاخبار والأفلام الوثائقية،
وفي الوقت ذاته إلى متلقٍ نهائي للتعامل معها وتوسيع دائرة انتشارها.
وفي قبال اتساع القدرة الفنية، وتزايد الامكانات وبشكل خاص بعد الانتشار
الواسع للقنوات التلفزيونية الفضائية فإن معوقات كبيرة وحسيمة تقف حائلاً
في تغطية الحدث، ومنها اتساع دائرة خرق نطاق وحرمة الحريات الإعلامية
بشكل مستمر من قبل أجندة الاحتلال حتى وصل الأمر إلى قتل الشهود «الإعلاميين»
كما حدث ويحدث في العراق بعد الاحتلال، إلى جانب ذلك تتم ملاحقة
الإعلاميين الذين يمارسون عملهم في إطار تغطية الأحداث موقعياً، كما
يتعرضون للمضايقات أو للمحاكمات والسجن، وهذا ما دعا المنظمات الدولية
المعينة بالدفاع عن الإعلاميين وحقوقهم، وحتى منظمات حقوق الإنسان إلى
ضرورة توفير الحصانة والحماية اللازمة للإعلاميين خلال ممارستهم مهامهم.
ومهما كانت هذه المعوقات فان لحظة الاعتراف بحرية الاعلام قد تحققت ولم
تعد كلّ أسلحة التعطيل والمصادرة قادرة على إعاقة تلك الحقيقة. ومن هنا
يؤكد المؤلف: فإن حماية تلك الحُرية تتطلب حشداً فكرياً أولاً، ثم
ميدانياً تدعمه المواقف والتشريعات الدولية والأقليمية والمحلية، وألا لا
تترك وسائل الإعلام تقاتل وحدها في ساحة يتوفر لخصمها الكثير من مصادر
القوة غير المحدودة، فاندحار الإعلام لا تعود نتائجه على المهنة بذاتها،
بل ان المستهدف هو حصيلة ما تحقق من انجازات حُرية التعبير والرأي
للإنسانية جمعاء. وطالما ان مجتمعاً لا يعرف الخوف فهو وحده القادر على
صناعة والإحساس بالسعادة، ويكون فيه الإنسان معبّراً عن قيمة وجوده
الفعلية بالتعايش بين واقعه وطموحاته، وحينها تكون «الكلمة» قادرة على
النمو والانتشار والنهوض بمسؤولية الدفاع عن العدالة والكرامة.
مواجهة الطوفان
يؤكد المؤلف أن بعد الحرب العالمية الثانية وعبر تضمين الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948م مبادئ تضمن حق الفرد في إبداء رأيه من
دون تدخل، وحق الفرد في حُرية التعبير، بما في ذلك حرية استقاء المعلومات
والأفكار من أي نوع، وتلقيها، ونقلها بغض النظر عن الحدود، وتعزز ذلك
بدعوات أممية وإقليمية، لعل أبرزها إعلان «ماكبرايد» «MacBbide» الذي صدر
كتقرير مستقل عن الأمم المتحدة، وبالاتجاه ذاته تعاظم دور التجمعات
المهنية للإعلاميين، مثل الاتحاد الدولي للصحافيين في بروكسل، ومنظمة
الصحافيين في براغ، واتحاد صحافيي دول عدم الانحياز لاحقاً في بغداد،
ومنظمات إقليمية أخرى، وجميعها ركزت على مبادئ أساسية في حق الاتصال
وحُرية الأداء كما جاءت واضحة ومحددة في الاتفاقية الدولية حول الحقوق
المدنية والسياسية (كانون الأول/ديسمبر 1966م) إذ نصت موادها (18و19و20)
على حق كلّ فرد في حرية اعتناق الآراء والمعتقدات وعلى حقـه في حرية
التعبير، ويشمل هذا الحق حُرية استقاء المعلومات والأفكار من كلّ نوع
وتلقيها ونقلها بغض النظر عن الحدود، سواء كان ذلك شفاهة أو كتابة أو
طباعة في صيغة فنية، أو من خلال وسائل أخرى من اختياره، كما أن القرار
رقم 59 الصادر في 14 كانون الأول/ديسمبر1946 للجمعية العامة للأمم
المتحدة نص على أن «حُرية تداول المعلومات من حقوق الإنسان الأساسية، وهي
المعيار الذي تقاس به جميع الحُريات التي تكرس الأمم المتحدة جهودها
لحمايته»، وأن«حرية الإعلام تتطلب بالضرورة ممن يتمتعون بمزاياها أن
تتوافر لديهم الإرادة والقدرة على عدم إساءة استعمالها، فالالتزام الأدبي
بتقصي الحقائق من دون انحياز، ونشر المعلومات من دون تعمد».
ويوضح المؤلف مزيداً من القرارات قائلاً: وفي أول مؤتمر دعت إليه الأمم
المتحدة في جنيف في الفترة من 22 آذار/مارس إلى 22نيسان/ابريل 1948م عن
حُرية الإعلام، ثـُمّ وثقه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام نفسه،
أفرد مادة خاصة حددت مفهوماً أكثر اتساعاً لهذه الحرية، وقد نصت المادة
التاسعة عشرة على ما يأتي:
أولاً: لكل فرد الحق في اتخاذ الآراء من دون تدخل.
ثانياً: لكل فرد الحق في حرية التعبير، وهذا يشمل حرية البحث عن
المعلومات والأفكار من أي مصدر واستلامها ونقلها بغض النظر عن الحدود =
أي الوسائل.
ثالثاً: ترتبط ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة(2) من هذه المادة
بواجبات ومسؤوليات خاصة، وعلى ذلك فانها قد تخضع لقيود معينة، ولكن فقط
بالاسناد إلى نصوص القانون على أن تكون لازمة وضرورية:
1- لإحترام حقوق أو سمعة الآخرين.
2- لحماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة أو الأخلاق.
وأمام كلّ هذه المنظومة القيمية التي تحفظ للإنسان حقه في العيش والحياة
إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت في طليعة الدول التي خرقت هذه
المنظومة، فهي التي اشعلت الحروب خارج حدودها منذ الحرب العالمية الثانية
ولغاية اليوم، فهي قد قدمت نماذج صارخة في التجاوز على الإنسانية وتوظيف
مكثف لدعاية الحرب، فوظف إعلامها في خدمة اهداف سياسية رسمية.
الإعلام.. وإفساد الحقيقة
من السياسات المتبعة ضمن المنهج الأمريكي هو العمل على إفساد تعطيل
الإعلام، ومن أهم هذه الأساليب: إفساد الحقيقة، فيقول المؤلف: لتصوير
الإعلام المنحرف والموظف لأغراض سلبية يمكن أن نستعير هذه القصة التي
تكشف لنا عن إمكانيات قلب الحقائق وتزويرها:
ـ هاجم كلبٌ شرس طفلاً في حديقةٍ في مدينة نيويورك.
ـ رأى أحد الماره ما حدث فهرع إلى المساعدة، وانقض على الكلب الشرس وقتله.
ـ صحافيّ في إحدى الصحف المحلية في مدينة نيويورك شاهد ما حصل، وأخذ بعض
الصور للحادثة ليضعها في الصفحة الأولى من الجريدة التي يعمل لها.
ـ اقترب الصحافي من الرجل وقال له: شجاعتك البطولية سوف تنشر في عدد يوم
غدٍ تحت عنوان «شجاعٌ من نيويورك يُنقد ولداً» أجابه الرجل الشجاع بأنه
ليس من نيويورك، فقال له الصحافي: في هذه الحالة سوف نضع العنوان: شجاعٌ
أمريكي أنقذ ولداً من كلب شرس، أجاب الرجل الشجاع: أنا لست أمريكياً أيضاً،
أنا من باكستان.
ـ في اليوم التالي صَدرت الصحيفة، وكان عنوان الخبر في الصفحة الأولى:
مسلمٌ متطرفٌ ينقضّ على كلبٍ في حديقة في نيويورك ويودي بحياته ومكتب
التحقيقات الاتحادي (FBI) بدأ التحقيق بإمكانية وجود علاقة بين هذا الرجل
ومنظـّمة القاعدة التي يرأسها أسامة بن لادن!!!
ويعلق المؤلف على ذلك قائلاً: إن ما تصنعه وسائل الإعلام المضللة هو
التشويش والتداخل بين جملةٍ من المصطلحات المحيطة بمفهوم «الإرهاب» وحشره
في مضمون مصطلحي «الحرب» و«المقاومة» وفي هذا الإطار، أطلقت السياسة
الأمريكية وسوّقت نعوتاً مختلفة، وتناشرة مفردات عديدة أسهمت في إشاعة
التشويش حول حقيقة مفهوم «الإرهاب» ودوافعه ونتائجه، بل مارست أجهزة
الإعلام الأمريكية إرهاباً فعلياً ضدّ مصادر الأخبار التي تحاول أن تحافظ
على حياديتها في تناول الأحداث السياسية في العالم الثالث، وربطت بين
مفردات «المقاومة» و«الشر» و«الانتفاضة» و«الإرهاب» وحرب العصابات
الشعبية، بأعمال العنف غير المُسيطر عليها، وغيرها من التعبيرات التي
قدّمتها وسائل الإعلام الأمريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها بهدف عرض
صورة منمّطة سلبيةٍ من حركات التحرر الشعبية والمقاومة ضد الهيمنة
والاحتلال ونضال الشعوب من أجل التحرر، وكذلك عن علاقة العرب والمسلمين
بالآخرين، وباتجاه إثارة نزعةٍ عنصريةٍ ضدهم.
وفي هذا الإطار يقول المؤلف موضحاً موقف الإعلام البريطاني في حملته ضد
الارجنتين، بعد دراستهم لتجربة الحرب الأمريكية في فيتنام وما أسهم به
الاعلام في فضح فشل السياسة العسكرية الأمريكية، فأتخذ البريطانيون
أسلوباً آخراً مغايراً في التعامل مع الأحداث، فشهد إعلامهم سلوكاً خاصاً
في ترويض المفردة والتلاعب بها، فهم اعتمدوا على مفردات جديدة بهدف «أبلسة»
أو «شيطنة» العدو، وكانت بحق ـ على حد تعبير المؤلف ـ صياغة سياسية
اعلامية معيارية جديدة على العالم، تهدف ليس إلى تقييد الإعلام وتكميمه
بل إلى إجباره على استخدام مفردات بذاتها في تسمية العدو، ففي ممارسة
أسلوب «أبلسة الخصم» فقد تعرضت كلّ الأمة الأرجنتينية بالإضافة إلى
زعيمها إلى السخرية والكراهية. فكانت «الألبسة» تكتيكاً مفيداً في منظور
الحكومة البريطانية، لأن الحرب كانت تهدف إلى الفوز على العدو الشرير،
واعتمدت لإنجاز هذه المهمة وتحت ذريعة «الإعلام الطارئ» أساليب رقابية
استثنائية، وأوكل تطبيق هذه السياسة إلى «المراقبين الإعلاميين»
«Minders»، وهم رجال يعلمون في مجال العلاقات العامة ويلبسون زيّاً رسمياً،
ويعتبر هؤلاء جنوداً مكلفين بمهماتٍ إعلامية في الظاهر، أما مهمتهم فهي
مراقبة أداء الصحافيين، والوقوف عند ممرات «وسائل الاتصال الالكترونية»
للاستماع إلى الرسائل التي يبعثها المراسلون الحربيون من ميدان المعركة،
أو بشكلٍ أدق من على ظهر السفن المرافقة للحملة العسكرية، ولن يترد هؤلاء
المراقبون من إبلاغ الصحافيين بأنهم على أهبة الاستعداد لـ«قطع التيار
الكهربائي» في حالة أي حركة غير محسوبةٍ للصوت يتصورون أنها تنتهك
الضوابط الأمنية والتعليمات الرقابية.
الامبراطورية الاقتصادية
ان القيم الرئيسية للرأسمالية الأمريكية في سعيها للسيطرة والهيمنة تبدأ
من تعظيم الربحيّة والتوسع المتصل بالأسواق وعولمة الاستثمار والدورات
المالية باتجاه تحقيق التراكم النفعي، ولهذا فقد توثق الحلف بين قوة
المال وطموحه وبين قوة الاعلام وتأثيره وسعة انتشاره، وفي إطار ذلك برزت
الحاجة إلى إعادة صناعة الثقافة المعبّرة عن تلك الأهداف، بالإضافة إلى
تكريس حاصل الثقافة وفاعليتها على الاستثمارات الواسعة، هي تظهر بشكل جلي
في هجم الأموال المستثمرة، وعلى سبيل المثال ـ بإنشاء قناة تلفزيونية
فضائية بالمقارنة بالاستثمار المخصّص لإصدار صحيفة يومية.
فالتحالف بين المال والإعلام أدى إلى إعادة تدوير الإنتاج الكمّي والنوعي
لوسائل التأثير في السياسة، وإلى انشاء امبراطوريات إعلامية ـ ثقافية
معبّرة عن مصالح سياسية ونرى ذلك واضحاً ـ كما يقول المؤلف ـ في النموذج
الأمريكي الذي قدّم نماذج كثيرة عن التحالفات السياسية ـ الإعلامية، لعلّ
أبرز ما قدّمته شبكة الـ«سي.ان.ان» (C.N.N) التلفزيونية الإخبارية من
نموذج ميداني خلال الحرب العدوانية على العراق عام 1991م ثم عام 1998م
وأخيراً في عملية احتلال العراق عسكرياً عام 2003م، وأيضاً ما نراه في
إيطاليا من توافق مافيا المال والإعلام في صناعة كرسي لرئاسة الوزارة
تستند قوائمه إلى تأثيرات المصالح المستمرة بين الرأسمالية والدعاية لها
والمصالح الداخلية والإقليمية المعبّرة عن تلك المصالح. وأيضاً في
الولايات المتحدة، وأمريكا اللاتينية، وأوربا، وحتى جنوب شرق آسيا، فهي
تحمل نماذج عديدة متنوعة الأشكال عن إدراك القوى السياسية للدور الذي
يمكن أن يلعبه تحالف المال والإعلام والثقافة في صناعة الأفكار وضمان
السيادة الإعلامية. وبالتالي في فساد وإفساد دور الثقافة، وتحويلها من
أداةٍ ايجابية في حياة الإنسان، إلى وسيلة للسيطرة عليه ومصادرة حُريته،
وفرض قيم أخرى على قناعاته وسلوكه، وتحويل مؤسسات الثقافة إلى مدفعية
تساند هجوم السياسة الوحشي على ثقافات الشعوب الأخرى. وتفرض على الآخر
القبول والتسليم بالعولمة بحسب القياسات الرأسمالية وبمواصفاتٍ جاهزةٍ
تصادر وتهيمن.
إشكالية الإعلام العربي
حاول المؤلف وضمن عناوين الفصل الثاني لهذا الكتاب تسليط الضوء على بعض
الإشكاليات، والذي قد تبدو واضحة ضمن صعوبات ما يواجهه الإعلام العربي
فهو يقول: إن المأزق الحقيقي، في الوقت الذي تطورت فيه القدرات التقنية
وتنوعت، واتسعت عوامل التأثير المتبادل بين المرسل والتلقي، هو أن تلك
الوسائل ـ وباستثناءات محددة ـ عادة تخسر يوماً بعد آخر صدقيتها ودورها،
ولم تحافظ على وهج الدور الذي اتسمت به في بدايات تأسيسها وتطورها، وبشكل
خاص في النصف الأول من القرن الماضي، حيث حملت الصحافة راية النضال
الوطني التحرري، وجسدت إرهاصات مرحلة الاستقلال وبناء الدولة العربية
وتحديد خياراتها في التنمية والتطور.
أما واقع هذه الأجهزة الإعلامية، وعلى حد قول المؤلف ـ فحالها حال
السلطات السياسية العربية، قد تمّ خطفها وتكميمها والمساومة على حريتها،
كما وان المثير للدهشة أن مستواها الأذائي شهد تطوراً واسعاً بعد انتشار
البث التلفزيوني والفضائي وتنوع شكل التواصل وفوريته إلا أنـّه تراجع
بخطى واسعة نحو الخلف في إطار التعبير عن معنى الحرية والاستقلالية
والقدرة على التأثير في الحياة السياسة.
ثم يروح المؤلف موضحاً صورة هذا التراجع وأشكاله قائلاً أنـّه لم ينحصر
في قدرتها على التعبير عن حاجات التغيير والإصلاح في الواقع السياسي
والاقتصادي والاجتماعي، بل تعدّى ذلك إلى مساهمتها، بشكلٍ أو بآخر، في
تكريس واقع التشرذم والتفكك وتسويق القيم والمفاهيم السلبية في الحياة،
ويضيف: وانتقل جزء أساسي من البرامج الموجهة ضد المصلحة القومية لتجد لها
موقعاً في تلك الوسائل.
الإعلام في العراق.. الموت من أجل الخبز.. الموت
من أجل الحقيقة
ان تغطية الحدث الحزبي في العراق جعل ان يكون الاعلامي المستهدف الثاني،
وربما لم يسقط هذا الاعلامي جزاء نيران صديقة أو مجهولة، بل ان قنص
الاعلامي وهو في موقع الحدث يمثل رسالة واضحة تفصح عن عدم الرغبة في وجود
الشاهد، خاصة في المناطق الحيوية المكتظة بالسكان، كما حصل ويحصل في
معارك الفلوجة والنجف وبعض مناطق بغداد فاستباحتها يرافقها تدمير شديد
وواسع للمرافق الحيوية كالمستشفيات ودور العبادة والمدارس وهذا يشكل
استفزازاً للشاعر الإنسانية والوطنية، ولذا جاء الحصار أولاً ثم الاعتقال
ومن ثم القتل إذا اقتضى الأمر، وبالمقابل لم تقدم قوات الاحتلال الأمريكي
أي تبرير لعمليات قتل الاعلاميين. وهذا مما جعل من الصحافيين الاعلاميين
العاملين أن يبتكروا طريقة تحفظ وتصون لهم حياتهم، فعمدوا على تشغيل
مراسلين ثانويين يجهزون بكاميرا فيديو وجهاز موبايل ليلتقط الحدث وارساله
إلى مركز الاعلاميين اصحاب الكفاءة والخبرة الأساسيين وهي طريقة مكلـّفة
مادياً إلا أنـّها وسيلة تضمن لهم حياتهم من مسائلة الاحتلال ومن النيران
المجهولة، وربما الصديقة حتى.
ومن هنا تصاعدت ـ كما يقول المؤلف ـ الدعوات الدولية لوضع حد للإرهاب
قوات الاحتلال الأمريكي للإعلاميين والعاملين على تغطيات الأخبار في
العراق، فقد أعلن الاتحاد الدولي للصحافيين يوم الثامن من نيسان/ابريل
يوماً للحداد والاحتجاج على حالات قتل الصحافيين في العراق، فضلاً عن «الفشل
الذريع للبنتاغون في تقديم تبريرات مقنعه لأسباب قتل الصحفيين».
فالكتاب بمجمله مَثـّل موجهة نظر ما ينبغي عليه أن يكون خطاب المقاومة
ووسائل أعلامها، اضافة إلى استعراض خطورة الاعلام الأمريكي وأهدافه ليس
في العراق وحده، بل من خلال دراسة التجربة الاعلامية في الدول التي
أحتلتها أمريكا.
وهذا الكتاب الصادر في عام 2006م عن مركز دراسات الوحدة العربية يكاد
ينفرد بمنهجيته عن باقي الاصدارات الأخرى، حيث وضع المؤلف ملخص دراسته
كمدخل للكتاب ومن ثم أفرد ثلاثة أقسام تضمنت سبعة فصول مع تعدد وتنوع في
العناوين التي لم تكن سهلة الوضوح واليسر في ايصال المعنى إلا بعد جهة من
قراءة مادتها، ومن هنا كان لزاماً علينا ان نختار عناويناً اكثر وضوحاً
لملمة فكرة المؤلف. فضلاً عما أصاب المادة البحثية نفسها مزيد من التكرار.
(*) كاتب وباحث من العراق.
|