|
السبت: 05/04/2008
الديمقراطية
والمساواة
ايريك كيسلاسي
ترجمة: جهيدة لاوند
الناشر: معهد الدراسات الإستراتيجية، بغداد ـ بيروت
قراءة: مختار الأسدي(*)
كتاب «الديمقراطية والمساواة»
لـ«ايريك كيسلاسي» هو من منشورات معهد الدراسات الإستراتيجية، جاء نصه
العربي بترجمة الدكتورة جهيدة لاوند وطـُبع طبعته الأولى في بغداد وبيروت
عام 2006م في 172 صفحة من القطع الصغير.
تقول الدكتورة لاوند في مقدمتها لترجمة الكتاب إن الكاتب اعتمد منهجاً
أكاديمياً علمياً نجح فيه بتوضيح أكثر المسائل تعقيداً في مسألة
الديمقراطية والمساواة وراح يطرح تساؤلات عديدة حول هاتين المسألتين
الحساستين: فهل هي مساواة في الحق أم مساواة فعلية؟! وهل (المصدر
الاجتماعي) أي طريق الصعود والارتقاء في المجتمع مازال يعمل في المجتمع
الديمقراطي، أم هو معطـّل؟ وهل الديمقراطية هل المعنية وعندها يجب إعادة
النظر في تطبيقها؟ أم أن السبب يكمن في شيء آخر؟ وما هو السبيل اليوم
لتوثيق الصلة بين المساواة والحرية؟ (وكيف تبنى) العلاقة بين المواطنة
والدولة والمسؤولية ودولة الرفاهية؟ وما إلى ذلك ترك اجوبتها في ثنايا
الكتاب، الجميل في الكتاب ان الكاتب وضع نفسه مراراً مكان الطالب
المتسائل ـ كما تقول الدكتورة لاوند أيضاً ـ فعندما تكون المسألة نظرية
بحته، يحاول كيسلاسي دائماً توضيحها بمثال جليّ يحاول من خلاله أن يوصل
الرسالة المبتغاة. إذ إنّ كل فصل من فصول الكتاب الخمسة يبدأ بسؤال يحاول
الكاتب من خلاله الإجابة عنه، وعادةً ما يبدأ بعدد من الأسئلة، وغالباً
ما يعتمد الكاتب الإجابة عنها عبر أعمال وبحوث كتـّاب كلاسيكيين مثل
توكفيل وفيبر، وكذلك باحثين معاصرين مثل جون رولز وأما ريتاسين.
يقول الكاتب في كتابه هذا ان الديمقراطية ليست فقط المساواة، والمساواة
لا تؤدّي دائماً إلى الديمقراطية. وللوهلة الأولى تبدو العلاقات بين هذين
المفهومين الأساسيين، والتي تستحق أن تحلـّل، سهلة المنال.
نعم، ما هي العلاقات التي تربط أو تجمع بين
الديمقراطية والمساواة؟
يعلـّق الكاتب أن اولى الصعوبات التي يمكن أن نواجهها في هذا السياق هو
تحديد هذين المصطلحين: الديمقراطية والمساواة. وبالتالي لا يجب أن يـُنظر
إلى الديمقراطية على أنها نظام سياسي فقط. فالديمقراطية ـ حسب توكفيل ـ
تميل أكثر إلى أن تكون «واقعاً اجتماعياً» بمعنى أنها تحدّد طبيعة
العلاقات الاجتماعية بين المواطنين. ويضيف الكاتب:
«من هذا المنظور، علينا أن نفهم المساواة على أنها مساواة في (الشروط) أو
في (الظروف) أي أنها مساواة في السياسة ومساواة في الاعتبارات ومساواة في
الفرص على حدّ سواء».
أما المساواة في الاعتبارات فتعني ضمناً أن المساواة هي معيار المجتمع:
إن أفراد الأزمنة الديمقراطية «متشابهون» فإنْ كانت المساواة مشيئة شكلية
أو قانونية، فعليها أن تبذل ما بوسعها كي تـُترجم في الواقع الذي يواجهه
المواطنون. اذ إن كل فجوة بين مختلف أنواع المساواة سواء كانت المساواة
في الحق أو المساواة الفعلية فإنها تعكـّر مفهوم الديمقراطية وتشوهه
بالتأكيد بالإضافة إلى ذلك، ان تعريف الديمقراطية (الاجتماعي) يولـّد
تساؤلاً حول التوق إلى تحقيق المساواة في الفرص (تكافؤ الفرص). فالأمر
يتعلق إذاً بالتساؤل حول ما إذا كانت الديمقراطية تسمح بالتحرك الاجتماعي
أم لا؟ ثم هل أن مجتمعنا الديمقراطي مرن؟ يتساءل الكاتب مضيفاًك هل ما
زال مقسماً إلى طبقات؟ هل ما زلنا نشهد «إعادة انتاج اجتمااعي» بينما لم
يـُعد للطبقات الاجتماعية أي وضع قانوني في هذا الإطار؟ ألم تـُعط
ديمقراطة المدرسة كل النتائج المرجوّة منها؟ أليست الديمقراطية دائماً
مصدراً للمساواة!!
يحاول الكاتب الإجابة عن هذه التساؤلات على امتداد فصول الكتاب، ويتوقف
هنيهة في معرض الإجابة قائلاً:
«لكن الديمقرطية لا ترتكز فقط على المساواة. فالحرية قيمة أساسية في
المجتمعات الديمقراطية». يم يروح متسائلاً بعد ذلك أيضاً: «ألا يوجد
توتـّر بين هذين المفهومين؟ ألا تـُترجم الديمقراطية بتعارض بين المساواة
والحرية؟ وبهدف تحسين مصير عدد كبير من الناس، قد تكون الديمقراطية مصدراً
لظهور طبقة واسعة تتميّز بتفرّدها وبماديّتها؟ فطعم الرفاهية المادية
والانغلاق داخل الدائرة الخاصة، يؤديان إلى بلادة سياسية ولامبالاة
بالأمور العامة». ويضرب الكاتب مثلا على هذه البلادة واللامبالاة بقوله:
«انّ أرقام الامتناع عن التصويت عند المراجعات الانتخابية هي الشاهد
الأكبر على ما نقوله. وعليه أليس من المحتمل أن نشهد بزوغ أشكال جديدة من
الاستبداد قد تأتي مهدّدة للحريات؟!» نعم، ان الديمقراطية مليئة
بالتناقضات كما يؤكد الكاتب أيضاً، والأخطر أنها هي التي قد تولـّد
نقيضها! لذلك، من الضروري جداً إعادة تحليل ممارسات الديمقراطية للحؤول
دون الوقوع في هذا الخطر!!
ويعلـّق الكاتب في نفس السياق مضيفاً: يرتبط مفهوم «المساواة» ارتباطاً
وثيقاً واضحاً بالديمقراطية، لكن ماذا علينا أن نفهم من مفهوم «المساواة»؟!
هل يعني أن على كل فرد أنْ يحصل على الشيء نفسه؟ أليست المساواة شكلاً
ظاهرياً فقط؟ أو وهماً في حقيقة الأمر؟ الا يجب علينا أن نصمّم على
الاستنتاج المريع الذي توصّل إليه جان جاك روسو وهو يقول: «لا توجد
إطلاقا ديمقراطية حقيقية»، ومع ذلك وكما يقول الكاتب: «إنه لأمر يقين أن
تبقى المساواة الحديثة، حتى لو أنها ما زالت لم يـُحط بها كلياً ولم
تتحقق، مجالاً للبحث، بل حتى ميداناً علينا أن نغزوه!!».
ومن هنا، يسعى الكاتب لتقديم الأدوات الفكرية لفهم المناظرات التي
تتشكـّل والرابط الأساسي الذي يجمع بين الديمقراطية والمساواة. وبكل
تواضع، يسعى لتوضيح هذه المسائل التي تـُعتبر نقطة الالتقاء لاختصاصات
عديدة في العلوم الإنسانية، بما فيها السوسيولوجيا، والسوسيولوجيا
السياسية طبعاً، وكذلك الفلسفة والفلسفة السياسية، ومعها العلوم السياسية
طبعاً، وكل ذلك بالاستناد إلى النصوص (الكلاسيكية) وأعمال حديثة ساهمت في
بلورة سجلات حديثة تناولت هذا الموضوع وسعت وتسعى إلى تعميقه وتشريحه
وصولاً لتشريح العلاقات المعقدة التي تربط بين الديمقراطية والمساواة ـ
حسب تعبير الكاتب ـ.
الديمقراطية تعريفا ومفهوماً
في تعريفه للديمقراطية، يقول المؤلف: «إن تعريف الديمقراطية ليس بالأمر
السهل، خصوصاً إنّ هذا المفهوم الجوهري يتضمّن معاني عديدة. اننا لا نشك
على الإطلاق بأصله كمصطلح سياسي ظهر في العصر القديم، وهو يعني السلطة (Kratos)
للشعب (demos)» ولا نغفل عن العبارة المقتضبة «حكومة الشعب، من الشعب،
وللشعب» ويضيف:
نقرأ غالباً أيضاً أن الديمقراطية منظمة سياسية يستطيع فيها الشعب ممارسة
حقوقه السياسية بحرية. في نهاية المطاف، تترجم المثالية الديمقراطية في
المجتمعات الحديثة، أولاً: بانتخاب قادة عبر الاقتراع العام. ثانيا: من
الضروري التنبّه إلى تحديد ممارسة صلاحية الحكـّام عبر قواعد فصل ورقابة
السلطات. ثالثاً: إنشاء «دولة الحق» التي تمنح ضمانات لحريات الأفراد
والجماعات. علماً أن طبيعة الديمقراطية نفسها هي موضع جدل.
أما الديمقراطية كواقع اجتماعي فيقول الكاتب:
«بعيداً عن الحقوق السياسية، تلتزم الديمقراطية بمنح الحقوق الاجتماعية،
وهو ما ظهر، منذ 24 حزيران/يونيو 1793م في بيان حقوق الإنسان والمواطن.
فقد جاء في المادة 21: «إن المساعدات العامة هي دين مقدّس يدين به
المجتمع للمواطنين التعساء، إما بتأمين العمل لهم، وإما بتوفير وسائل
العيش لمن هم عاجزون عن العمل». وبذلك ينبغي على الديمقراطية أن تمتلك
بـُعداً اجتماعياً عبر السماح بالوصول إلى إعانات اجتماعية (التعليم،
الصحة، والمنح). مع أن هذا الكمال المطلق لم ينجز فعلياً الا بعد الحرب
العالمية الثانية مع ولادة دولة رفاهية حقيقية عبر شعارها المسمى (الضمان
الاجتماعي)».
وعلى الصعيد السياسي يقول الكاتب:
«تمثـّل الديمقراطية حكومة الشعب التي تستند إلى أكثرية عبّرت عن رأيها
بحريّة، وهي تحترم أيضاً حقوق الأقلية. وهو تعريف جاء من المعنى الأصلي
للمفهوم، لكنه يبقى غير كافٍ!» ويضيف:
«ومما لا شك فيه هو أن الديمقراطية تتحوّل إلى «ديمقراطية الرأي»
و«ديمقراطية الجمهور» أو «الديمقراطية غير المنجزة» ومن تنوّع هذه
العبارات تتبيّن حدّة السجال والترددات التي تثقله. ولكن وعلى الرغم من
أنه غير مكتملة، ولكنّ الديمقراطية تبقى رصيداً جماعياً لا يـُقدر بثمن..
وان انبثاق «ثقافة الديمقراطية» هو خير دليل على ذلك».
بين الديمقراطية والمساواة
وفي فصل آخر من الكتاب، والذي وضعه الكاتب تحت عنوان «هل يمكن
للديمقراطية أن توفـّق بين المساواة في الحق والمساواة الفعلية؟» تطرّق
الكاتب إلى الصعوبة التي تحيط بمفهوم (المساواة) قائلاً:
«انه لمن الصعب جداً الإحاطة بمفهوم «المساواة». فالمفهوم بحدّ ذاته ليس
المشكلة، بل التداعيات التي قد تـُدرج عقب تعريفه. في الواقع، المساواة
لا تعني التجانس، إنّ الأمر يتعلـّق بمبدأ عام، يجب من خلاله أن يـُعامل
كلّ الأفراد، من دون أي تفرقة، على قدم المساواة داخل المجتمع، بمعنى:
الاعتراف لهم بكرامتهم الإنسانية، من دون إلغاء فرادتهم. جوهرياً كل
الناس سواسية» ولعل أول ما يجنيه الأفراد في جهودهم المبذولة للوصول إلى
هذا الهدف هو إلغاء التوزيع غير المتكافئ للمصادر الاجتماعية والاقتصادية
التي ترتكز على نظام الاستحقاق وعلى قاعدة المساواة في تكافؤ الفرص.
وربما يكون مفهوم المصادر الاقتصادية مفهوماً في العمل والأجور وسدّ
الحاجة، ولكن يبقى مفهوم المساواة في المصادر الاجتماعية بحاجة إلى
تفسير، ولعله يقصد به ما يمكن أن يضفيه الاعتبار الاجتماعي من حق مضاف
يتمتع به الحر اجتماعياً أو المعتوف من أسر الآخر أياً كان هذا الآخر
سلطة سياسية أو حزبية وحتى فكرية أو أيديولوجية أو دينية.
أما ما أطلق عليه الكاتب (ولادة المساواة في الحق) فيشير الكاتب ان هذه
الفكرة مولودة منذ زمن بعيد ولكنها ما تزال في صلب الحياة السياسية
والاجتماعية. ومعها يـُطرح التساؤل حول معنى المساواة في اللحظة التي
تبدأ فيها المجتمعات بالبحث عن نصوص تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الأفراد
أنفسهم أولاً، وبينهم وبين سلطة القرار ثانياً. ويضرب الكاتب مثلاً على
ذلك باليونان القديمة قائلاً:
«لقد ظهرت أول رؤية للمساواة في اليونان القديمة، وسميت حينها isonomie
وتعني مساواة الجميع أمام القانون! فبما أن الناس غير متساوين بطبيعتهم
فمن الضروري أن تـُمنح مؤسسة ما السلطة لجعلهم متساوين..».
المساواة في الحق والمساواة الفعلية
وعن التوتر بين ما سماه (المساواة في الحق) و(المساواة الفعلية) يقول
الكاتب: «لا يكفي أن تكون المساواة معلنة كي تكون فعلية. فلا أحد يشكك
بأن المجتمعات الديمقراطية نجحت في إدراج المساواة في القانون، وفي نيتها
نشرها في الممارسات، لكن يبقى كل هذا أبعد من أن يكون كافياً في الواقع،
ورغم كل ما أنجز من تقدّم في المجال القانوني، لم تـُحذف كل أوجه
اللامساواة..» ويضع الكاتب عنوانين لهذه الحقيقة هما «عودة الارستقراطية
والكمال الديمقراطي» وما سمّاه «ضريبة الانتخابات الخفية» بحيث ينتهي إلى
القول: المسلـّم به اليوم أن العديد من أوجه اللامساواة حجب بسبب المستوى
العالي للنمو، ولكن الذي يجري الكلام عنه هو ظهور عصر لامساواة جديد ـ
حسب عنوان كتاب (جين بول Jean Paul وفيتوسي راسانفالون Fitoussi
Rasanvallon صدر عام 1996م. مضيفاً أيضاً:
«وهكذا نلاحظ ولادة ذلك النوع من (ضريبة الانتخابات الخفية)، الذي له في
الحقيقة ـ خلف مرشـّح ظاهر لإجراءات تحترم شكلياً مبدأ المساواة ـ وظيفة
الحفاظ على السلطة لصالح بعض الطبقات في المجتمع». ولكن تختفي وراءها
نوايا مبيّتة وخفية لحفظ امتيازات طبقات وأحزاب محدّدة في المجتمع لا
يجري الحديث عنها علناً بالتأكيد، ولكنها الشغل الشاغل لأولئك الأدعياء
الذين يدّعون تمثيل الشعب كل الشعب، ولكنهم في الحقيقة لا يمثــّلون الا
مصالح جماعات خاصة وفئات معينة ويحرصون على إرضائها أو استرضاءها لهدف
التخادم بين الطرفين، ولا علاقة له بالحق والمساواة والديمقراطية سوى
الشعارات التي تخفي وراءها ما تخفي، ولذلك وكما يقول الكاتب:
«إن أرقام الامتناع عن (التصويت) والتي تتضاعف عند كل موعد جديد مع
صناديق الاقتراع لا تسمح بتعديل هذا التحليل».
هل من حلول؟
وأما بعض المنغلقات التي عرضها الكاتب وخشي أن تكون سبباً لإلغاء الحرية
وحتى (ثقافة الديمقراطية) وفي تساؤل مسؤول وضعه تحت عنوان «هل من حلول؟»
تراه يقول:
«بالرغم من هذا التهديد للحرية، يدافع توكفيل عن المساواة في الشروط
لاعتقاده بأنها مجدية للجميع تقريباً. بيد أنه يبحث عن شروط وجود
«ديمقراطية ليبرالية» بإمكانها أن توفـّق بين المساواة والحرية، ثم يعرض
حلولاً كثيرة تصبّ في أغلبيتها في دعم الحرية السياسية.. وصولاً لإيجاد
موازنْ (أو معادل) لما سمّاه (نفوذ الدولة الخانق)، وذلك عبر: تشجيع
الممارسة الدينية، وتنظيم حرية الصحافة وإنشاء هيئات وسيطة».
باعتبار ذلك كله نشاطات اجتماعية حرة خارجة عن تدخل الدولة أو رقابتها.
نحو مجتمع عادل
وهنا، وفي إشارة دالة أو دلالة لافتة وضعها المؤلف تحت عنوان: «نحو مجتمع
عادل» و«مبادئ العدالة الاجتماعية» يشير إلى التفاتة الفيلسوف الأمريكي
جون رولز John Rawls في ما وضّحه حول: «حل الخلاف الجوهري في الشكل
العادل لمؤسسات المجتمع الديمقراطي الرئيسية في الظروف الحديثة» وهو ـ
كما قال ـ مجتمع يتميّز بتعددية عقائدية مهمة: حيث تكمن المشكلة في صعوبة
إيجاد قاعدة للوحدة الاجتماعية والتعاون غير المرتبط بأية أيديولوجية.
وبالتالي ـ الكلام للكاتب طبعاً ـ فإن الجديد في خطورة رولز يكمن من
ناحية في رفض «الليبرالية المتوحّشة» التي تضحّي بالفقراء باسم الفاعلية
الاقتصادية، ومن ناحية أخرى رفض «الاشتراكية المستبدة» التي تترجم
بالتضحية بالآثرياء باسم «العدالة الاجتماعية». لذلك يقترح حلاً وسطاً
ينبغي أن يسمح بالمواءمة بين احترام الحريات الفردية والمساواة، مضيفاً:
«يجب أن تـُبدي الديمقراطية الليبرالية (العادلة) اهتماماً بمراقبة
الحرية الاقتصادية (آلية السوق) لتمنع هذه الأخيرة من التسبّب في
لامساواة لا تـُحتمل على الصعيد الاجتماعي».
وفي إشارة لافتة أخرى وضعها الكاتب تحت عنوان «العدالة الاجتماعية سراب»
في ضوء ما سمّاه «الميزان الليبرالي المتطرّف» يؤكد في معرض ردّ لفردريك
فون هايك على رؤية رولز قائلاً ما نصّ ترجمته: «ضد رؤية رولز، يدافع
فردريك فون هايك عن فكرة أن مفهوم (العدالة الاجتماعية) ليس له أي شرعية
في اقتصاد السوق، والجزء الثاني من كتابه «الحق، التشريع، الحرية» 1976م
يحمل العنوان المعبّر التالي: «سراب العدالة الاجتماعية» وهنا أقتبس
أيضاً دون تدخـّل، النص التالي للترجمة «يشنّ الكاتب (أي هايك) حملة ضد
مفهوم (العدالة الاجتماعية) نفسه:[في مجتمع أحرار، حيث أعضاؤه لهم حرية
التصرّف الكاملة لاستخدام معارفهم في متابعة أهدافهم، يصبح مصطلح العدالة
الاجتماعية كلمة فارغة من كل معنى أو محتوى]. بيد أن هذا المصطلح سيطر
على مخيلة العامة، التي تبقى في انجذاب تام للاعتبارات التكافؤية..(نعم)
تتعلق العدالة الاجتماعية أكثر بالظاهرة البصرية. في الواقع أنّ مظهرها
الخلاب يبقى مخادعاً لأن [ما يتصوّره أغلبية الناس، طريقة سلمية لترجمة
إرادتها الحسنة تجاه الفقراء..]، أصبحت طريقة ملتوية توحي بأن على الجميع
الإقرار بشرط (أي باشتراط) بعض المجموعات من المصالح، من دون أي داع
لإعطاء السبب».
وينقل الكاتب رؤية أخرى في نفس السياق عن (هايك) أيضاً يقول فيها:
«بالنسبة لهايك الذي حاز على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 1974م إن
المحاولات (الجارية) لـ [تصحيح] نتائج السوق باتـّجاه العدالة الاجتماعية
قد ولـّدت لا مساواة تحت اسم امتيازات جديدة، وعوائق للحركية وجهود مخذلة،
أكثر منها بلسماً لمصير الفقراء».
المساواة والحرية
وفي نظرة جديدة حول العدالة الاجتماعية أورد المؤلف رؤية أمارتيا سين
Amartya Sen الفيلسوف والاقتصادي الهندي المعروف الحائز على جائزة نوبل
في الاقتصاد عام 1998.. والتي قال فيها أنها تسعى بشكل خاص للتوفيق بين
المساواة والحرية.. في الواقع ـ كما يرى سين ـ أن المجتمع العادل يجب أن
يـُسمح لجميع الأفراد فيه أن يجتازوا فعلياً نمط حياتهم، وعلى هذا
المجتمع أن يقدّم (إمكانات) غير متساوية للناس، لأن الناس حسب فهمه
يختلفون بعضهم عن بعض في الجنس والعمر والكفاءة، وحتى في الثقافة أو
الخلفية الفكرية والثقافية، وهذا ما يخلق تمايزاً بين الناس، ومادام
الأمر كذلك، فإن الحقوق المتساوية لن تمنح الحرية نفسها، ولكل الأشخاص،
فالفرد صاحب الدخل الضعيف مثلاً يجب أن يـُمنح إمكانات أكبر لأن دخله حتى
مع المساعدة المتساوية مع غيره تشكـّل عائقاً أمام تحقيق أية اختيارات
وهذا يعني أن إعطاء المساعدة نفسها للجميع لا تسمح بضمان الحرية نفسها،
لأن انساناً ما على سبيل المثال يشكو من إعاقة معيّنة فإنه بالتأكيد
بحاجة إلى مصادر مادية أكثر من إنسان سليم لضمان الحرية الفعلية نفسها
لهما. وهذا هو الذي يحقق منح الناس «حرية متساوية للوصول إلى وسائل
خارجية وإلى الكفاءات الشخصية التي بفضلها يستطيع شخص ما ممارسة حرياته»
وهو ما يطلق عليه كلمة (الانصاف) في توزيع المساعدات أو توفير الفرص..
وهكذا راح بعض المفكرين يقترح تبديل شعار الجمهورية الفرنسية المعروف:
«حرية، مساواة، أخوّة» إلى «حرية، إنصاف، أخوّة».
بهذه الدقــّة وبهذا العمق راح إيريك كيسلاسي مؤلف كتاب (الديمقراطية
والمساواة) يغوص في المفاهيم، وإن لم ينس المصاديق والأمثلة لتجلية ما
يريد تجليته أو توضيح ما يريد توضيحه.. غير ناسين ما بذلته الدكتورة
المترجمة جهيدة من جهد جهيد فعلاً في تفكيك الجمل والعبارات، وخاصة مع
مفاهيم متشابكة تداخلت فيها آراء الكاتب نفسه مع آراء الآخرين الذين
اعتمد عليهم من قدماء كلاسيكيين ومحدثين ومعاصرين..
(*) كاتب
وباحث من العراق.
المصدر:
كتاب «الديمقراطية والمساواة»، معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006م، بغداد
– بيروت.
|