الحضارية «رحلة في كتاب»

الثلاثاء: 11/03/2008

 

 (بناء مجتمع من المواطنين.. المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين)

تحرير: دون إي. إيبرلي
ترجمة: هشام عبدالله
مراجعة: فؤاد سروجيى
الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع / الأردن ـ عمّان / 2003م / وزيري 478 صفحة.
قراءة: محمد النجار(*)
(خاص للمعهد)

هذا الكتاب(1) هو دعوة لنهضة ثقافة مدنية في أميركا، حيث يبحث عن وضع المواطن في الولايات المتحدة الأميركية ومحاولة النهوض به من خلال تغيير مجموعة المفاهيم السائدة التي تحجبه عن القيام بدوره الحقيقي كمواطن. ومن هذه المفاهيم هو نفس مفهوم المواطنة الذي يُفسَر ويُترجَم بشكلٍ يجعل المواطن في نهاية المطاف يستجدي أبسط حقوقه من الذين أخذوا صوته في الأمس.
تميز الكتاب بنزعة فلسفية واضحة واقتباس متكرر لمقولات فلاسفة أميركيين وغربيين.
يؤكد الكتاب بجميع فصوله وباختلاف كتّابه على أنّ المواطن هو العنصر القادر على التغيير وليس الدولة، بينما كان للدولة النصيب الأوفر من النقد في هذا الكتاب كما سيتضح.
أُلِّف الكتاب في تسعينات القرن المنصرم؛ لذا فهو لا يدرس التغييرات الاستراتيجية التي حدثت على الوضع الأميركي الجديد بعد أحداث 11 سبتمبر.
يعتز الكتاب كثيراً بأميركا الثورة والدولة والأمة وقوتها وشخصيتها، فكلمات التمجيد متكررة في أماكن متعددة منه أمثال: (إنّ أميركا كانت وما زالت حلماً وملجئاً للملايين من البشر غير الأميركيين) و (أميركا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تأسست على عقيدة) و (أن تكون أميركياً هو بحد ذاته شرط أخلاقي وثقافة ومهنة) بينما يختتم صاحب الكتاب هذه الأقوال جميعاً بقوله (أميركا في فكرنا القومي هي بشكل حتمي مصدر التقدم البشري كله.. ولا يمكن التخلي عن أسطورة أنّ أميركا هي محرك التقدم البشري كله.. فالتخلي عن هذه الفكرة يعرض الهوية الأميركية ذاتها للخطر)، وبنفس هذا الاعتزاز المتكرر على صفحات الكتاب هناك النقد المتكرر للحالة الاجتماعية الاميركية المتفككة على مستوى الأسرة والتربية والتعليم والانحطاط الأخلاقي وفقدان المعايير والقيم.
ليحظى كتاب اليكسيس دي توكافيل(2) (الديمقراطية في أميركا) دراسةً وتحليلاً واستشهاداً ونقداً على صفحات كثيرة من هذا الكتاب حتى أنّ هناك فصلاً كاملاً من الجزء الأول خُصص لمناقشة الديمقراطية عند توكافيل.
وفي اعتقادي أنّ عنوان الكتاب (بناء مجتمع من المواطنين) إضافة إلى كونه لا يشير إلى المجتمع الأميركي الذي هو موضوع الكتاب فهو لا يُوحي إلى مضامينه الكثيرة العميقة التي توقفت على مجموعة من المفاهيم ونقدت الصورة السائدة حولها وأعطت صورة أخرى لها، مع أنّ هذه المفاهيم تصب جميعاً في صياغة وتكوين صورة المواطنة الحقيقية، ولا يمكن إدراك هذا المفهوم (المواطنة) والتحرك به، من دون تحديد الموقف من هذه المفاهيم، وهي:
الأسرة والطفل، التراث والثقافة وشخصية الأمة، المجتمع المدني والمحلي ومؤسساتهما، الدين، الدولة، ثم مفهوم (المواطنة).
الأسرة والطفل والهبوط الأخلاقي
(تحتل الولايات المتحدة الأميركية اليوم مركزاً لا ينازعها فيه أحد: القوة العظمى الوحيدة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، فهي الدولة الأغنى والأقوى والأكثر جذباً... لكن يتساءل الكثيرون هل يكفي تحقيق التقدم الاقتصادي إذا كانت مدارسنا لا تقوم بواجبها، وإذا كانت الجريمة تتعدى السيطرة وإذا أُفقد الأطفال براءتهم في ثقافة مضادة من العنف والابتذال ويترك كل واحد من بين أربعة يعاني من الفقر؟ فالولايات المتحدة الأميركية إذن تخاطر بفقدان مكانتها كزعيم للعالم).
بهذه العبارة نستطيع أن نوجز ما أراد الكتاب توضيحه بالنسبة لقضية الأسرة وفقدان المعايير الأخلاقية، حيث يعتقد بأنّ المشكلة في أميركا ليست سياسية أو اقتصادية وإنما هي مشكلة اجتماعية، وإذا لم يتمّ السيطرة على هذه المشكلة فإنّ أميركا ستفقد الكثير ومن ضمنها زعامة العالم.
فأمريكا اليوم تعاني انحداراً أخلاقياً وتفككاً اجتماعياً جعلها على رأس قائمة العالم الذي يعاني من مشاكل عدة من الأمراض الاجتماعية حتى جعل أحد المفكرين يتسائل مشككاً: كيفَ يُمكن لمجتمع أنتج أكبر ثروة عرفها التأريخ، وكان سخياً في توزيعها أن يكون على رأس هذه القائمة؟
ومن أبرز المشاكل الاجتماعية في أميركا وأكثرها كلفة هو (الجريمة) فهناك حوالي 34 مليون ضحية للجرائم سنوياً في أمريكا ـ بحسب احصائيات الكتاب ـ حتى أصبحت اليوم هواية ورياضة عند بعض الأفراد والمحيطات أو المجتمعات داخل أمريكا (إن صح التعبير)، وقد اكتشف ويلسون أنّ الجريمة في قسط كبير منها ليس بسبب النقود، بل بسبب الانهيار الأخلاقي، ولا يمكن نقض الجريمة إلاّ بإعادة بناء المؤسسات التي تبني الشخصية، وعلى رأسها الأسرة، ويؤكد ذلك أنّ 70% من مجرمي نزلاء الاصلاحيات الأحداث هم من الأُسر التي يرعاها أحد الأبوين.
المشكلة الاجتماعية الأخرى في أميركا هي (الفقر) حيث يُترك كل واحد من بين أربعة يعاني من الفقر الذي هو ليس نتيجة عوامل اقتصادية بقدر ما هو نتيجة فقدان معايير أخلاقية.
ليبقى تفكك الأسرة هي المشكلة الصميمية الحقيقية والتي أخذت مساحات واسعة من هذا الكتاب حتى كان هناك فصلاً خاصاً بها.
هذا التفكك الأسري (المشكلة الأكبر في أمريكا) ناتجاً عن سياسات خرقاء لعقود متتالية أضعفت فيها سلطة جميع المؤسسات التي تبني الشخصية الإنسانية والمجتمع السليم كالأسرة والكنيسة والجمعيات التطوعية، ودفع الناس نحو الفردانية التي أدت إلى تفكك الأُسر في المجتمع الأميركي، وعجز المواطنة وانهيار المجتمعات المحلية والفوضى الناجمة عن التنمية الاقتصادية المستدامة، والتأكيد الزائد على أهمية الفرد وحقوقه، وتوجهات الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة الأميركية بوضعهم الأسرة ورعاية الطفل ضمن قضية التنمية الاقتصادية للدولة، وتحطيم ثقافة الأسرة بثقافة العمل، بينما لا يمكن في الحقيقة تعويض دور الأسرة بأدوار وظيفية تُشترى بالمال من قبيل رعاية الأطفال.
فالأسرة بشكل خاص يجب اعتبارها الأساس الأصيل لإقامة مجتمع محلي حقيقي وروابط إنسانية ذات مغزى. ويقع على كاهل الفرد الأميركي مواجهة تفكك الأسرة ما دامت الدولة غير معتـنية أو غير مُريدة كما هو ظاهر الحال حيث نراها تدفع إلى تحلل الأسرة وتفككها وإدخال هذه الرابطة المقدسة (الأسرة) ضمن برامجها السياسية والاقتصادية.
وتطرق الكتاب أيضاً إلى أحد أهم مفردات هذه الأسرة (الطفل)، وَنَقَدَ المقولة التي سادت في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم بأنّ الأُسَر يمكن أن تتطور دون الحاجة إلى القيم الأساسية في التربية، والدعوة إلى قراءة كتاب ريتشارد (تعليم أطفالك القيم) المعد ضمن أكثر الكتب مبيعاً في العالم.
ونقد السينما والمسرح والتلفزيون المُصدّر للأطفال ثقافة العنف والجريمة والجنس والانحطاط والدعوة إلى تكريس أفلام رجل الخير والشرطي وأفلام الحب والتسامح والقيم والأخلاق.
ونقد الأمومة المنشغلة والأبوة المستبدة، والتأكيد على أنّ الدقة في النقد تتطلب الدقة في المدح.
وتظهر الاستقراءات والدراسات أنّ أطفال العقد الأخير أقل اهتماماً بالعلامات التجارية وأكثر اهتماماً بالقيم، وهو مؤشر جيد بعكس أطفال العقدين السابقين.
الانحطاط الأخلاقي الفردي والجماعي هو المؤشر السلبي الآخر الذي تناوله الكتاب بشيء من الحسرة والألم، فقال (كانت ثقافة القرن التاسع عشر في أميركا معظمها ثقافة حياة وأمل ووعد بما هو ممكن، بينما كانت ثقافة القرن العشرين مع ما حملته من تكنولوجيا ثقافة تميزت بالانحلال والغضب والجنون ووصول الروح البشرية إلى أدنى مستوياتها الإنسانية بعدما تخلت الثقافة عن دورها التأريخي في التسامي بالروحانية الإنسانية.
وأوضح دليل على التكلفة الاجتماعية لجيل بلا قيم وجذور هو أنّ الجيل نفسه سيُدفع ثمناً باهضاً لذلك، ولا يعرف اليوم علماء الاجتماع والسياسة ما يجب فعله تجاه هذا التفكك الخطير.
المشكلة أنه ليست القيم الأخلاقية هي الوحيدة التي تعرضت للخطر، وإنما تغيرت المعتقدات بأهمية هذه القيم، وصار التفكك الأسري مثلاً أحد المشاهد المخيفة بعدما كانت الأسرة صمام أمان المجتمع.
إذن أميركا بحاجة حقاً للاعتراف مجدداً بأهمية الشرف وتدريس تلك القيم والتوجهات التي تدعم وتشجع الخيارات الفاضلة، والاعتقاد بأننا لا نحتاج شيئاً في أيامنا هذه أكثر من إعادة النظر في أخلاقيات الشعب الأميركي المدنية، وبهذا فقط توفر لبنات البناء الضرورية لإقامة مجتمع مدني مزدهر حقاً في القرن الحادي والعشرين، ويؤكد ذلك (برجنسكي) بقوله (ما لم يكن هناك جهود مدروسة لتأكيد المعايير الأخلاقية.. فإنّ مرحلة التفوق الأميركي لن تدوم طويلاً).
التعليم والثقافة والتراث وشخصية الأمة
يقول اللورد بروغهام: (التعليم يجعل قيادة الناس أسهل، لكن سوقهم أصعب، وحكمهم أسهل، لكن استعبادهم مستحيل).
يؤكد الكتاب على أهمية الثقافة والتعليم والمحافظة على تراث الأمة وشخصيتها، ويعتقد بأنّ هذه المفاهيم تدخل في صميم تكوين المواطن والمجتمع المدني الصالح، وينتقد بشدة المناهج التعليمية السائدة التي أبدلت أبطال الأمة وصانعيها بالاعلانات التجارية والدينوصورات وقصص الرعب والجنس والخرافة، حتى أصبح البطل العظيم الذي يمثل كل اهتمامات الطفل فأراً يعيش الطفل معه أغلب أوقاته ويتفاعل مع ما يؤديه من دور لأنه يجده متحركاً ومرسوماً في التلفزيون والمسرح وعلى حقيبته وكتابه والمدرسة والحائط والبيت!
ظاهرة الأمية المدنية والقضاء على الجذور الثقافية ستعرض المواطنة والمجتمع إلى كارثة حضارية كبيرة. فالأمم تعيش بأساطيرها وما يجمع الأميركيون اليوم في الحقيقة هو الأفكار التي ما زالت حيّة كوتر حي، كما عبر بذلك لنكولن، وكما قال افلاطون (اعطني أغاني أمة ولا أهمية لمن يكتب قوانينها).
تراث الأمة وثقافتها وتاريخها هو رصيدها الذي لا يمكن الاستغناء عنه في بناء حاضرها ومستقبلها، وحين تذهب ثقافة الأمة وتتحطم شخصيتها فإنّ عليك أن تكابد كثيراً للبدء من جديد، ولا يمكنك بحال من الأحوال لبس ثقافة جديدة جاهزة... لأنّ الثقافة هي القيم والمعتقدات والعادات الموروثة التي ينظم الأفراد بموجبها حياتهم، لتظهر وتنعكس على حياتهم العامة بمئات الأشكال بدءاً من البيت والجامعة والبرامج التلفزيونية. حتى الديمقراطية فهي ترتكز على ثلاث ركائز أساسية: السياسة والاقتصاد والثقافة، وركيزتا السياسة والاقتصاد هما بمثابة آنية فارغة تُصب فيهما مضامين ثقافية، فالثقافة اذن تغذي المفاهيم الداخلية والسلوكيات الخارجية للإنسان.
لذا لابد لأهل الحكم والفكر من الانتباه إلى هذا المنزلق الخطير الذي يجرد الأمة من ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وإعطاء المناهج والمدارس والكليات والمعاهد أهمية أكبر فهي طريق الإصلاح والتقدم، والحذر كل الحذر من مخاطر تهميش التعليم أو تسطيحه بإبعاده عن التراث والقيم والأخلاق؛ لأنه من المستحيل عملياً تصور وجود تعليم خال من التراث والقيم. أو تسييس التعليم والحرم الجامعي وإنما لابدّ أن تبقى للتعليم مكانته الرائدة في بناء الفرد والمجتمع بعيداً عن صراعات السياسة ومصالحها.
المجتمع المدني والمحلي ومؤسساتهما
المجتمع المدني: هو مجال شبكات العمل التطوعية والجمعيات غير الرسمية التي يدير فيها الأفراد الكثير من شؤون حياتهم، فهو لا يتعلق بالسياسة، بل هو مجال أوسع بكثير للنشاط الإنساني من المجال السياسي، ولا علاقة له بالآلة الديمقراطية والدولة البيروقراطية، فهو تحديداً نظام بشري أكبر وأكثر ثراءً من الدولة، بل إنّ مؤسسات هذا المجتمع المدني تزدهر عادة عندما تبتعد عنها الدولة، وتتقهقر عندما تتدخل في شؤونها. يقول توكافيل: (إنّ العادات هي التي تشد الروابط داخل الأمة وليس القوانين). وفي نفس الوقت فإنّ المجتمع المدني ليس مجرد بنية تستنبطها مجموعة معزولة من المفكرين.. إنه التعبير الإجتماعي لشعب يتطلع للوصول إلى أفق الحياة.. شعب تشده روابط لا تنفصم من الأخوة والمودة والعمل والهدف المشترك.
المجتمع المحلي: هو الكيان الذي يقوم عليه المجتمع المدني، أو هو نموذج مصغر للمجتمع المدني يكون بين مجموعة من الناس يشتركون في منطقة واحدة أو حي واحد أو عشيرة واحدة تربطهم رابطة المكان أو الدم أو العقيدة.
يتميز المجتمع المحلي عن غيره بأنَّ هناك الطريقة الصادقة والدائمة للعيش معاً بألفة ومودة وترابط وتكافل اجتماعي ملحوظ، وتربطهم ببعضهم روابط طبيعية قائمة على أسس محببة عند الطرفين؛ لذا يكون الطابع العام في المجتمع المحلي هو الأخلاق والإيثار.
وبعكسه هو المجتمع الذي يعني التعايش المجرد بين أناس مستقلين عن بعضهم البعض لا تربطهم ببعضهم أي رابطة من روابط العائلة والأرض والدم والدين، ويتميز هذا المجتمع بالأنانية وانعدام الثقة بين أفراده، والانتقالية والسطحية وتخلّيه عن الروابط آنفة الذكر تجعله مبنياً على النفعية الخالصة؛ لذا يكون طابعه العام متسم بانعدام الثقة والكذب والصراع لأجل المكسب.
يَعتبر الكتاب أنّ هذه الروابط الاجتماعية من الأسرة والعشيرة والجيران والمدرسة والكنيسة والأصدقاء والمجتمع المحلي وصولاً إلى المجتمع المدني مفردات أحدها يكمل الآخر، وليس ثمة تعارض بينها.
ثم يقول الكتاب (ليس هناك أولوية اليوم أهم من إعادة بناء مجتمع مدني يكون حراً وفاضلاً معاً) فالمشكلة الحالية في أميركا اليوم ليست سياسية أو اقتصادية بقدر ما هي مشكلة قيمية أخلاقية وتفكك عُرى هذه الروابط الاجتماعية؛ لذا يدعو إلى إعادة صياغة هذه الروابط، فليس ثمة مهمة أكثر إلحاحاً من إحياء المجال المدني القادر على جعل المواطنة الحقة أمراً ممكناً، ولا يتحقق ذلك إلاّ من خلال تظافر الجهود التعاونية التي يبذلها الأميركيون أفراداً ومؤسسات من مختلف المشارب، فالمجتمع الصالح لا يمنح وكأنه حق بل لابد من جهود وتضحيات.
والخطوة الأولى لتحقيق هذا الطموح هو إبعاد الدولة عن المؤسسات الاجتماعية وتقليص توسعها المستمر الذي طال كل جهد بشري، خصوصاً في الحكومات المركزية التي تحاول إدارة مفاصل البلاد والعباد بكل تفاصيلهما، ويدعو الكتاب إلى الفدرالية التي هي في صالح المواطنة والدولة، حيث يكون للمواطن مجال أكبر ودور أوسع في المشاركة في الحكم، إضافة إلى تخفيفها العبء عن الدولة المركزية التي تتبنى كل المسؤوليات ولا تنجز إلاّ القليل منها.
الـدين
يؤكد الكتاب بشدة على أنّ الدين عنصر أساسي وحيوي جداً في أميركا، ولا يمكن إبعاده عن الحياة الاجتماعية الأميركية بشكل من الأشكال؛ لأنّ الشعب الأميركي شعب مؤمن ومتدين، كما أنّ الدين يلعب دوراً أكبر من السياسة لدى الناس في أميركا.
ويستشهد لذلك بمجموعة مقولات، منها قول الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون (الدين يساعد على إعطاء شعبنا صفات لا يمكن للديمقراطية أن تعيش من دونها)، وقول توكافيل (فإنّ للدين تأثيراً أكبر على أرواح الناس في أميركا من أي بلد آخر). ويؤكد بأن الدين ضروري أكثر في الجمهوريات الديمقراطية من أي نظام حكمٍ آخر؛ حيث يعطي معادلة يستثني منها أميركا بالخصوص فيقول: (كلما زادت حداثة الدولة زادت علمنة الناس، وذلك بسبب فصل الكنيسة عن الدولة...).
لتبقى ثنائية الدين والدولة وتوافقهما أو تصارعهما، قوتهما أو ضعفهما، سارية في كل المجتمعات والأزمنة، ففي أميركا مثلاً لعب الدين دوراً أساسياً في الحياة الاجتماعية في ثمانينات القرن التاسع عشر مع ضآلة دور الحكومة. بينما في ثمانينات القرن العشرين كان العكس حيث لعبت الحكومة دوراً أساسياً في الحياة الاجتماعية في حين كان للدين دوراً لا يكاد يُذكر.
الدين عنصر مهم وأساسي يدخل في صميم تشكيل بنية المواطنة الصالحة فذكر الله سبحانه والسلوكيات العبادية والالتزامات المعيارية الأخلاقية التي يوصي بها الدين تحل ـ بالدرجة الأولى ـ المشكلة الروحية التي يعاني منها المجتمع الأميركي، اضافة إلى أنها تساعد على الإلتزام بالمسؤوليات وتؤثر على السلوكيات وتعطي الشخصية زخماً معنوياً تبعده عن الأنانية والفردانية .
ولكنه في نفس الوقت يؤكد على الحرية الدينية ويعتبر بقاء أميركا من بقاء بنود الحرية الدينية، بل يقول بأنّ الحرية الدينية ليست مجرد قضية دينية، بل قضية وطنية لمصلحة الأميركيين جميعاً.
ويحذر رجال الدين من استغلال هذا العنصر الحيوي (الدين) في الحياة الاميركية لمصالحهم الشخصية وتصويره بالشكل الذي يخدم مكانتهم؛ لأنه أي الدين ملك الأمة جمعاء وليس حكراً على أحدٍ وإن ادعى معرفته به.
الدولة أو الاستبداد الديمقراطي
ما انتقد هذا الكتاب شيئاً كما انتقد الدولة وسطوتها وتجاوزها على حقوق المواطن والمجتمع، حيث يعتقد بأنّ المشكلة الحقيقية التي تصغر من دور المواطنة وتسلبها حقوقها هي (الدولة) فيقول: (سبب الخطر الذي نواجهه هو النمو الزائد للحكومة وزيادة سيطرتها على حياتنا وافتراض أنها سيدتنا بدلاً من الافتراض أنها وُجدت لخدمتنا). هذه الحكومة المسيطرة على جميع مرافق الحياة تضعف روح الأفراد وتقود في نهاية المطاف إلى تردي المواطنة، حيث يكون المواطن وحيداً في مواجهة سطوت الدولة في بلدٍ تضعف فيه المؤسسات المدنية.
لقد اعتقد معظم المفكرين أنّ توسيع دور الدولة سيزيد السعادة البشرية، ولكن للأسف ثبت العكس، وأصبحت اليوم المشكلة الأولى للمواطن هي زيادة صلاحيات الدولة على حسابه.
وينتقد الكتاب أيضاً رجال الدولة والسياسيين المستفيدين من وجود (الدولة الحاضنة) والدعوة لتحدي هيمنتهم السياسية، ونقد الاستبداد الحديث (الديمقراطية) ويطلق عليه تسمية فيليب جونسون بـ (المأزق العصراني) حين يتوصل الناس إلى فهم أنّ على كل شخص أن يقرر كل شيء بناءً على الأغلبية الديمقراطية، فإنّ ذلك يخضعهم لأهواء من يسيطرون على آلية اللعبة السياسية، وينحط القانون بالمقابل ليصبح أداة تعسفية في يد من يجيدون هذه اللعبة، وأنه لا دور للمواطن في تكوين الحكومة والقرار، وإنما ينحصر دوره في الانصياع للقرارات وليس التأثير عليها.
ثم يقول إنّ معظم الأميركيين يتهمون الحكومة بأنها متدنية الكفاءة بشكل مريع، وأنها بحد ذاتها ليست مَعْلَما جيداً للفضيلة، وأنها ما إن تتدخل في شيء حتى يزداد تعقيداً، والاعتقاد السائد لدى الأميركيين بفشل الحكومة في تحقيق البرامج، واتهام رجال الدولة والسياسيين بالعمل لمصالحهم الشخصية وقيامهم بأعمال ايديولوجية، ووصفهم بأوصاف جارحة كالأنذال وقراصنة السياسة المسيطرون على زمام الأمور وشعور الناس بعدم قدرتهم على فعل شيء بشأن المشاكل التي تواجهها البلاد، وباختصار هناك احباط وشعور باليأس من الناس في أميركا تجاه الحكومة، وبالمقابل لا يستطيع المواطن فعل شيء حيال قدرة هذه الدولة وسطوتها.
أمّا بالنسبة للأحزاب السياسية فيعتقد واضعوا الكتاب بأنها جزء من المشكلة وليست جزء من الحل.
ويعتقد الكتاب أيضاً بأنّ أحد أسباب التحلل الاجتماعي في أميركا هو من الحكومة.
ليدعوا الكتاب في خاتمة المطاف وبقوة إلى تحرير مجالات الحياة الواسعة من سطوة وسيطرة الحكومة، وإنهاء دور الحكومة المركزي في تنظيم حياة الناس، وذلك ببساطة لأنّ الحكومة أصبحت أداة بيد أصحاب المصالح من المسؤولين ورجال الأعمال وضمن جداول أعمالهم الخاصة التي غالباً ما تكون بعيدة عن مصلحة الشعب.
وإنّ البلد ملكنا وحدنا نحن الشعب، وليس من حق الدولة أو الدول المجاورة أو الدول العظمى التدخل في صياغته ومصيره.
المواطنة
(لا يجوز لأي شخص أن يطمح في أن يكون أكثر من مواطن، وألاّ يُفرض على أي شخص أن يكون أقل من ذلك).
تشترتون
المواطنة: هي المشاركة، وأن تكون مواطناً يعني أن تكون مرتبطاً اجتماعياً، فلا تتم ممارسة المواطنة كنشاط داخل المجتمع بشكل عرضي أو مرحلي كما هو الحال بالنسبة للسياسة، بل بشكل جوهري منتظم متواصل في المدرسة والبيت والسوق والقداس.. هي أن يدرك كل مواطن أن رفاهيته ترتبط برفاهية المواطنين الآخرين.. هي عندما ننجز عملاً أو مهمة بشكل جيد وبإخلاص عندها نكون مواطنين صالحين، وكذا هي إنجاح العلاقة بين الفرد ودولته وبالعكس. وهي المسؤولية والعمل فمشاعر المواطنة لوحدها غير كافية، وإنما لابدّ أن تُترجم هذه المشاعر حتى يصل المواطن إلى درجة أنه عندما يتعرض المواطن الآخر لسوء فكأنه هو من تعرض له، كما قال ذلك الرجل (وكأنهم يضربونني) وهو يشاهد مواطناً آخراً يُضرب.
ثم يقول: لقد حان الوقت لاعادة اختراع المواطنة: ليس كنموذج شاعري، بل كعقد اجتماعي يشتمل على العمل الجاد والتضحيات، ومهما كان ما تفعله الحكومة أو لا تفعله فإنَّ مهمة الإصلاح والتجديد ستقع على كاهل المواطنين، فيجب علينا التعاطي مع المواطنة كطريقة لفهم المشاكل وحلها.
المشكلة عندما لا تساوي المواطنة ـ كما هو الحال ـ سوى التصويت، وجوهر المواطنة التصويت بأمانة، وبعدها يبدأ المواطن يستجدي أبسط حقوقه، وفهم المواطنة اليوم يكاد ينحصر بالكامل تقريباً في النشاط السياسي خاصة التصويت والتفويض أي تسليم السيطرة في قضايا الحياة إلى خبراء يقومون بتصميم البرامج العامة لصالح المجموعة، فصار من الطبيعي جداً أن ينظر الناس إلى الحكومة لمساعدتهم في التخلص من أتفه المشاكل وأبسطها، وصار المواطنون الذين كانوا في السابق عوامل للتغيير في المجتمع والحكومة رعايا سلبيين للدولة، وهذا هو الاستبداد الذي حذر منه توكافيل بقوله (هو التحكم في عقول الناس ليصبحوا مواطنون لا يشاركون في المواطنة).
وكيف يمكن تغذية المواطنة والمجتمع المحلي في دولة في مثل اتساع دولة اتحاد عدة ولايات؛ فالفدرالية اذن هنا ضرورية لتعزيز المواطنة، علاوة على تحديدها لسلطات الحكومة المركزية. حتى يقول الكتاب بأنّ المواطنة والمجتمع المحلي والفضائل المدنية مهمة الفدراليين.
فالمهم ليس مدى ما تتمتع به الحكومة من سلطة ونفوذ، بل مدى ما يتمتع به المواطن من سلطة ونفوذ، وقدرة الحكومة على مساعدة المواطنين على ممارسة سلطتهم ونفوذهم. في الحقيقة يحتاج الأمر إلى شجاعة من القائمين على الحكم. فالمقياس الحقيقي للديمقراطية هو قدرة مواطنينا على تولية الادارة السياسية للسيطرة على مصيرهم، وتحديد مسار مستقبلهم، وليست الديمقراطية تحديد دور المواطن بانتخاب من يمثله، ثم يستجدي منه أبسط حقوقه.
وينتقد الكتاب نفس المواطن الذي اختار أن يشاهد القضايا العامة، بدل المشاركة فيها، ونقد الجامعات والمعاهد الثقافية التي لم تمارس بشكل حقيقي دورها في تغذية روح المواطنة وترسيخها.
ليبقى أخطر الأوبئة على هذا المفهوم (المواطنة) هو التفاضل العرقي والحزبي والديني الذي يهد هذا المفهوم من أساسه، فالتفاضل المذكور هو ألد أعداء المواطنة، بل هو ألد أعداء التعايش الإنساني والتقدم البشري.

(*) كاتب من العراق.
(1) يتكون الكتاب من مقدمة وخمسة أجزاء.. كل جزء يتكون من عدة فصول بحيث يبلغ مجموع فصوله ثلاثة وعشرون فصلاً، كل فصلٍ لكاتبٍ، وهم بحسب ترتيب الكتاب:
دوغ باندو، دافيد جي. بلانكنهورن، تي. وليم بوكس، هاري سي. بويت، آلن سي. كارلسون، آ. لورانس شيكرنغ، روجن ال. كونر، جون دبليو. كوبر، دنيس ديننبرغ، دنيس بي. دويل، ايريل ار. ايبلنغ، جيفري آ. ايزيناش، اوس جينيز، ايغوين هيكوك الابن، هيذر ريتشاردسون هيجنز، نيل هوي، ما يكل اس. جويس، غلن سي. لوري، اليزابيث بي. لوري، ادوارد آ. شوارتز، كولين شيهان، وليم آ. شتراوس، باربرا دي. وايتهد، وليم فان دوسن ويشهارد.
(2) مؤرخ وعالم اجتماع فرنسي، ولد سنة 1805 وتوفي سنة 1859م.