الحضارية «رحلة في كتاب»

الخميس: 14/02/2008

 


حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي

أسم المؤلف: الدكتور صائب عبد الحميد
نشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
قراءة: صادق الروازق(*)

(خاص للمعهد)

التقريب في الجانب العقائدي لموروث المسلمين، ودعوات الوحدة والانسجام بين أبناء المذاهب؛ ثقافة تنبع من همم كبيرة، وشعور عميق لمعنى الأخاء الانساني، فهو مسؤولية حقيقية قبل ان يكون مسؤولية شعاراتية، سيما وإنه مبنى من مباني اصالة الفكر الإسلامي وقراءته الواقعية الموضوعية الدقيقة.
فعملية التقريب هي ثقافة نهضة، وتطوير فكر وحركة إصلاح تبتغي تغيير حقيقي أمام تراكمات خطيرة من فكر ظلامي سعى بكل قوة للنيل من وحدة المسلمين في ممارسة سقيمة من عمليات التأويل السلبي وفق متبنيات النواصب والغلاة ومن يقف وراءهم لاستمرار عملية التفعيل المؤجج في الدق المحظور على العقائد الإسلامية.
ولا يخفى ان موضوع التقريب، هو من أكثر المواضيع التي اغرت الكثير من الكتاب والمؤرخين والمثقفين واصحاب الهم الثقافي والسياسي الذين امتلكوا القراءة العلمية والموضوعية وفق الحقيقة الإسلامية الاصيلة وما ينشده الإسلام من مبادئ السلم والتسامح والصفح، بعيداً عن التعنت والتعصب والتقوقع حول نصٍ تأريخي لم تُعرف كامل ظروفه الموضوعية او ومع حدث ربما لم ينهض مع متطلبات نهوضه. ولا نعني من ذلك بالطبع محور الامامة أو الخلافة، كون أن هذا الحدث قد أشبع بالدراسات الخلافية التي زادت من تمزق وحدة المسلمين وأجهدتهم استنزافاً مريراً في المال والدماء، وضيّع عنهم فرصاً كثيرة من النهوض الفكري والنهوض على كافة مجالات الحياة، بعد ان كانوا هم أصل الحضارية المتسامية التي مدّت العالم بقيم وقوانين كانت الذروة التي تمتعت بها الحياة الإنسانية وتنعم فيها الضمير الحيّ. ومن ثم اعتمدت وقُرّت على لائحة الحقوق الإنسانية للأمم المتحدة كونها لم تجد لأئحة اسمى وارقى من اللائحة الإسلامية.
وبشكل عام، فإن التعصب في فهم النص التاريخي يؤدي الى كثير من الاختلاف ومن ثم الخلاف، وهذا ما عاشه المسلمون في قرون خلت، عبرت نتاجاتهم الفكرية والعقائدية والأدبية عن هوة كبيرة فيما يعتقده أصحابها من الفريقين، ومن هنا جاءت فكرة التقريب، وهي فكرة وليدة عصر متأخر، بحثت التراث العقائدي برؤية توافقية «عقلائية» ومن منطلقات دينية معمقة، واجتماعية ملحة.
وعوداً لقراءة كتاب الاستاذ الدكتور صائب عبد الحميد الذي قرأ فيه الخلاف التاريخي ضمن استعراضه لنتاجات الأولين من المؤرخين والمفسرين مؤكداً على ان قراءته ورؤيته في التقريب تتأتى من خلال معرفة مفهوم الحوار ـ كون ان الحوار يزيل الشبهات العالقة ويجذب الآخر الى معرفة الصواب، والأمر بين المتحاورين امر متبادل بين أطرافه وليس من غايته إلغاء الأخر، كون ان العقل الواعي هو الذي يستطيع ان ينتقل بالصراع او الخلاف الى الحوار، أما الجاهلون ـ وكما يقول المؤلف ـ هم وحدهم غير القادرين على الحياة، في أرض يعيش عليها من يخالفهم في رأي او هوى!! أولئك وحدهم منحوا أنفسهم السلطان المطلق على اذهان الناس واذواقهم وحرياتهم، بل على دمائهم أيضاً!!
فالمؤلف، قبل ان يخوض في استعراضه لمواقع الخلاف عند كبار المؤرخين والمفسرين يستهل كتابه بتمهيد رائع حول أهمية الحوار عند الانسان الواعي الذي يمتلك عقلاً باحثاً عن الحقيقة، ولم يقصد المؤلف بالذين يتعطل معهم الحوار أنهم اصحاب اللجاجة الذين لا قيمة لهم في الحياة وأما الجاهلون، والمتعنتون وأصحاب الفوقية في الرأي فهؤلاء شأنهم قد لا يبتعد عن شأن الذين يعرفون الحقيقة ويزيغون عنها. والحق ان محنة المثقف، محنة العقل في مثل هكذا وسط، هي محنة رهيبة لانحسار الفكر وجموده والأنكى انها محنة قاتلة، فعندما يمنع المثقف من الأدلاء برأيه فهي عملية قتل مع سبق الاصرار، فجمود الفكر، وجمود العقل = جمود الحياة = جمود الدم في شرايين الإنسان!!
وبعد التمهيد الحواري الذي أفردة المؤلف والذي لا يخلو من طوق الأسر الرهيب الذي فرض نفسه بقوة من خلال بعض الغلاة والنواصب في ساحتنا الإسلامية يؤكد في عنوانه (مشروعية الحوار وسر هجرانه) مخاطباً هؤلاء :هل نستطيع ان نقف أمام حقائق الدين والتأريخ وقفة حياد تام كما نقف أمام الظواهر الكونية والنظريات العلمية في الفيزياء والكيمياء والفلك وطبقات الأرض؟
لماذا نقف أمام العلوم التجريبية بحياد تام. فيما لا نعرف شيئاً من ذلك الحياد تجاه المفاهيم الدينية والحقائق التأريخية؟
يقول المؤلف:«لم يكن السر في ذلك منحصراً في اختلاف طبيعة الحقائق الدينية والتأريخية عن طبيعة الحقائق التجربيية، إنما السر في أننا قد تبنينا مواقف مسبقة تجاه القضايا والحقائق، بينما لم يكن شيئ من ذلك تجاه القضايا التجريبية».
ثم يقول مضيفاً«ومن مزايا هذه المواقف المسبقة أنها أضفت صبغة القداسةعلى كثير من المفاهيم والأشخاص، فوقفت هذه القداسة سدّاً منيعاً دون تقبّل أي حقيقة تصدمها او لا تتلائم معها! هذا مع أن المنهج الذي رسمه الإسلام للحوار والبحث العلمي قد ألغى أي نّوع من القداسة على المفاهيم وعلى الأشخاص، وفتح أبواب البحث العلمي حتى حيال أقدس المبادئ والمفاهيم، ألا وهو مبدأ التوحيد».
فالمتعصبون والمنغلقون من كل الطوائف أدخلوا مفهوم القداسة وكأنها من الثوابت سواء كانت في الحوار أو في مجال البحث العلمي، فقداسة المؤرخ وقداسة المحدّث وقداسة المفسر باتت تدخل في باب العصمة من الخطأ!! هذا مما يجعل طريق البحث مكتظاً بالخطوط الحمراء التي تعيق الفكر من النهوض والوصول الى الحقيقة، ولا شك قد راح ضحية هذه القداسة الكثير من الباحثين وفق منهجيات جاهزة للتسقيط والتشهير.
فلابد لأصحاب العقول إلفات نظرهم لرفع مظلومية الباحث او ما يقع عليه من حيف ومآس، كما ولابد من النظر الى سعة النظرة الشمولية لرجالات التاريخ الإسلامي الاُوَلْ دون تجريدهم من كلّ محاسنهم أمام واحدة من مواقفهم التي يعتقد أنها قد أساءت إلى التاريخ أو لبعض مواقفه. فعامل الموضوعية من أهم العوامل التي ترقي بالباحث الى مصاف انسانية راقية، وهذا هو ما ينشده المبدأ الإسلامي، وينشده طلاب الحقيقة.
وأما عن الجذور الأولى للنزاع العقائدي، فيقول المؤلف: ان اصل النزاع لم يكن فكرياً وعقائدياً واجتماعياً، بل انه كان نزاعاً سياسياً ثم انقاد الى المجالات الأخرى، حتى توالت على الأمة عهود كان فيها الحكام يتبنون اتجاهاً واحداً يتعصبون له ويوفرون له الحماية وأسباب الانتشار، ويواجهون بالعنف كل اتجاه آخر، ثم وجدوا فقهاء يتقربون اليهم، فاجتهدوا في توطيد سلطانهم فتعاظم الشرخ بين الفريقين ومن ثم ترسخت الحواجر الدينية.
فللسطان فقهاً خاصاً يدعمه فقهاء وفئات من الناس طمعاً بالأمن والأموال، وفئات أخرى تطارد وتقتل وتلغى. وهذا هو معنى ما يقوله الامام الغزالي الذي استشهد بنصه المؤلف، قائلاً: (إنّه لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة الى قوم تولّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فأضطروا الى الاستعانة بالفقهاء والى استصحابهم في جميع أحوالهم. وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صنو الدين، فكانوا اذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك الاعصار عزّ العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم، فاشرأبوا لطلب العلم توصلاً الى نيل العزّ ودرك الجاه، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد ان كانوا أعزّة بالاعراض عن السلاطين أذلة بالاقبال عليهم، إلا من وفقه الله)(1).
أما المؤلف فكانت له تعليقته التاريخية على نص الغزالي، فهو يقول: (والحق ان هذا لم يكن وقفاً على جماعة واحدة دون سواها، فصحيح أنّه استغرق الحقب الأطول والمساحات الأوسع والأشمل لصالح مذاهب أهل السنة على أيدي الأمويين وأغلب الخلفاء العباسيين ثم السلاجقة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، إلا ان الطوائف الاخرى كان لها دورها أيضاً، فكان للمعتزلة دور أيام المأمون والمعتصم، وللشيعة دور أيام البويهيين والصفويين، وللإسماعيلية دور أيام الفاطميين، وان اختلفت تلك الادوار في مساحاتها الزمنية والمكانية ودرجة التطرف وحجم الاضرار، إلا أن الموضوع واحد في آثاره الاجتماعية والأدبية والدينية).
وينتهي المؤلف قائلاً: (تلك الأجواء كانت السبب المباشر في ظهور الاخبار المكذوبة والأحاديث الموضوعة والعقائد الدخيلة، التي تسلحت كل فرقة بطائفة منها، ورمت خصومها بطائفة اخرى).
ومن ذلك يتضح مقدار ما علق في أذهان المسلمين من اخبار مكذوبة واحاديث وعقائد دخيلة، وروايات لم ينزل بها من سلطان، ومع ان المسلمين قاطبة يعتقدون بعصمة القرآن وعصمة السنة إلا أنهم يعودون فيفرضون أرائهم المذهبية على القرآن فتظهر له معان شتى ووجوه مختلفة وأهداف متباعدة، وتظهر السنة النبوية وكأنها سنن شتى لا سنة واحدة.
والنتيجة وكما علق المؤلف على هذا التهافت: ان هذا يعني اننا في الحقيقة إنما اعتقدنا بعصمة أهوائنا وآرائنا المذهبية، فجعلناها حاكمة على كل شيء، لا على حقائق الأحداث فقط، بل على القرآن والسنة أيضاً!! وهذا هو السر في نمو الصراع واستفحاله وتفشيه.
بعد ذلك يفرد المؤلف الاستاذ صائب عبد الحميد ثلاثة مواضيع وهي (التفسير، الحديث، التاريخ) معتمداً مصادرها الاساسية ومسلطاً الضوء على جذور النزاع فيها، مؤكداً بعد هذه الدراسة على ان مادة تلك الخلافات هي تلك المجموعة من الاخبار المكذوبة، والاحاديث الموضوعة والعقائد الدخيلة التي افرزتها أيام الصراع السياسي، ثم أخذت تنمو وتنتشر حتى دخلت في صلب عقائد المسلمين.
ففي التفسير مثلاً يذهب المؤلف الى حصره الى:
1 ـ التفسير بالمأثور.
2 ـ التفسير بالرأي.
3 ـ التفسير بالقرآن.
4 ـ التفسير الباطني.
5 ـ التفسير الصوفي الاشاراتي.
6 ـ تفاسير حديثة غلبت عليها صبغ معينة، كالصبغة العلمية، والصبغة الأدبية، والصبغة الاجتماعية.
ويوضح المؤلف: ان التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والتفاسير الحديثة هي مادة البحث لانها أولاً: امتازت بالانتشار بين عموم المسلمين فضلاً عما تحمله من الشمول والاستيعاب، وثانياً لأنها زخرت بأسباب الخلاف وكثر فيها النزاع الفكري والمذهبي بخلاف التفسير القرآني والذي يُعد أسلم مناهج التفسير، وأهمها على الإطلاق.
ففي التفسير المأثور، يستعرض المؤلف حوار الخلاف من المصادر الاساسية لها، فمثلاً ابن تيمية يقول عن الطبري: (ان الطبري يروي تفاسير السلف بالاسانيد الثابتة)(2).
في حين ان ابن تيمية لم يلتزم قوله هذا بل يشنع على الطبري في مجادلاته العقائدية، فمرة وصف أحاديث بأنها موضوعة ولم يروها احد من أهل العلم في حين رواها الطبري من طرق متعددة ـ فعن تصدق علي(ع) بالخاتم وهو راكع ونزول قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) قال ابن تيمية:
هذه من الموضوعات باتفاق أهل العلم(3) في حين رواها الطبري بأسانيده عن السلف من خمس طرق، لا طريق واحد!!(4).
ويقول المؤلف: وان مثل ما يرد كلام ابن تيمية، يرد أيضاً ما ورد في تفسير القمي، ففي تفسيره لقوله تعالى: (ان الله لا يستحي ان يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها).
فيقول القمي في تفسيره: ان البعوضة أمير المؤمنين، وما فوقها: رسول الله! يقول المؤلف ساخراً: فعلى أي وجه يمكن أن يحمل هذا الكلام؟!
او في تفسيره ـ أي القمي ـ لقوله تعالى: (مرج البحرين يلقتيان، بينهما برزخ لا يبغيان، فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان).
قال القمي: (البحرين: علي وفاطمة، والبرزخ: رسول الله(ص)، واللؤلؤ والمرجان: الحسن والحسين(ع)(5)!!
فتفسير القمي هو تفسير باطني، وقد قال عنه الشيخ محمد جواد مغنية: (ونسب الى الشيعة الامامية أنهم يعتقدون بأن المراد بالبحرين: علي وفاطمة، والبرزخ: محمد(ص)، وباللؤلؤ والمرجان: الحسن والحسين.
وأنا بوصفي الشيعي الإمامي أنفي هذه العقيدة عن الشيعة الإمامية على وجه الجزم والاطلاق، وأنهم يحرمون تفسير كتاب الله تفسيراً باطنياً)(6).
ويعلق المؤلف: وليست هي كلمة محمد جواد مغنية وحده، بل من تتبع ما قرره أهل العلم من الاصوليين وجد أنها كلمة اجماع عندهم، فالى هذا ذهب الشيخ المفيد، وعلم الهدى الشريف المرتضى، والشيخ الطوسي، والعلامة الطبرسي، والشيخ محمد جواد البلاغي، والسيد الخوئي وغيرهم(7).
ثم ينهي المؤلف في جانب التفسير بالمأثور بمثالين ينسبان الى صنف واحد من أصناف الموضوعات ومؤكداً على ان بعض الاحاديث الموضوعة والاسرائليات شغلت مساحة واسعة في تراثنا التفسيري وبالخصوص الروائي منه. ثم يذكر المؤلف على ضوء ذلك قصة الغرانيق، وقصة الاسماء المحذوفة.فقصة الغرانيق التي يوردها الطبري، ينكرها بشدة جل المفسرين، وفي طليعتهم: الرازي ـ صاحب المنهج العقلي في التفسير ـ، والقرطبي ـ صاحب المنهج الفقهي وابن كثير ـ صاحب المنهج الروائي.
وفي المثال الثاني «الأسماء المحذوفة» ذكر المؤلف: ان بعض أصحاب التفسير بالمأثور من الشيعة ذكروا أن هناك أيات في القرآن الكريم قد انزل فيها اسم علي وربما اسماء غيره من الائمة ايضاً وذكروا مثال ذلك قوله تعالى: (وان كنتم في ريب ما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) فقالوا: انها نزلت هكذا: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله). رواها القمي وهاشم البحراني وهي مروية في الكافي ايضاً كما استقصاها المؤلف.
أما سائر مفسري الشيعة وعلمائهم فينكرون هذا المبدأ من الأساس، ولا يقيمون وزناً لمثل هذه الأخبار، كما هو واضح عن الطوسي في (التبيان) والطبرسي في (مجمع البيان) والطباطبائي في (الميزان) والبلاغي في (آلاء الرحمن) وغيرهم.
أما جانب التفسير بالراي، فيقول المؤلف: قد اختلفت هذه التفاسير في مدى اعتمادها على المأثور، وفي طبيعة استفادتها من اللغة، وطبيعة رجوعها الى اللغة، وفي هذا التفسير تختفي او تكاد آفات التفسير بالمأثور من كثرة الموضوعات والاسرائيليات، غير أنها من ناحية اخرى كانت مسرحاً لظهور العقائد والنزاعات المذهبية.
ويضيف المؤلف: وقد تجسدت آفتها الكبرى حين أصبح القرآن فيها تابعاً لعقائد المفسرين، منقاداً لها، بدلاً من أن يكون مصدراً لها حاكماً عليها. فكثر فيها التأويل وصرف النص عن ظاهره والتحكم بالمعاني والمفردات، لاجل موافقة المذاهب والانتصار لها. وهذا الطريق خاطئ بلا شك، ولا يقره احد ابتداءً، لكن هذا الطريق الخاطئ أصبح واحداً من مصادر النزاع بين المسلمين.
وفي موقع آخر يقول المؤلف، ان الاختلاف في الفهم وفي التفسير ضمن الحدود التي تستوعبها اللغة العربية ويتحملها النص القرآني أمر لا غرابة فيه، ولا يستنكره الدين، ولا تأباه العقول، بيد ان الذي يستنكره الدين ان تصبح هذه الاختلافات المباحة والطبيعية محاور للنزاع والصراع الطائفي، فينبغي ان ينقد التفسير بكل دقة وحياد وموضوعية، ان هذه الصورة المستنكرة هي التي وقع عليها اختيار الأمة، فغلبت على مصادر ثقافتنا في التفسير وغيره.
فمن حيث اللغة، فمثلاً الذي يذهب الى جواز المتعة، يفسر قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن) على ما يفهم من ظاهر اللفظ واستعماله، والذي لا يجيز ذلك، يصرفه عن هذا المعنى مستفيداً من اللغة...
وهكذا وأما حاكمية العقل في التفسير فهي لم تقتصر على الامامية والمعتزلة، فكتب التفسير مشحونة بالأمثلة، فعن مفسري السلف ـ عن ابن عباس في قوله تعالى: (وسع كرسيّه السموات والارض) قال: كرسيّه علمه(8).
وعن مجاهد، في تفسير قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين).
قال: لم يمسخوا قردة، إنما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثلاً في قوله: (كمثل الحمار يحمل اسفارا).
وعن الحسن وغيره ايضاً في قوله تعالى: (وجاء ربك) قال: أي جاء امره وقضاؤه، وقد عد ابو الفرج ابن الجوزي هذا التأويل هو مذهب السلف(9).
ثم يثير المؤلف في هذا الباب استغراباً مفاده: الدعوى التي اطلقها ابن تيمية واحاطها بعبارات تفيد القطع والتأكيد اللذين يمتنع معهما الرد والجدل. ونص ما قاله: (إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار اكثر من مائة تفسير فلم أجد الى ساعتي هذه عن احد من الصحابة أنه تأول من آيات الصفات او أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)(10).
فعلق المؤلف على هذا النص قائلاً: وأول ما يقوض هذه المقولة ويصدم قراءها ما نقله الطبري في تفسيره الذي هو أصح التفاسير في رأي ابن تيمية عن ابن عباس في تفسير آية الكرسي التي هي أولى آيات الصفات وروداً في القرآن الكريم. فقد نقل الطبري عن ابن عباس من طريقين أنه قال: (كرسيه علمه) ويزيد من الصدمة ـ كما يقول المؤلف ـ ان من تتبع التفاسير لم يجد عن أحد من الصحابة أنه فسر الوجه او اليد او العين عند ورودها في الآيات الكريمة منسوبة الى الله تعالى وفق مقتضاها المفهوم المعروف الذي يذهب اليه ابن تيمية، بل ذهبوا الى التأويل وعدلوا إلى المجاز في جميع هذه المواضع، ففسروا (اليد) بالقوة، كما عن ابن عباس وسائر المفسرين في قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد)(11).
وفسروا (الوجه): بالثواب في ستة مواضع، وهي ـ كما يقول المؤلف ـ :
1 ـ قوله تعالى: (وما تنفقون الا بتغاء وجه الله).
2 ـ قوله تعالى: (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم).
3 ـ وقوله تعالى: (ذلك خير للذين يريدون وجه ربهم).
4 ـ وقوله: (وما اتيتم من زكاة تريدون وجه الله).
5 ـ وقوله: (إنما نطعمكم لوجه الله).
6 ـ وقوله: (الا ابتغاء وجه ربه الأعلى).
وهكذا مع سائر الآيات، والحقيقة ـ على حد قول المؤلف ـ ان هذا ليس الموضع الوحيد الذي تنكر فيه المتكلمون لما يخالف معتقداتهم، فكثيراً ما تنكروا لاحاديث صحيحة وأقوال السلف ووقائع التاريخ من أجل الانتصار للمذهب.
وبعد ان يخلص المؤلف من التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي يطرح نماذجاً من التفاسير الحديثة، مؤكداً ان فيها ما هو جديد من كشف للمعاني والنصوص فضلاً عن أنها ركزت على أبعاد جديدة نادراً ما يوجد نتفاً منها في التفاسير القديمة. ومن تلك المدارس:
1 ـ مدرسة محمد عبده ـ رشيد رضا.
2 ـ مدرسة سيد قطب.
3 ـ مدرسة التفسير العلمي للقرآن.
ثم يفرد المؤلف بعد مزيد من التفصيل لكل مدرسة تفسيرية أعلاه دفاعه عن المدارس الحديثة قائلاً:
1 ـ لابد أن ننظر الى هذه التفاسير على أنها محاولات جديدة في فهم معاني القرآن وأهدافه، من غير أن تكون كبدائل حتمية عن التفاسير القديمة.
2 ـ ان القرآن الكريم لم يكن وقفاً على عصر واحد او عصور محددة، بل هو كتاب الهداية الى يوم الدين، ولقد نجحت التفاسير الحديثة في مخاطبة أبناء عصرها باللغة التي تناسب الأغلبية الساحقة.
3 ـ التفاسير الحديثة نقيّة من الإسرائيليات والخرافات التي ابتليت بها التفاسير القديمة.
4 ـ استطاعت التفاسير الحديثة الى حد كبير ان تتخلص من العصبيات المذهبية. وان كانت الهوية المذهبية لكل واحد من هذه التفاسير ظاهرة دائماً، غير أنها أقل حدة وأهدأ لهجة وأضيق مساحة مما هي عليه في تفاسير المتقدمين، وهذا وجه إيجابي ممتاز.
5 ـ اذا كان يؤخذ على التفاسير (العلمية) إغراقها في متابعة الكشوفات العلمية والنظريات الحديثة، فلم لا يقال: أيهما أبعد عن أهداف القرآن وأشد ضرراً على الإسلام والمسلمين. هذه المتابعات العلمية، أم تلك النزاعات الطائفية؟
ثم يقول: انّه لو لم يكن في هذه التفاسير (العلمية) إلا إعراضها عن تلك النزاعات، لكفاها حسناً. أضف الى ذلك أثرها الملموس في إعادة الثقة بالنفس وبهذا الدين الى جيل الشباب الذي يتابع كل يوم، وبانشداد ولهفة، نتائج التسابق العلمي الحديث، الذي يمس الحياة الفردية والاجتماعية مساً مباشراً بلا شك، وهذه حسنة أخرى يجب ان نعرفها لأهلها.
بعد ذلك يتناول المؤلف موضوع الحديث ويقف على ما فيه من خلاف في العقائد والفضائل ومصادر التدوين.
ومن ثم يذكر الخلاف في التاريخ ويستشهد بمشاهد حية عن مؤرخين كبار ليختم بحثه هذا بخلاصة مفادها: ان معلوماتنا عن التاريخ بحاجة الى مراجعة جادة، ودراسة في ضوء رؤية شمولية للتاريخ الإسلامي، رؤية تحيط بجوهر رسالة الإسلام، رؤية تكون فيها الشريعة الإسلامية بمصدريها الاساسيين ـ القرآن والسنة ـ هي المعيار الذي تقوم على أساسه الاطراف والمنازعات والفئات المختلفة.. باعتماد أدوات البحث التاريخي الأكاديمي، وبدون ذلك لا نستطيع ان نتقدم خطوة واحدة نحو الفهم الصحيح لحقائق تاريخنا ومعرفة الصدق والكذب والحق والباطل فيه.
وبدون ذلك ـ والقول للمؤلف ـ لا نستطيع ان نتقدم خطوة واحدة نحو التقريب، إلا أن يكون تقريباً وهمياً يتداعى امام أدنى إثارة!! وإني لاخشى ـ يقول المؤلف ـ ان تكون إثارتي هذه وحدها كافية لتداعيه!
ثم يقول: إن الدهشة لتأخذني حقاً حين ينشد التقريب من بين كتابين حشي احدهما بأخبار النواصب، وأمتلأ الآخر بأخبار الغلاة!! وأكثر من هذا ينتابني حين ألمس تردّداً في قبول ضرورة تصحيح تراثنا الإسلامي العزيز وتنقيته مما تراكم فيه من الاخبار والآثار!
ومن ثم يـُنهي المؤلف كتابه بالخاتمة والتي ألقت لوحدها كثيراً من الضوء على ما يسمى بالنزاع الطائفي بين الفريقين مع ما أنها كانت رؤية موجزة عبرت عن رؤية المؤلف في مشروع التقريب فكانت بحق تكملة لما تقدم من عناوين قيد البحث، شعت معانيها من خلال أسطر رؤيته في التقريب. ومنها قوله:
أولاً: إن التقريب الحقيقي الأمثل هو التقريب الذي يتحقق عن طريق تصحيح التراث الإسلامي وتنقيته من الاخبار والمفاهيم الدخيلة.
ثانياً: ان وجود الاسرائيليات والاحاديث الموضوعة في مصادر المسلمين أمر مسلم به عند الجميع، وان التدين بها امر محرم عند الجميع أيضاً.
ثالثاً: لعب النواصب والغلاة دوراً بالغ الخطورة في تأصيل النزاع بين الفريقين.
رابعاً: ان حرية التفكير حق للجميع، والاجتهاد حق لمن تأهل له، لكن هل يصح ان يتمتع دعاة الفتنة بهذا الحق، فلا يقف احد بوجه دعوتهم، او يستنكر عليهم ذلك بما يمتلك من أساليب الاستنكار؟ واذا كانت مواجهتهم والاستنكار عليهم مطلوبة، فهل من سبيل الى تنظيم هذه المواجهة؟
فلعل تنظيم هذه المواجهة ـ ان صحت ـ سيكون لمسة من لمسات التقريب وأثراً من آثاره.
أهل البيت(عليهم السلام) والصحابة
استطاع المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد في بحثه هذا ان يحفظ كرامة أهل البيت(عليهم السلام) وكرامة الصحابة.
كدعوى ضمن مشروعه التقريبي بعد ان اكد على خطورة الدور الذي لعبه النواصب والغلاة وخلقوا بأفكارهم ومتبنياتهم تشويشاً واضطراباً ملموساً في عقائد الناس، ويبتدأ المؤلف أولاً، بمقولة الشيخ عبد الحسين مغنية قائلاً: إن الداعين من السنة الى التهجم على الشيعة يحتجون بأقوال الغلاة المرفوضين أصلاً من الشيعة، وإن الداعين من الشيعة الى التهجم على السنة يحتجون أيضاً بأقوال الغلاة من السنة ـ يريد بهم النواصب ـ لهذا يبدوا أن الغلاة من الطرفين يشكلون فريقاً واحداً يصح فيه تسمية (الفريق الثالث) مهمته ضرب الإسلام وتمزيق المسلمين)(12).
ويعلق المؤلف: والحق ان هذه الصورة تمثل النصف فقط من الصورة الكاملة للأثر الذي تركه هذا الفريق الثالث.
وأما نصفها الثاني: فيتمثل بتأثر كل فريق بأحاديث غلاته المنتسبين اليه في تصوره للفريق الآخر، فالشيعي قد ينظر الى بعض المفاهيم التي تتصل بأهل السنة من خلال مجمل التراث الشيعي الذي امتزجت فيه احاديث الغلاة وعقائدهم، وليس أدل على ذلك من سب بعض الصحابة الذي يجري على ألسنة العوام وليس له مصدر قطعاً الا احاديث الغلاة. والسني قد ينظر الى بعض المفاهيم التي تتصل بالشيعة والتشيع من خلال مجمل التراث السني الذي امتزجت فيه احاديث النواصب وعقائدهم، وليس أدل على ذلك من جهل عامتهم بمنزلة أهل البيت وتفضل آخرين عليهم ممن هم أدنى بكثير علماً وديناً وفضلاً وكرامةً.
وهكذا أصبح الصحابة وأهل البيت ـ والقول للمؤلف ـ وكأنهما محوران متضادان لعقيدتين لا يمكن أن تلتقيا في يوم ما.
وبإجتماع هذين الشطرين تكتمل الصورة الحقيقية لاثر الغلاة والنواصب في عقائد المسلمين ورؤاهم.
وأخيراً، فالكتاب ومن خلال عنوانه (حوار في العمق) يعد من أهم البحوث العلمية في مجال التقريب، وربما أبلغ ما فيه موضوعيته وعدم محاباته لطرف دون الآخر فضلاً عن الغور في عمق المصادر المهمة التي يعتمدها علماء الفريقين، فكانت الصراحة العلمية أجمل ما ميزت هذا الكتاب عن سواه، ومع هذه الجمالية من الصراحة الموضوعية لا شك ان هكذا حواراً يغور في العمق العقائدي لم يكن موضعاً لاستحسان البعض ممن لا يرى ضرورة العوم في الاعماق، بل يرغب بالاكتفاء ببعض الاشارات تلميحاً وليس تصريحاً، كون أن التصريح قد يفسد عقول عوام الأمة التي اريد لها ـ للاسف الشديد ـ ان تبقى داخل اطار المنازعات العقائدية واشعال وهج الطائفية متى ما اريد لها ضمن سياقات المصلحة الفئوية والذاتية.
نقول: والحق ان هكذا بحوث يندر ان يكون لها مثيلها في المكتبة الإسلامية المعاصرة، وما أحوجنا لمثلها مع ما نطمح من مؤلفه إعادة طباعته ونشره في الساحة العراقية المستنزفة من آثار هذا العمق العقائدي.

الهوامش
ــــــ

(*) كاتب وباحث من العراق.
(1) حجة الله البالغة 1: 332، الانصاف: 87 كلاهما للدهلوي.
(2) مقدمة في أصول التفسير: 51.
(3) مقدمة في أصول التفسير: 31، 36.
(4) انظر المزيد من هذه النماذج في كتاب المؤلف(ابن تيمية حياته.. عقائده).
(5) تفسير القمي ج2: ص344.
(6) التفسير الكاشف ج7: 208 ـ 209.
(7) لم يقتصر المؤلف على ردّ الشيخ البلاغي ـ لكثير من روايات القمي في تفسيره ـ بل مارس منتهى الدقة وهو يستقصي ردود السيد الطباطبائي في كتابه الشهير «الميزان في تفسير القرآن» مشيراً إلى الجزء والصفحة والسطر، ومنها ج4 ص218 س11، ج4 ص276 س4، ج5 ص202 س13، ج5 ص346 س17، ج5 ص392 س3، ج7 ص56 س16، ج7 ص67 س3، ج14 ص72 س14، ج14 ص218 س18، ج15 ص428 س2، ج20 ص351 س قبل الأخير، ج20 ص384 وثم استخرج المؤلف جميع نصوص السيد الطباطبائي هذه، تسهيلاً على المتتبّع وزيادة في الإيضاح. وأيضاً ما ذكر من ردود الشيخ السبحاني في كتابه «كليات في علم الرجال» الذي خلص في قوله: «ان الاعتماد على هذا التفسير ـ تفسير القمي ـ بعد هذا الاختلاط مشكل جداً، خصوصاً مع ما فيه من الشذوذ في المتون ـ قال ـ وقد ذهب بعض أهل التحقيق إلى ان النسخة المطبوعة تختلف عمّا نُقل عن ذلك التفسير في بعض الكتب، وعند ذلك لا يبقى اعتماد على هذا التوثيق الضمني أيضاً، فلا يبقى اعتماد على السند ولا على المتن!
ومن استقصاء المؤلف ـ أيضاً ـ ما دونه عن السيد هاشم معروف الحسيني في كتابه «بين التصوّف والتشيّع» : 193-194.
(8) تفسير الطبري.
(9) رفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: 73.
(10) تفسير سورة النور /لابن تيمية: 178 ـ 179.
(11) تفسير الطبري 7: 27، والآية من سورة الذاريات.
(12) مقدمة كتاب الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة: 9.