رجوع للصفحة الرئيسية اتصل بنا

الحضارية «رحلة في كتاب»

 الثلاثاء: 29/01/2008 

 

الإسلام والعنف/ قراءة في ظاهرة التكفير

اسم الكتاب: الإسلام والعنف/ قراءة في ظاهرة التكفير
المؤلف: الشيخ حسن الشيخ

الطبعة الأولى: 2006
قراءة: مختار الأسدي
(خاص للمعهد)

ضمن القراءات المتعددة للإسلام والتجاذبات الفكرية والسياسية حول هذا الموضوع وما نتج وينتج عنها من آثار اجتماعية وممارسات وتوجهات، يطرح المؤلف في كتابه هذا عدة أسئلة أو تساؤلات تتعلق بالعنف كمنتج فكري لهذه القراءات وكيف أصبح التكفير والعنف ظاهرتان محسوبتان على الإسلام كدينٍ سماوي خالد ما جاء به نبيه إلا رحمة للعالمين.
تناول الكتاب العقل الإسلامي، وبالأحرى عقل المسلم، والخطاب الإسلامي ومناهج التفكير التي صارت تـُحسب عليه مع الأسف، ومناشئ هذا التفكير ومنطلقاته ولماذا تـُحسب على الإسلام والمسلمين وهل ان عقل المسلم محكوم بانتاج مناهج تكفيرية، وما هي ضوابط الإسلام والكفر ومراتبهما؟ وهل أن كلّ من ليس مسلماً فهو كافر؟ وهل كُلّ كافر في النار؟! ثم ما هي مناشئ التكفير؟ وما هي خصائص الخطاب التكفيري؟ وكيف يمكن التعاطي مع هذا الخطاب، وهل هناك إمكانية لعلاج ظاهرة التكفير؟ وما إلى ذلك؟
هذه الأسئلة وغيرها حاول الكاتب الإجابة عنها وبجهدٍ مشكور أملاً في إملاء بعض الفراغ في هذا الجانب من الفكر الإسلامي الذي لم يعطُ حقه بالبحث التأصيلي والجهد الفكري والتنظيري، مستهدياً بكتاب الله، وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع اهتمام خاص بتجربة الإمام علي (عليه السلام) لأنها ـ كما أشارـ التجربة الإسلامية الأولى في مواجهة الفكر التكفيري المتمثل بالخوارج آنذاك.
يبدأ الكاتب بإطلالة تأريخية على ظاهرة التكفير المعاصرة مؤكداً أن هذه الظاهرة ليست جديدة على المجتمع الإسلامي، بل إنها تمتد إلى العصر الإسلامي الأول وتحديداً إلى ما بعد معركة صفـّين ونشوء فرقة الخوارج التي يمكن اعتبارها أول حركة تكفيرية ودموية عرفها التأريخ الإسلامي، حيث حكم الخوارج بكفر أو شرك مرتكب الكبيرة من المسلمين، حتى وصلت بهم الجرأة إلى تكفير الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأنه ـ حسب زعمهم ـ رفض التوبة عن قبول التحكيم، الأمر الذي اعتبروه معصية كبيرة.
هذا الفهم قاد هؤلاء إلى العنف فوقفوا ضد الإمام يخاصمونه وينابذونه حتى جعلهم هذا الفهم يستبيحون الخوض في دماء المسلمين، رغم ان الإمام كتب إليهم يوماً قائلاً:
«كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً ولا تقطعوا سبيلاً ولا تظلموا أحداً.. فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلم تضلـّلون عامة أمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفـّرونهم بذنوبي.. تخلطون من أذنب مع من لم يـُذنب»(1).
كل هذا، والإمام علي (عليه السلام) لم يكفـّرهم، بل قال يوماً لمن أراد تكفيرهم: «بل من الكفر فرّوا. قيل فمنافقون؟ قال: «إن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وهؤلاء تحقرون صلاتكم بجانب صلاتهم. قيل ماذا نقول فيهم؟ قال: قوم تأوّلوا فأخطأوا..».
أي إنه (عليه السلام) لم يكفـّرهم، لا عن جهل بمعتقداتهم، فهو أدرى الناس بهم وبآرائهم، وإنما كان لا يرى وجهاً لتكفير المسلم الناطق بالشهادتين حتى لو كان ظالماً باغياً.. وكان يقول فيهم وفي أمثالهم: (إخوان لنا بغوا علينا)!.
بعد ذلك تحدث الكاتب عن ضابط الإسلام والكفر، مؤكداً أنّ خروج الأمة الإسلامية على ضوابط الإسلام والكفر ورسم الحدود الفاصلة بينهما، انطلاقاً من الأصول والأركان، وان الإسلام هو الشهادتان، والفرق بين الإسلام والإيمان، وان الإسلام يتحقق بشهادة ان لا اله إلا الله والتصديق برسول الله، وأن الإيمان بالمعاد اقترن في العديد من آيات القرآن الكريم بالعمل الصالح، كما ان الإيمان بالمعاد التقت فيه كل الديانات السماوية وغيرها بنص قوله تعالى:
«إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»(2).
وتحدث الكاتب عن مُنكر الضرورة ومرتكب الكبيرة وتفصيل فقهاء المسلمين بذلك وكيف أن الأول ـ في رأي العديد من فقهاء المسلمين الكبار ـ إنما يوجب الكفر والارتداد إذا استلزم تكذيب النبي وأنكر رسالته، وهكذا مرتكب الكبيرة إذا جاء بها صاحبها مستحلاً لذلك مكذبا للرسول وللكتاب، أي انه لا يخرج عن الإسلام لمجرد ارتكاب الكبيرة بل لتكذيب الرسول أو تكذيب الله سبحانه.
وتحدّث الكاتب بشيء من التفصيل أيضاً عن مراتب الإسلام والكفر، والعلاقة بين الإسلام والإيمان، ومراتب الكفر والشرك، والخلط بين الكفر العقدي والعملي، ووضع ضوابط ومحاذير للتكفير، وشدّد النكير على أولئك الذين سمّاهم «أنصاف المتفقهين الذين يتعجلون في الافتاء بارتداد من يخالفهم في بعض المسائل العقائدية أو حتى الفقهية والتأريخية، ويرتبون على ذلك إهدار دمه واستحلال ماله وانتهاك حرمته» وكيف يقول ربّ العزة: «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً»(3).
وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيما رجل قال لآخر: يا كافر، فقد باء بها أحدهما».
ومن ضوابط التكفير التي حدّدها الكاتب هي: التثبت من الكفر، والعلم بالمكفـّرات، والعمد والقصد، والاختبار، وانتفاء الشبهة، وما إلى ذلك من تفاصيل من الصعب على غير العلماء والفقهاء تحديدها.
ثم أفرد فصلاً تحت عنوان: «هل أن من ليس مسلماً كافر؟»
تحدّث فيه عن علاقة الكفر بالجحود وكيف ان الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «لو أن العبادة إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا، لم يكفروا» واعتبر الكاتب فترة البحث ومهلة النظرـ حسب تعبيره ـ عاذرة له، أو كما سماها (المعذورية) في مرحلة طلب البحث عن العقائد الصحيحة، والشك الذي لا يتنافى مع الإيمان في طريق البحث والتفتيش عن العقيدة، فاعتبر الشاك في هذا الطريق لا يـُحكم بكفره ولا تترتب عليه آثار الكفر.. مستشهداً بذلك بمقولة مرتضى المطهري التي وضعها تحت عنوان: «المطهري و(إسلام) ديكارت» وكيف ان الآخر كتب يوماً ما نصه:
«أن أشخاصاً كديكارت لا يمكن تسميتهم بالكفار، لأن هؤلاء لا يتـّصفون بالعناد ولا يخفون الحق، وليس الكفر الا العناد وتغطية الحقيقة، هؤلاء مسلمون بالفطرة وان كنا لا نستطيع تسميتهم بالمسلمين..» وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإسلام ان تـُسلم قلبك ويسلم المسلمون من لسانك ويدك»(4).
بعد ذلك يثير الكاتب تساؤلات أخرى ويضعها تحت عنوان: «هل كل كافر يدخل النار؟» مشيراً إلى أن هناك «أشخاص مدانون وآخرون معذورون» وهناك مجتهدون لم يهتدوا لوجه الحق لبعض الموانع، وهناك قاصرون ومقصّرون، وهنا مستكبرون ومستضعفون بالمعنى الاعتقادي وليس المادي طبعاً، أي طغاة فكر وبسطاء، أي معاندون وجهلة، وبالتالي فان الجنة والنار بيد الله وحده وليس لأحد ان يبادر الى «توزيع الناس على الجنة والنار وكأنه يملك خزائن رحمة الله، أو كأنما جعله الله قسيم الجنة والنار ومنحه صكوك الغفران» حسب تعبيراته.
ويتحدث الكاتب أيضاً وفي نفس السياق عن إعفاء غير المسلم من التكاليف الشرعية، وإقرار أهل الكتاب على عبادتهم، وأن الإسلام يجبّ ما قبله، وعصمة الدماء والنفوس والأعراف، ومحقونية الدماء وأصالة الاحتياط فيها، وكيف أن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لزوال الدنيا أهون على الله من دم يُسفك بغير حق»، ودرء الحدود بالشبهات، وقول العزيز الجبار: «ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً أليماً»(5).
وكيف أنه سبحانه أرسل نبيه رحمة للعالمين، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « إنما بعثتُ رحمة مهداة» ولم يرسل للذبح ـ كما يزعم البعض ـ مندداً بمن يذبح باسم الله ويسفك الدماء ظلماً وعدواناً ومتندراً على أمثال هؤلاء بقول الشاعر:
قل بُلينا بمليكٍ (أو إمامٍ) ذكر الله و سبّح
هو كالجزارُ فينا يذكر الله ويذبح
يواصل الشيخ حسن الشيخ تعريضه بدعاة التكفير والعنف ويفتح موضوعاً أسماه (فقه العلاقة مع الآخر بين التعايش والانغلاق) دعا فيه إلى نبذ خطاب القطيعة، والتعايش مع الآخر في ظل التداخل والتنوّع الديني الموجود في معظم بلدان العالم المعاصر، ثم تناول أخلاقيات التعاطي مع هذا الآخر وراح يطالب بإعادة قراءة بعض الفتاوى القديمة والنظر إليها وفق متغيرات الزمان والمكان وملاحظة ما أسماه (الوجوه المتعددة للنص الديني) لأن هذا النص ليس دائماً في وارد إعطاء حكم مولوي إلهي يكتسب صفة الدوام والاستمرارية ـ حسب تعبيره ـ بل إنه أحياناً كثيرة يعالج مشاكل ظرفية ويقدّم لها حلولاً وتدابير مؤقتة كما يُقال عن نجاسة الكافر مثلا ًوجواز سب أهل الكتاب ولعنهم وغيبتهم إلى الحدّ الذي يصله بعض المسطـّحين إلى جواز استلاب أموالهم. وما إلى ذلك من فتاوى متهافتة.
ثم يتحدث عن العلاقات الإسلامية بين الإندماج والذوبان، ويدعوا إلى ترويج دعوة أهل البيت إلى الاندماج وكيف أكـّد النبي على التعايش مع الآخرين ودعوته لتشكيل مجتمع متنوّع دينياً ـ حسب تعبيره ـ مخففاً من هواجس بعض المذاهب التي تحذر من خطورة الاندماج، شريطة احتفاظ المسلم بثوابته، المنبثقة من الثقة العالية بالنفس والمعتقد والابتعاد عن النظرة السطحية للأمور والتعلق بالقشور لأن السطحية في فهم الدين مذمومة ومبغوضة ـ حسب تعبيره ـ محذراً من فقدان الميزان لدى البعض، ومحذراً غيرهم من «كثرة اللجاج» والتضييق على النفس، والحماقة والعجلة وسوء الظن، وكيف أن الظنون لواقح الفتن ـ كما يقول أمير المؤمنين ـ وان الظن مصدر الخطأ، والجمود على الظواهر إلى ان يصل إلى ما أسمّاه «تنقية التراث ومحاصرة التكفيريين: داخل الصف الإسلامي» قائلاً:
«ليس ابتكاراً ولا تجنيّاً القول: ان التراث الإسلامي نفسه هو أحد المناشئ الأساسية للتكفير والحقل الخصب لذلك، إذ لا يعدم التكفيريون العثور على نص هنا أو هناك منسوب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتشبثون به لتبرير أعمالهم وتصرفاتهم التي قد نسمِها نحن بالعنف لكنها بنظرهم أعمال جهادية تقرّبهم إلى الله زلفى» ويضيف: «وإذا أردنا الدقـّة في التعبير حتى لا يُساء فهم ما ذكرنا، قلنا: ان المشكلة لا تكمن في التراث نفسه بل في تعاملنا معه ونظرتنا التقديسية له، فتراثنا الإسلامي، رغم اعتزازنا به، ورغم انه انقى إرث إنساني ورثته أمة من الأمم، لكن مع ذلك فإن فيه الغث إلى جانب السمين، والسقيم بجوار الصحيح، والمبين المحكم إلى جانب المجمل والمضطرب.. ومن هنا انبثقت (أو تنبثق) الحاجة إلى غربلته ونقده وتصفيته..»، إلى أن يقول:
«وعملية الغربلة هذه هي جهدنا نحن، بل هي جزء من جهادنا، ومسؤوليتنا إزاءه، لأن التراث في نفسه صامت لا يفصح ولا يعلن لنا عن صحيحه وضعيفه.. نعم، ان محاكمة وغربلة التراث الصامت هي وظيفة الإنسان الناطق».
وهنا وضع الكاتب عدّة عناوين وراح يشرحها في هذا السياق، من قبيل: «علماء الرجال والدراية ابتكار إسلامي». و«نقد المتون» و«حديث الفرفة الناجية» الذي اعتبره النموذج الأبرز للأحاديث التكفيرية ـ حسب تعبيره ـ وكيف انه جاء مروياً من طرق الفريقين وقال معلقاً: «إذ كيف يتقارب شخص مع آخر وهو بنظره من أهل النار» وبعدها راح يسجّل مجموعة من الملاحظات على هذا الحديث في متنه وسنده وفهمه، حيث ناقشه تحت عناوين: «الحديث على طاولة النقد» و«علامات الوضع والاضطراب» و«الحديث في ميزان العدل الإلهي» و«مخالفة الحديث للكتاب والسنـّة» و«ما هو المقصود بتوصيف وتحديد الفرفة الناجية بوصف القائلين بها» ومصداقية العدد، وأخيراً محاولة لتصحيح الحديث، أو قرائته قراءة أخرى، تنطلق مع كلمة سبعين الواردة في القرآن الكريم، مما يطول بحثه ولا مجال للاستفاضة به هنا في هذا العرض الموجز للكتاب.
وفي الفصل الثالث من الكتاب الذي أورده الكاتب تحت عنوان «من صفات التكفيريين» راح الشيخ حسن يوضح ويشرح بعض هذه الصفات ومنها: «الغرور الديني»، و«التكفيريون بين الانشغال بالهوامش وسرعة الانفعال»، و«الرحمة الضائعة بين غبار العنف وركامه»، وكيف وضـّح العبادة بأنها وعي وانفتاح وليس جهل وانغلاق، تم تحدّث عما سماه «الثقافة التعبدية»، وأخيراً وليس آخراً «غياب الممارسة النقدية» و«مشروعية النقد»، و«ضرورة النقد»، و«ترشيد الفكر بالنقد»، و«النقد المسموح والممنوع»، و«آداب النقد وشروطه» و«نقد القيادة وإضعافها»، وكيف ان المسافة بين النقد المسموح والنقد الممنوع شاسعة جداً ربما تصل بحجم المسافة بين النصيحة والفضيحة، وبين التوضيح والتجريح، وبين التسديد والتنديد، وبين تسديد الخطى وتسجيل النقاط وهكذا..
ولم يفـُت الكاتب أن يستحضر الرحمة الضائعة في غبار العنف، وكيف أن قتل دجاجة هو أمر عظيم عند الله ـ حسب تعبيره ـ وكيف يتحول الجهاد أحياناً إلى لصوصية، ويتحول (المجاهدون) إلى لصوص وقطاع طرق وخاصة مكفـّرة زماننا الذين حين يـُُخرجون أحياناً بأخذهم البريء بجريرة المجرم تراهم يرفعون شعارهم المتهافت المعروف: «إن قتلنا مجرماً عجّلنا به إلى النار وإن قتلنا بريئاً عجّلنا به إلى الجنة» وكيف تحوّل العنف من ممارسة خاطئة إلى ثقافة مشوّهة، بحيث صارت لدينا ثقافة سماها(ثقافة العنف) وخاصة حين يرى التكفيريون انهم ليسوا فاعلين لمنكر في قتلهم الأبرياء، بل يعتقدون أنهم يقومون بواجبهم الديني والرسالي، والأسوأ من ذلك حين يذهب المفكرون والعلماء الى التنظير لهذا المنهج وتأصيله في أوساط العوام والغوغاء.
كما لم يفت الكاتب أن يشير إلى الإسلام والرفق، وكيف ان الرفق في الإسلام هو منهج الحياة، وكيف أن محمداً والمسيح يدعوان إلى التسامح والعفو «وأن تعفو أقرب للتقوى» مختتماً هذا الفصل بكلامٍ دالٍ للإمام علي (عليه السلام) حين سأله أحدهم: «أيهما أفضل العدل أم الجود» فقال: «العدل يضع الأمور في مواضعها، والجود يخرجها من جهتها، العدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما» وهو ما يسمّيه القانونيون اليوم شرعنة المنهج أو شرعنة القانون.. أي انّ الإمام علي (عليه السلام) أراد أن يقول ان العدل هو القاعدة والقانون العام،أما العفو فهو الاستثناء، وربما كان مضرّاً بالمعفو عنه، كما قال ـ عليه السلام ـ «إذا كان الرفق خرقاً كان الخرق رفقاً»(6) أو كما قال المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
وهو ما أشار إليه القرآن الكريم حين قدّم سبحانه العدل على الإحسان حيث قال عزّ من قائل: «ان الله يأمر بالعدل والإحسان»(7). «أعدلوا هو أقرب للتقوى»(8)،«وإذا حكمتم بين الناس ان تحكوا بالعدل» و«هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم» وغير ذلك من آيات الله البيّنات.. وكيف ان شعار المسلمين في المهدي الموعود وأنه سيملأ الأرض (قسطاً وعدلاً) قبل أن يقال (يملؤها إيماناً) وإحساناً وديناً.
وفي فصل آخر من الكتاب يتحدّث المؤلف عما سماه «فقه الشقاق»، و«ذهنية التفسيق»، و«موجات التضليل والتناحر الديني»، و«ظاهرة السب والشتم».
كما تحدث عما سماه المسلمون بـ«ثقافة اللعن»، وكيف ان اللعن حتى لو سلـّمنا أنه ليس محرّماً بعنوانه الأولى، فإن انطباق بعض العناوين الثانوية عليه يقتضي تحريمه ومنعه ـ حسب تعبيره ـ ولذلك نهى الله تعالى عن سبّ آلهة المشركين لئلا يسبّون الله، ولا فرق هنا بين السبّ واللعن من هذه الجهة، فإن المناط الموجود في السّبّ موجود بعينه في اللعن. «ولا تسبّوا الذين يدْعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم»(9). وهكذا ـ وكما يقول المؤلف ـ وجدنا علياً (عليه السلام) يتسامى في هذا المجال ـ كما في غيره ـ عندما سمع أصحابه في معركة صفين يسبّون أهل الشام، ونحن نعرف أنه إذا رخصت الدماء وهانت فلن يبقى للكلمات السلبية أي معنى أو تأثير، وحين كثر الجدل بينه وبين أصحابه حول حقانيتهم في اللعن قال لهم أخيراً «كرهت أن تكونوا سبابين»، وهكذا في قول رسول الله «لن يكون المؤمن لعاناً»(10).
ويبين المؤلف الفرق بين لعن الشخص ولعن العنوان، وان المتأمل في القرآن الكريم أو الآيات المشتملة على اللعن يلفت انتباهه توجيه اللعن إلى العنوان العام كعنوان الظالم وعنوان الكافر لا إلى الأشخاص بأعيانهم وأسمائهم ـ باستثناء إبليس ـ حيث يضع القرآن العناوين بدل الأسماء والأشخاص «ألا لعنة الله على الظالمين» «إن الله لعن الكافرين»«ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة» وهكذا في الأحاديث النبوية «لعن الله الراشي والمرتشي» «المنجّم ملعون والكاهن ملعون والساحر ملعون»«ملعون من عقّ والديه»«ملعون من قطع رحمه» وأمثال ذلك، مما يثير ردود فعل عاطفية فائرة قد تقود إلى الاحتراب والاقتتال إذا ذكر الأسماء والاشخاص.
أما عن الخطاب التكفيري فقد وضع المؤلف عناوين دالـّة على تطويق ظاهرة التكفير وتهذيب الخطاب الإسلامي والنأي به بعيداً عن المماحكات والمناكفات التي تقود إلى التشدّد والتطرّف والانفعال ومن ثم إلى التفسيق والتكفير والقتل.. ومن بين هذه العناوين:
من ينطق باسم الدين؟ أي من هو المخوّل بذلك؟ والخطاب الإسلامي يُبيّن المصطلحات الموروثة والوافدة، وثغرات الخطاب الإسلامي المعاصر. والخلط بين المقدّس وغيره وأنه ليس هناك تعبّداً في المصطلحات والتأكيد على المصطلحات القرآنية، وضرورة مراعاة الخطاب الإسلامي لظروف الزمان والمكان وهل هو ثابت في شكله وحروفه كما هو ثابت في مضمونه وعمقه ومفاده؟ والمزاوجة بين خطاب العقل وخطاب القلب، ومحاذير الخطاب العاطفي وسلبياته، وتلميح أمير المؤمنين(عليه السلام) في قوله: «رأي الشيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام» والحدود المعقولة في إلهاب المشاعر والابتعاد عن الشعارات الفاقعة التي لا تفرّق بين المجرم والبريء كما قال احدهم: «واستأصلوا حتى الرضيع لآل حربٍ والرضيعة» وتناقض ذلك طبعاً مع القرآن الكريم «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
وأخيراً وليس آخراً دعوة المؤلف إلى الابتعاد عن عقدة المؤامرة.. وقراءة الواقع لا النوايا، وتعزيز ثقافة التسامح، وعدم مواجهة التكفير بالتكفير، وهكذا التأمل في قراءة الحديث الشريف «من كفـّر مسلماً فقط كفر» وتبرير مواجهة التكفير بالتكفير المضادّ،وانّ هذه الروايات لو صحّت سنداً ومتناً فهي بالتأكيد واردة في سياق النهي عن التكفير وليس التشجيع عليه. ولذا يكون المراد بكفر المكفـّر كفره من الناحية العملية لا العقدية، وهذا ما عرفناه من أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي لم يحكم بكفر الخوارج رغم تكفيرهم له ـ كما ذكرناـ .
أما الخطوة الأخرى لمواجهة التكفير فهي دراسة أسبابه ومعرفة منطلقاته كمقدمة ضرورية لمعالجة تحدياته فربما كانت الأسباب أقتصادية أو أمينة أو سياسية أو ثقافية، ولعل الأخيرة أصعب هذه التحديات لأنها تعتمد البنى التحتية والركائز الأساسية للفكر التكفيري لاسيما وانها تحديات ناشئة من الداخل وتتحرك على أرضية واقع ممزق متناحر تفتك به الانقسامات والاختلافات المذهبية والعرقية في ظل انعدام أدنى شروط المناعة الداخلية مع الأسف الشديد.
هذه الأمور وغيرها جاء عليها الكاتب بشيء من التفصيل لا يستغني عنها أي مهتم أو متابع لظاهرة العنف والتكفير اللتين بدأتا تأخذان مساحات واسعة من هموم وشجون المجتمع المسلم.

الهوامش
ـــــ
(1) نهج البلاغة: 184، دار الهجرة للنشر.
(2) البقرة: 62.
(3) النساء: 94.
(4) كنز العمال، ج1 : 26.
(5) النساء: 93.
(6) نهج البلاغة 402.
(7) النحل: 90.
(8) المائدة: 8.
(9) الأنعام: 108.
(10) كنزل الأعمال: 3/615.