|
السبت:
03/11/2007
الفكر النهضوي العربي، الإنكسار البنيوي
أسم المؤلف:
د.فؤاد خليل
دار الفارابي، بيروت، لبنان: 400 صفحة
قراءة: صادق الروازق
(خاص للمعهد)
بقيت مسألة الفكر العربي
تتجاذبه أطراف عديدة، وخضع لدراسات كثيرة وآراء جديدة، ولكن بقيت المسألة
تبحث عن هوية هذا الفكر، وما هو مقدار ما حققه من النهضة والقفز بالمجتمع
نحو قطع اشواط من الرتابة والسكون الذي أصاب الأمة العربية وجعلها تعيش
الخدر المزمن.
فالكاتب الأستاذ فؤاد خليل يستخلص في دراسته اتجاهين سائدين بقوة على
الساحة العربية، وهما: التيار الديني الإصلاحي، والتيار الليبرالي، ويقول:
«وقد وقع اختيارنا على هذين التيارين، وليس لأفضليتهما على التيارات
الأخرى، أو لانحياز ذاتي مسبق إلى أي منهما، بل لأنهما شكلاً العلامة
الأكثر بروزاً في المرحلة التأسيسية للنهضة العربية، وتشاركا في صنع
مساحة فكرية واسعة، أكثر من غيرها، ثم يضيف الكاتب: ولقيا تقريباً المصير
نفسه مع نهاية النصف الأول من القرن العشرين، فضلاً عن أن طروحاتهما أخذت
تكتسي أهميتها الزائدة في الفكر العربي المعاصر منذ الثمانينيات، وتحضر
بقوة لدى الأغلب من تياراته واتجاهاته».
أما لماذا أختصت الدراسة بالفكر النهضوي العربي دون سواه، ولماذا كان
لهذين التيارين أهميتهما في هذه الدراسة وتأثيرهما على الباحث نفسه يقول
المؤلف حول ذلك: «لأنهما انتظما في ضوء محطات سياق تأريخي ومجتمعي منذ
منتصف التاسع عشر حتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، أي في مرحلة
نشأتهما وتأسيسهما كما في مرحلة تطورهما من خلال عدد من نماذج الكتابة
فيهما في ظل السياق نفسه، ثم حددنا مجال بحثنا بالمجتمعات العربية التي
احتضنت نشأة الفكر النهضوي وتنامي تياراته قبل سواها، فضلا عما عرفته
أكثر من غيرها من ديناميات تفاعلية متبادلة جعلتها تنتظم في موقع الكل
التاريخي المحوري في المدى العربي الأشمل» أما لماذا الواقع العربي
بالذات، فيقول: «عملنا هذا لا يقصد من ضبط مجاله أن يهمل أو أن ينتقص من
أهمية مجتمع آخر ودوره في عملية النهوض الفكري، لا بل أفاد من تجربة كل
مجتمع بالقدر الذي تقرضه عليه مقاربة إشكالياته البحثية، أما حين يستخدم
في متنه تعبير المجتمعات العربية على الإطلاق، فإنه يستخدمه مجازاً على
العموم، بقصد تعيين مجاله المخصوص في صفته العربية، وهو مجتمعات مصر
وبلاد الشام».
وبعد أن أوضح المؤلف مسار منهجيته في هذا البحث ضمن مقدمة وافية أثار
فيها الكثير من التساؤلات حول الغاية الحقيقية وراء هذه الدراسة مؤكداً
على التوثيق البحثي لدراسته كونه يشكل مرحلة أساسية من مراحل البحث
العلمي، فجاءت دراسته توثق هي الأخرى الاتجاهات البحثية العامة المتناولة
لهذا الفكر والمعبّرة عن أوسع حيّز ممكن من أختلاف الرؤى المنهجية بينها
وبين الدراسات الأخرى.
ولذا، نرى ان دراسة الدكتور فؤاد خليل أحتوت على أربعة فصول ثم فصلاً
جعله خاتمة الدراسة موضحاً فيه النتائج الثمان التي توصلت لها الدراسة،
بعد ان كانت ممارسة استخلاصها مبنية على استقراء التداخل الجدلي بين
الإشكالية العامة للبحث وإشكالية كل موضوع منه على حدة، فحقاً، أن بناءها
الإجمالي كان محطة منهجية لإعادة إنتاج لحمة البحث ووحدته، وقد شكلت كل
نتيجة منها خطوة بحثية أو مساراً بحثياً مخصوصاً.
ففي الفصل الأول: والذي يتضح جلياً أنه فصلاً توثيقياً، عرض فيه المؤلف
أربعة دراسات في الفكر النهضوي العربي وهي:
1. الفكر العربي في عصر النهضة 1789م-1939م لألبرت حوراني.
2. أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث للدكتور فهمي
جدعان.
3. مشروع النهوض العربي، أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى
الاجتماع الوطني للدكتور وجيه كوثراني.
4. المشروع النهضوي – مراجعة نقدية - للدكتور محمد عابد الجابري.
وتتضح منهجية المؤلف في دراسته لهذه الكتب في خطوتين:
الأولى: قامت بعرض محتوي الدراسة.
الثانية: عملت على التحليل النقدي للمحتوى.
أما العرض، فأتسم في الدراسات الثلاث الأولى بطابع مكثـّف، من دون أن
يأتي على حساب منهجية أيّ منهما.. وبعد التأكيد على المفاهيم والأفكار
الرئيسية المتصلة بموضوع الدراسة.
أما في الدراسة الأربعة فكانت بتوسعة نسبية بفعل طبيعة الدراسة ذاتها.
وأما التحليل النقدي، فأن الدراسة تناولت منهج المقاربة والمحتوى النظري
والمفهومي في كل منهما، ومن ثم الرصد لمدى الاختلاف مع منظور منهجية
المؤلف نفسه ـ أي منهجية الدكتور فؤاد خليل ـ وذلك ابتغاءً لتعين حدود
الاختلاف في الاشكاليات البحثية والاشكاليات المطروحة في الدراسات
الموثـّقة.
ومثال على ذلك ما استعرضه المؤلف في دراسته للمشروع النهضوي عند الجابري،
فهو يقول: ان كتابات الجابري في حقل الفكر العربي تمثل مشروعاً فكرياً
متميزاً، ليس في سعته وشموله فحسب، بل بما يتصف به من عمق والتزام قلـّما
خصّهما الأغلب من العاملين في الحقل نفسه، والناظر المتفحص في مشروع
الجابري يرى ذلك بوضوح في أعماله المتعلقة تحديداً بالفكر النهضوي العربي،
وهي الأعمال التي أفرد لها حيزاً رئيسياً في بناء مشروعه، وخصّها بجهد
استثنائي من حيث عمقها المعرفي ودرجة التزامها بإرادة التغيير والنهوض
بالواقع العربي، مما جعلها مرجعاً ضرورياً لكل باحث في الفكر العربي في
عصر النهضة، أياً يكن منهجه أو جهازه المفاهيمي في مقاربة قضايا هذا
الفكر واشكاليته. فالجابري تفحص ظروف ولادة مشروعه والعقبات التي تعرّض
لها من جانب المشاريع الأخرى المتزامنة معه والمنافسة، بل المحاربة له،
ثم انصرف بعد ذلك إلى فحص اشكاليته ومقولاته الرئيسية التي وجدها متمحورةً
حول شعار مركزي واحد هو الوحدة والتقدم. وحول موضوع الحداثة، يميز
الجابري بين وجهين لهذا المشروع، الوجه الأول: تنويري ساد في أوربا خلال
القرن الثامن عشر، وقد أعلى من شأن العقل ومجّد القيم الإنسانية المثلى.
قيم الحرية والمساواة والعدل وبشـّر بتقدم الإنسان وتحرره، والثاني:
استعماري أخذ يتناقض مع الوجه الأول، ابتداء من النصف الثاني للقرن
التاسع عشر، ويبرّر سيطرة أوروبا على الخارج من خلال نظام فكري يعلي من
دورها في التاريخ ويمجّد حضارتها، ويحطّ من قدر الآخر المنعوت في أدبياته
بالمتوحش أو بالغريب والعجيب. ويلقي على عاتقها مهمة تمدينه ونقله إلى
مرتبة الحضارة، وبما ان المشروع النهضوي العربي أخذ يتبلور في أواخر
القرن التاسع عشر، فقد قـُدّر له ان يعيش في عصر انحسار الوجه التنويري
وطغيان الوجه الاستعماري في المشروع الحداثي.
وحول المشروع الصهيوني، يعتبر الجابري أن نشأته تبلورت داخل الحداثة
الأوروبية كواحد من عناصر وجهها الثاني من خلال النزاعات الفكرية في
القرن التاسع عشر. وهي النزاعات التي أسست للايديولوجيا الاستعمارية.
وأما بالنسبة إلى مشروع الاشتراكية العالمية، فالجابري يرى أنها واحدة من
أفكار الحداثة وقيمها متمثلة في نقل مبدأ المساواة الذي كاد ينحصر في عصر
الأنوار وزمن الثورة الفرنسية.
وبعد ان يسهب المؤلف فؤاد خليل في عرض آراء الجابري بكل موضوعية يمارس
بعدها الأسلوب أو التحليل النقدي لأهم الأفكار والمفاهيم التي عرضتها
دراسة الجابري، ومن ذلك قوله: ان الجابري نفسه نظر إلى علاقة المشاريع
الثلاثة (الحداثة الأوروبية، المشروع الصهيوني، الحركة الاشتراكية)
بالمشروع النهضوي العربي من دون أن يعتني كفاية بالإشكالات والإشكاليات
المجتمعية للأخير، فقد كان إلزاماً عليه أن يستنتج وبلغة تتصف بنوع من
الحسم والتقرير بأن تعثر النهضة العربية يرجع في الأساس لا إلى مقاومة
داخلية من القوى المحافظة في المجتمع العربي. بل إلى الدور التخريبي الذي
قام به الوجه الآخر، للحداثة الأوروبية، القوة المنافسة، وتطبيقه الخارجي،
التوسع الاستعماري والتنافس الأوروبي الإمبريالي، وان هذا الدور هو الذي
مكـّن المقاومة الداخلية للحداثة الأوروبية في الوطن العربي من الشرعية
والمصداقية لأنها برزت كمقاومة للتدخل الاستعماري والغزو الأجنبي وليس
كمقاومة للجديد فالمقاومة الداخلية ذات جذور عميقة في البني المجتمعية في
الوطن العربي وليس أدل على ما نذهب إليه ـ كما يقول فؤاد خليل ـ من مواقف
أهل التقليد والمحافظة من كل فكر منفتح وتنويري، فمواقف الأزهر من محمد
عبده وطه حسين وعلى عبد الرازق، كما مواقف أنصار التقليد اليوم من الكثير
من مفكري العرب المعاصرين.
وهكذا يذهب الدكتور فؤاد خليل وبأسلوب التحليل النقدي ويـُثير أسئلة على
كثير من المفاهيم والرؤى التي طرحتها الدراسات النهضوية للجابري وفهمي
جدعان ووجيه كوثراني وغيرهم.
فالردود التحليلية النقدية للدكتور فؤاد خليل كانت ضمن سياق منهجية
دراسته هذه، وهي ردود ذات قيمة علمية عالية ولكنها لا تخلو من غموض
احياناً وقد يكون اسلوبه فيه نوع من الغائمية سبباً في صعوبة الادراك
وتوضيح المقاصد وإلا فأن قراءاته النقدية هي الأخرى تحتاج إلى دراسة
نقدية في إطار فهم التلكوء في نهوض الفكر العربي.
وأما الفصل الثاني: الانكسار البنيوي (ثنائية الحديث والتقليدي) فهو فصل
قارب إلى السرد التاريخي الذي تحدّدت في ضوئه حركة انبناء الإشكالية
العامة، لا للوقوف على تفاصيله الحدّثية في مظاهر تتابعها وتعاقبها، إنما
للوقوف على تحولاته البنيوية للكشف عن مسار تشكـّل الانكسار البنيوي في
المجتمعات العربية وقد استدعى ذلك معه المؤلف تقديم صورة إجمالية عن
التكوين الاقطاعي العثماني قبل التاسع عشر وبخاصة في القرنين السابقين
عليه، وعن أوروبا الرأسمالية في التاسع عشر لتعيين محطات الصدام بينهما،
واللحظة التأسيسية للانكسار وما تركته من مفاعيل وأثار في الكيانات
العربية الناشطة بين الحربين. وفي مرحلة استقلالها السياسي، ابتغاء تظهير
سمات التاريخ الانتقالي الذي عاشته المجتمعات العربية طوال الفترة
المحددة لدراسة المؤلف هذه.
أما الفصل الثالث: فقد تناول فيه المؤلف الفكر الديني الإصلاحي من خلال
عرض ما هو أساسي في طروحات أبرز أعلامه! رفاعة الطهطاوي، خير الدين
التونسي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، ويتضح من هذا الفصل
ان بنيته تتشكل من مفاهيم مزدوجة ومتقابلة: العقل / الشرع ـ الديمقراطية
/ الشورى ـ الرأي العام / الاجماع ـ الحرية / الاستبداد ـ التقدم /
التأخر، كما واستعرض المؤلف آراء ثلاثة من مفكري العرب المعاصرين: د.
محمد عابد الجابري، د. محمد جابر الانصاري، الدكتور زكي نجيب محفوظ، حول
إشكالية التوفيق في الفكر العربي عامة والديني الإصلاحي منه خاصة وأعتبر
المؤلف أن مقاربتهم رغم أهميتها الفكرية لم تحفز في الأصل البنيوي
للتوفيقية والأزمة الناشئة عنها.
أما الفصل الرابع: فقد تناول فيه المؤلف التيار الليبرالي النهضوي من
خلال طروحات وآراء: شبلي شميل، فرح انطون، قاسم أمين، د. طه حسين، وركز
المؤلف على ما هو أساسي ومشترك بينها لإبراز وايضاح بنية الفكر الليبرالي
كما تجلت في لحظة تأسيس الانكسار البنيوي، وقد أتضحت أنها تشكل جملة من
المفاهيم هي: حرية التفكير والمعتقد، المساواة بين المواطنين أمام
القانون، القانون يجسد الإرادة العامة، فصل الدين عن الدولة، الايمان
بالمنهج العلمي في النظر إلى الحقائق الطبيعية والمجتمعية، تحرير المرأة،
الديمقراطية سبيل إلى التقدم والنهوض، الوحدة المجتمعية بديل من الوحدة
الدينية، ثم عرض المؤلف ثلاث مقاربات لمفكرين معاصرين هم: د.عبدالله
العروي، د.حليم بركات، د.جورج طرابشي، وهؤلاء تناولوا وبأسلوب نقدي
منظومة الأفكار الليبرالية وتجلـّياتها عند كلّ من الأعلام النهضويين
أعلاه.
ومن ثمّ ينتهي المؤلف إلى فصل الخاتمة واضعاً فيه نتائج دراسته متمثلاً
بـ:
1. لم يتمكن التيار الديني الإصلاحي من التجذر في الواقع ولا من توليد
قوى مجتمعية مؤيدة لطروحاته.
2. لم يبن الاصلاح الديني زمنه المعرفي المهيمن أو رؤيته التنويرية في ظل
الانكسار البنيوي للمجتمعات العربية.
3. التيار الليبرالي النهضوي لم يستطع تعميم نموذجه على البنى المجتمعية
بسبب الوعي القاصر لاعلامه عن الاستيعاب النقدي لمنظومة الأفكار
الليبرالية.
4. أن دعوة المفكر العربي (بركات) إلى تثوير الدين الممارس لم تجد صداها
الفعلية في الواقع العربي ولن تجد مستقبلاً إذا لم تكن الدعوة منتظمة في
نطاق عملية مجتمعية تتيح تجاوز الشروط الواقعية والملموسة لإعادة انتاجه
باشكال ومظاهر تقليدية. إلى بناء شروط مغايرة شروط تتصف بطابع تحديثي
وتستولد اشكالاً غير تقليدية تـُرسم على الدين الممارس طابعاً جديداً.
5. ان الدعوة إلى التغريب اللامشروط، تؤدي ولا شك إلى استلاب الهوية
الوطنية والقومية.
6. النقطتين السابقتين. الدعوتين؛ تنطويات على حضور طاغ للايديولوجيا على
الحساب المعرفي.
7. اخفاق التيار الديني الاصلاحي والتيار الليبرالي فيما طالبا به أو
دعوتهما المخفقة بعد أن فشلا في توليد قوى مجتمعية مؤيدة لأطروحاتهما.
8. أن المجرى الواقعي للتأريخ الانتقالي في المجتمعات العربية انتج بلا
شك مظاهر تحديثية شتى، لكنها بقيت عاجزة عن ان تنظم نفسها ضمن نطاق عملية
متكاملة بآليات تحديثية وتوحيدية عامة.
وينتهي المؤلف مستخلصاً دراسته ببضع كلمات، يرى فيها خلاصة القول،
ليجعلها باباً في تعريف محتوى دراسته، قائلاً: «أن بعض مفكرينا يستحضر
بين مرحلة وأخرى أعلاماً من التراث للحاجة إليهم من أجل تعميم فكرهم
العقلاني وروحهم العلمية النقدية في أوساط الناشئة: مما يعني ان فعل
الاستحضار الدوري لهؤلاء الأعلام يدل على أن تاريخنا الانتقالي يحول دون
تعميم العقلانية والفكر النقدي، وعلى أن استنبات التحديث الفكري والتنوير
العقلاني بين ظهرانينا، يستدعي مساراً تاريخياً جديداً، لا يستولده
الإنكسار في بنى المجتمعات العربية».
|