|
كتاب
سيكولوجيا عراقية.. أول دراسة في تحليل المجتمع العراقي بعد جمهورية الخوف
العنوان: سيكولوجيا عراقية (قراءة نفسية في هموم الناس
والوطن)
المؤلف: الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح ـ رئيس الجمعية
النفسية العراقية
عدد الصفحات: 169
الطبعة: الأولى
السنة: 2006
عرض: صلاح حسن
يبدأ كتاب البروفسور قاسم حسين صالح المحلل النفسي
وأكثر العلماء العراقيين حضورا بعد العلامة علي الوردي بطريقة رمزية يستهله بكابوس
شخصي بعد وقوع الاحتلال يحاور فيه جده الراوي العارف الكلي بالأمور والأحداث التي
حلت بالعراق طيلة تاريخه حتى لحظة سقوط الدكتاتور. ثم تلي ذلك رسالة موجهة إلى رئيس
الجمهورية يطلب فيها من رئيس الجمهورية إن يمنح فريقه العلمي فرصة لمعاينة الطاغية
من اجل التعرف إلى طبيعته النفسية الشاذة التي قادت العراق إلى هذا الوضع المأساوي.
( وبما أنه أصبح الآن في عهدة الحكومة العراقية، فأننا نرجو شخصكم الكريم إتاحة
الفرصة لاختصاصيين من جمعيتنا لمقابلة صدام حسين، يتفحصون بشكل مباشر المحددات
النفسية لهذه الشخصية التي تمثل ظاهرة عراقية وعربية وعالمية في ميدان سيكولوجية
السلطة والحاكم.
ولأن الوقوف على أسباب تكّون هذه الظاهرة فيه عبرة للعراقيين بشكل خاص، وللحكام
العرب وشعوب العالم الثالث بشكل عام. فضلا عن أن لدينا اعتقادا يتاخم اليقين بأن
علماء النفس الأمريكان يعكفون على نشر كتاب حول شخصية صدام حسين، وأنهم قد لا
يكونون موضوعيين فيما يكتبون، وقد يسيئون للشخصية العراقية من خلاله).
وبمنهجية المحلل العارف بطبيعة أحوال مريضه كثير العلل والانتكاسات وهو هنا (المجتمع
العراقي) يحدد الباحث طبيعة هذه العلل والطرق الناجعة في معالجتها، مستخدما لغة
علمية واضحة للغاية لكي تكون بمتناول الجميع مع الاستشهاد بالشعر فصيحه وعاميه
والموروث الشعبي العراقي لتوصيل أفكاره التي تبدو في بعض الأحيان لغير المشتغلين
بهذا العلم غامضة. المهم في هذا التحليل ليس في صرامته العلمية حسب، ولكن في تحرره
من عقدة الخوف التي كانت تلجم أفواه العراقيين عن التعبير عن مكنوناتهم طيلة أكثر
من ثلاثين عاما، والأكثر من ذلك الإشارة إلى موضع الفساد في سلوك القادة الجدد
الذين جاءوا مع الاحتلال إثناء الحكومة الأولى والثانية قبل الانتخابات الأخيرة
التي أوصلت المالكي إلى رئاسة الوزارة.
العنف.. والشخصية العراقية
قضى الباحث أكثر من ربع قرن في تدريس مادتي (تحليل الشخصية، والاضطرابات النفسية)
وقام بتحليل شخصيات مجرمين ارتكبوا جرائم قتل عادية وأخرى بشعة …فوجد ان النظريات
التي حللت شخصية الإنسان وتلك التي حددت أسباب الاضطرابات العقلية والسلوكية لا
تنطبق على سلوك الشخصية المعاصرة بخصوص (العنف) الذي تمارسه. وعليه فأنه وضعها
جانبا وراح يجتهد في إيجاد تفسير لهذا السؤال :
لماذا يكون العنف في الشخصية العراقية بهذه القسوة والبشاعة ؟
وقد وجد أن إحدى الصفات الغالبة في الشخصية العراقية هي ان (" الموقف " الذي تكون
فيه الشخصية يتحكم بها أكثر من العقل. وأنها تتصرف بأسلوبين متطرفين ومتناقضين،
وكأن في داخلها (ملاكا ) يغني بطرب وينثر الفرح والحب على الناس، عندما تكون في
أوقات الراحة والطمأنينة، و (وحشا) عندما تكون في أوقات الأزمات).
والمؤكد كما يشير الباحث، أن الأمر لا يتعلق بالتركيبة الوراثية، إذ لا يعقل أن (جينات)
الإنسان العراقي تختلف عن (جينات) باقي البشر، أو بالمناخ أو الطبيعة، إنما الأمر
يتعلق بطبيعة (الصراع) على السلطة، الذي بسببه تعرض الفرد العراقي الى اضطهاد وقسوة
وظلم وقهر واستلاب يفوق ما تعرض له البشر الآخرون. فتاريخ العراق هو تاريخ العنف
والدم والمعارك والأهوال والكوارث.. ليس من منذ بدء المشهد الكربلائي وتحوّل السلطة
في الدولة الإسلامية الى وراثية، بل الى ذلك التاريخ الضارب في القدم، والذي يذكر
لنا معلومة لها دلالة هي أن المهاجرين الى العراق القديم كانوا من المحاربين
الأشداء !. وهذا يعني ان المجتمع العراقي يكاد يكون الوحيد بين مجتمعات العالم الذي
خبر العنف لزمن يمتد آلاف السنين.
ثم يورد الباحث عددا من الحوادث التي مرت بالعراق منذ بداية القرن العشرين كأمثلة
وشواهد قريبة لهذا العنف المتجذر في الشخصية العراقية (كأرث سيكولوجي) له دلالاته
السياسية والطائفية والعرقية...
1- قتل الملك فيصل الثاني صبيحة 14 تموز 1958، وقطعت أيدي الوصي وآخرين وطاف بها
الناس في شوارع بغداد.
2- وقتل في عام 1959، وسحل بالحبال، وعلّق على المشانق، أشخاص في الموصل وكركوك.
3- وقتل عبد الكريم قاسم في رمضان 1963، وشوي في الشهر نفسه بالنار سكرتير الحزب
الشيوعي العراقي وعدد من أعضاء الحزب وهم أحياء، وآخرون من نظام قاسم جرى التمثيل
بهم .
4- وعقب هزيمة الجيش العراقي في الكويت عام 1991، وصل العنف بالعراقيين الى أنهم
وضعوا إطارات السيارات في رقاب عناصر من البعثيين وأحرقوهم وهم أحياء .
5- وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في 1988 أبيد أكثر من مائة وثمانين ألف
كردي في عمليات الأنفال، وأحرقت آلاف القرى الكردية، فضلا عن مجزرة حلبجة
المعروفة
6- وفي عام 2003 اكتشفت العشرات من المقابر الجماعية تضم رفات آلاف العراقيين،
بينهم نساء وأطفال دفنوا وهم أحياء. وتبين أن السلطة في النظام السابق استعملت
وسائل العنف في التعذيب حتى مع من كان موضع شبهة، مثل وضع الشخص وهو حي في الأحماض
التي تذيب اللحم والعظم، والكي والحرق وتقطيع الأعضاء. ويخطئ من يرى أن هذا التفنن
في العنف كان من مبتكرات النظام السابق، بل هو في الأصل إرث سيكولوجي تراكم منذ
السومريين.
خمسة أسباب لممارسة العنف
يعتقد البروفيسور صالح إن هناك خمسة أسباب تدفع العراقيين إلى ممارسة العنف رغم إن
الإنسان غير مجبول على العنف. اول هذه الأسباب عندما يتعرض الفرد الى (الإحباط
اليائس).. أي عندما يعاق أو يحرم من تحقيق أهداف وإشباع حاجات يراها مشروعة، مصحوبة
بمشاعر الحرمان النفسي، وبخاصة عندما يدرك أنه أو جماعته يحصل على أقل من استحقاقه،
أو أن جماعته تحصل على أقل مما تحصل عليه الجماعات الأخرى .
وثاني هذه الأسباب، أن اللاشعور الجمعي للمجتمع له دور فاعل في تحديد سلوكه الجمعي.
وبما أن اللاشعور الجمعي للعراقيين معبأ بالعنف ومبرمج من ألف عام على تشغيله في حل
الصراعات، ومشحون بالثأر والحقد فأن العراقي يستحضر هذا الانفعال - لا شعوريا - في
حل أزماته المعاصرة.
ثالث هذه الأسباب، أن السلطة في العراق كانت بيد السنّة من ألف عام فيما كان الشيعة
في المعارضة، وأن ما حصل الآن هو تبادل للأدوار شبيه من حيث فعله النفسي بتبادل
دوري السيد والعبد، وهذا يعني أن العنف لا بد من أن يحصل في المجتمع المتعدد
الطوائف والأعراق اذا انفردت بالسلطة طائفة أو قومية بعينها.
ورابعها أن وجود الأجنبي في أي وطن كان وبأي مسمّى (محتل، محرر...) تثير في ابن
الوطن الإحساس بالذلّ والإهانة والتحقير والاستلاب، وتستنهض فيه – بحتمية نفسية –
مشاعر الكرامة وردّ الاعتبار تدفعه إلى العنف ليس فقط ضد المحتل بل وضد من يعمل مع
المحتل من الناس، خوفا من أن يستفرد المتعاونون مع المحتل بالسلطة وبالمصالح .
وخامسها، يذكرنا بواقعة حدثت في احتلال العراق أيضا. فقد زار القائد العسكري
البريطاني (لجمن) قبيل اندلاع ثورة العشرين، المرجع الديني (الشيرازي) في النجف
وعرض عليه أن يأتيه بمفاتيح روضة الإمامين في سامراء (وهي بيد السّنة) ويعطيها
للشيعة، فرفض (الشيرازي) وعاد (لجمن) خائبا، وبعث بطلب الشيخ (ضاري - من وجهاء
السّنة) وقال له : كيف تطيعون فتوى الشيرازي وهو مرجع للشيعة ؟. فأجاب الشيخ ضاري :
والشيرازي مرجعنا أيضا !. هذا هو الموقف الذي نفتقده اليوم، وبدونه تتأجج أسباب
العنف وينفجر في حرب أهلية لا يعوزها في حاضرها الآن سوى الإعلان عنها .
وثمة مسألة يوجز المحلل الإشارة إليها هي أن المجتمع العراقي الحالي فيه شخصيتان
عراقيتان لا شخصية عراقية واحدة. الأولى، شخصية آبائنا التي كنا نفاخر بقيمها
الأصيلة (الشرف، الإيثار، النخوة، التكافل الاجتماعي، الخوف من العار ومن فعل
الحرام...) وهذه في طريقها الى الاندثار. والثانية، يمثلها جيل بعمر الثلاثينات فما
دون..ولد ونشأ في زمن حروب وكوارث متنوعة !. ومعروف أن الحرب لا تدمر فقط البنى
التحتية والفوقية، إنما البنى القيمية للإنسان. ثم يقارن ويشير إلى النتائج
الكارثية التي حلت بالعالم بعد الحرب العالمية الثانية التي استمرت خمس سنوات
ويقارنها بالوضع في العراق وهو وطن واحد استمرت فيه الفجائع لربع قرن وبدأت العدّ
في ربع قرنها الثاني !.
http://www.almadapaper.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=1981
|