الحضارية «رحلة في كتاب»

 

 

تطور الفكر الديني الغربي في الأسس والتطبيقات

الدكتور حسن حنفي
نشر: دار الهادي / بيروت
1425 هـ - 2004م
عدد الصفحات  : 392
قراءة: صادق الروازق
(خاص للمعهد)

ربما لم يكن من السهولة الخوض في غمار التطورات الفلسفية التي طرأت على الفكر الديني الغربي، واستعراضها بشكلها التأريخي، مع ما رافقها من أمور جزئية أخذت هي الأخرى طريقها في العرض والتحليل، إنما ما يمتلكه الدكتور حسن حنفي من علوم المعرفة الكلامية وتخصصه في المجال الفلسفي مكـّنه ان ينجز نتاجه هذا بطريقةٍ علمية ممنهجة، قلـّما نجد في غيرها شبيهاً، لما امتاز به من تبسيط المطلب وعرضه بأسلوبٍ شيـّق بعيداً عن التعقيد وغموض المصطلحات التي تهم الباحث المتخصص أكثر مما تخدم القارئ المطلع، سيما وأن البحوث الفلسفية والكلامية تحتاج إلى كثير من الدقة ومزيد من الأستغراق.
ولذا يُعد هذا الكتاب ضمن سلسلة الدراسات الاستغرابية في بلورة مراحل تطور الفكر الديني الغربي عند الفلاسفة الغربيين. بعد أن قسّم المؤلف بحثه إلى ثلاثة أقسام: القديم، الوسيط، الحديث، ومن خلال هذا التقسيم تمكن من أعطاء صورة مقاربة لحقيقة تطور الفكر الديني وجهود الفلاسفة واجتهاداتهم تبعاً للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتأريخية، وخلص إلى نتيجة مفادها؛ ان أساس التطور التأريخي للفكر الديني اعتمد على موضوعات وحدة عبر هذه المراحل الثلاثة، مثل: الله، النفس، المعرفة والخلاص والخلود والثواب والعقاب، وهي موضوعات تندرج – كما يقول الأستاذ حنفي – تحت  المباحث العامة للفلسفة من حيث موضوعات النبوة والوحي والتأويل والرمز والنقل والفلسفة والدين، والمعارف الاشراقية، ونطرية الوجود.
ومن هنا أفرد المؤلف في كتابه بابين لكل منهما فصولاً، ففي الباب الأول أفرد تسعة فصول اُستعرض فيها الجانب النظري وأفرد فيه أربعة فصول تناول فيها آرء مختلفة لأربعة مفكرين أساسيين هم: (كانط، هيجل، فيورباخ، هوسرل).
ففي الباب الأول منه، تناول المؤلف – في الفصل الأول – موضوع الفكر الديني في العصر اليوناني، موضحاً ما أصطلح عليه معظم الغربيين على أنه أول مراحل الفكر الفلسفي، حيث وجدت قصص دينية ومجموعة من العقائد السياسية والأخلاقية حول الخير والشر مع ما نشأ من ديانات تؤمن بالشرك والتوحيد، وكانت العلوم والرياضيات مرتبطة بنواحي الحياة العلمية لبناء المعابد والمقابر كما هو الأمر عند البابليين والآشوريين والعبرانيين.
وبما أن اليونانيين القدامى هم جزء من الشعوب الأسيوية فهم آريون غلب على فكرهم قبل عصر الفلسفة الطابع الديني الأسطوري وهذا ما ظهر عند شعرائهم مثل «هوميروس» و «هزيود» وقد نسب للأول الألياذة والأوديسة، فالألياذة لا تؤمن بالخلود والحياة  الأخرة ولا الثواب ولاالعقاب ولا القانون والا استحقاق، وبتطور الفكر كانت الأوديسة التي هي أكثر احتراماً للألهة فالناس يقدسونها عرفاناً بجميلها وخوفاً من عقابها، أما هزيود – كما يوضّح المؤلف – كان أكثر أخلاقية من هوميروس في تصوره الديني ففي ديوان «الأعمال والأيام» تكلـّم عن العدالة بين الألهة والبشر وأوضح ان الحق فوق القدرة. بالنسبة للآلهة وأن الإنسانية فوق الحيوانية بالنسبة إلى البشر، ثم يوضح المؤلف أن ديوان هزيود «أنساب الألهة» كان اليونانيون يعتبرون الإلحاد خيانة للوطن، والأنتحار كفر وعزوف عن منهج الثواب والعقاب، ثم يذكر المؤلف أن الفكر الديني اليوناني أنتقل من مرحلة الأسطورة إلى مرحلة الفكر الطبيعي وتمثل بآراء وأفكار طاليس واكسمندريس، وانكسيمانس، وهرقليطس حيث تجسدت أفكارهم إلى قولٍ أقرب إلى الوجود. ثم تجسدت وحدة الوجود أكثر عند الفيثاغوريين بفضل الرياضيات بعيداً عن الخيال الشعبي، ثم تطور إلى التفكير فيما وراء الطبيعة ضد التشبيه والتجسيم والتأليه وتمثل ذلك عند اكسانوفان وبارمنيدس، وزينون الإيلي، ثم عاد الفكر الديني مرة أخرى إلى ما هو طبيعي على يد أبنا دو قليس عندما تصور تكون النفوس والألهة من مزيج العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار ثم أضاف إليها التراب.
ومن استعراضات المؤلف الزمنية لتطور الفكر عند اليونان ينتهي الى ما قال به سقراط من أن الإنسان: روح، وعقل، والدين ينبع من نقاء الضمير وصقاء النفس والإيمان الصادق بالعدالة الألهية، وأن ممارسة الشعائر والطقوس بنفس غير صافية عن ايمان صادق لا فائدة لها.
ومن بعده أفلاطون الذي برهن على وجود الله ببرهاني الحركة والنظام، وأكد المؤلف أن الله عند افلاطون يمثل روح وعقل، محرك منظم، جميل وخيـّر، عادل وكامل، وهو بسيط لا تركيب منه، وواحد لا كثرة فيه، ثابت لا يتغير، أبدي لا يزول، نموذج الصدق والعدل،سرمدي.
و من ثمّ كان المفكر أرسطو، الذي صاغ علماً مستقلاً سمّاه الفلسفة الأولى أو العلم الألهي أو ما بعد الطبيعة، وأكد من خلاله على أن الله هو الوجود الدائم وهو العلة الأولى والمحرك الأول.
بيد أن بعد أرسطو ظهرت حالة العودة إلى الألهة، ونظـّر إليها أبيقورس مؤكداً أنها أجسام لطيفة، ليس لها شيء من الوجود المطلق الدائم وليست معنية بشقاء العالم وآلام الناس، وبذا يكون تقديم القرابين خرافة، فأراد بذلك أن يحرر اليونانيين من عبادة الألهة التي دخلت حياتهم وعبثت بأقدارهم.
ثم يتقل المؤلف إلى العصر الهلنيستي التي ظهر فيها «أفلاطونية جديدة» محاولة تخليص الفكر اليوناني التقليدي من تعدد الألهة والعودة إلى الربط بين الدين والأخلاق.
أما الفصل الثاني فقد خصّه المؤلف عن الفكر الديني في عصر الأباء «المسيحية الأفلاطونية» وما جاء في هذا الفصل هو مرحلة ثانية في العصر الوسيط بين الفكر الديني في العصر اليوناني وبين عصر النهضة والعصور الحديثة، وقد أكد المؤلف على أن هذه المرحلة من الصعوبة فيها التفرقة بين الدين الشرقي والدين اليوناني والدين المسيحي، ويستدل على ذلك من خلال استعراضه على الفرقة الغنوصية مؤكداً أنها نحلة صوفية شرقية يونانية مسيحية في آن واحد، غايتها الوصول إلى الله عن طريق الإشراق الباطني وبكل ما في النفس من حدسٍ وعاطفة وخيال.
ثم أوضح المؤلف،  بأن المسيحية انتشرت في بيئة يونانية، ومن أشهر فرقها:
الأفلاطونيةن الرواقية، الأرسطية، الأبيقورية، ويسهب المؤلف في تعريف كل من هذه الفرق، ثم يقف على الفرقة الأوغسطينية، نسبة إلى مؤسسها القديس أوغسطين (354م – 430م) حيث اُرتبطت فلسفته  بحياته مثل معظم الفلاسفة الوجوديين، وكان الله محور فلسفته  حتى قبل تحوله إلى الايمان. ويوضح الأستاذ حنفي هذا المحور: إن الله فكرة واضحة حتى بدون استدلال عليه، ومع ذلك يستطيع العقل إيجاد الأدلة عليه مثل برهان النظام الذي يقوم على إدراك النظام والتأليف في الكون وأنه لا يكون محض صدفة. والله بسيط، جوهر مفارق وإن كانت النفس تشعر به، ذاته عين صفاته منعاً لكثرة فيه، وحُُرصاً على وحدانيته، وما نطلقه عليه من صفات مثل العلم والقدرة والإرادة إنما هو قياس للغائب على  الشاهد وتقريب للافهام.
أما المحور الثاني في فلسفة أوغسطين؛ فهي النفس حاملة الفكر، وهي صورة الله في الإنسان تشاركه في صفاته الروحانية والوجدانية والبساطة.
وفي الفصل الثالث تناول المؤلف «المسيحية الأرسطية» مؤكداً فيها على ظهور فلاسفة مسيحيون أعتمدوا على أرسطو في إقامة الفلسفة المسيحية الجديدة، وفي ساحة التحولات الفكرية برز مفكر مسيحي هو جون سكوت اريجنا (788م – 810م) عاصر الكندي أول فلاسفة المسلمين وكانت أول مصنفاته «الانتخاب الأهلي» رداً على قول أحد الرهبان بانتخاب الله الناس للجنة والنار دون استحقاق ومبيّناً ضرورة الحرية من أجل الاستحقاق، وأستحالة إضافة الخير والشر إلى الله في آنٍ واحد بعد أن أوضح ذلك بالدليلين العقلي والنقلي. ثم أكد الدكتور حنفي: إن الفكر الديني في هذه الفترة سادم صراع بين الجدليين واللاهوتيين، بين أنصار  المنطق ودعاة العقيدة، وصراع قديم بين العقل والإيمان، والذي يعتقد أن منشأ هذا الصراع مع بدايات تعلم الفلسفة الإسلامية  مباشرةً وتعلم اللغة العربية قبل ترجمتها إلى اللغة اللاتينية. ومن ثم يستعرض الأستاذ حنفي عصر الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وأثرها في اسبانيا خصوصاً بعد انحسار الحكم الإسلامي عنها.
وفي القرن الثاني عشر ظهر فلاسفة مهدوا الطريق لولادة فكر ديني عقلاني جديد بعد حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية، ثم تطور الفكر العقلاني على يد أبيلار (1079م – 1142م) الفرنسي الأصل وتلميذه روسلان فهم قدموا العقل على النقل وأشادوا بفلسفة اليونان، وبعدهما ظهرت عدة أفكار وفرق تنحو هذا المنحى بيد أنها لا تخلوا من تفرعات فكرية أخرى، حتى جاء البرت الأكبر الأطاني (1206م – 1280م) فهذب مؤلفات أرسطو إلى جانب شروح ابن سينا وابن رشد ألف مجموعات لاهوتية وفلسفية علمية.
أما الفصل الرابع فقد أفرده المؤلف لمرحلة «الإصلاح والنهضة» وركـّز فيه على التيار النقدي المكيا فيللي (1469م – 1527م) في إيطاليا، وأبرز ما كان يدعو إليه هذا التيار هو المقارنة بين الأخلاق القديمة والأخلاق المسيحية، وقدّم مكيا فيللي بهذا الصدد كتابين هما: «في أن كلّ ما قاله أرسطو فهو وهم» و «الأخطاء الأرسطوطالية» وقد حـُرّم هذين الكتابين أن كل من ينقد أرسطو فهو جاهل!
وتناول الفصل الخامس دراسة الفكر الديني «العقلانية والتجريبية» في القرن السابع عشر، فالعقلانية بدأها «ديكارت» والتجريبية بدأها «بيكون» ويؤكد المؤلف أن ديكارت أثبت وجود الله على الطريقة الأوغسطينية، أما بيكون فهو قد عمل بالسياسة وأراد إصلاح العلوم بالاعتماد على النهج الاستقرائي كما عبر عن ذلك في كتبه مثل: «في تقدم العلم»، «الاورجانون الجديد أو العلاقات الصادقة لتأويل الطبيعة في كرامة العلوم ونموها، وآخر في السياسة بعنوان «اطلانطس الجديدة» ويذكر المؤلف حسن حنفي؛ إن لهذين المدرستين مفكريها وروادها الذين استمروا في تطوير فلسفة هذين الفكرين.
أما الفصل السادس فقد خصّه  المؤلف في موضوع الفكر الديني من خلال عنوان «الدين الطبيعي والتنوير» مؤكداً على ظهور التنوير كتيار في الفكر الديني وأنه ظهر أولاً في ألمانيا عند لسنج وهردر في إطار فلسفة التأريخ أما «كانط» فكان في إطار نظرية المعرفة والأخلاق والدين، كما استعرض المؤلف في الفصل السابع موضوع «المثالية والوضعيّة» في القرن التاسع عشر موضحاً أبعاد المدرسة الرومانسية وتطورها إلى حركة سلفية عند دي بونالد، وهي بالتأكيد كانت حركة معارضة للتنوير والقدرة الفرد على الإبداع والتعقل، ثم يستعرض المؤلف الفكر الهيجلي بيمينه ويساره الذي تمثلاً في أجنحة متقابلة، وأثره في الفلسفة المعاصرة أكثر منه في الفلسفة الحديثة.
أما في الفصل الثامن وما يخص القرن العشرين، فقد اُستعرض فيه المؤلف الفكر الديني وفق مصطلحات مفاهيمية كـ «البراجماتية، الوجودية، التخصائية، التوماوية الجديدة، الاوغسطينية الجديدة».
ثم يلخـّص كلّ ما تقدم في فصوله السالفة ليضع خلاصة ذلك في الفصل التاسع، وأهما ما يلي:
1 ـ كلـّما تطور الفكر الغربي أزداد التراكم التأريخي حتى تضخم الوعي الأوروبي إلى ما هو عليه الآن.
2 ـ الفكر الديني الغربي، هو الفكر الفلسفي الغربي الذي يبحث في الخير والحق والجمال.
3 ـ عبـّر الفكر الديني عن روح العصر في كل مراحله، وكأن روح العصرهي التي تفرض نفسها على الفكر عامة، وهذا حقيقة ما ينم عن تطور الذهن البشري.
4 ـ الفكر الديني الغربي ينبع من معطى ديني خاص، هو اليهودية المسيحية، بعد أن تم الربط بينهما منذ تدوين الاناجيل.
5 ـ تطور الفكر الديني الغربي مرتبط بظروف تأريخية واجتماعية ونفسية عاشتها الشعوب الأوروبية، وهو تطور خاص مرتبط بتكوينها وأصولها.
6 ـ يمثـّل تطور الفكر الديني الغربي اجتهادات بشرية خالصة. ولما كان الفكر الغربي يحاول التخلص من المعطى الديني التاريخي، فقد غلب عليه النقد والتمرد والثورة، ومحاولة كل الحلول، وعرض كل الاحتمالات.. فتولدت النظريات والاتجاهات والفلسفية المتتابعة، منسوبة إلى أصحابها؛ الديكارتية، والكانطية، والهيجيلية، ونحو ذلك، كالذي هو معهود لدينا في كتب الفرق المذاهب، التي تنسب الفرق إلى الفيلسوف المؤسس، كالاشعرية، والنظامية، والازيدية، ونحو ذلك.
7 ـ كشف تطور الفكر الديني الغربي عن بُنية ثابتة منه تمثلت بقطبين: الله والإنسان. فمرةً تظهر مذاهب تؤكد أولوية القطب الأول على الثاني، والأخرى تعطي الأولوية إلى القطب الثاني، وبقي التأرجح قائماً في كل عصر حسب احتياجاته.
8 ـ تجلـّت نزعتان من تاريخ هذا التطور، الأولى محافظة تخشى على الإيمان أكثر من المصالح العامة، والأخرى تحررية تقدمية تحاول المحافظة على مصالح الناس، فأصبح الدين سكون (ايفيون) عند السلطتين الدينية والسياسية، ووسيلة للحراك الاجتماعي عند الأحرار والمفكرين.
9 ـ الفكر الديني الغربي لا يُفرق بين دين الوحي ودين الطبيعة، بين الدين  المنزّل من الله وبين الدين الإنساني والاجتماعي.
10 ـ عندما اقترب الفكر الديني الغربي إلى مرحلة التنوير وخاض فلسفة التنوير، فهو كان يقترب من روح الإسلام، وعلى حدّّ تعبير الأستاذ حنفي: وهذا يفسر سر إعجاب كثير من الفلاسفة العقلانيين والاجتماعيين بل والأدباء الرومانسيين بروح الإسلام وتراثه وحضارته ومثله، وكأن الوعي الأوروبي ظل يبحث بطريق غير مباشر بجهده الخاص عن روح الإسلام التي حفظها الوحي الإسلامي تدويناً منذ القرن السابع الميلادي، ثم وجدها أخيراً في العصر الحديث.
أما الباب الثاني من هذا الكتاب، فقد خصصه المؤلف لـ «التطبيقات» لتطور الفكر الديني الغربي، بعد أن أفرد أربعة فصول لأربعة مفكرين هم: «كانط، هيجل، فيورباخ، هوسرك» وفي هذه الفصول استنبط المؤلف عناوين جديرة بالوقوف والتأمل لدراسة الترابط الجدلي بين الدين والفلسفة، ففي استعراضه لانثروبولوجيا الدين أكد الدكتور حنفي أن «فيورباخ» استطاع أن يقسّم جوهر المسيحية إلى قسمين: الأول؛ الجوهر الحقيقي للدين، اي «الانثروبولوجيا»، والثاني؛هوالجوهر المزيف للدين «ثيولوجيا»، موضحاً أن الاغتراب الديني يمثل في ثيولوجيا الدين، وهو موقف ديني مزيف نتج عن تصوير الثيولوجيا على أنها علم الله يتحدث  عن ذات الله وصفاته وأفعاله،ويجعل الله موضعاً مستقلاً عن الإنسان متجسماً في وثن نفسي مشخص في الخارج، في حين أن الدين في وصفه الصحيح هو انثروبولوجيا الدين، موقف إنساني صحيح يرجع للذات ما سُلب عنها  من قبل ويُعيد للإنسان أخص خصائصه وهي الصفات مثل الوجود والكمال.
كما ويدرس المؤلف مسألة الإدراك الحسي ومسألة الشعور في تناول موضوع الله والمسمى بالشعور المطلق من نظرية هوسرك، والذي هو نفسه قال: بأن المطلق ليس هو الحل النهائي بل أنه شيء يتكون بنفسه على نحو فريد وبدلالة عميقة، هذا فضلاً عن وقفات كثيرة لعناوين متعددة في استعراضه لفلسفة «كانط» و «هيجل» وبالأخص منها ما يتعلق بفلسفة الدين واللاهوت ومصطلحي الدين «المحدد» والدين «المطلق».
وعلى الرغم من أن الكتاب يكاد ينحصر في مجال التخصص الفلسفي وأكثر ما يهم الباحثين في الفلسفة إلا أنه يعتبر بحق كماً معرفياً واقعياً لما امتاز به المؤلف من تبسيط  ووضوح لا يتعالى على لغة وخطاب المثقف والباحث التاريخي، لعموم المثقفين وأصحاب الاهتمام، وليس حكراً على أصحاب التخصص، وقد مثل هذا الأسلوب اهتمام المؤلف وغايته، وهو يقول في مقدمته: «وبالرغم من أن الفكر الديني له مصطلحاته أسوةً بمصطلحات الفلسفة وتداخل الأثنين معاً على التبادل إلا أنه يمكن التعبير عنه بأقل قدر منها وبلغةٍٍ عادية حتى يمكن إيصال المعاني أكبر قدر ممكن من القراء بالمصطلحات الفنية لأهل الأختصاص، كما أن الوضوح النظري يتطلب أسلوباً عادياً خالٍ من المصطلحات الفنية، فالمهم إيصال الأفكار من أجل فهمها والحوار منها.
وفي ختام تعريفنا لهذا الكتاب، يحدو بنا الأمل والطموح لتعريف كتاباً آخراً للأستاذ الدكتور حسن حنفي وهو يوضّح لنا فيه معالم تطور الفكر الديني عند المسلمين وأدوار فلاسفة العرب والمسلمين وما تركوه من بصمات على فلسفة الدين، وانثروبولوجيا الدين، بعيداً عن الرأي السائد من أن أبو الوليد «ابن رشد» هو آخر فلاسفة المسلمين، كون أن مشروعه تجلـّى فيه اقدامه على تقديم الأرسطية وبعض الآثار الأفلاطونية بنوعِ من الحياد، وهو ما كان مناقضاً للمنهج الذي أتبعه كلّ من الفارابي وابن سينا، وننسى أو نتناسى ما قدّمه الفلاسفة المتأخرون كملا صدرا الشيرازي مثلاً، الذي يعدّ من أحد فلاسفة المسلمين لما له من بُعدٍ فلسفي مميّـز، كونه لم يتعاط مع المتون اليونانية التي قدّم شروحاتها ابن رشد. ومن أهمها نظريته في الوجود وفي الحركة، وربما يتأتى طموحنا هذا جراء جهل الأوروبيين على مدى أربعة قرون للظاهرة الاشراقية المودعة في نظام فلسفي متين(1)، في الوقت الذي اختزلوا تأريخنا الفلسفي في فيلسوف واحد.
 

(1) انظر مقدمة كتاب ما بعد الرشدية - ملاصدرا رائد الحكمة المتعالية، للأستاذ إدريس هاني، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، ط 1، 2000م : 13 – 14.