الحضارية «رحلة في كتاب»
 

لمحات نادرة عن العلاقة بين الطوائف

الكتاب: مذكرات مندائية
الكاتب: غضبان الرومي
اصدار: دار نشر المندائية بالتعاون مع نشر المدى2007
عدد الصفحات: 117 صفحة
قراءة: سعد هادي

لايكتسب كتاب "مذكرات مندائية- دار المدى2007" أهميته من كونه سيرة ذاتية لمؤلفه غضبان الرومي وليس أيضا من كونه أحد الكتب القليلة التي كتبت عن طائفة الصابئة من داخلها وبقلم أحد أفرادها، بينما ألَّف معظم الكتب التي تتناول تطورها التاريخي وطقوسها ومراحل نمو الشخصية المندائية في واقع يتصف بالبدائية والقبلية والتخلف الاقتصادي مؤلفون وباحثون اوربيون وعرب، لكن هذا الكتاب بصفحاته الـ117 يكشف عن صفحات خفية من تاريخ العراق منذ مطلع القرن الماضي وحتى ثمانينياته، ويقدم في لمحات نادرة كشفا للعلاقة بين الطوائف والاعراق ومظاهر التلاقي والافتراق بينها ثقافيا واجتماعيا، يصف الرومي جانبا من مدينة قلعة صالح التي تقع جنوب العراق والتي سكنها المندائيون منذ تأسيسها عام 1865 قائلا: يقع مقهى المسلمين في المقدمة القريبة من النهر ويقابله مقهى اليهود وفي آخر السوق أيضا مقهى للشيعة، وهذا يعكس الانقسام الاجتماعي بين الطوائف الدينية المختلفة وكان الاختلاط مقصورا فقط على الدوائر،الحكومية والمعاملات العامة، وكان الاختلاط الاجتماعي في المجالات الاخرى معدوما، ص9 كما يشير الى إن رجال الدين كانوا يوصون بعدم الاقتراب من معتنقي الديانات الاخرى حتى ولو لشرب الماء فتلك خطيئة يجب على المؤمن ان يتعمد ليتطهر منها ويضيف ايضا: اما اقترابنا من الدين الاسلامي فكان مباحا الى حد كبير لأن المسلمين يعتبرونا من أهل الذمة، أما علاقتنا بالمسيحيين فقد كانت أخف وطأة من كل أهل الاديان الاخرى وذلك لأننا كنا نعتقد أن المسيح هو ابن خالة يحيى الذي نعتبره نبيا لنا ونقدسه،ص94.
من جانب آخر يشير الرومي الى إن شيء من الغموض مازال يكتنف تاريخ الصابئة وهجراتهم، فالمكتشفات الأثرية لا تحدد بالضبط حياتهم ومساكنهم الاولى، إلا أن التاريخ على حد تعبيره يقول أن الصابئة من الآراميين الذين سكنوا اليمن وهاجروا منها الى الشام ومنها هاجر قسم منهم الى جنوب العراق، أرض السومريين والبابليين وسكنوا هناك، ص34. ولأنه كان يُسأل كثيرا عن ديانة الصابئة وتاريخ الصابئين، وكانت اجاباته عامة وغير مبنية على حقائق علمية بسبب قلة معلوماته، بدأ يجمع الكتب المندائية ويتعلم لغتها وقام بتأليف كراس نشره عام 1955 بعنوان "الصابئون في العراق"، لاقى رواجا كبيرا، ثم بناءً على طلب من مسؤول حكومي لإبطال الشكوك حول العقيدة الصابئية واصولها قام بتأليف كتاب في 300 بالاشتراك مع مؤلف صابئي آخر هو نعيم بدوي تم جمع معلوماته من المصادر العربية والانكليزية، ولكن الكتاب اختفى بعد القاء القبض على بدوي بتهمة الشيوعية في الايام الاولى للانقلاب البعثي عام 1963.
ويوضح الرومي أن كلمة الصابئة اشتقت من كلمة "صبا" الآرامية وتعني من صبغ أو تعمد بينما تعني بالعربية كل من خرج من دين الى دين آخر، والتعميد في العقيدة الصابئية ركن أساس، وقد جاء في كتاب "كنزا ربه" الكنز الرباني او صحائف آدم وهو الكتاب المقدس للصابئة أن التعميد يخرج الفرد من اليهودية الى المندائية، أما كلمة المندائية فتعني العارف أو المعرفة وكذلك الوصول الى الله من خلال التأمل الذاتي والتصوف والتفكير العميق وهذا الوصول لايحتاج بمفهوم الصابئة الى أنبياء ورسل ليوصلوه الى الناس، كما إن كلمة مندايي كما يرى الرومي مشتقة من مندا وتعني الموحد، وذلك دليل على إن الدين الصابئي والقول أيضا للرومي سواء كان من المعرفة أو من المندائية فهو يعني توحيد خالق هذا الكونن الذي يعجز الانسان عن وصفه او معرفة تكوينه وكنهه، ص32.
ولأسباب عديدة اضطر الصابئيون الى مجاراة التحولات في المجتمع العراقي للخروج من عزلة فرضت عليهم او فرضوها على انفسهم، وبدأ وضعهم بعد الخمسينيات بالتحسن من حيث المأكل والملبس والسكن، وبدأوا يدخلون المطاعم ويأكلون اللحوم المذبوحة من غيرهم، وبدأ قسم من الشباب والفتيات يتزوجون من أبناء الاديان الاخرى، برغم أن دينهم يحرم ذلك حرمانا قاطعا، كما غير الكثير من الصابئة ازياءهم التقليدية ولبسوا الملابس المدنية الحديثة وحلقوا لحاهم، أما عن التعميد فقد ضعفت مظاهره برغم أنه العمود الفقري في الديانة، واستعيض عن السباحة في النهر التي الغيت نهائيا بالدوش، واقتصر أداء هذا الطقس على رجال الدين الين يستعملون ماء النهر في شربهم وتطهير اجسامهم.
"مذكرات مندائية" الذي كتب في الثمانينيات يشكل وثيقة شخصية عن زمن مضى، وكان من الاجدى، أن تأتي تحت عنوان "مذكرات مندائي" لأن الكتاب لا يمثل وجهة نظر طائفة معينة بما حولها وإنما هو شهادة من أحد أفرادها عن أحداث عاصرها أو شارك في صنعها، وأعاد روايتها من وجهة منظوره الشخصي.

المصدر: /www.newsabah.com