الحضارية «رحلة في كتاب»

 

 

محمد عبده إمام الحداثة والدستور

اسم الكتاب: محمد عبده إمام الحداثة والدستور
اسم المؤلف: عبد الرزاق عيد
منشورات: معهد الدراسات الإستراتيجية
الطبعة: الأولى 2006م، بغداد / بيروت
قراءة: صادق الروازق
(خاص للمعهد)

من أبلغ ما تتطلع له الأجيال، هي الرؤية العقلية في دراسة مسار النهضة الإصلاحية التي ظلع بها بعض المصلحين من علماء الدين في كافة جوانبها السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية.
ويبقى لمجالها الفكري كثير من الأهمية، كون ديمومة الحياة ديمومة فكرية تغذي جوانب الحياة الأخرى، فضلاً لما للفكر من بزوغ حداثوي يلبي حاجة ومتطلبات الإشكالات المعاصرة وفق تعدد القراءات الفكرية للإصلاح، وبعبارة أخرى: ان النهضة الإصلاحية هي نقلة رحبة في التفاعل بين العقيدة والحياة. وهي ملازمة جدلية بينهما ترسم معالم المبادئ التي يتخذها الإنسان مرجعاً أخلاقياً تساهم في بناء ذاته وتمنحه القدرة على اقتحام صعاب الحياة وتحقيق الانجازات الخيّرة لتكامل صورة مجتمعه الفاضل.
ومن هنا تأتي الضّرورة الملحة للوقوف على أبعاد حركة النهضة، وأسباب منطلقاتها، ومقدار ما أسهمت به في تغيير الواقع. وبما ان هذا الكتاب يسلط كثير من الضوء على سيرة أحد أعلام النهضة، فكانت لنا هذه الأسهامة في قراءته وعرض أهم ما جاء فيه.
الإمام محمد عبده من مواليد 1849م في قرية مصرية (محلة نصر) ومن أبوين مصريين، وهو فلاح فقير، التحق عام 1866م بالجامع الأزهر، حصل على الشهادة العلمية من الأزهر عام 1877م، وفي عام 1879م عُين أستاذاً للتاريخ في مدرسة دار العلوم (كلية دار العلوم الآن) وأستاذاً للأدب في مدرسة الألسن، مارس النشاط الصحفي وله العديد من المقالات في الصحف والمجلات العربية، اتهم بالتأمر مع رجال ثورة عرابي، وحكم عليه بالسجن ثم نفي ثلاث سنوات، زار فرنسا أول مرة عام 1884م والتقى بالأفغاني وعملا معاً على تأسيس جمعية وصحيفة إسلامية باسم «العروة الوثقى» كانت أول صحيفة عربية تصدر في أوربا، رحل إلى انكلترا عام 1884م ثم عاد إلى باريس وسافر إلى بيروت، وقام بإلقاء عدة محاضرات في علم الكلام، كما زار سوريا وقام بالتدريس فيها، أسس بمعونة أشخاص آخرين جمعية دينية سرّية وكان من أهدافها التقريب بين الأديان الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام. عاد إلى مصر عام 1888م وعيّن قاضيّاً في المحاكم الشرعية ومستشاراً في محكمة الاستئناف، ومفتياً للديار المصرية عام 1889م وعضواً في مجلس شورى القوانين 1899م وكان من أوائل المؤسسين للجمعية الخيرية الإسلامية، وكان له فضل التفكير في إنشاء الجامعة المصرية ـ توفي في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو عام 1905م واحتفلت مصر كلـّها بوفاته وأعلن حداداً عاماً في البلاد.
ومن كتبه ورسائله: (رسالة التوحيد)، تفسير أجزاء من القرآن الكريم وقد أتمه رشيد رضا، و(الإسلام دين العلم والمدنية)، (مجموعة من الفتاوى)، (الإسلام والرد على منتقديه)، تحقيق (أسرار البلاغة)، و(دلائل الإعجاز) للجرجاني، و(شرح نهج البلاغة).
ويُعد الإمام محمد عبده من أبرز رجالات النهضة والإصلاح، شأنه شأن أستاذه المفكر جمال الدين الأفغاني في دعوتهم المسلمين إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي ومكافحة التقاليد غير المعقولة وغير الإسلامية المترسبة في أفكار المسلمين، وفي اعداد مختلفة من مجلة «العروة الوثقى» سعى إلى مكافحة روح اليأس لدى المسلمين وجعلهم يكتسبون صفة الاعتماد على النفس، وفي الوقت نفسه هاجم الاستعمار الانجليزي وبقية القوى الغربية بشدة، وسعى في مقتبل حياته وبعد أن تأثر بأستاذه الأفغاني إلى مقاومة «الاستعمار الخارجي» و«الاستبداد الداخلي» و«الاستحمار الديني».
وبعد توقف مجلة «العروة الوثقى» في باريس، دبّ اليأس في روح محمد عبده من طريقة الأفغاني بممارسة العمل السياسي الثوري الذي لم يكن بالأساس منسجماً مع ما يتوافق ومزاج محمد عبده وطبعه وتكوينه، فافترق عن أستاذه الأفغاني ونحا منهجاً مغايراً بالتمام لمنهج الثورة، وكما يقول عبدالرزاق عيد: إنه كان يراهن على الهيمنة الفكرية على وعي المجتمع في وجه السيطرة السياسية على أجهزة الدولة، فنشأت قناعته الجديدة بالاعتماد على الأمم دون النخب السياسية، بعد نهضة حقيقية في المسار الصحيح للتربية والعلم الصالحين. وهذا هو جل نشاطه الإصلاحي الذي أهمل فيه الجانب السياسي (المباشر) وحصر أمور حركته بالعقيدة وتصويب اللغة والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد وإصلاح الأزهر.
وبشكل عام أوضح المؤلف عبد الرزاق عيد سيرة الأستاذ محمد عبده بشكل مفصل مع إضاءات تطبيقية لبعض النصوص الإصلاحية مستقرءاً منظومته، وبالأخص مشروع (الدستورية) و(المجالس النيابية) و(التنظير للمستبد العادل)،الذي يصفه بأنه «مستبد يـُكره المتناكرين على التعارف، ويلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، يحمل الناس على رأيه بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه، فإن عرض حظ لنفسه فليقع دائماً تحت النظرة الثانية، فهو لهم أكثر مما هو لنفسه».
ويعلق المؤلف على ذلك: إنّ فكرة المستبد العادل ليس نموذجاً لنظام حكم يطمح إليه الإمام بوصفه يستجيب للخصوصية العربية الإسلامية كما يشاع باستسهال ساذج أو بتصحيف ماكر وتحرير موجّه، وتشويه مقصود تحركه أيديولوجيا الاستبداد، بل هي مرحلة عارضة تمهيدية، إنها مرحلة تأهيل لـ (المجالس النيابية)، أي مرحلة انتقالية إلى مشروعه النيابي الدستوري الذي لم يتزعزع إيمانه به بوصفه مستقبل مسار مشروعه في الإصلاح الديني والتربوي والتعليمي. وان سؤال المجلة وجوابها ـ كما يقول المؤلف: برهن له على صحة خياراته الدستورية الأولى التي رسخها في برنامج (الحزب الوطني) الذي كان خطأه هو مراهنته في تنفيذه وإنجازه على العسكر، أي أنّه يجعل من العسكر واسطة لاستلام السلطة، ومن ثم انسحابهم من الساحة السياسية، وهذا ما أشار إليه المؤلف ناقداً هذه الرؤية التي ليس له أساس في الواقع، كون أن التجارب أثبتت تمسك العسكر وعدم انسحابهم من الساحة بعد استيلائهم على السلطة.
برنامج الحزب الوطني / دور العسكر
يذكر المؤلف أن الإمام محمد عبده كتب برنامج الحزب الوطني، وفيما لو حذف بعض من فقراته التي كانت تعالج الإشكاليات السائدة آنذاك، فهو يصلح اليوم كبرنامج مهم أمام سياسات الأنظمة العربية الشمولية الاستبدادية وإن مضى عليه قرن وربع من الزمن. حتى إن القارئ له اليوم يصاب بالذهول لدرجة الانحطاط الذي بلغه المجتمع العربي، ليس على مستوى الاستبداد والطغيان فحسب، بل الانحطاط في خطابه السياسي المدني الدستوري.
ثم يوضح المؤلف أن البرنامج عالج مشكلة العلاقة بين مصر والدولة العثمانية، حيث ان الحزب أكد مقاومته لمن «يحاول إخضاع مصر وجعلها ولاية عثمانية، أي من يريد سلب امتيازاتها ونسخ الفرمانات التي منحتها استقلالها الإداري». كما أكد البرنامج على العلاقة الودية مع دول الغرب، فان الحزب حريص على علاقات «الثقة بدول أوروبا.. ويود أن تدوم هذه المحبة حتى يحصل على حُرية مصر واحترامها».
ويؤكد المؤلف أن أعداء محمد عبده استثمروا هذه الفقرة من برنامجه وأعلنوا التشنيع عليه بمهادنة الانكليز، إلا أن المؤلف يبرر ذلك قائلاً: لعل الإمام الذي كان يخشى إقدام العسكر على خطوات شأنها أن تثير الشغب الذي يجر على البلاد احتلالاً أجنبياً يسجل على مسببه اللعنة إلى يوم القيامة.. لعل خشيته وقلقه وشكه من حقيقة دوافع العسكر للمطالبة بالدستور كانت وراء مسارعة الإمام لتشكيل حزب يكون له برنامج وطني عقلاني معتدل لقطع الطريق أمام الانكليز من الاستفادة من طيش العسكر الانقلابيين لاحتلال مصر، وهذا ما حدث لاحقاً بالفعل.
وهذا ما يؤكده المؤلف أيضاً بقوله: وهذا يتبدى بشكل صارخ من العسكر الذين قادوا الانقلابات والحركات القومية لاحقاً من خلال الشعارات الشعوبية الزائفة ولكن الجذابة للطبقات الدنيا، لعل أصدقها التجربة الناصرية في زمن حياة عبد الناصر، أما كل من حاكاها وقلدها في العراق وسوريا وليبيا والجزائر.. الخ، فإنهم ينسجون بتجربتهم المكررة لتجربة عبد الناصر، بين المأساة والملهاة!
المناطحة السلميّة
بعد أن صدر قرار العفو عن الإمام محمد عبده بتوسط تلميذه سعد زغلول بعودته إلى مصر، اختار محمد عبده السكن في شارع قريب من قصر عابدين، وهو شارع «الشيخ ريحان» وعندما سئل عن اختياره هذا المكان أجاب: «حنى نناطح عابدين مناطحة»؟؟ مشيراً ـ كما يقول المؤلف ـ إلى قراره بالتخلي عن المواجهات «الثورية» والاكتفاء بـ «المناطحة السلميّة» لقصر عابدين، ويبدو أنّه بعد سلسلة تجاربه في المنفى في بيروت وباريس ولندن وما رافق ذلك من نضال سري مع معلمه «الأفغاني» وتحرير صحيفة العروة الوثقى وفق منهج الأفغاني الثوري، والمراسلات والاتصالات التنظيمية السرية. قد اقتنع بأن الاحتراف السياسي «الحزبوي» ليس طريقه، وبعد أنّ تعرّف على العالم الغربي ونظمه السياسية الدستورية الديمقراطية، كلّ ذلك ساهم في تكوين وعي مدني ديمقراطي جديد لديه.
التعاطي مع الانكليز
تفرّد الأستاذ محمد عبده بتوجيه إدانة شديدة لتجربة محمد علي الاخديوي والتي عدّها مثالاً للانحطاط الشرقي الاستبدادي، وبما ان واقع النظام السياسي في مصر تشكـّل من سلطتين إحداهما سلطة احتلال وأخرى سلطة محلية لكنها ليست مصرية في كلّ الأحوال وتستمد شرعيتها من النظام الإقطاعي العثماني، فالسلطتين غريبتان عن الجسد المصري جنساً وروحاً.
وعلى هذا ـ وكما يقول عبد الرزاق عيد ـ حدد الإمام علاقاته مع السلطة على ضوء المشترك الذي وجده مع الآخر من ممثلي السلطة على مستوى منظومة المفاهيم المدنية والديمقراطية الحديثة، فوجد أن الطرف الانكليزي ولو كان استعماراً فهو أكثر استجابة لطموحاته في نظام دستوري ديمقراطي ونظام تعليمي حديث، وتربية ثقافية مستنيرة، وبالتأكيد فهو أفضل من النظام الاستعماري المستند بشرعية عثمانية (إمبراطورية مريضة) اتصفت بالتأخر والفساد والمحسوبية العائلية المغلفة بشرعية دينية زائفة. ويقول المؤلف: إن هذا الرجل المشبع باعتداد النفس وكبرياء الفيلسوف وتفاني المصلح وسمو الزاهد السالك طريق بلوغ مقام التخلق بأخلاق الله منذ صباه الصوفي، سيجد سهولة وسلاسة في التعامل مع حاكم انكليزي مدني لا تتطلب العلاقة معه أبهة التعامل مع الفخفخة السلطانية الشرقية التي سيرغم على اقترافها في حالة التعامل مع الخديوي، في القوت الذي عبّر عباس الخديوي نفسه عن ضيقه بكبرياء محمد عبده واعتداده بالنفس فيصفه قائلاً: «إنـّه يدخل عليّّ كأنه فرعون» وعلى هذا، وفور عودته إلى مصر سلك الطريق الأسهل ـ كما يقول المؤلف ـ وهو التعامل مع حاكم أوروبي، فتقدّم لكرومر باللائحة التي كتبها لإصلاح التربية والتعليم في مصر. ويعجب المؤلف للذين يصفون الأستاذ محمد عبده بأنه رجل السلطة أو فقيه السلطة طمعاً بامتيازاتها. فيقول: «والغريب أن الذين حللوا شخصية الإمام محمد عبده وانتهوا إلى تشربه حب الطاعة ورهبة السلطة.. أو في البحث عن الوظيفة العالية التي وفرها له المحتل، لم يتوقفوا عند هذه الملاحظات: أي الاعترافات التي كتبها سنة 1903م، وذلك تعليقاً على رأي عرابي في الثورة، فالرجل قبل رحيله بسنتين، أي بعد كل تجارب النجاح والإخفاق والمشاركة في الثورة ونقده لها، أعلن أنه كان على استعداد لتنفيذ اقتراح أستاذه الأفغاني بقتل إسماعيل، لأنه حتى في سنة 1903م تاريخ كتابة هذه الاعترافات، يرى أن هذا الفعل كان من أحسن ما يمكن فعله لمنع تدخل أوربا، فالشاب الذي كان ممتلئاً حماساً واستجابة لأستاذه في القيام بفعل مسلح (ميليشيوي) لقتل الخديوي، هو نفسه الذي يتحدث عن هذا الفعل دون أن تتغير تقديراته، رغم أن هذا الفعل يبدو غريباً على سلوك الإمام، ليس بسبب ضعف في وطنيته، بل بسبب سمو ورفعة أخلاقه الإنسانية الصوفية!
الأستاذ وتلميذه
يرى الأستاذ عيد: أن استقرار الاثنين، الأستاذ وتلميذه، هو تعبير عن إنحيازات إستراتيجية، الأول أختار الاستانة وهي عاصمة الإمبراطورية العثمانية التي لم يكن ينظر إليها كاستعمار بسبب وحدة الدين، بينما الثاني اختار العودة والإقامة في بلده مصر في ظل الاحتلال.. فاعتبر الأفغاني نفسه في موقع المبادرة الهجومية وطنياً، إذ اعتبر أن خياره هو المعبر عن أصالة الانتماء الوطني، بينما يدين تلميذه لأنه يقبل بالمشاركة في قيادة إصلاح بلاده سلميّاً ودستورياً وديمقراطياً وتربوياً في ظل الاحتلال الانكليزي..على هذا يكتسب القبول بسيطرة الدولة العثمانية طابع الشرعيّة وطنياً، بينما يصبح القبول بالعيش في الوطن مع رفض الاستعمار البريطاني سلميّاً مدعاة لتشكيك والتنديد والاتهام بالجبن. فيكتب الأفغاني لتلميذه ردّاً على رسالته: «إن الرسالة ما وصلت.. ولا بينت لنا موضعها، وجلاّ منك.. قوى الله قلبك»؟!
ويعقب المؤلف قائلاً: «إن مثل هذا الخطاب التقريعي والتوبيخي صعب على نفس الإمام التي تتوفر على زهو الملوك كما كان يتراءى للأفغاني نحو تلميذه، بل وكبرياء الفراعنة على حد تعبير الخديوي عباس، نقول: ان هذا الخطاب صعب على التلميذ ولو كان التقريع من الأستاذ والمعلم والولي الأعظم، بل وربما تتأتى قسوته الجارحة لأنه صادر من الأستاذ الذي تـُظهر لنا رسالة الإمام: كم هو حريص على كسب رضا الأستاذ على تلميذه.
هذا الأثر الشديد ـ كما يقول المؤلف ـ الذي تركته رسائل الأفغاني التعنيفية جعل الإمام وهو التلميذ الأول والمحب الأول يصمت كمداً وحزناً عند وفاة الأستاذ، فلا يشارك في رثائه في الصحافة يوم وفاته في 9 مارس 1905م، إلا أنّه عبّر لاحقاً عن درجة حزنه قائلاً: (إن والدي أعطاني حياة يشاركني فيها علي ومحروس، والسيد جمال الدين الأفغاني أعطاني حياة أشارك بها محمداً وإبراهيم وموسى وعيسى، والأولياء والقديسين، ما رثيته بالشعر لأني لستُ بشاعر، ما رثيته بالنشر لأني لستُ بناثر، رثيته بالوجدان والشعور، لأنني إنسان أشعر وأفكر؟!».
محمد عبده وكرومر
كرومر هو واجهة الاحتلال الانكليزي لمصر وعلى ثقافة عالية، فكانت له مع الأستاذ محمد عبده علاقة وثيقة لما اتسم به عبده من قيم الثقافة الغربية الحديثة، فكان عبده يرى في كرومر ما يُشبع حاجته الشخصيّة فضلاً عن العلاقة الاجتماعية المثقفة مع شخص كرومر الذي وجد فيه مشتركاً أكثر من بلاط الخديوي ذوي الطقوس البروتوكولية، كما أنه يستفيد من صداقته هذه مع كرومر لنفوذه عن الخديوي كي يحمله ـ كما يقول المؤلف ـ على تعيين عدد أكبر من المصريين أعضاء في وزارته عوضاً عن الأتراك والشراكسة، كما أنـّه استفاد منه ليضع حداً لشراهة الخديوي وأطماعه في أراضي الأوقاف.
وقد بلغت علاقة الصداقة ثقافياً حدّ المكاشفة الجوانية، إذا إن كرومر كان يعتقد أن الإمام من مذهب «اللاأدرية» أي المذهب القائل بعجز العقل عن الوصول إلى الحقيقة، ولعل ما يبرر حكم كرومر أن محمد عبده أفاض في بعض الحوارات والنقاشات عن بعض الأفكار التي سمحت لكرومر باستنتاجه. مثل قوله في رسالة التوحيد: «ليس بإمكاننا معرفة أي شيء عن الذات الإلهية، لأن عقلنا ولغتنا البشريين غير كافيين لأكتناه جوهر الأشياء».
إصلاح مناهج الأزهر
من أكبر هموم الأستاذ محمد عبده، هو إقناع الشباب الحداثيين بان الإسلام لا يتناقض مع العصر، فهو يخشى أن تتغرب النخب عقلياً واجتماعياً وهي في الوقت نفسه كانت تمثل له الأمل لإستشراف مستقبل مصر الحديثة، ويقول المؤلف: فمراهنته على تلك الأجيال التي تتلقى علوم الغرب، وهي المعوّل عليها في بناء مصر وقيادتها نحو الانخراط في العالم الحديث بما يتلاءم وآفاق المشروعية الدستورية التي شكـّلت برنامجه شديد الحرص على أن تكون هذه الأجيال ملتصقة بهويتها الحضارية وذاتها الثقافية لتبقى محبةً لمصر الوطن والتأريخ والحضارة، فكان اهتمامه منصباً على هذه الأجيال فأراد لها ثقافة إسلامية ووعياً وطنياً، يشدّها إلى أرضها وأهلها بعد أن يئس من دور المؤسسات التقليدية، وفي مقدمتها الأزهر، ومن إمكانية المراهنة على مستقبل مصر الحداثي الديمقراطي من خلال ما يخرجه الأزهر، وقد بلغت درجة رفضه ويأسه العلمي والفكري من الأزهر أن راح يشمئز من دوره إلى درجة الشتيمة. ففي حوار له في مجلس إدارة الأزهر مع زميله الشيخ محمد البحيري، قال له البحيري: إننا نعلمهم كما تعلمنا، فقال له الأستاذ محمد عبده: وهذا ما أخاف منه!!
فقال له زميله: ألم تتعلم أنت في الأزهر، وقد بلغت من مراقي العلم وصرت فيه العلم الفرد؟
فأجابه الأستاذ عبده: إذا كان لي حظ من العلم الصحيح الذي تذكر، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة؟!! وهذا ما يعززه انشقاقه النقدي: «سئمت الاستمرار على ما يألفون، واندفعت إلى طلب شيء مما لا يعرفون، فعثرت على ما لم يكونوا يعثرون عليه، وناديت بأحسن ما وجدت ودعوت إليه، وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين:
الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد
الثاني: إصلاح أساليب اللغة العربية».
ويعلق المؤلف قائلاً: فهو يريد أن ينتج تركيباً نوعياً جديداً بين الخطين، خط العلوم التقليدية الفقهية النقلية الحشوية، وخط العلوم الحديثة، لتتواءم الأولى مع العصر، من جهة، ولبعث روحانية شفافة عذبة من خلال صوفية رفيعة في تساميها العلوي المترفع عن الدناءات والصغار لبلوغ الكمال الأخلاقي والعرفاني وسعادة النفس التي هي غاية الأخلاق الصوفية من جهة أخرى.
سمة التصوف
أكد المؤلف عبد الرزاق عيد ان الأستاذ محمد عبده من معتنقي الصوفية حتى إنّها تباطن نصوصه فتشيع فيها رعشة الروح الوجدانية.
ويذكر المؤلف ان حياة عبده منذ شبابه وحتى كهولته اتسمت بمعالم التصوف مؤكداً على العلاقة بينه و بين خاله الشيخ درويش والذي وصفه الأستاذ عبده بأنه مثل «مفتاح سعادتي» كون الرسائل التي كان يقدمها له الخال«كانت تحتوي على شيء من معارف الصوفية وكثير من كلامهم في آداب النفس وترويضها على مكارم الأخلاق، وتطهيرها من دنس الرذائل وتزهيدها في الباطل من مظاهر هذه الحياة الدنيا» ويترك المؤلف صفحات عديدة يؤكد على حالة التصوف عند الأستاذ عبده، ويفصل بينه وبين تلامذته أصحاب التيار السلفى (رشيد رضا ـ حسن البنا ـ سيد قطب) مؤكداً ما قاله محمد عبده نفسه:«ان ضعف الطبقة الصوفية وزوالها كان فقداناً للدين.. التصوف هو الدين..».
ثم ينحى المؤلف ناقداً لأغلب الأفكار التي طرحها الأستاذ عبد الجبار الرفاعي ضمن بحث من 34 صفحة وهو يقارن بين محمد عبده ومحمد إقبال، كما وقد سبق بحث الرفاعي كتاباً للأستاذ عطية سلمان أبو عاذرة وضح فيه نفس هذه المقارنة بين عبده وإقبال، فيقول المؤلف: «ان صدور كتاب للمقارنة بين عبده وإقبال، ومن ثم تقديم ورقة خطية مطولة وقيمة في موضوعها ونصها حول الموضوع ذاته في ندوة علمية، يغري بالتوقف عنده، سيما وأن هذه الرحلة الطويلة مع محمد عبده في كل نصوصه ـ كم رافقنا القارئ في هذا الكتاب ـ قد أظهرت لنا إن إشكالية الورقة لمصطنعة، أي أن الباحث الكريم د.عبد الجبار الرفاعي، اعتقد ثم استدل، بينما ينبغي
ـ وفق الإمام نفسه ـ أن نستدل لنعتقد، ولا يخفي إعجابه بهذا البحث أولاً، فيقول: «..فاجتاحنا فرح معرفي لأن في عالمنا الإسلامي رجال دين يفكرون بهذا المنحى الروحاني، الوجداني والأخلاقي للدين، لكن اطلاعنا على البحث مكتوباً فاجأنا بتغييب البعد الروحي التصوفي في تجربة الإمام..».
ثم دافع المؤلف عن صوفية الأستاذ محمد عبده بإسهاب، لكنه وبعد عدة صفحات يقع المؤلف من حيث لا يشعر في مطب الدفاع عن النزعة التجريدية واعتبار أن هناك ثمة فارق كبير بين القرآن والعلم، في الوقت الذي أكد المؤلف قناعات محمد عبده بشمولية القرآن للطبيعة بيد أنه وظفها بمفهوم «اللاأدرية» وساق نصاً للأستاذ عبده حول الخوارق والعجائب وبالأخص قصة الخلق ضمن مفهوم اللاأدرية بما نصه: «لا تلزم باعتقاد خاص في هذا الأمر، ولا تقرر للطبيعة القواعد إنما هي مسوقة لأهداف إلهية غايتها الهداية والموعظة وضرب الأمثال.. إلى ما يحقق السعادة الإنسانية لنوعه مادياً ومعنوياً» ومن هذا ينتصر المؤلف للدكتور صادق جلال العظم المعروف بيساره الليبرالي الراديكالي وتشكيكه بالكثير من نصوص القرآن في المجال العلمي. مع ما يؤكده المؤلف من عجز المؤسسة الدينية عن الإجابة على أسئلة العظم وإشاراته. ولا يخفى على القارئ كتابات الأستاذ صادق جلال العظم وما فيها من الانتقاص من الفكر الديني والتشكيك في النص القرآني، ومع ذلك نرى المؤلف بالمقدار الذي يضفي فيه التبجيل على الأستاذ عبده فهو يضفي التبجيل نفسه على صديقه الدكتور العظم حماسة لأفكاره، وبكل الأحول فان القارئ لهذا الفصل لا يخرج بمنفعة معرفية إلا بما لا يدري!! وفق مفهوم المألوف لمصطلح اللاأدرية.
المبادئ العقلانية لتجديد العقل الإسلامي
يضع المؤلف بهذا العنوان زبدة ما أراده من فكر الأستاذ محمد عبده، ويلخصها بخمسة مبادئ، وهي:
أولاً: النظر العقلي لتحصيل الإيمان، حتى قال قائل: إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق ثم يصل إليه ومات طالباً غير واقف عند الظن، ناج.
ثانياً: تقديم العقل على ظاهر الشرع: فإذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلى الله في علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.
ثالثاً: البعد عن التكفير: إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حُمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر.
رابعاً: الاعتبار بسنن الله في الخلق: فهو يعتقد بأن لله في الأمم والأكوان سنناً لا تتبدل، والسنن هي الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشؤون وعلى حسبها تكون الآثار، وهي التي تسمى شرائع أو نواميس، ويعبر عنها اليوم بالقوانين، وأن لا ينظر إلى الخوارق والعجائب والغرائب بوصفها أصلاً آخر.. والخارق الوحيد ـ وفق الامام ـ هو الذي تواتر خبره، ولم ينقطع أثره، والخارق المتواتر المعوّل عليه في الاستدلال لتحصيل اليقين هو القرآن وحده.
خامساً: قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، فقد هدم محمد عبده الإسلام السياسي، كما رأى عبدالرزاق عيد إلاّ أن المؤلف طرح وجهة نظره، وبالمقابل فللقارئ وجهة نظر أخرى، كما ولم يكن من الصعوبة على القارئ نفسه الاستدلال على هوية المؤلف وما يطمح إليه من خلال التفافه وراء شخصية محمد عبده وإطراءه وتبجيله للكاتب صادق جلال العظم، فهو لم ولن يرى الحداثة والتطور الفكري في المنظومة الإسلامية، بل إنـّه يهدف إلى اُبعد من الليبرالية في فهم النص الديني، وربما تنشرح أساريره لبعض التفسيرات الضعيفة في إطار المؤسسة الدينية كونه يتماشى مع ما يعتقده المؤلف من ضرورة جعل الدين بعيداً عن السياسة، والجعل من القرآن كتاباً للهداية والإرشاد! بيد أن ما تركه الأستاذ محمد عبده من نصوص في مجموعته الكاملة، تفسح مجالاً لتقبل الرأي الآخر، وليس بالضرورة التوافق مع قراءة المؤلف عبد الرزاق عيد. مع لحاظ القول الشائع: اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية.