الحضارية «رحلة في كتاب»
 

المفكرون الغربيون المسلمون

الكتاب: المفكرون الغربيون المسلمون/ دوافع اعتناقهم الإسلام
الكاتب: صلاح عبد الرزاق
الناشر: مركز دراسات فلسفة الدين ـ بغداد
عدد الصفحات:800
عرض: محمود عبد الجبار عاشور(*)

أصدر مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد عن دار الهادي للطباعة والنشر في بيروت كتاباً مهما يعد من الأشراقات الكبيرة في عالم الفكر الإسلامي، والكتاب من جزئين في مجلد واحد تبلغ صفحاتهِ أكثر من (800) صفحة من القطع المتوسط. يتناول الجزء الأول دوافع أعتناق المفكرين الغربيين المسلمين للإسلام فيما تناول الجزء الثاني مساهماتهم في الفكر الإسلامي وتشكيل الإسلام الأوربي.
والدكتور صلاح عبد الرزاق مفكر وباحث إسلامي عراقي هاجر إلي هولندا ودرس فيها فدرس الإسلام الأوربي عن كثب وأطلع علي دقائق أفكاره ومكوناته. والكتاب في الأصل هو رسالة دكتوراه تقدم بها المؤلف إلي جامعة ليدن بهولندا باللغة الانكليزية وقام بترجمتها لتغني الساحة الفكرية العربية والإسلامية لما تضمنته من قضايا فكرية مميزة لمساهمات المفكرين الغربيين المسلمين استعرضت دورهم ونشاطاتهم وكتاباتهم في بلورة الإسلام الأوربي ومستقبله وتأثيره في البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية الأوربية وأستعرض المؤلف ظاهرة اعتناق المفكرين الغربيين للإسلام وأسبابها ودوافعها.
وحفل الجزء الأول بلقاءات وحوارات مع هؤلاء المفكرين، كما قدم نبذاً قصيرة عن سيرتهم الذاتية وأبرزهم محمد أسد من النمسا ومراد هوفمان من ألمانيا وروجيه غارودي من فرنسا وديفيد بيد كوك من بريطانيا ومريم جميلة من الولايات المتحدة وتحتل هذه الشخصيات مكانة مرموقة بين المفكرين الغربيين المسلمين.
ومن أعظم الكتاب المسلمين الغربيين الذين أستعرضهم المؤلف كان المفكر محمد أسد النمساوي الذي كان يحمل أسم ليوبولد فايس وهو من أسرة يهودية، أعتنق الإسلام عام 1926 وكان معجباً بالعرب وبالمجتمع العربي والثقافة العربية وقاده إعجابه بهم إلي الانجذاب نحو الإسلام إلي دين يؤكد علي العقلانية، ويذكر في كتابه الطريق إلي الإسلام (1954) مشهداً مربه في قرية من قري أفغانستان عندما قال له أحد الأفغان: ولكن أنت مسلم! فأجابه كلا لست مسلماً لكني رأيت في الإسلام قدراً كبيراً من الجمال بحيث أنني أستشيط غضباً لرؤيتكم تضيعونه.
وفي عام 1934 نشر أسد كتابه الشهير(الإسلام علي مفترق الطريق) وهو أول أعماله في مجال الفكر الإسلامي، ويهدف الكتاب إلي معارضة المادية الغربية والفساد الأخلاقي للحضارة الأوربية ويدعو المسلمين للحذر من تقليد الغرب، وانتشرت أفكار أسد وخاصة تلك التي تدين الغرب بشكل واسع في العالم الإسلامي. وترجم الكتاب للعربية عام 1946، ويعتقد بعض الباحثين إن تلك الترجمة هي التي طورت فكرة الصليبية التي نادي بها المفكر الإسلامي المصري سيد قطب ويصفه المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان بأن المؤلف يبدو ناقداً ثقافياً برؤية سياسية وعالم إجتماع مختصاً بالديانات ومفكراً سياسياً ذا قرارات تحليلية تصل إلي مستوي النبوءات، قدم نقداً تاريخياً وفكرياً واجتماعيا للمسيحية والغرب ككل.
ويمثل كتابه (مبادئ الدولة والحكومة في الإسلام) عملاً هاماً في مجال الفكر السياسي الإسلامي إذ يتضمن بناء نظرية. للدولة الإسلامية لقد سعي للمواءمة بين التراث الإسلامي والمنجزات الغربية الحديثة وتبني مفاهيم ومؤسسات غربية كالبرلمان والأحزاب والمعارضة السياسية والانتخابات والمحكمة الدستورية.
وفي السيرة الذاتية للمفكر الألماني المسلم مراد هوفمان أستعرض كتابه (الإسلام هو البديل) عام 1992 وفيه يقدم هوفمان الإسلام باعتباره أفضل بديل للمجتمع الغربي فهو يعتقد إن الإسلام يمنح أميركا وأوربا فرصة لحل أزماتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والروحية كما حاول في كتابه الإجابة عن العديد من الاتهامات الموجهة ضد الإسلام مثل الأصولية والعنف والتعصب وكبت الحريات وقمع المرأة المسلمة وتطبيق الشريعة والدعوة إلي الجهاد وقضايا الفقه الإسلامي والدولة الإسلامية ويدعو هوفمان إلي دين الوسطية فهو ضد التطرف والاغتراب ويستعين بآراء المصلحين المسلمين المعروفين كجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن الكواكبي والشيخ رضا رشيد ويعزز آراءه بمناقشات وتفسيرات حديثة لأشهر العلماء والمفسرين المسلمين المعاصرين أمثال الشيخ يوسف القرضاوي وحسن الترابي وراشد الغنوشي وزكي بدوي وطه جابر العلواني وفتحي عثمان.كما لايتواني في الأخذ من المفكرين الغربيين المسلمين أمثال محمد أسد وجيفري لانغ.
ولهوفمان أمل كبير في أن تصبح الجاليات الإسلامية في الغرب قادة لتجديد الحضارة في الشرق وينتقد المسلمين أفراداً ومجتمعات وحكومات لأنهم مازالوا بعيدين عن جوهر الإسلام.ويدعو إلي إقامة دولة إسلامية برلمانية حسب نظرية محمد أسد.ولعل أمتع الفصول في الكتاب هو الحوار بين الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي والمؤلف، لقد أعجب بالإسلام كدين وفلسفة ونظام اجتماعي كما وجد فيه نوعاً من الحوار المركب الذي كان مشغولاً به طول حياته، آمن غارودي بأن الإسلام يمثل نموذجاً لتركيب أو توليف الحضارات السابقة مما جعله يكتب (وعود الإسلام) و (مساهمة الإسلام والعرب في الحضارة البشرية) قبل أن يعتنق الإسلام بسنين ثم كتب العديد من المؤلفات التي تعرض الإسلام كأفضل حل للأزمة الإنسانية التي يعيشها المجتمع البشري في الأنظمة السياسية والنظريات والفلسفات الوضعية.اعتنق الإسلام عام 1982 في اوج الصحوة الإسلامية وانتصار الثورة الإسلامية عام 1979 في إيران وأعجب بها وأهتم العالم العربي والمسلمون بأعتناقه الإسلام، لأنه ليس شخصية عادية، واعتبروا دخوله الإسلام نصراً للإسلام وهزيمة للمسيحية والحضارة الغربية معاً، وأحتفت به المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي والدوائر الإسلامية المثقفة حيث دعي لحضور المؤتمرات والندوات الدولية التي تناقش قضايا إسلامية.
ومن الأفكار التي طرحها غارودي دفاعه عن مسألة حجاب المرأة، فهو يري أن الحجاب لايمنع المرأة من التطور والرقي وأحتلال المناصب الراقية، ففي جامعة بولي تكنيك في ايران تجد نصف الاساتذة من النساء في حين لاتجد في فرنسا سوي سبع نساء في جامعة مماثلة، كما إن بعض النساء يرأسن أقساماً علمية دقيقة.
وتطرق المؤلف إلي أراء غارودي وعقائدهِ، فهناك من يري أنها لاتنسجم مع جمهور المسلمين وفقهائهم وهذا ما يميز الغربيين الذين يعتنقون الإسلام حيث لا يمكنهم التخلي عن نظراتهم وآرائهم بل واساليب تحليلهم وفهمهم للأمور بعد أعتناقهم للإسلام، كما إن خلفيتهم المسيحية والعلمانية الغربية لاتختفي بعد الإسلام بل تبقي عاملاً مؤثراً.
وتناول المؤلف نشأة الحزب الإسلامي في بريطانيا كظاهرة سياسية جديدة في الحياة السياسية الغربية فقد تأسس هذا الحزب عام 1989 في ظل قضية كتاب الآيات الشيطانية لسلمان رشدي حيث ايقن المسلمون بإنهم ضعفاء جداً في الدفاع عن حقوقهم ووضعهم في المجتمعات الغربية لقد ادركوا أنهم اهملوا الحاجة إلي مخاطبة الجمهور الغربي بصدد الحلول الإسلامية، وايقنوا بأن عليهم تنظيم أنفسهم من أجل لعب دور أكبر في المجتمع الغربي وعدم الأنزواء السياسي.هذا الوعي أدي إلي نشوء عدة منظمات إسلامية علي مستوي قومي مثل البرلمان الإسلامي والمجلس الإسلامي في بريطانيا والحزب الإسلامي في بريطانيا، ويتولي ديفد موسي بيدكوك وهو انكليزي أعتنق الإسلام عام 1975 رئاسة الحزب.وكانت فكرة الإسلام الأوربي من الأفكار التي أستعرضها المؤلف مع المفكرين المسلمين الغربيين فهو يري أن أنتشار الإسلام في اسيا وافريقيا نجح في التفاعل مع الثقافات المحلية لتلك الشعوب حتي نتج ما يعرف بالإسلام الافريقي والإسلام الأسيوي وهي مصطلحات يقصد بها فهم ممارسة الإسلام في ثقافة معينة.
ويري الدكتور مراد هوفمان وهو مسلم الماني من أشهر المثقفين الغربيين الذين تركوا الثقافة الغربية والديانة المسيحية ليجدوا ملجأهم في الإسلام ديناً وعقيدة ونظاماً للحياة، يري إن الإسلام لايدخل ويبقي في مجتمع ما دون إن يتكيف مع المزاج المحلي فبمقدورك أن تقول مباشرةً هذا مسلم اندنوسي وذاك مسلم هندي، فملابسهم مختلفة وطعامهم مختلف ولغاتهم التي هي الاداة التي يفهمون ويفسرون بها العالم مختلفة ايـــضاً.
إن نظرتك إسلامية ولكن بطريقة معينة، فاللغة هي الوعاء الثقافي الذي يحدد نظرتك للعالم وفي النهاية سيكون هناك شئ ما يمكن تسميته بالإسلام الاوربي وبمرور الزمن سيفقد الإسلام الاوربي طابعه الاثني الحالي حيث يهيمن علي المشهد الطابع العربي والباكستاني والتركي ومازال حجم المسلمين الاوربيين قليلاً قياساً للأقليات الإسلامية المذكورة.
إن اهمية دراسة مساهمات المفكرين الغربيين المسلمين في الفكر السياسي الإسلامي والدولة الإسلامية تعود إلي إمتلاك هؤلاء المفكرين لرؤية فردية تمثل عاملاً اساساً في تطوير الإسلام الاوربي وإن بعض مساهماتهم مثل نظرية محمد أسد في الدولة الإسلامية تعتبرمساهمة رائدة في هذا المجال، ولقد تناول المؤلف بجرأة كبيرة وضع المسلمين الاوربيين (حوالي 15 مليون) في المجتمعات الغربية فمنذ الثورة الإسلامية الايرانية 1989 اصبح الإسلام السياسي ظاهرة عالمية جلبت إهتمام الدولة الغربية لانه يمس مصالحها العالمية فأي تغيير في الحكومات المسلمة والزعامات الموالية للغرب قد يؤدي إلي العديد من المشاكل السياسية والأقتصادية.
ومنذ الهجمات الارهابية علي الولايات المتحدة في 11 أيلول بات التعاون الدولي ضرورياً لمواجهة الارهاب واصبحت السياسة الخارجية الامريكية تتمحور بشكل رئيس ضد الارهاب وملاحقة الجماعات الإسلامية المتشددة، كما اصبحت الجاليات الإسلامية في الغرب مادة جيدة تستخدمها الجماعات السياسية اليمينية المتشددة في تعزيز مواقعها سواء في البرلمان أو الحكومات ويتهمون الإسلام بأنه عائق أمام اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية.
وتقوم وسائل الإعلام الغربية بمحاولة جعل الارهاب رديفاً للإسلام وتنشر يومياً عشرات المقالات والتقارير التي ترسخ هذه الصورة السلبية للمسلمين ويصر بعض المؤلفين والكتاب والصحفيين علي أن الارهاب من التعاليم الاساسية للإسلام مما يخلق ردود افعال لدي بعض الغربيين علي شكل حوادث عنصرية أو سلوك عدواني أو شعارات أو تصريحات ضد المسلمين.
وأمام محاولات التشويه هذه يعبر المفكرون والعلماء والكتاب والمثقفون المسلمون عن مواقفهم بطرق مختلفة تجاه الأنتقادات الغربية للإسلام، فظهر أدب نقد الحضارة الغربية، فهم ينتقدون الحضارة الغربية من داخلها لأنهم عاشوا وكبروا في العالم الغربي وإن مقترحاتهم وتصوراتهم مبنية علي خلفيتهم الثقافية الغربية وتجاربهم الشخصية في بيئتهم الغربية.وتمثل هذه الكتابات مصدراً يزود المسلمين بمناقشات متنوعة في نقد الحضارة الغربية في أطار قضية (صدام الحضارات) وخاصة بين الحضارتين الإسلامية والغربية.
وتكون هذه الكتابات بمثابة سلاح فكري يستخدم في صد الفكر الغربي وعملية التغريب في البلدان الإسلامية.
إن تحول هؤلاء المفكرين الغربيين إلي الإسلام يعتبر في العالم الإسلامي دليلاً علي تفوق الإسلام علي الحضارة الغربية، ويقدم خدمة لوضع الجاليات المسلمة في الغرب إذ يتعرض هؤلاء المسلمون إلي مختلف التحديات الغربية التي تضع هويتهم الإسلامية تحت ضغط شديد ويقدم هذا الأدب دعماً فكرياً لمقاومة عملية التذويب في الثقافة الغربية، ويساهم نقد الحضارة الغربية في تقوية موقف وعقيدة الجاليات المسلمة ويساعدها في الرد علي الإتهامات التي تطلق ضد الثقافة الإسلامية.
ومثل أسلافهم من المعتنقين الذين دخلوا الإسلام في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي يميل المفكرون الغربيون المسلمون إلي نقد المسيحية، وتحظي انتقاداتهم وافكارهم بإهتمام المسلمين في الغرب والعالم الإسلامي.
إن أهمية هذا النقد تعود إلي أن كتابه كانوا يؤمنون بالمسيحية ونشأوا وترعرعوا في الثقافة المسيحية وعاداتها وتقاليدها وآدابها ومفاهيمها، فهم يمتلكون تجارب شخصية تجعلهم يتحدثون عنها من الداخل وممن عايشها وليس من الخارج كما هو الحال لدي الكثير من العلماء والدعاة الذين ولدوا مسلمين مما يجعلهم أكثر تأثيراً ومصداقية وخبرة ومهارة.
ويشكل هذا الأدب مصدراً هاماً في الجدل الديني وفي المناظرات والحوارات مع المسيحيين ويؤدي إلي تقوية عقيدة المسلمين، ويشكل وسيلة في نشاطات الدعوة الإسلامية بما يقدمه من مواد ووسائل وأساليب في نقد العقائد المسيحية وتاريخ الكنيسة ومحتوي الكتاب المقدس والمذاهب المسيحية المختلفة وتطور العقائد المسيحية.
وقد أصبحت هذه الكتابات خاصة دراسات موريس بوكاي عن الكتاب المقدس والقرآن والعلم مشهورة جداً وترجمت إلي العديد من اللغات في أنحاء العالم، وأصبحت مصدراً للاقتباس في كتابات المسلمين الجدلية.
وتستخدم الجاليات الإسلامية في الغرب هذه الكتابات في مختلف المناسبات الاجتماعية والخطب الدينية والمناقشات العامة بين الاديان والمحاضرات والندوات الدينية، وتؤدي الكتابات الجدلية الدينية دوراً هاماً في الحياة الاجتماعية للمسلمين في الغرب.
واهم الانجازات التي يقدمها الادب المناوئ للمسيحية للمسلمين في الغرب مساعدة المسلمين علي مواجهة النشاطات التبشيرية المتواصلة التي تقف وراءها الكنائس والمعاهد والمؤسسات الدينية والجماعات والطوائف المسيحية، وبدلاً من أتخاذ موقف دفاعي يمكن للمسلمين استخدام هذا النوع من الأدب في الدفاع عن هويتهم وعقائدهم الإسلامية.
إن كتاب (المفكرون الغربيون المسلمون) أثار قضايا ومواضيع جديدة تهم القارئ في العالم العربي والإسلامي وتغني الساحة العربية والإسلامية لما تتضمنه من مفاهيم إسلامية وفكرية متميزة.


(*) صحفي من أسرة (الزمان)
عن: الزمان