سياسة الإسكان الوطنية في العراق
أ.د. مظفر
علي الجابري (*)

قامت وزارة الاعمار
والإسكان مشكورة بتكليف منظمة المستوطنات البشرية التابعة
للأمم المتحدة (هابيتات) بإجراء دراسة موسعة لسياسة الإسكان في
العراق التي يمكن على أساسها إيجاد سبل ومنهجية لحل الأزمة
المتفاقمة والحاجة المتزايدة للوحدات السكنية في العراق.
إذ إن الدولة العراقية
ومنذ نهاية السبعينات لم تسهم بإنشاء أية مشاريع إسكانية في
العراق سوى بأعداد متواضعة جدا. وربما الاقتصار على توزيع قطع
أراض لإنشاء المساكن مع بعض القروض من المصرف العقاري. وهذا
النظام السكني يسمى (البناء الفردي) نسبة إلى قيام الأفراد
ببناء منازل خاصة بهم، وهو نظام يعد متخلفا بالنسبة إلى النظام
الحديث في بناء مجمعات سكنية متكاملة من سكن وخدمات ومدارس
وأسواق وفضاءات حضرية ومماشي وغير ذلك من المستلزمات التي
يوفرها التخطيط الحديث لتسهيل عملية السكن عمرانيا واجتماعيا
للعمل
قد قامت منظمة المستوطنات
البشرية (هابيتات) بتكليف إحدى المؤسسات العالمية المعروفة وهي
مؤسسة (ايكوم) AECOM للقيام بهذه الدراسة ووضع منهجية للعمل
لإعادة هيكلية نظام الإسكان في العراق وتسيير عملية تأسيس
(سوق) للإسكان تتوازن فيه عمليتا العرض والطلب على السكن
باعتباره سلعة اقتصادية مادية مطلوبة بإلحاح شديد.
مع الإشارة إلى إن مؤسسة
(ايكوم) نفسها قامت بدراسة إحصائية لوضع الإسكان في العراق عام
2006 بعنوان (دراسة سوق السكن العراقية).
ومن الضروري التأكيد على
إن الدراسة المطلوبة هذه هي ليست وضع استراتيجيات للإسكان في
العراق مثل الدراسة التي قامت بها مؤسسة (بولسرفس) في
السبعينات من القرن الماضي، إذ إن المناطق السكنية في العراق
(ريف وحضر) ووضع تصاميم ومعايير وكلف لنماذج مختلفة من الوحدات
السكنية. أما دراسة الإسكان التي قامت بها مؤسسة (ايكوم)
فتختلف من حيث طبيعتها، فهي أكدت فقط على المشاكل والاختناقات
التي يعاني منها قطاع الإسكان في العراق، ووضع مناهج لإعادة
هيكلية هذا القطاع، وطرق إرشادية لكيفية التمويل، وترشيد
القرارات السياسية لتسهيل هذه المهمة.
وقد تم إكمال هذه الدراسة
وتقديمها في شهر تشرين الثاني 2010 ومن ثم قدمت إلى مجلس
الوزراء وتمت مصادقة المجلس عليها في نفس الشهر.
ويمكن تلخيص محتوى دراسة
(سياسة الإسكان في العراق) بأربعة محاور وكما يلي:
أولا: التخطيط والمتابعة:
أي وضع الخطط والهياكل
التنظيمية والتشريعات القانونية لتخطيط ومتابعة العملية
الإسكانية في العراق وهذه تشمل:
1- تشكيل (وحدة أبحاث)
لسياسة الإسكان.. والتي أشار إليها التقرير بـ(وحدة دعم فني)
تكون مهامها دراسة السياسة المقترحة وتوجيهها نحو وسائل
التنفيذ في بغداد والمحافظات.. وتقديم المشورة الفنية، ووضع
الضوابط والتشريعات والتعليمات، لمشاريع الاعمار السكنية،
ودراسة المعوقات إن وجدت خلال مراحل التنفيذ.
2- التأكيد على تفعيل دور
(المجلس الأعلى للإسكان)، وجعله برئاسة نائب رئيس الوزراء لكي
يأخذ دوره ومكانته في الحصول على الدعم الضروري لمناهج الإسكان
من أعلى مسؤولي الدولة، وجعل القرارات ملزمة لكافة دوائر
الدولة، وبذلك يمكن الحصول على التسهيلات المطلوبة لتنفيذ
عمليات الإسكان من تشريعات وتمويل وتهيئة أراض وخدمات... الخ.
للمشاريع الإسكانية.
3- أهمية وضع جرد شامل
لجميع المشاريع الإسكانية في العراق، من المشاريع المقترحة
التي تحت التنفيذ. وذلك لمعرفة حجم (المعروض) في السوق السكني.
4- الإشراف وتنظيم (سوق)
السكن متمثلا بمقدار وإمكانات (المعروض) من الوحدات السكنية
مقابل الحاجة والطلب على هذه الوحدات.
5- دراسة مشاريع الإسكان
التجريبية pilot projects وتقويمها علميا وعمليا لمعرفة مدى
نجاحها أو اختلافها.
ثانيا: مواد البناء وتخصيص
المواقع والخدمات:
إن قطاع مواد البناء ليس
مهما فقط لأغراض البناء السكني، ولكنه مهم للبناء غير السكني
أيضا وقضية الأداء في هذا القطاع أوسع من الإسكان حد ذاته.
وتعاني البنية التحتية
لمعامل مواد البناء للقطاعين العام والخاص من القدم ونقص قطع
الغيار وانقطاع الكهرباء والتخريب والنهب في مرحلة ما بعد
الحرب. والإهمال بصفة عامة خلال سنوات الحصار وهذه العوامل
تعيق زيادة الكفاءة التشغيلية، وتخفيض الإنتاج. مما يولد
الحاجة لاستيراد المواد الأساسية كالاسمنت والطابوق والأجزاء
المصنعة كالنوافذ ولوازم السباكة والأجهزة الكهربائية.
ولتلبية الطلب المستقبلي
على مواد البناء، يجب أن تحصل الشركات المعنية على المزيد من
التمويل للاستثمار في مرافقها الإنتاجية. ويفترض أن تقوم
الحكومة بتسيير الإقراض من قبل المصارف التجارية لمنتجي مواد
البناء. ويمكن تقديم قروض إضافية من قبل مصارف أخرى مثل المصرف
الصناعي. وينبغي أن تقوم الحكومة بمساعدة منتجي مواد البناء
للاستفادة من مجموعة واسعة من مصادر التمويل.
إن منتجي مواد البناء
اليوم قليلو الكفاءة وفقا للمعايير الدولية، وغالبا ما يفتقرون
إلى سبل الوصول إلى أحدث تقنيات الإنتاج والموارد الرأسمالية
اللازمة لتحديث مرافقهم وأعمالهم.
ويمكن أن توفر المشاريع
المشتركة بين منتجي مواد البناء في القطاع العام وشركات القطاع
الخاص امكانية الحصول على تمويل أفضل لترميم وتأهيل وتشييد
المصانع وتقديم الخبرة في مجال تحسين أساليب وتقنيات الإنتاج.
كما إن من الضروري أن تمنح
المزايا الضريبية والاعفاءات الكمركية لكل من القطاعين العام
والخاص بشكل متكافئ من أجل فسح المجال للقدرة على المنافسة
وتحسين الإنتاج.
كما إن دخول منتجات مواد
البناء الأجنبية إلى السوق الوطنية العراقية من شأنه أن يحفز
الكفاءة والابداع للشركات المحلية.
أما بشأن تخصيص المواقع
وتوفير الأراضي لمشاريع الإسكان فمن الضروري البدء بتطوير
الأراضي الفارغة الواقعة في محيط أراضي مطورة، وهو ما يسمى
بسياسة (الإملاء الحضري) وكذلك قيام الحكومات المحلية وبلديات
الحافظات بإعداد قوائم جرد بقطع الأراضي القريبة من الخدمات،
وتقييم ملاءمة هذه الأراضي للتطوير الإسكاني ضمن مخططات
(التصاميم الأساسية) لكل مدينة. كذلك الإعلان عن بيع بعض هذه
الأراضي بالجملة لتطويرها كمجمعات سكنية متكاملة.
ومن الضروري العمل على
إزالة أشكال الدعم الكبيرة الحالية المقدمة لتخصيص الأراضي
العائدة للدولة بدون ثمن أو بأسعار رمزية، وتحديد أسعار لهذه
الأراضي في النهاية على أساس قيم السوق.
كذلك العمل على تبديل
قانون التسجيل العقاري، والإلزام بالتحول التدريجي إلى نظام
العمل (بالحاسوب الالكتروني). وإدخال جميع البيانات المتعلقة
بالخصائص المادية والقانونية والمالية للأرض بهذا النظام
الالكتروني بدلا من المعاملات الورقية.
ثالثا: سوق التمويل
السكني:
في سياسات الإسكان الوطنية
في العراق، من الضروري ، ان تضمن الحكومة تنظيم (سوق) للتمويل
السكني كجزء من القطاع المالي ككل ، ويستدعي الأمر وضع قانون
جديد لتمويل الإسكان، بالإضافة إلى تعليمات التطبيق المرافقة
له. وذلك لضمان حصول الجهات المقرضة على ما يكفي من الضمانات
في حال تعثر القروض. بحيث يتضمن القانون على الأحكام المتعلقة
بالحجز وإعادة التمليك وإعادة بيع الضمانات.
وبدلا من اعتماد قانون
واحد شامل لموضوعات الإسكان لتنظيم هذا القطاع، فإن من الأفضل
أن تتخذ الحكومة العراقية نهجا أكثر تدريجيا من خلال تغيير
الإطار التنظيمي والتشريعي لعدد من مختلف النواحي المتعلقة
بقطاع الإسكان. ويتم ذلك من خلال القوانين الجديدة أو
التعديلات على القوانين الحالية. وقد يشمل هذا على سبيل المثال
قانونا جديدا (لتمويل الإسكان) وتنفيذ الأنظمة والتعليمات
المنبثقة من قانون المحافظات، وتعديل الأنظمة الحالية المتعلقة
بالهيأة العامة للإسكان، وغيرها من التعديلات.
فبعد أن كان المصرف
العقاري وصندوق الإسكان يقدمان القروض إلى موظفي الدولة
مباشرة، يمكن أن يتم تعديل هذا النظام إلى طريقة أن يقوم
المصرف العقاري وصندوق الإسكان بتقديم القروض المدعومة إلى
مجموعة منتخبة من (المصارف التجارية) بعد تأهيلها من أجل أن
تقوم هذه المصارف بتقديم القروض إلى جميع المواطنين وبفوائد
مدعومة من الدولة بعد أخذ الضمانات الكافية التي تؤمن لهذه
المصارف استرداد قروضها. سيما وإن للمصارف أساليبها المتخصصة
في طرق وكيفية استرداد القروض أو الحجز وإعادة الاستملاك
وتسوية القروض وغير ذلك من الأساليب التي يصعب على صندوق
الإسكان أو المصرف العقاري القيام بها. وهذا يتطلب كما اسلفنا
وضع القوانين والتشريعات بالتعاون مع وزارة المالية. كما يفترض
ان تشمل القروض بالدرجة الرئيسة اقراض شركات الاسكان العامة او
الخاصة من اجل تشييد مجمعات سكنية متكاملة بالاضافة الى
الاقراض لتوسيع المساكن المشيدة او الاضافات او الترميم.
رابعاً: تنفيذ المشاريع
الاسكانية والإشراف عليها
ان عملية تنفيذ اصلاح قطاع
الاسكان الذي تقترحه دراسة (سياسة الاسكان الوطنية في العراق)
سيتم تنفيذها على نطاق واسع وتكون على مسارين متصلين: (الاصلاح
المؤسسي) ثم (تطوير التنظيمات). على هذا الاساس سوف تصاغ
القوانين والانظمة او يعدل بعضها.. لتمكين القطاع الخاص من
توفير المشاريع السكنية على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه يعاد
تنظيم مؤسسات القطاع العام لانجاز ادوارها الجديدة من خلال
التغييرات الهيكلية والاجرائية، فضلاً عن الموارد البشرية.
وعلى المستوى المحلي، تبدأ المشروعات التجريبية Pilot Projects
في المجالات الرئيسة مثل تطوير مناطق (الاملاء الحضري)، ضمن
المناطق السكنية المشيدة، ثم الشراكات بين القطاعين العام
والخاص، من اجل تطوير الاراضي وتهيئتها لتشييد المشاريع
الاسكانية. ثم اختبار المناهج المبتكرة ودراستها والتحقق منها.
وسوف تعمم المشاريع الناجحة على مواقع اخرى في انحاء البلاد.
ويحتاج إنجاح قطاع الاسكان
والمشاريع التجريبية الى إشراك الشركات السكنية الخاصة،
واقراضها بالمال ثم دراسة نتائج هذه السياسة ومراجعتها بصورة
دورية. ومن المتوقع اتخاذ الإجراءات الرئيسة المقترحة لسياسة
الاسكان في غضون خمس سنوات في حين يستغرق تحقيق اهداف هذه
السياسة وقتاً اطول. ومن الممكن ان تبدأ جميع المشاريع الرئيسة
قبل عام 2015 للبدء بجني الفوائد المرجوة من قطاع الاسكان
المنتج والمرشد.
وفي الوقت نفسه تركز شركات
المقاولات الحكومية انشطتها للانتاج السكني على الفئات
المحتاجة والضعيفة اقتصادياً في المجتمع، مثل عديمي الدخل
والارامل والمعاقين والنازحين. وفي قطاع شركات الاسكان الخاصة
هناك تمييز بين شركات البناء والتطوير الصغيرة، والمتوسطة،
وشركات التطور الكبرى. لان الاخيرة هي دون المستوى المنشود في
العراق. ويمكن ان تساهم مثل هذه الشركات الكبرى في المستقبل
اسهاماً اكثر اهمية في انتاج السكن. ومن الضروري في نهاية
المطاف خلق شريحة واسعة من احجام الشركات في سوق شراء وبيع
المساكن في العراق.
ينبغي التأكد على معالجة
(العشوائيات) السكنية المنتشرة على أطراف المدن في العراق
وإعادة تنظيمها وتطويرها، أو إعادة اسكانها وإجراء التعويض
العادل، وهو أمر يضطلع به ويشرف عليه القطاع العام.
بالاضافة الى ضرورة
الاشارة الى اهمية موضوع الحفاظ العمراني، وتحديد( مناطق)
متكاملة للحفاظ عليها كمناطق تراثية.
ويعود الباحث في الختام
الى تقييم بعض الملاحظات التي يراها ضرورية في هذا المجال او
التأكد عليها في حال أشارت اليها الدراسة وهي كما يلي:-
1- نظراً للاهمية الكبيرة
التي يضطلع بها السكان في الاقتصاد الوطني في إمتصاص البطالة،
وحجم الحاجة غير الاعتيادية لضخ اعداد كبرى من الوحدات السكنية
في العراق، نقترح تأسيس وزارة خاصة بإسم ( وزارة الاسكان)،
وفصلها عن وزارة الاعمار والاسكان، نظراً لان حركة الإعمار من
طرق وجسور ومباني حكومية، وهي المهيمنة على معظم نشاطات
وفعاليات الوزارة حالياً، وعلى حساب حركة الاسكان والتشييد
السكني.
2- تخصص مبالغ لا تقل عن
(5%) من الميزانية العامة للدولة لدعم وتمويل عملية إنشاء
الوحدات السكنية. وهذه النسبة توصي بها منظمة الامم المتحدة
والبنك الدولي.
3- إعادة تفعيل ( المجلس
الاعلى للاسكان)، وان يكون برئاسة نائب رئيس الوزراء وذلك
لتمكينه من إتخاذ قرارات من اعلى جهات الدولة لتسهيل وتيسير
خطط الإصلاح المؤسسي للاسكان وتطوير التنظيمات وتوفير الموارد
المالية وإقرار التشريعات المطلوبة، للتمكين من إعادة هيكلة
قطاع الاسكان وفك الاختناقات او التلكؤ التي تصادفها عملية
تنفيذ المجمعات السكنية.
4- ضرورة تفرغ ( الهيئة
العامة للاسكان) لاعمال البحوث والدراسات ووضع المعايير وتشخيص
الاولويات والاشراف على مجمل سياسات الاسكان.
5- البدء بدراسة امكانيات
إقامة الشراكات بين شركات المقاولات الحكومية للاسكان وبين
شركات القطاع الخاص. من أجل تدريب وتمكين ودعم شركات القطاع
الخاص لتأهيلها وجعلها تأخذ المبادرات في تنفيذ اعداد اكبر من
الجمعيات السكنية والالتزام بالمعايير والضوابط التي تضعها
الدولة في موضوع الاسكان. والبدء من الآن بمشاريع تجريبية في
هذا الإتجاه.
6- توجيه شركات المقاولات
الحكومية بتوفير السكن المدعوم والمجّاني لعديمي الدخل من
المهمشين والضعفاء اقتصادياً.
7- التأكيد على وزارة
الصناعة بضرورة دعم إعادة تأهيل معامل مواد البناء، وتشجيع
الاستثمار في هذا المجال.
>>>>>>>>>>>>>
(*) استشاري تخطيط حضري واسكان
>>>>>>>>>>>>
المصدر من الموقع:
http://www.iraqicp.com/2010-11-21-17-49-26/3477-2011-05-18-07-11-32.html