الحضارية «قراءات ومتابعات»

الإثنين: 23/08/2010

 

 

 

 

 

سياسة التعليم في العراق وأساليب تطويرها وتحديثها

 

 

 

رفعت نافع الكناني

 

 

 

 

 

 

إن سياسة التعليم في العراق لم تكن واضحة الاهداف ، بل نستطيع القول إن لها اهدافا متضاربة، وأسسا غير صحيحة ، إذ ان لكل منطقة أو اقليم في البلد فلسفة خاصة به، لبلوغ اهدافه ومخططاته المرسومة له . ويتأثر بظروف المرحلة التي يسير فيها البلد والسياسة التي ينتهجها، حيث يؤكد احد المربين الامريكيين والذي يدعى الاستاذ (ريزنر) ان التربية تتصل اتصالا وثيقأ بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للامة ، فالسياسة التربوية تتأثر بمرحلة التطور الاجتماعي التي يمر بها ذلك المجتمع. اي ان تطبيقها يتوقف على اماني الامة وامالها وعلى واقع الحياة فيها ...

فمن خلال نظرة ثاقبة للمرحلة السابقة من الحكم الشمولي او ما يسمى العقائدي، نؤكد بل نصًر على ان السياسة التربوية يجب ان تحرر من قيودها التي فرضتها تلك الانظمة الشمولية والعقائدية وان تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي بمؤسساتها الخاصة بها، ولا شأن لاحد في تعيين اهدافها او طريقة ادائها، وذلك لأن للتربية طبيعة خاصة تختلف عن فعاليات الانسان الاخرى. لذلك يلاحظ في الانظمة الشمولية الدكتاتورية تسعى المؤسسة التربوية ، وبتوجية مركزي الى تكوين انماط متشابهة من الناس، تتشابة في طرائق تفكيرها وعاداتها وحركاتها، فنجد العكس في الدول ذات الانظمة الديمقراطية المتقدمة حيث يهدفون الى تنوير الاذهان والتثقيف الحر المتجرد من السياسة ، لا ان تكون العملية التربوية قائمة على الدعاية والتلقين واثارة العواطف ، إذ ان مستقبل التعليم هو مستقبل البلد بكافة قطاعاته وأن تقدمه وازدهاره ينعكس على كافة مجالات الحياة ... اذن التغيير هو وسيلة الارتقاء بالتعليم والانفتاح على تجارب العالم المتقدم ، وهو الذي يمكننا من خلق جيل يعرف كيف يفكر، اي ان التعليم هو صناعة جيل ذو شخصية قوية واعية قادر على السير في دروب الحياة.

ان ما يحصل من تطور سريع ومذهل في كثير من مناطق العالم المختلفة يجعل الانسان يفكر عن ما هو موقع بلاده من هذا الكم المعرفي الهائل، والسبل الواجب اتباعها للحاق بركب الحضارة ، والتي اساسها التقدم العلمي والتربوي ... اذن اولى الطرق هو تغيير مناهج التعليم وذلك باستحداث سياسة تربوية وفق اساليب الحداثة والتطور وبعيدا عن ثقافة نشر التعصب والجمود بمختلف اشكالة واساليبة ...

اذن اساس التقدم التربوي والعلمي يبدأ من الاهتمام بـ (المدرسة ) التي تعتبر نواة التقدم للانطلاق نحو مواكبة مسيرة التقدم العالمية، ودخول عالم الابتكار والابداع والتألق لنكسر حاجز الروتين وطرق التعليم البائدة والعقيمة ... اذن عناصر العملية التربوية وقواعدها تستند على الطالب + المعلم + الادارة + بناية المدرسة + الكتاب المدرسي ، هذه الحلقة المتصلة يجب العمل الجاد والمخلص والمستقل لرفع مستوياتها لتتمكن من اداء واجبها المرسوم لها ، وعدم دفع المبررات بحجج عدم الاستقرار او فقدان الامن في مناطق تسمى ساخنة، لنؤجل مشاريعنا للمستقبل غير المنظور،. يجب تجاوز الطرق التقليدية في معالجة ظاهرة تعتبر ذات اهمية بالغة، بعد المستوى المتدني لمستويات الطلبة بل لمستوى العملية التربوية برمتها من خلال نتائج الامتحانات الوزارية للمرحلتين المتوسطة والثانوية ، والتي اثبتت عقم وفشل العملية التربوية في البلد والتي تستوجب العمل الجاد والمبدع، وبإشراف ايدي مبدعة ومخلصة لها الاستعداد للعمل المثابر والتحاور العلمي مع الآراء الاخرى في داخل البلد وخارجه ، واعادة تأهيل جادة لبعض القيادات التربوية التي بان اداؤها المتواضع وقلة الخبرة التي تمتلكها ، والتخلص من القيادات المترهلة عديمة الخبرة ، اما بنقلها لقطاعات اخرى اقل اهمية من قطاع التعليم او احالتها على التفاعد ... من كل ما تقدم نود ان نضع بعض الخطوط العامة لبعض الآراء والمقترحات التي يمكن دراستها وأخذ المفيد منها لخدمة العملية التربوية والتي تعتبر مسؤولية كل مخلص لوطنة وشعبه :-

1- العمل على سن انظمة وقوانين تكرم ادارة المدرسة والكادر التعليمي، ومن جانب آخر تشدد الرقابة الهادفة، وفق اسلوب تربوي هادئ ومرشد، لا وفق اسلوب محاسبة الادارة بعد ظهور نتائج الامتحانات الوزارية وتبديلها .

2- العمل على وضع ضوابط متطورة لاختيار المشرف التربوي ، من اهمها الخبرة والعلمية والنزاهة والتجرد، من اية نوازع تتعارض مع الاستقلالية في اتخاذ القرار. ورفع شرط العمر ، لان الخبرة والمعرفة هي عملية تراكمية ومكتسبة .

3- التفرغ الكامل من قبل الادارة والكادر التعليمي ، وعدم الاشتغال بالاعمال التجارية او المهن الاخرى بعد الدوام الرسمي، لانه يؤثر على مستوى التدريس وعلى مستوى شخصية المعلم ، والعمل على رفع المستوى المعاشي لهذة الطبقة، وكلما دعت الحاجة لذلك .

4- الاستقلالية تطلق العنان للابداع والابتكار، لذلك يجب عدم التدخل في شؤون الادارة المدرسية من قبل بعض المسؤولين والمتحزبين ، لفرض ارائهم ومقترحاتهم التي غالبا ما تكون بعيدة عن الصواب وتفتقر الى المهنية والخبرة ، وتؤدي الى عكس الهدف المنشود .

5- التغيير والتطوير يجب ان يشمل كافة المراحل الدراسية من الروضة لغاية المرحلة الاعدادية، لان ضعف تكوين التلاميذ في مراحل التعليم الاساسي والتعليم الثانوي والذي يستند على آلية التلقين والحفظ (الدرخ ) وتقديم المعلومات الجاهزة ( طبع الملازم ) مما يسبب ضعف مستوى التعليم في المراحل اللاحقة (المعاهد والكليات)

6- تطوير اساليب تدريس اللغات الحية كالانكليزية والفرنسية والالمانية وعدم اقتصارها على مدارس معينة، والعمل على تدريس الرياضيات والعلوم باللغة الانكليزية لانها اساس معرفة الطالب للغة ،وخاصة في متابعة دراسته الجامعية داخل او خارج البلد ...

7- الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي في العالم ، والاستعانة بالخبرات الاجنبية المتقدمة وادخال نظام التقنية الرقمية . وتوفير كميات مناسبة من الحواسيب والمعدات الالكترونية المتقدمة ، وتعليم الطلبة على الاستفادة من الشبكة العنكبوتية (الانترنيت) وادخالها ضمن المناهج الدراسية.

8- ادخال اساليب تعليمية جديدة ، والعمل على معرفة اسباب التفاوت في درجات الطلبة في الامتحانات الوزارية، فهل يعقل ان يحصل الطالب على درجة 100% في الرياضيات والفيزياء ودرجة مقاربة لدرس الكيمياء واللغة الانكليزية، وتكون نتيجته اقل بكثير في مادة اللغة العربية والتربية الاسلامية. مما يؤثر على قبولة في الكليات المتقدمة وحسب رغبته .

9- ادخال الهيئات التعليمية والتدريسية في دورات تطويرية ، والعمل على اعادة تأهيلهم باساليب حديثة ذات مستوى عالمي داخل وخارج البلد ، وعدم اقتصار ارسال الاشخاص في الدورات التطويرية في الخارج على المدراء العامين ومقربيهم . ونرتأي ان يستحدث قسم في كلية التربية متخصص بإدارة المدارس والمعاهد لغرض رفع المستوى الاداري لمدراء المدارس ومعاونيهم ...

10- العناية بالابنية المدرسية وانشاء مدارس نموذجية تتوافر فيها المختبرات والمكتبات وانظمة الحاسوب والملاعب الرياضية ومختبرات الرسم والمسارح ووحدات الصحة المدرسية وتوفير الكتب المدرسية على ان يراعى فيها التغيرات العلمية، وبعيدة عن الحشو والجمود وذات درجة علمية عالية ، ومستقلة، بعيدة عن التوجية السياسي، لغرض خلق اجواء تختلف عن اجواء البيت ورتابته ...

11- ان رداءة اساليب التعليم وتخلفه تنعكس مباشرة على الطلبة الخريجين من حيث تخلف مستوياتهم العلمية والمعرفية، لذلك يجب وضع شروط وضوابط صارمة للقبول في كليات التربية من حيث الدرجات العالية التي يجب ان تضاهي الكليات المتقدمة ، ومنح رواتب سخية وامتيازات للدخول اليها ، لا كما كانت كليات التربية تعمل وفق نظام (القبول المغلق)

12- يجب ان تعمم تجربة التعليم المتخصص من المراحل الاولى لانه يوفر الجهد والمال والوقت، ويسير جنبا لجنب مع التعليم الاعتيادي بحيث تكون مخرجات التعليم العام والمتخصص تصب في مصلحة البلد وخدمة العملية التنموية .

13- لغرض رفع مستوى الأداء للطلبة والمدرسين، نقترح أن تتبع المدارس الثانوية سياسة (الباب الموصد) في القبول، وذلك بانتقاء الطلبة بعد الرجوع الى درجاتهم المدرسية ومن خلال مراقبة الامتحانات مراقبة جدية ، عند ذلك نستطيع ان نختار الطلبة الأكفاء علميا ، وتحويل وتوجية الطلاب ذات الدرجات الواطئة الى نوع من المدارس والمعاهد المهنية والتي تنفعهم وتعدهم الى الحياة العملية، للاستفادة منهم في بناء مستقبلهم ومستقبل اوطانهم.

ختاما ومن باب الحرص على مستقبل اجيالنا، لا بدّ من أن توحٌد كل الجهود ومن مختلف المستويات، العلمية والادارية والتربوية لتقديم آرائها وخبراتها وعصارة تجربتها ، وبتجرد لاقرار وتأسيس طرق عمل جديدة لرفع مستوى التعليم والعملية التربوية، والاستعانة بالخبرة للدول المتقدمة التي سبقتنا في هذا المجال ...

 

 

 

...........................

المصدر : الحوار المتمدن - العدد: 2369 - 2008 / 8 / 10

   من الموقع:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=143580