الحضارية «قراءات ومتابعات»

الأربعاء: 03/03/2010

 

 

الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في العراق

 

 

حيدر الزركاني

 

 

 

شكلت مؤسسات المجتمع المدني جزءا مهما من الحياة العراقية  بعد التاسع من نيسان 2003، وأخذت  تلك المؤسسات على اختلاف أنواعها  تلعب دورا لا يمكن إنكاره في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية على الرغم من محدودية التأثير، وذلك نتيجة لحداثة التجربة  وضعف الخبرة وقلة الامكانات اضافة الى الدور الذي لعبه الاعلام.    

 

ان تطوير مؤسسات المجتمع المدني  أمر أساسي لإحداث التغير والتأثير على مستويات الوعي وقدرته على العمل الجماعي، وهو أيضا أمر أساسي لديمومة النظام الديمقراطي و تطويره حيث ان الديمقراطية ليست هدف سياسي يمكن تحقيقه بشكل مباشر وإنما هي عملية حيوية يجب تنميتها والحفاظ عليها والاستمرار في تطويرها.

 

لقد حدثت زيادة كبيرة في حجم ونطاق وقدرات المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم على مدى السنوات العشر الماضية، وساعد على ذلك عملية العولمة واتساع نطاق الحكم الديمقراطي، وثورة الاتصالات والمعلوماتية، والتكامل الاقتصادي. إذ  أن عدد المنظمات غير الحكومية الدولية زاد من 6,000 منظمة في عام 1990 إلى 26,000 منظمة في عام 1999، كما أصبحت منظمات المجتمع المدني من العناصر الفاعلة والهامة في تنفيذ المساعدات الإنمائية الدولية وتقديم الخدمات الاجتماعية وتنفيذ برامج التنمية الأخرى كمكمل للعمل الحكومي، خاصة في المناطق التي يكون فيها الوجود الحكومي ضعيفا مثلما هو الحال في أوضاع ما بعد انتهاء الصراعات.

 

كما برز تأثير منظمات المجتمع المدني في صياغة السياسة العامة العالمية على مدى السنوات العشرين الماضية. ويتمثل هذا النشاط الديناميكي في حملات الدعوة الناجحة بشأن قضايا مثل حظر استخدام الألغام الأرضية، وإلغاء الديون، وحماية البيئة، التي حشدت آلاف المؤيدين في مختلف أنحاء العالم. ومن الأمثلة الحديثة العهد على حيوية المجتمع المدني العالمي، المنتدى الاجتماعي العالمي الذي يعقد سنويا منذ عام 2001 في قارات مختلفة.

 

دور الإعلام 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الإعلام بوصفه وسيلة لتحويل وإيصال وترويج المادة المعرفية للإسهام على نحو رئيس في تنمية وولادة رأي عام مجتمعي يسعى ليكون مظهراً اساسياً وواقعا معاشا ومؤثرا، اذ أصبحت وسائل الإعلام في المجتمعات الديمقراطية حول العالم تؤدي وظيفة إضافية كحراس أو حماة يراقبون نشاطات السلطتين السياسية والقضائية في الحكومة. وحافظت وسائل الإعلام على بقاء الديمقراطيات ونجاحها بإعطاء صوت لمن ليس لهم صوت. فهل استطاعت مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية في العراق من خلق خطاب إعلامي مؤثر في مراكز  صنع القرار المختلفة؟ في الحقيقة هناك حاجة  متبادلة تجمع  بين مؤسسات المجتمع المدني والاعلام  تكمن في حاجة الأولى للإعلام  من خلال  السعي للتعريف بتلك المؤسسات ونشاطاتها وأهدافها وإيصالها الى اكبر عدد من الناس، ولفت نظرهم  الى القضايا  التي تطرحها   والسعي الى تحريكهم من اجل الدفاع عنها  كإطلاق الحملات التي تخص قضية عامة  او أبداء رأي معين او الاعتراض على رأي  كما ان التغطية الايجابية لنشاطات مؤسسات  المجتمع المدني تساعدها في الحصول على مزيد من الدعم على شكل خدمات او هبات عينية.

 

 ان المراقب لطبيعة العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني والإعلام في العراق اليوم يلاحظ بان اهتمام وسائل الإعلام بالمجتمع المدني، تركز على تغطية الأنشطة التي تقوم بها تلك المؤسسات،  فيما اعتبرت  بعض تلك المؤسسات  التغطية الاعلامية امر توثيقا فحسب، و بادرت بعض مؤسسات المجتمع المدني لتملك وسائل اعلام خاصة بها من اجل نشر أهدافها و نشاطاتها كالمجلات والنشرات  وإذاعات الـ FM   وانتاج البرامج التخصصية في التلفزيونات المحلية والفضائيات  وإطلاق  مواقع الانترنيت. ويبقى تقييم هذه التجربه بشكل موضوعي قاصرا نتيجة لغياب الدراسات الميدانية  عن مدى تأثير الخطاب الإعلامي لتلك المؤسسات في الجمهور.

 

 ان خصوصية الحالة العراقية وما أنتجته من افرازات  سياسية واجتماعية واقتصادية تمثلت بالصراع السياسي الطائفي العنيف وانتشار البطالة والفساد الإداري جعلت المتلقي العراقي يتلقى جرعات مضاعفة وبشكل يومي من الخطاب المتشنج عبر وسائل الإعلام خاصة تلك الموجهة ضد التجربة الجديدة  وبأسلوب حرفي متقن، دفعت بخطاب المجتمع المدني الداعي الى  التسامح ونبذ العنف والحوار الى مرتبة الادنى  في سلم اهتمامات تلك الوسائل في وقت افتقرت فيه  وسائل الاعلام العراقية وتلك المملوكة لبعض مؤسسات المجتمع المدني الى العمل الحرفي الذي يشد الجمهور و يجذب انتباهه، وفي اعتقادي ان تراجع وتيرة العنف و انخفاض حدة الصراع السياسي  مع مراجعة علمية وعملية للدور الوظيفي لوسائل الاعلام في نشر وإشاعة ثقافة المجتمع المدني، وتكريسها من اجل صياغة تصورات واضحة واستراتيجيات عمل وسائل الاعلام في توصيل المبادئ والقيم التي تنطوي عليها ثقافة المجتمع المدني، يؤدي لاستثمار امثل لوسائل الاعلام، بوصفها اداة ثقافية تتسم بالتأثير الواسع النطاق والسريع في المواطنين. اذ ان العراق بحاجة حقيقية  للدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني ، لتنمية الحس الثقافي والاجتماعي المعاصر، والذي يكون بديلا حقيقيا لثقافة العسكرة، والتي جاءت بسب الحروب والانقلابات العسكرية والسياسية، وهذا ما يجب ان تقوم به منظمات المجتمع المدني.

 

  

 

..................................

(*) تم مناقشة هذا الموضوع في ورقة بحثية قدمت في الحلقة الدراسية الثانية لاتحاد الصحفيين في النجف الاشرف.

http://www.shaaubmagazine.com/view.352/