الحضارية «قراءات ومتابعات»

الخميس: 30/04/2009

 

     قراءة في مفهوم العنف السياسي   

 الباحثة أشواق عبد الحسن عبد(*)
(خاص للمعهد)

 

المقدمة:-

تكتسب دراسة هذه الظاهرة وهي العنف السياسي وخاصة في  المجتمع العربي المعاصر اهمية مضاعفة ليس بسبب ما تحمله من تاثير غير منتظم على النظام الاجتماعي وخاصة من وجهة نظر تلك الانظمة التي تميزت بعدم تقدميتها. وانما لما لها من اثر في قيادة المجتمع الى دنيا جديدة ,بسبب ما تحمله من بعد ثوري تمليه الصفة الاداتية له بحيث تجعله قادرا على لعب دور المهيى لاستلام السلطة من قبل القوى الاجتماعية الجديدة.تلك التي منعتها قوى النظام القديم من القيام بدورها التقدمي سلما .ملجئه اياها بذالك الى العنف  كحل نهائى .    

وتتمثل الخصوصية التى تتميز بها البيئة العربية والتى تستلزم اهتماما استثنائيا بدراسة العنف في ان الوطن العربي كان قد نضج منذ وقت ليس بلقصير للعنف والثورة . متمثلا  ذلك في حكومات اضطهادية رجعية .واراض محتلة  يضاف اليه تخلف شديد في اكثراجزائة.

مفاهيم:-

العنف هو اللجوء الى القوة من اجل اخضاع احد من الناس ضد ارادتة وهو ممارسة القوة ضد  الحق او القانون. (24 .p  . 4)  

هذا بصورة عامة اما العنف السياسي فانه يعرف  بانه اعمال التمزيق والتدمير والاضرار التي يكون غرضها اختيار اهدافها او ضحاياها .وا لظروف المحيطة بها واتجازها واثارها ذات ذات دلالات سياسية اي  تنحو الى تغييرسلوك الاخرين في موقف تساومي له اثار على النظام الاجتماعي.

ويعرف كذلك على انه نوع من انواع العنف الداخلي الذي يدور حول السلطة والحكم ويتميز بالفردية والجماعية والاثارية والاعلامية .والعنف السياسي تستخدمه السلطة لفرض نفوذها وقمع اي معارضة لنظامها الداخلي من خلال اجهزتها المختلفة على الشعب والافراد وداخل المجتمع, كما تسنخدم المعارضة العنف السياسي ضد السلطة ورجالها واجهزة امنها لاصعاف وافشال السلطة ومشاريعها وتحجيم نفوذها او سيطرتها على الافراد في المجتمع. ( p.25 . 4)   

وهنالك بعض المفاهيم التي ترتبط بالعنف السياسي خاضة لابد من الاشارة اليها كالشغب الذي يعرفه (gurr) بالقول انه ممارسة عفوية وعنفا سياسيا قائما علىمشاركة الجماهير متضمنة في الاضرابات السياسيةالعنيفة والمصادمات والانتفاضات والتمردات المحلية .والحباط هو ذلك الظرف او الحدث الذي ييعمل على التعارض مع استجابة تحقيق هدف ما يتمتع بتاثير على ا لفرد. (p .97. 2 )

اما الانقلاب فهو الاستبدال  العنيف غير المتوقع لجماعة حاكمة باخرى ويتم هذا عن طريق التهديد بالقوة او  باستعمالها  .(.p.82)

والحرب هي عنف سياسي بقدر ما تعبر عن كونها امتداد للسياسة وويذهب ماوتسي الى ابعد من ذلك  حيث يقرر بان )الحرب هي السياسة)ولكن وسائلها تختلف فبعد ان كانت تجري السياسةضمن نطاق التسويات  والمساومات السلمية تراها في الحرب تتخذ اجراءات تتصف بكونها عنيفة ولكن الهدف هو هو لم يتغير والذي يتمثل بتحقيق ما عجزت عن تحقيقه وسائل  السيا  سة السلمية .(9 .p . 2.) يقول انجلز ان العنف يلعب كذلك في التاريخ دورا اخر ،دورا ثوريا وكما قال ماركس هو المولد لكل مجتمع قديم حامل بمجتمع جديد والعنف هو ترك الارادة التي بواسطتها تشق الحركة الاجتماعية لنفسهاالطريق وتحطم الاشكال السياسية المتحجرة والميتة.(193.p  .6)   

ويقول ابن خلدون ان القضاء على الدولة يكون بالعنف وهو مرادف لكلام انجلز لكن يرى ان الدولة اذا ذهبت حلت محلها دولة اخرى تسير في الطريق نفسه الذي سارت فيه الدولة السابقة يرى الماركسيون ان الثورة  العنيفة تطيح بالدولة لتحل محلها اشكال اجتماعية جديدة ومختلفة تماما ، يقول ابن خلدون متحدثا عن الذين  يحاولون الاستيلاء على الدولة((فيقع بينهم  وبين الدولة المستقرة حروب سجال تتكروتتصل الى ان يقع لهم  الاستيلاء والظفر بالمطلوب ))(260.  1.p   )            

ومن الاسباب التي تدفع الى العنفالاحباط والحرمان فالشخص الذي يعاق وهو يحاول ان يصل الى هدف معين قد ينتابة العنف واحتمالا قد يبادر الى ضرب مصدر الاحباط  وفي الحياة الاجتماعية يضع الناس قيما لاشياء كثيرة   كالثروة والمركز الاجتماعي  والسلطة والامن والمساواه والحرية وغيرها ،وعندمالا يستطيعون تحقيق هذه القيم فعند ئذ يحدث التذمر والغضب وفي اغلب الاحيان العنف ( 596 p..3 )

كذلك يكون احتمال اللجوء الى اعمال العنف اذا بدا في نظر الجماعات السياسية  انه وسيلة ناجحة لتحقيق اهداف معينة كالقيام بانتفاضة مسلحة..(598 p. .3 )

 العنف السياسي:

 يضم هذا النوع من العنف بين جوانبه عددا من الممارسات العنيفه كلانقلاب والتظاهر واعمال شغب سياسي اخرى والثورة والعنف الثوري والحرب على سبيل المثال.

 وتتفق هذه النشاطات فيما بينها على عدد من الخواص التي تميزها عن غيرها من اعمال العنف الاخرى التي تندرج ضمن ممارسات العنف الجرمي وتتمثل نقاط الاتفاق بما يلي.

1-نشاط سياسي ،بمعنى انه يستهدف اجراء شكل من اشكال التغيير في السياسة التي تتبعها هذه الحكومة او تلك .

2-اته لا يستهدف الربح او المنفعه الشخصيه المباشرة بقدر ما يعبر او يدعي بانه يعبر عن مصلحة عليا او مصلحة طبقية معينة او تحالف طبقي.

 اما نقاط الاختلاف التي تميز هذه الاشكال الثانوية والتي تندرج تحت صنف العنف السياسي فتتمثل بما يلي:

1-طبيعة التغيير المستهدف في السباسة التي تتبعها الحكومة كان بتخذ شكل الضغط الذي ياخذ اسلوب الاضرار في الممتلكات وفي بعض الاحيان استهداف السلامة الشخصية لبعض الناس وهذة وظيفة التظاهر واعمال الشغب التي تتسم بنوع من العقوبة او قد يتخذ هذا شكل تغيير الاشخاص القائمين على امر الحكومة دون الحاجة الى تغيير بنية النظام الاجتماعي القائم وهذا يتجسد من خلال الانقلاب .وفي احوال اخرى تتخذطبيعة التغيير شكل محاولة تغيير كل بنية النظام الاجتماعب القائم واحلال سلطة طبقية جديد       محل تلك التي كانت قائمة قبلا وهذه وظيفة الثورة او العنف الثوري.او قد  تتخذ شكل تغيير السياسة موضوع البحث باخرى تتفق واهداف مصالح دولة اخرى ترى بأن بناء السياسة القائمة يشكل اضرارا بمصالحها وهذه وظيفة الحرب.(8 p .. 2)

2-نسبة ونوعية القوى التي يمثلها هذا النشاط.

تقف وراء كل ممارسة للعنف في العادة قوى اجتماعية معينة لها مصلحة او انها تلقى لديها استجابة لمثل هذا النوع من النشاط فبلنسبة للانقلاب او لاداة الانقلاب _  ويكون الجيش عادتا .  فانها تعكس وضعها باعتبارها (ادارة قوة اجتماعية)تلعب بالنسبة اليها بنفس الدور الذي تلعبه الاحزاب او جماعات الضغط مع اختلاف الوسائل .ويمكن القول على وجه العموم يسندون طبقة الاقلية التي تتمتع بالامتيازات وتحتاج .لابقاء سيطرتها على الطبقة المستغلة التي تهددها بان تغرقها بكثرة عددها.(170-  171 .p.5  )     

اما في حالة العنف الثوري فانه وحيث يستهدف الثوار في محاولتها من اجل قلب النظام القائم واقامة نظام في قالب سياسي واقتصادي جديد . فانهم انما يعبرون عن مصلحة مجموع الشعب في مواجهة القلة المنتفعة التي  تقف على قمة السلطة .وبقدر ما تظهر الحرب باعتبارها حكم دولة   بغرض فرض  هيمنتها على حكومة او شعب دولة اخرى .(   2.p.10)

اذا تركنا الاشكال والممارسات الفردية التي تتطرف الى مطلب الاثراء الخاص غير الشرعي من قبل القائمين بها من خلال القيام باعمال اللصوصية وتلك التي تتسبب عن اعمال المصابين بمرض كالبارانويا مثلا فاننا سنكون ازاء شكل من اشكال العنف السياسي. وهو يتميز بصفتة السياسية.وهذا من خلال استهدافة  للسلطةاما ضغطا من اجل احداث شكل محدد من اشكال التغيير او استعادة لسياسة او تشريع ما في حقل معين من الحياة الاجتماعية وهذة المظاهر ما تتميز بها حوادث العنف كالتظاهر او الاضراب. او انها تتخذ شكل محاولة تغيير الاشخاص القائمين على ا مر السلطة بالقوة واحلال اشخاص اخريين و قد لا يستلزم في احيان كثيرة احداث تغيير في السياسة العامة للدولة او شكل التنظيم الاجتماعي لها وهذا هو الانقلاب.اما الشكل الاخروالذي يكتسب صفة الثورية فانه يتضمن محاولة احلال سلطة جماعة اجتماعية اخرى بالقوة محل تلك القائمة بكل ما يستحقه من تغيير على صعيد السلطة والتركيب الاجتماعي ، كما ويندرج ضمن هذا الشكل اعمال العنف التي تترافق مع المحاولات التي تستهدف القضاء على  الاستعماريين من اجل احلال نمط انساني جديد في السلطة محل المستعمر.( 16 p. .2)

الاتجاهات في دراسة العنف السياسي:

يمكن تمييز اتجاهين في مجال ا لدراسات المتعلقة بظاهرة العنف السياسي منذ زمن ليس بالقريب.الاول على العوامل الاقتصادية والاجتماعية .والثاني على العوامل النفسية.الاول من خلال ابراز دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية في التوجه نحوه بتعبيراخر تاكيد على تاثير مستلزمات الحياة المادية على جماعة اجتماعية معينة تدفع هذه الجماعة الى محاولة القيام بالتغييرمن خلال اللجوء الى العنفكوسيلة من اجل تحقيق الهدف.ابرز من مثل هذا الاتجاه هو كارل ماركس في مدى تاكيده في البيان السنوي الذي صدرعام 1848منان تاريخ العنف منذ ابتداءه وحتى الاستيلاء على السلطة ما هو الا وصف لمسيرة التطور الذي مرت به  البروليتاريا منذ ظهورها وحتى وصولها الى السلطة (88 2 .p.) فقد بين ماركس ان ظاهرةالعنف في التاريخ ناتجة عن الصراع الطبقي الذي والذي يعتبر المحرك الاول لعجلة التاريخ.والذي عرف دوما حروبا لا تتوقف بين فئة وفئة اخرى وهذه الحروب والصراعات هي التي تولد اشكال العنف المختلفة. فالاوضاع المزرية التي كانت تحياها هذه الجماعات في بيئتها المدنية الجديدة من حيث انعدام الامن على الصعيد المعاشي والاستغلال الذي وقعواضحية ليس نتيجة استبداد الطبقة البرجوازية والدولة البرجوازية فحسب، بل هم في كل يوم وكل ساعة عبيد للاله وللوكيل البرجوازي صاحب العمل نفسه بوجه خاص.

والثاني من خلال التاكيد على العوامل النفسية عند اعتماده كنموذج للسلوك والتصرف حيال اوضاع تتصف بكونها تضيق امكانيات التغيير او تحدد البدائلالمتاحة لاشباع الحاجة الى التغيير.( 88-87.2 p) ظهر هذا الاتجاه في دراسةاسباب العنف على  يد طلاب علم السايكولوجيا الاجتماعية الذين عمدو الى صب القواعد السايكولوجية الفردية على المفاهيم والاوضاع الاجتماعية وكان السباق في هذا المجال عالم ا لنفس (dollard dr.john )والذي يعد احد اتباع المدرسة القصدية الامريكية المتاثرة بالعمل المبكر ( norgan dougal-lloyd mc).واللذين ابرزو فيها ولاول مرة علاقة الاحباط_العدوان،والذي تذهب الى ان البشر لا يصبحون عنيفين الا اذا احبطوا في جهودهم من اجل تحقيق اهدافهم حيث يؤدي الاحباط الشديد الى الغضب الى اعمال العنف العدوانية.( 96. 2.p).

 العنف السياسي والستراتيجيه السياسية:

يشكل العنف السياسي جزءا لا ينقسم  من الاستراتيجية السياسية التي تتبعها وتمارسها جميع السلطات والحكومات بالاضافة الى ذلك فهو ليس موجها نحو العدو الخارجي وحسب ،اي ممارسا في العلاقات الدولية فقط بل انه يشمل ايضا مجريات السياسة الداخلية ضمن الكيان السياسي الواحد .  فعلى مستوى العلاقات بين الدول يظهر العنف   الاستر   اتيجي  مثلا بمظهر الاجراءات الرادعة والضربات العسكرية الوقائية التي ترمي الى بلوغ هدف سيا سي ابعد من الهدف المباشر الذي تحققه الضربة العسكرية الاجراء السياسي , ان هذه الاجراءات والاعمال العسكرية ليست الشكل الوحيد الذي يمكن للعنف فعاليتها الاستراتيجي ان يرتديه في العلاقات الدوليه بل ان هناك اشكالا عديدة لا يمكن حصرها وكل ما يمكن الاشاره إليه هو انها تتراوح بين قطع المساعدات عن او حظر الدول المعنية او تخفيف  كمية المشتريات تصدير وبيع الاسلحة ا و المواد الضرورية.(10p.  .7)                                             

والى ما هناك من وسائل الاستخبارات السرية الدولية التي اصبحت نتائج فعاليتها الردعية واضحة ومعرفة لدى الجميع وامر هذ ه الاشكال من العنف السياسي انما هو مرهون بالاوضاع والمعطيات المادية والسياسية والاقتصادية وبالمواقع الاستراتيجية التي تحتلها البلدان المعنية على الصعيد السياسي او الجغرافي.

اما اذا تجاوزنا السياسةالخارجية الى السياسة الداخلية في ملاحظة العنف الاستراتيجي ومراقبة اشكالة فاننا نجدالظاهرة ذاتها والمضمون ذاتة تحت اشكال اخرى وتعبيرات مختلفه والمثال على ذلك اذا ما حصل انقلاب في بلد ما تقوم المجموعات المسلحة وقوات الجيش باعمال قمعية دموية بين صفوف المواطنين تتسم بعدم التمييز وهذا غالبا بين الافراد  والاشخاص االقائمين بالانقلاب ويكون دائما نتيجة لها سقوط العديدمن المواطنين الابرياء قتلى بالاضافة الى تشريد الالاف منهم خارج البلاد وشيوع حالة من الرعب في نفوس الشعب شى موكدان الغرض الاولي من الاجراءات العنيفة هو القضاء على الفئات المعارضة او المقاومة للدولة اما الغرض الابعد يقوم علىزرع العنف في نفوس المواطنين وردع جميع الفئات والجماعات والاحزاب السياسية العاملة في اجهزة الدولة وفي بنيتها السياسية وثنيها عن متابعة النضال العسكري او المعارضة السياسية.((وهذه الاشكال من العنف السياسي يتبدل بتبدل الظروف والمعطيات والاوضاع وليس الارهاب الفكري وتقييد حرية االصحافة والاعلام والحريات العامة اجمالا او بث العملاء ولارصاد بين الشعب باقل تلك الاشكال دلالة وتعبيرا ))(11 p.. 7)

 ان احتكار الدولة لممارسة العنف السياسي يجعل من هذا الاخير اجراء قانونيا وشرعيا منظما ،ويكسبه  صفة الضرورة حسب ما تقتضيه الظروف ولاحوال فلكل شكل من اشكال العنف السياسي على مستوى الدولة ظرف يبرره ةيفرض وجوده وبمعنى اخر ليس لاستعمال العنف السياسي قانون يحدده، ويحدد و طأته وشدته وكثافته وليس له قاعدة عامة  تحدد ظروفه واوقات اللجوء اليه بل ان جميع  هذه الامور منوطة بادارة المسؤولين والسياسين اصحاب السلطة الذين يعود اليهم وحدهم حق تقرير مدى فداحة الظروف التي تقتضي العنف وبالتالي حق تبرير استعمال العنف بشتى الوسائل(11 .p.7).

ان استعمال العنف السياسي من قبل الدولة، مهما بلغ هذا العنف من القوة والوحشية هو شرعي وقانوني. وكل ما من شأنه رفضه او مجابهته فهو خارج عن القانون وعن مصلحة الدولة المتمثلة بارادة الحاكم وبالرغم من كون العنف حالة استثنائية تلجأ ليها الدولة في شرعية وقانونية تصبح قاعدة لاستعمال العنف واما خطوة هذه النتيجة فهي انما تفتح الباب مشرعاً امام مختلف التأويلات والتفسيرات والاجتهادات التي من شأنها ان تنقل حق استعمال العنف من حيز الدولة الى حيز الافراد والجماعات. وخصوصاً الجماعات التي ترى ان حقوقها مهضومة ووجودها مهدد.(12.p.7)

الصراع على السلطة واقترانة بالعنف .

للاجابة على التسائل السابق فانه يمكن القول بانه لكي يتسم الصراع على السلطة بالعنف لابد من توفر عددمن العناصر وهذه العناصر يمكن اجمالها بمايلي:-

1-  ظهور جماعة واعية تجد نفسها اقدر على ان تحل نفسها محل تلك التي تتربع على هرم السلطة .وما يميز هذه الجماعة هو سخطها على النظام القائم ورغبتها في اجراء التغيير لان الواقع اصبح لا يطاق،فحيث يقيم الواقع احباطا وقلقا مستمرا وعميقا كان يكون هذا نتيجة اوضاع اقتصادية واجتماعية سيئة او يكون ضعف السلطة القائمة في مواجهة المشاكل الاساسية التي تعانيها تلك المجتمعات-فان ذلك سيكون مدعاة للتسائل لان هولاء على مدى علاقة السلطة بما يجري او دورها في خلق وادامة مثل هذه الاوضاع، وبالتالي عن مدى حق هذه السلطة في البقاء والحكم وهذه هي بالضبط مادة الانتفاضة.(16  p. .2)

2-  يقترن الصراع بالعنف عندما لاتتوفر بدائل سلمية كقنوات شرعية من اجل التعبير عن تلك الاسباب التي تكمن في اعماق الصراع ففي ظل الانظمة الدكتاتورية وذات الشرعية غير الثابتة يستدعي او يتطلب العف والتأمر باعتبارها الطريق الوحيد الممكن من اجل تحقيق التغيير في الحكومة. مادام اليس هناك من طريق شرعي ينصب على التغيير السلمي للسلطة (2 2. p.). فادراك الناس المحرومين بان ليس بايديهم من وسائل تعبير سلمية عما يحسونه من مظالم هو الذي سيدفع بهم الى اللجوء الى العنف كحل نهائي يجدونه مبرراً لديهم من اجل ماعجزوا عن تحقيقه سلمياً.(28 p.  .2)

3- يقترن العنف بالصراع حين يتناول مسائل او حاجات اساسية تتصل بصورة وثيقة بحياة الانسان اليومية. وعلى هذا الاساس فان اي محاولة لكبت هذه الحاجات ومنعها من حصولها على الاشباع الضروري لها من شأنه ان يطلق العنف والثورة من عقالها في اغلب الاحيان. فالعنف مرتبط بالحاجة بقدر ارتباط هذه الحاجة بحياة الانسان العضوية.

لذا فانه لاجل الحصول على الاشباع لابد من تغيير هذا الواقع، الا ان هذا سوف لن يمر دون مقاومة اولئك المستفيدين من الوضع القائم وعليه فان انفجار العنف والثورة سيكون امراً وارداً جداً وستكون شدة الانفجار متناسبة وقوة الاحساس بالحرمان الذي خلقته الحاجة من جهة وشدة مقاومة القوة التي تقف وراء بقاء ودوام هذه الحاجة على شكل قيود يقوم بفرضها مثل هذا الواقع القائم من جهة اخرى.(31 p. .2)

4-  اقتران العنف بالثورة السياسية من خلال القضاء عليها او اثناء المحافظة عليها والجوء الى العنف هنا غالبا ما يكون سببه بغض الطبقة الحاكمة التخلي عن مراكزها ومجاهدتها مريرة من اجل الحفاظ على هذه المراكز وبكل ما اوتيت من قوة.

ولذا فان عملية الاطاحة بهولاء سوف لن تتم بغير العنف. وهنا يقول (ماوتسي تونغ) اننا نلاحظ ان جميع المستبدين الامبرياليين والعسكريين الذين يعرفهم التاريخ لم يبدوا قط رغبتهم في مغادرة مسرح التاريخ من يلقاء انفسهم الى ان اطاح بهم الشعب.(23p..2)

الاستيلاء على السلطة كمعيار للتمييز بين العنف الثوري وبعض اشكال العنف الاخرى:

تفهم قضية الاستيلاء على السلطة نوعا من التمييز بين العنف الثوري وبين بعض اشكال العنف العفوي تلك التي فرضتها ((مظاهر اليأس)) والانتقام طرد فعل لظروف الحياة الاانسانية القاسية، فالحركات الاجتماعية التي ظهرت على مسرح التاريخ والتي مارست العنف كان يدفعها الى ذلك طبيعة المعاناة القاسية والالام النفسية التي كانت تعيشها تلك المجتمعات التي ظهرت فيها تلك الحركات.

ويتمثل الطابع العضوي في ممارسة الجماهير لتلك الاعمال في ان هذه الجماهير كانت تحركها وتوجهها المصالح اليومية والشخصية المباشرة كما لم يكن ليهمها اثناء اندفاعها في ممارسة تلك الاعمال النتائج الاجتماعية لمثل هذا السلوك ولاتعي عواقبه ايضا بل لقد كان الدافع والاهتمام الرئيسي لمثل هذا السلوك هو تأمين قوّتها وقوت اسرها. فالناس في حياتهم اليومية ينقادون الى وعيهم الاعتيادي وعي مصالحهم المعيشية اليومية، وبهذا فان الوعي الاعتيادي يمكن ان يحفز الناس للنضال لكن النضال في مثل هذا الحال ذو طابع عفوي.

وقد تمثلت الحركات العفوية تاريخياً بانتفاضات العبيد ضد ملاكهم وفي نضال الفلاحين ضد الاقطاعيين كما ويندرج ضمن هذا الاتجاه اعمال اللصوصية الشريفة او الاجتماعية على تعبير (Hobsbawn) التي كان يمارسها بعض الافراد، وقد اتخذت هذه الحركات في احيان اخرى شكل الحركات الالفية الدينية التي كان يحدوها امل التغيير الجذري والكامل والذي سيعكس في الحكم الالفي اي لمدة الف عام للسيد المسيح ذلك الذي سيخلق عالما جديداً كاملاً من كل مايطبع العالم الحالي من قصور. ويندرج ضمن هذا الخط ايضاً حركات العصيان والاضطرابات العمالية التي حدثت كنتيجة لتبدل اساليب الانتاج وادخال اساليب انتاج جديدة.(  34-33.p.2)

ان هذه الحركات هي حركات عفوية طالما ان اهدافها محدوده ودفاعية اصلاحية وليست ثورية، حيث تكتفي بتنظيم العلاقات الاجتماعية القائمة ولاتتطلب ازالتها اما المظهر الذي يتخذه العنف في هذه الحركات فانه يستهدف ليس النظام القائم من اجل الاستيلاء على السلطة فيه وانما هو موجه اساساً نحو شخص بذاته كسيد اقطاعي او جامع ضرائب او مرابي او صاحب عمل او سياسي او سياسية معينة في حقل معين.

وعليه كلما ابتعد العنف من افعال نحو ارادة التحقيق الفعلي للاستيلاء على السلطة كما اقتربنا من افعال العنف العفوية التي لا تستهدف سوى ازالة بعض اشكال المظالم المرتبطة بالحياة اليومية او بعض الاشخاص اي دون ربط هذه الافعال بالتوزيع الكلي للسلطة. وبالعكس فاننا سنكون ازاء عنف ثوري طالما استهدفت النشاطات والممارسات العنيفة للاستيلاء على السلطة.(35- 34 .   2.p)

يذهب (Bell.B) في هذا الاتجاه الى مسالة احداث الاثر اسيياسي الفعال من يمثل هذا النوع من العمل  يتطلب تحضيرات معقدة تتناول مسالة اقامة المناسب المنفذة لمثل هذه العمليات وتعزيز وتدريب وتنظيم الناس من اجل نشر التاثير الذي يميل ذلك الفعل لتحقيقه وتوجيه مساره بحيث يخدم القضية، ومن خلال دراسته لعدد من الانتفاضات في عدد من اقطار العالم والتي  خلص منها الى نتيجة مؤداها ان من احد الضروريات في تنظيم الانتفاضة هو انشاء اداة سياسية تستطيع ان تواصل حواراًَ على مستويات عدة، ان ما ظهرت الحاجة اليه كان شكلاً سياسياً كاداة ذات وجهين. وجه خارجي يتفاوض مع العالم واخر داخلي يشكل المقاومة المدنية ويدعم التنظيم من اجل تاكيد رسالة العنف.

ومن هنا تاتي ضرورة توفر المنظمة الثورية التي تاخذ على عاتقها تشكل وتوجيه العنف الثوري، وهدفها الاساسي خلق الخميرة الثورية اما هدفها الاجمالي فهو حرب الشعب كله.(38..p2).

 

...........................

(*) ماجستير تنمية بشرية مركز البحوث والدراسات التربوية / وزارة التربية
 

المصادر:
...............................

1.   مقدمة ابن خلدون.

2.   رعد عبد الجليل مصطفى الخليل، ظاهرة العنف السياسي، دراسة في العنف السياسي الثوري، 1980.

3.   بيار لاروك، الطبقات الاجتماعية، منشورات عويدات، بيروت، 1973.

4.   قدري حنفي، العنف السياسي رؤية نفسية.2007

5.   موريس دوفوجية، مدخل الى علم السياسة، دار دمشق، 1970.

6.   انجلز ضد دوهرينج، الطبعة الالمانية الثالثة،نقلا عن لينلين الدولة والثورة دار التقدم، موسكو، 1970.

7.   ادونيس العكرة، الارهاب السياسي، دار الطليعة للطباعة، بيروت، 1983.