الحضارية «قراءات ومتابعات»

الاثنين: 17/11/2008

 

مؤشرات الضعف في تقارير الشفافية الدولية
بتأثير تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية

د. غزوان هادي

من غير المنطقي محاولة طمس حقيقة وجود حالات فساد في إطار الوظيفة العامة أو خارجها، ولا الحديث عن عراق خال من الفساد والمفسدين، لكن يمكن الحديث بواقعية عن إعادة قراءة تقارير منظمة الشفافية الدولية وفق الواقع العراقي المعاش، باستشراف النزاهة في سلوكيات غالبية العراقيين في أروقة الوظيفة العامة أو خارجها، بعيدا عن التأثيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية السلبية لهذه التقارير، التي تركز في الأذهان فكرة إن العراق نال المرتبة الثانية بين الدول الأكثر فسادا ما يوحي ذهنيا بان استشراء الفساد في العراق قد دخل مرحلة لا يمكن الرجوع عنها، ما يدفع بغالبية العراقيين إلى إجراء حوار عميق مع الذات يناقش قيم النزاهة وأهميتها في ظل مجتمع نال منه الفساد (فضيحة دولية)، فكم من هذه الحوارات ستنتهي بالتساؤل عن أهمية التمسك بالنزاهة وقيمها؟ وما جدوى هذه القيم؟ وأين (أنا)؟ وما تأثيري؟ والنتيجة محسومة لصالح الفساد والمفسدين وبشهادات دولية كبرى.
هذه التأثيرات النفسية السلبية لتقارير منظمة الشفافية الدولية بحواراتها مع الذات، سرعان ما تتحول إلى ادوار اجتماعية يتقمصها البعض في حوار مع الآخرين، لنفس ما حاور به ذاته، ولتأخذ التأثيرات السلبية لهذه التقارير بعدا اجتماعيا خطيرا، سرعان ما يسعى معتنقوه فكريا لتطبيقه سلوكيا لنيل نصيبهم من المال والجاه، وتحقيق المكتسبات الشخصية على حساب الوطن والمواطن.
اقتصاديا
تؤثر نتائج تقارير منظمة الشفافية الدولية التي سنأتي على مناقشة مدى دقتها، وإمكانية الأخذ بها كمؤشرات نهائية لحجم الفساد في هذا البلد أو ذاك، سلبا على الوضع الاقتصادي العام للبلد، فكلما زادت المؤشرات السلبية لواقع الفساد في أي بلد قلت رغبة المستثمرين بالتوجه نحوه، ومع دلالة التقارير على انخفاض مؤشر النزاهة فيه نرى حركة رؤوس الأموال والاستثمارات تتجه سريعا وبعيدا عنه، فرأس المال كما يوصف بأنه (جبان)، وتفشي الفساد يعني ضعف وسائل الدفاع عنه، واستغلاله على مستوى كبير، وهذا ما يعد اتجاها مضادا لعمله وتحقيق أهدافه، وهذا ما نراه جليا في تجربة العراق مع تقارير منظمة الشفافية الدولية التي دفعت برؤوس الأموال والمستثمرين بعيدا عنه، على الرغم من فتحه لأبواب الاستثمار على مصراعيها قانونيا وسياسيا واقتصاديا وإداريا، فقانون الاستثمار العراقي صدر منذ أكثر من عام ويقدم للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء من التسهيلات الإدارية والمالية ما لم يقدمه أي قانون استثمار في أي بلد في العالم، والحكومة تدعو إلى الاستثمار وتعد بتسهيلات اكبر، والسوق كبيرة ومتعطشة للاستثمارات ومجالات الربح كبيرة ومتاحة، ولكن احد أهم أسباب عزوف رؤوس الأموال عن الاستثمار في العراق هو موقع العراق في تقارير منظمة الشفافية الدولية التي أنالته المرتبة الثانية بعد أن كان في المرتبة الثالثة العام الماضي، كأكثر البلدان فسادا في العالم، ما يوحي بان نسبة الفساد في تزايد مستمر.
إجرائيا
يمكن الإشارة إلى مكامن الضعف في آليات عمل منظمة الشفافية الدولية، وبالتالي نتائج هذا العمل، كمؤشرات وأرقام، فمؤشرات الضعف التي تكتنف تقارير منظمة الشفافية الدولية تبدأ من تحديدها لماهية الفساد، ومقياس الفساد، ومصادر معلوماتها عن حجم الفساد، فضلا عن مؤشرات الضعف في تصنيف تقاريرها النهائية التي تضع جميع دول العالم بمختلف ظروفها السياسية والاقتصادية والأمنية في قائمة واحدة، دون النظر إلى ظروف كل بلد وما يميزه عن البلدان الأخرى بين مجموعة الدول التي تعرض مؤشرات الفساد فيها.
عدت منظمة الشفافية الدولية في تقريرها لمؤشر الفساد لهذا العام في (180) دولة، الرشاوى التي يتلقاها الموظفون العموميون لقاء خدمات غير مشروعة، المعيار الرئيس (وحتى الوحيد) لقياس حجم الفساد في هذه البلدان، وبمراجعة سريعة لهذا المقياس نجده غير واقعي وحتى غير منطقي، فللفساد الإداري والمالي أوجه عديدة منها: (سوء استخدام الوظيفة العامة - سوء الإدارة - تبادل المصالح الخاصة - السرقة - الوساطة - الاختلاس - التزوير - الروتين والبيروقراطية - المحاباة - اللامبالاة - الغش - الابتزاز - الاحتكار - التلاعب - حجب المعلومات - تشويه الحقائق - التستر - التحريض - المنسوبية - التمادي - سوء التصرف - هدر المال العام - الكسب غير المشروع - تأخير العملية الإنتاجية - التسيب وعدم احترام الوقت العام)، فالرشوة جزء من حالة الفساد العامة، ولا يمكن قياس الكل بالجزء، فمقياس الفساد في أي بلد لا يمكن حصره بحالات الرشا بين موظفيه العموميين. تنسحب حالة انعدام الواقعية والمنطقية لمقياس الفساد في تقرير منظمة الشفافية الدولية على النتائج المترتبة عن العمل وفق هذا المقياس، فمن غير المبرر منطقا وواقعا الأخذ بالنتائج المترتبة عن العمل وفق هذا المقياس، وهكذا تصبح مؤشرات الفساد في تقرير الشفافية الدولية غير واقعية ولا منطقية.
علميا
لا يمكن الركون إلى مؤشر ضعف واحد - وان كان ناسفا للفهم والمقاييس والنتائج - في إلغاء أو إضعاف عمل منظمة كبرى كمنظمة الشفافية الدولية، ما استوجب الإشارة إلى مؤشر ضعف ثان، ألا وهو مصادر معلومات المنظمة، ففيما يخص عدد أو نسبة الموظفين العموميين الذين يتقاضون الرشوة في الدول الواردة في تقرير المنظمة، في حال رفضنا مؤشر الضعف السابق وارتضينا أن تكون الرشوة مقياسا للفساد بأشكاله الكثيرة الآنفة الذكر، فان مصادر معلومات المنظمة عن حجم الرشا في الدول التي تعرض مؤشرات الفساد فيها من خلال معرفة عدد أو نسبة الموظفين العموميين الذين يتلقون رشاوى، هي: (رجال الأعمال - والمقيمين الأجانب)، وبتحديد هذين المصدرين فقط للحصول على المعلومات التي تبني عليها المنظمة مؤشرات الفساد، وتمنح الدول تسلسلا ومؤشرا للفساد فيها، تصبح معه هذه المؤشرات والتسلسلات ضعيفة جدا، لان نسبة رجال الأعمال والمقيمين الأجانب في بلد مثل العراق وبظروفه السياسية والأمنية والاقتصادية الحالية التي تسببت في هجرة رؤوس الأموال ورجال الأعمال المحليين قبل الأجانب، وضآلة عدد المقيمين الأجانب، فضلا عن محدودية حركتهم، وقلة التعاملات أو محدوديتها بصيغ محددة لرجال الأعمال والمقيمين الأجانب مع الموظفين العموميين، وكون عدم تجاوز نسبتهم بين السكان الـ( 10%)، ودقة المعلومات لا تعد موثقة من مصدر تقل نسبة معرفته عن الـ( 50 %)، وتضعف معه قيمة المعلومات حتى تكاد تنتهي مع نسبة الـ( 10%) النسبة التي استندت إليها منظمة الشفافية الدولية في تقريرها.
تباين الظروف
غابت عن تقارير منظمة الشفافية الدولية حقيقة الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية لكل بلد ورد في تقاريرها، فبالنسبة لتباين الظروف السياسية بين البلدان الواردة في تقرير المنظمة، فهناك دول تعيش حالة متقدمة من الديمقراطية الأمر الذي ينعكس ايجابيا على حال النزاهة فيها، وفي المقابل هناك دول تعيش في ظل أنظمة دكتاتورية شمولية، ما ينعكس سلبا على وضع النزاهة فيها، أما بالنسبة لاختلاف الأوضاع الاقتصادية للدول المذكورة في تقرير منظمة الشفافية الدولية، فهناك دول غنية بمواردها، ومنتجة اقتصاديا، ومتطورة تكنولوجيا، ولها ثقل وتأثير كبيران على الاقتصاد العالمي، وفي المقابل هناك دول فقيرة الموارد، وقليلة الإنتاجية أو معدومة، وتعاني من بدائية الأساليب الإنتاجية، ما يستوجب على منظمة الشفافية الدولية إصدار ثلاثة قوائم لتقاريرها أو ثلاثة مستويات تصنف على أساسها الدول، بحسب ظروفها السياسية والاقتصادية الآنفة الذكر، فتضم القائمة الأولى أو التصنيف الأول الدول(المتقدمة) التي تعيش حالة متقدمة من الاستقرار والتطور الاقتصادي والسياسي، والقائمة الثانية أو التصنيف الثاني تضم الدول(المتوسطة) التي تعيش في وضع مقبول سياسيا واقتصاديا، في حين تضم القائمة الثالثة أو التصنيف الثالث الدول (المتأخرة) التي تعيش ظروفاً سياسية واقتصادية سيئة.
الأهم في مؤشر الضعف هذا، هو الوضع الأمني للدول التي يرد ذكرها في تقرير منظمة الشفافية الدولية، حيث تدرج هذه التقارير جميع الدول على تباين أوضاعها الأمنية ضمن قائمة واحدة، في حين إن الوضع الأمني المتردي لأية دولة كما هو حال العراق يؤثر سلبا على الأداء السياسي لحكوماته، ويؤدي إلى تراجع ملحوظ في أدائها الاقتصادي مهما كانت مواردها أو اقتصادها قويا، فأوضاع العراق الأمنية تتسبب كثيرا وتعد المؤثر الأكبر في تعثر العملية السياسية، وأنشطة الحكومة وتطبيقاتها الديمقراطية، فتصبح قوة ضاغطة بوجه أي إصلاح سياسي، وتتحول إلى ورقة ضغط في المفاوضات السياسية الداخلية والخارجية، ما يتسبب في تردي الأوضاع السياسية عموما، ويؤدي تردي الأوضاع الأمنية إلى العرقلة أو الإيقاف الجزئي للتحولات أو التطورات أو التحديثات المراد تطبيقها في المجال الاقتصادي، كما ويتسبب في حدوث أزمات اقتصادية، ويشل حركة السوق الاقتصادي داخليا وخارجيا، ويدفع برؤوس الأموال ورجال الأعمال المحليين والأجانب إلى خارج البلد، ويصيب العملية التنموية والاستثمارية بالشلل التام، نتيجة لهروب المستثمرين ورجال الأعمال بعيدا عن الدول غير المستقرة امنيا وسياسيا واقتصاديا لعدم وجود ضمانات لحماية استثماراتهم ورؤوس أموالهم.
النتيجة
يستدعي هذا كله من منظمة الشفافية الدولية إعادة النظر في تقريرها أولا، وإعادة النظر في تحديدها لشكل الفساد ومقياسه ومصادره وحتى مصادر معلوماتها، وثانيا إعادة ترتيب تقاريرها في أكثر من قائمة أو تسلسل جديد، آخذة بعين الاعتبار الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية لكل دولة ترد في تقاريرها، وخصوصياتها، وحالتها العامة مقارنة بالدول الأخرى الواردة في التقرير، فمن غير المنطقي إدراج العراق غير المستقر امنيا وسياسيا واقتصاديا، ويعاني من ديون خارجية كبيرة، وانهيار شبه تام لبناه التحتية، في قائمة واحدة مع ايسلندا التي حلت في المرتبة الأولى عالميا في تقارير منظمة الشفافية الدولية من حيث نزاهتها، التي تعيش ظروفا أمنية وسياسية واقتصادية فائقة التطور، وقطر التي نالت المرتبة الأولى عربيا في النزاهة والتي تعيش أعلى درجات الاستقرار والتطور الأمني والسياسي والاقتصادي عربيا وإقليميا

عن: الصباح