الحضارية «قراءات ومتابعات»

السبت: 01/11/2008

 

المناخ الاستثماري ودور الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق

د. فلاح خلف الربيعي

يواجه التوجه الحالي للسياسة الاقتصادية في العراق الهادف الى تحسين البيئة الاستثمارية وجذب الاستثمار الأجنبي، صعوبات عديدة في مقدمتها الحاجة الماسة إلى تحسين الوضع الأمني وتحسين مناخ الاستثمار.
وبقدر تعلق الأمر بتحسين مناخ الاستثمار فأن نجاح أية دولة في تحقيق هذا الهدف، يتطلب توفير عدد من العوامل، بعضها ملموس كالبنية التحتية من المطارات والموانئ والطرق ومصادر الطاقة والمياه ووسائل الاتصال، والبعض الأخر غير ملموس كالمؤسسات والنظم والسياسات والتشريعات، كما يتجاوز مفهوم مناخ الاستثمار النواحي الاستاتيكية كالوفرة النسبية للموارد المادية والبشرية، ليمتد إلى البحث في النواحي الديناميكية كمستوى المهارات والكفاءات التكنيكية والتنظيمية السائدة في الموقع المعني، فضلا عن مستوى البحث والتطوير ومدى كفاءة النظام المحاسبي والإداري والقضائي.
فقرار الاستثمار في أي بلد ليس قرارا خاصاً بمسألة بدء الاستثمار من عدمه. لكون المستثمر يتخذ قرارات مختلفة، ويقوم بإجراءات نظامية تترتب عليها التزامات وحقوق له مع آخرين، وعليه فالقرار الاستثماري يرتبط بحاجة وجود نظام محاسبي وإداري شفاف ومنظومة قضائية فعالة، كما يرتبط بمستوى الكفاءة الحدية لرأس المال التي تقاس بنسبة الإيرادات المتوقع تحقيقها في المستقبل إلى تكاليف الاستثمار الحالية، لذا فهو قرار مرتبط بالمستقبل بقدر ارتباطه بالحاضر، وبالتالي لابد أن يؤمن المستثمر وجود استقرار سعري ومن ثم استقرار في قيمة النقود، الى جانب الاستقرار في النظام الضريبي، كما أنه بحاجة الى سوق مالية حديثة تتيح له فرصة الحصول على الموارد المالية حينما يحتاج، كما تسمح له بالخروج من السوق عندما تقتضي المصلحة.
- شروط توفر المناخ الاستثماري:
الشرط الأول لتوافر مناخ الاستثمار المناسب هو الاستقرار السياسي والأمني. وعلاوة على ذلك يحمل مفهوم مناخ الاستثمار معنى نسبياً للمقارنة بين ظروف بلد ما وبين الظروف الموجودة في بلاد أخرى. فالعالم أصبح مفتوحا. والمستثمر أينما كان ليس مضطرا الى الاستثمار في مكان محدد، وإنما أمامه العالم بأكمله للاختيار.ولذلك فقد يكون هناك بلد جاذب للاستثمار في وقت محدد فإذا به يصير غير ذلك لاحقا، لأن البلاد الأخرى المنافسة تقدم وضعا أحسن. كذلك فان سرعة التقدم التكنولوجي، وما ارتبط به من تطور في الأوضاع الاقتصادية تستدعي بدورها تطويرا مقابلا في البيئة الإدارية المناسبة للاستثمار. ويعرف تقرير التنمية في العالم للعام 2005 الصادر عن البنك الدولي مناخ الاستثمار، على أنه مجموعة العوامل الخاصة بموقع محدد، التي تحدد شكل الفرص والحوافز التي تتيح للشركات الاستثمارية العمل بطريقة منتجة. ويرى التقرير أن السياسات وسلوك الإدارة الحكومية وبخاصة قضية الفساد والمصداقية تمارس تأثيرا قويا على مناخ الاستثمار، من خلال تأثيرها على التكاليف والمخاطر والعوائق المفروضة على المنافسة. لأن القرار الاستثماري مدفوع بالسعي لتحقيق الربحية، وتتأثر الربحية بالتكاليف والمخاطر والعوائق أمام المنافسة، وبدرجة توفر الأمن والاستقرار، وبخاصة أمن حقوق الملكية، ودرجة التقييد باللوائح التنظيمية والقوانين، ونظام الضرائب، التي تترك أثاراً بالغة الأهمية على التكاليف والمخاطر، وبينت البحوث التطبيقية، أن غالبية الشركات المتعددة الجنسية تعطي لعنصر الاستقرار الاقتصادي في الدول المضيفة أهمية كبيرة عند تقديرها لحجم المخاطر المترتبة على الاستثمار وبناء على كل ما تقدم يتضح أن مناخ الاستثمار، مفهوم ديناميكي مركب ينطوي على عدد من الأبعاد القانونية والاقتصادية والسياسية، تشمل مجموعة التشريعات والقوانين، الى جانب السياسات الاقتصادية والمؤسسات والخصائص الهيكلية المحلية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في ثقة المستثمر وتقنعه بتوجيه استثماراته الى بلد دون أخر. وتلعب العوامل الاقتصادية الدور المحوري في تكوين المناخ الاستثماري، ومن أهم تلك العوامل: القوانين الاستثمارية ومدى استقرارها، والسياسات الاقتصادية الكلية،الأهمية النسبية للقطاعين العام والخاص في النظام الاقتصادي، مدى توفر عناصر الإنتاج وأسعارها النسبية، حجم السوق المحلي والقدرة التصديرية. ولتحسين مناخ الاستثمار وجذب الاستثمار الأجنبي للمشاركة في عملية إعادة إعمار العراق، يجب أن تتواصل جهود الحكومة لرفع درجة الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، وتعمل على تحسين موقع العراق في المؤشرات الدولية الخاصة بتحديد درجة المخاطرة في عملية الاستثمار، بعد ان ترك لنا النظام المباد سجلاً سيئاً في تلك المؤشرات، والتي من أهمها:
مؤشر الحرية الاقتصادية: وهو مؤشر مركب يضم 10 عوامل تمنح أوزانا متساوية ويحتسب المؤشر بأخذ متوسط هذه المؤشرات الفرعية التي تشتمل على ما يأتي: السياسة التجارية، وضع موازنة الحكومة، حجم مساهمة القطاع العام في الاقتصاد، السياسة النقدية وبخاصة مؤشر التضخم، تدفق الاستثمارات الخاصة والاستثمار الأجنبي المباشر، وضع القطاع المصرفي والتمويل، مستوى الأجور والأسعار، حقوق الملكية الفكرية، التشريعات والإجراءات الإدارية والبيروقراطية، أنشطة السوق السوداء.
المؤشر المركب لثروة الأمم الناهضة: يضم ثلاثة مؤشرات فرعية هي:
1- مؤشر البيئة الاقتصادية ويضم هذا المؤشر21 عنصراً تغطي المؤشرات الاقتصادية الرئيسة، وهي مؤشر الاندماج بالاقتصاد العالمي.
2- مؤشر بيئة أداء الأعمال ومؤشر البنية التحتية للمعلومات: ويضم هذا المؤشر21 عنصراً تغطي مؤشرات التعليم والبنية التحتية للمعلوماتية ومؤشرات انتشار المعلوماتية.
3- مؤشر البيئة الاجتماعية: ويضم هذا المؤشر21 عنصرا تغطي مؤشرات التنمية والاستقرار الاجتماعي ومؤشرات الصحة وحماية البيئة والطبيعة وتمنح هذه المكونات أوزانا متساوية، ويدل ارتفاعه الرصيد المسجل على مركز متقدم في المؤشر وهذا يعني وضعاً أفضل من حيث مؤشرات ثروة دول الاقتصادات الناهضة.
مؤشر التنافسية العالمي: يصدر المؤتمر الاقتصادي الدولي في دافوس تقريرا سنويا عن التنافسية العالمية، ويتكون هذا المؤشر من متوسط 8 عوامل تمنح أوزانا متساوية وهي درجة الانفتاح الاقتصادي، دور الحكومة وضع القطاع المالي، البنية الأساسية، البيئة المعلوماتية، نظم الإدارة وضع القوى العاملة وضع المؤسسات.
المؤشر المركب للمخاطر القطرية: يسعى هذا المؤشر لقياس المخاطر المتعلقة بالاستثمار، من خلال تحديد مدى قدرة كل بلد على تسديد التزاماته المالية، ويتكون المؤشر المركب من ثلاثة مؤشرات فرعية تشمل:
1- مؤشر تقويم المخاطر السياسية: ويشكل نسبة 50% من المؤشر المركب، والحد الأقصى لمجموع النقاط هو 100 نقطة، تشمل على كل من مؤشر درجة استقرار الحكومة، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومؤشر خريطة الاستثمار، ومؤشر وجود نزاعات داخلية، ونزاعات خارجية، ومؤشرالفساد دور الجيش في السياسة، ومؤشرعلاقة الدين في السياسة، ومؤشر سيادة القانون والنظام، ومؤشرالاضطرابات العرقية، ومؤشر مصداقية الممارسات الديمقراطية، ومؤشر نوعية البيروقراطية.
2- مؤشر تقويم المخاطر المالية ويشكل نسبة (25 % ) من المؤشر المركب، والحد الأقصى لمجموع النقاط هو 50 نقطة، ويضم كل من مؤشر نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي، نسبة خدمة الدين الخارجي إلى إجمالي صادرات السلع والخدمات، نسبة ميزان الحساب الجاري إلى إجمالي صادرات السلع والخدمات، درجة استقرار سعر الصرف.
3- مؤشر تقويم المخاطر الاقتصادية ويشكل نسبة (25 % ) من المؤشر المركب والحد الأقصى لمجموع النقاط معدل دخل الفرد، معدل النمو الاقتصادي الحقيقي، معدل التضخم، نسبة عجز/ فائض الميزانية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي، نسبة وضع ميزان الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي.
ختاما نؤكد أهمية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحسين هذه المؤشرات لضمان رفع مستوى الاستثمار بنوعيه المحلي والأجنبي كونه السبيل الوحيد لدعم الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، بما ينسجم والمصالح الوطنية العليا، ويخدم في النهاية هدف الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني الاقتصادي المنشود.
- دور الهيئة الوطنية للاستثمار
الهيئة الوطنية للاستثمار، هيئة تتمتع بشخصية معنوية مسؤولة عن رسم السياسات الوطنية للاستثمار ووضع الخطط والأنظمة والضوابط لها، ومراقبة تطبيق الضوابط والتعليمات في مجال الاستثمار وتختص بالمشاريع الاستثمارية الستراتيجية ذات الطابع الاتحادي حصراً «وتقوم الهيئة بوضع ستراتيجية وطنية عامة للاستثمار تحدد فيها القطاعات الأكثر أهمية، كما تتولى مهمة إعداد خارطة بمشاريع الاستثمار في العراق، فضلا عن قيامها بإعداد قوائم بفرص الاستثمار في المشاريع الاستثمارية الستراتيجية والاتحادية، أما الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم فتقوم بتشكيل هيئات استثمار في المناطق الخاضعة لها تتمتع بصلاحيات منح إجازات الاستثمار والتخطيط الاستثماري وتشجيع الاستثمار، وأشارت المادة التاسعة من هذا الفصل الى أن الهدف الرئيس من إنشاء الهيئة هو تشجيع الاستثمار بغض النظر عن جنسيته، والعمل على تعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية والتعريف بالفرص الاستثمارية وتحفيز الاستثمار، ووضع البرامج لترويج الاستثمار في مناطق العراق المختلفة لجذب المستثمرين وتنفيذها.
ومن وجهة النظر الاقتصادية يمكن القول أن عمل الهيئة سينحصر في العمل على تهيئة المناخ الاستثماري الملائم لجذب المستثمرين العراقيين والأجانب.
و ينبغي التذكير هنا بأن مفهوم مناخ الاستثمار هو مفهوم مركب ينطوي على عدد من الأبعاد القانونية والاقتصادية والسياسية، التي تشتمل على مجموعة التشريعات والقوانين،الى جانب السياسات الاقتصادية والمؤسسات والخصائص الهيكلية المحلية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في ثقة المستثمر وتقنعه بتوجيه استثماراته الى بلد دون أخر. ويركز هذا المفهوم على المزايا النسبية التي يتمتع بها الموقع المعني بالاستثمار، التي سيتحدد في ضوئها شكل الفرص والحوافز المتاحة أمام الشركات الراغبة في الاستثمار، التي تتأثر بشكل كبير بالسياسات الاقتصادية (المالية والنقدية) وسلوك الإدارة الحكومية وبخاصة مستوى الفساد الذي يمارس تأثيرا قويا على التكاليف والربحية والمخاطر والعوائق المفروضة على المنافسة. كما تتأثر ربحية الشركات بدرجة توفر الأمن والاستقرار، وبخاصة أمن رأس المال الثابت وحقوق الملكية، ودرجة التقييد باللوائح التقيد والقوانين، ونظام الضرائب. وأشارت بعض البحوث التطبيقية الى إن غالبية الشركات المتعددة الجنسية تعطي لعنصر الاستقرار الاقتصادي في الدول المضيفة أهمية كبيرة عند تقديرها لحجم المخاطر المترتبة على الاستثمار.
ان المهمة التي ستواجه الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، ونسبة النجاح المتحققة فيها سترتبط بمستوى التقدم الذي ستحرزه الحكومة في الجانب الأمني السياسي، فضلا عن جهودها المبذولة في مجال تحرير الاقتصاد. وإعادة اعمار وتطوير البنية التحتية وفي مقدمتها العمل على تطوير المطارات والموانئ والطرق وتحسين شبكات المياه والكهرباء وتوفير الوقود ووسائل الاتصال، كما يتطلب تعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية والتركيز على النواحي الديناميكية عن طريق رفع مستوى المهارات والكفاءات التكنيكية والتنظيمية ورفع مستوى كفاءة النظام المحاسبي والإداري والقضائي والاهتمام بعملية البحث والتطوير، فقرارات المستثمر المختلفة، ستترتب عليها التزامات وحقوق، وعليه فانه بحاجة الى وجود نظام محاسبي وإداري شفاف ومنظومة قضائية فعالة.

عن: الصباح