|
|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
السبت: 01/11/2008
الاتفاقية الأمنية .. خلافات المتن والهوامش
خليل العناني
يُصرّ الطرفان الأميركي والعراقي على
المضي قدماً في مسألة «الاتفاقية الأمنية»، وذلك رغم الخلافات العميقة
التي وصلت إلى حد التصريح بإمكانية فشل الاتفاق. وقد باتت الاتفاقية أشبه
بمعركة كسر عظم «تفاوضي»، يسعى من خلالها كلا الطرفين إلى تمرير مطالبه
رغماً عن الطرف الآخر.
بيد أن السؤال الجوهري هو: هل الخلافات الآنية تدور حول متن الاتفاق أم
هوامشه؟ باعتقادي أن خلافات«المتن» قد تم تجاوزها خلال المسودة الأولى
للاتفاق والتي جرى التفاوض حول بنودها خلال الشهور الستة الماضية. ولعل
أبرزها كانت مسألة بقاء القوات الأميركية فى العراق من عدمه. وقد تم حسم
المسألة لمصلحة النص على تحديد موعد جلاء هذه القوات بأخر يوم فى عام
2011. وقد رضخ الأميركيون لرغبة العراقيين في نهاية المطاف، ودفعهم لذلك
تطورات السياسة الداخلية في بلادهم.
ومنذئذ بدأ الطرف العراقي الأكثر تحكماً فى إدارة دفة التفاوض حول
الاتفاقية الأمنية، ما دفعهم إلى نقل الخلاف إلى القضايا الهامشية، والتي
تدور الآن حول ثلاث نقاط رئيسية أولها ما يتعلق بمسألة تمديد الاتفاقية،
ورغم أن هناك نصاً صريحاً فى مسودة الاتفاقية التي قبلها الجانبان ينص
على ألا يتم التمديد إلا بناء على طلب أي الطرفين وموافقة الطرف الثاني،
إلا أن العراقيين يصرّون على حذف أي كلمة تتعلق بتمديد بقاء القوات
الأميركية في بلادهم، وهي محاولة من العراقيين لضمان عدم بقاء القوات
الأميركية يوماً واحداً في بداية عام 2012.
وثانيها يتعلق بالولاية القضائية للقوات الأميركية، وهي رغم نص الاتفاقية
على تحديدها بإطار مكاني وزماني، إلا أن العراقيين يصرّون على تضييق نطاق
هذه الولاية بحيث يتم إعطاءها للسلطات العراقية التي يجب أن تحدد ما إذا
كانت تجاوزات الجنود الأميركيين قد تمت في حالة دوام من عدمه، وما إذا
ارتكبوا أو لم يرتكبوا جرائم خارج قواعدهم المحددَة في الاتفاق. وثالثها،
يتعلق بولاية القوات الأميركية على البريد العراقي، حيث تنص مسودة
الاتفاقية على أنه «يجوز لقوات الولايات المتحدة والمتعاقدين معها أن
يستوردوا إلى العراق ويصدّروا منه ويجوز لهم أن يعيدوا التصدير وان
ينقلوا ويستخدموا أية معدات أو تجهيزات او مواد او تكنولوجيا او تدريب أو
خدمات شرط ألا تكون ممنوعة في العراق». ولا تخضع للتفتيش عمليات استيراد
مثل هذه المواد ونقلها واستخدامها، حيث يرى العراقيون عدم إخضاع مثل هذه
الشحنات للإرادة الأميركية.
إذا لا خلافات الآن تتعلق بمتن الاتفاقية، فلماذا يصرّ الطرفان إذا على
تعقيد المسألة؟ باعتقادي أن ثلاثة محددات تقف وراء تعطيل الاتفاق الأمني
بين العراق والولايات المتحدة أولها يتعلق بطبيعة التفاعلات فى الساحة
الداخلية العراقية، حيث تحولت الاتفاقية، ببنودها المثيرة، إلى نقطة خلاف
عراقي داخلي. وتخشي حكومة المالكي أن يسعى أي فصيل سياسي مناوئ لها من
استغلال أي نقاط ضعف في الاتفاقية للتنديد بسياسات المالكي وإضعاف موقفه
الداخلي خاصة وأن الانتخابات النيابية باتت على الأبواب. الأكثر من ذلك
أن هناك خلافاً شيعياً كردياً واضحاً حول جدوى الاتفاقية، ففي حين يرى
الأكراد أن الاتفاقية تمثل ضمانة أمنية أميركية للعراق وأن الاتفاقية يجب
أن يتم تمريرها كما هي، يرى الائتلاف الشيعي بقيادة المالكي وعبد العزيز
الحكيم أنه لابد من وضع قيود على الاتفاقية تعطيهم حق نقضها فى أي وقت.
ثاني المحددات ما يتعلق بمستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، ففي الوقت
الذي يريد فيه العراقيون أن يتم تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة
استراتيجياً واقتصاديـاً، لا يريدون أن يدفعوا ثمناً باهظاً لذلك، وهم قد
أصرّوا منذ البداية على عدم النص على إقامة قواعد عسكرية أميركية ثابتة
في بلادهم. ومرد ذلك أمران أولهما عدم تهديد دول جوار العراق، وثانيهما
عدم تحويل العراق إلى ساحة مواجهة بين المتطرفين والقوات الأميركية التي
قد تبقي لأجل غير مسمى في حال تمديد الاتفاقية الأمنية.
أما ثالث المحددات فيتعلق بالطرف الأميركي الذي بات يشعر الآن بقدر كبير
من الخسارة في ظل التعديلات التي تم إدخالها على مسودة الاتفاقية خاصة
مسألة بقاء القوات وفرص تمديدها. وهي خسارة تتعلق بالوضع الاستراتيجي
للولايات المتحدة في المنطقة. ذلك أن أحد دوافع وقوع الغزو الأميركي
للعراق تمثّل في إعادة رسم الخريطة الجيو-استراتيجية للشرق الأوسط من
خلال الاعتماد على «الورقة العراقية»، ولكن أثبتت خبرة الأعوام الخمسة
الماضية أنها ورقة خاسرة بالنسبة للولايات المتحدة. لذا يصرّ الأميركيون
على الاحتفاظ بالحد الأدنى من المكاسب فى بنود الاتفاقية، وذلك حتى
يضمنوا التأثير فى مستقبل العراق، وحتى لا تضيع الأكلاف التي دفعوها طيلة
الأعوام الماضية هباءً.
عن: ايلاف
|
|
|