الحضارية «قراءات ومتابعات»

الثلاثاء: 14/10/2008

 

نحو ستراتيجية لتفعيل اسطورة التنمية المستدامة في العراق

حسين النجم

لا يزال الجدل ينتاب العراقيين من مفاهيم تتساقط علينا دون ان يكون اليها سند في التطبيق، ومن هذه المفاهيم التنمية البشرية المستدامة والتي يراد لها ان تعنى بالانسان العراقي ليس الا، لكننا نجد من خلال مراقبة الواقع العراقي في حالة استغراب من امرنا، فهنالك مؤشرات عديدة لابد ان نفتتح بها دراستنا اليوم، العراق بلد متميز بتوافر الموارد المادية والطبيعية، ناهيك عن توافر الموارد البشرية المتميزة من اجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، والتي تعد من الارصدة العراقية في صعيد التنمية البشرية واحد المحركات والمفاتيح الاساسية للتنمية المستدامة في العراق.
لكن العراق عانى من دخوله حروباً مستمرة، ارهقت قدراته البشرية، ناهيك عن اعلان البدء بانهيار هيكل الدولة الاداري مما اثر على كيان عملية التنمية البشرية المستدامة، وهذا ما لاحظناه في فترة التسعينيات، فالكيان الهيكلي للتنمية لم يستطع الصمود امام تحدي الحصار، ثم بعد ذلك وجدنا اننا بعد 9 نيسان 2003 نعاني من فجوة كبيرة، كشف عنها التغير في النظام السياسي العراقي، نجد اليوم العديد من المؤشرات اهمها استقرار الامن ومقابل بطالة مستمرة، ترهل وظيفي في كيان الدولة الادارية مقابل وظائف وقتية قد تتأثر بعد انتفاء الحاجة اليها، اضافة الى اننا نلاحظ ان هنالك اشكالية هي حل الجيش دون ان نجد مكاناً جديداً عدا العائدين له والمنخرطين في العمل العسكري ضمن تشكيلات الجيش العراقي.
الاشكاليات
يعاني العراق من اشكالية فقدان العمل الاداري المنظم وافتقاده للخبرات الادارية رغم حاجته الماسة الى التدريب واعادة التاهيل والتطوير الاداراي من اجل مواكبة دول الجوار على الاقل، وهذه اشكالية باتت واضحة وتعيق اهداف عمل الحكومة مما يجعل الحكومة تفقد جهداً ووقتاً ومالاًبصورة مستمرة من الموارد المادية العراقية.
ثم هنالك اشكالية انه لا يوجد تنسيق او مواءمة ستراتيجية بين سوق العمل وبنوك العقل البشري العراق (الجامعات العراقية) من جهة، ناهيكم عن عمل صاحب التخصص في اختصاص بعيد عنه من جهة اخرى مما افقد مهارات الابداع اولاً في مجال عمله، وجعل اللامبالاة واضحة في العمل الاداري، ناهيك عن تأثير ذلك على توفير الخدمة للمواطن العراقي البسيط.
ومراقبة لاداء مراكز تدريب الطاقات البشرية العاطلة عن العمل والتي تعاني من اشكاليات عديدة اهمها فقدان المناهج التدريبية لتطلعات المستقبل، ناهيك عن المراوحة في الاختصاصات، ثم انها ما زالت حتى الان لم تخرج من دوامة التاهيل للمشاريع الصغيرة، وكأن المشاريع الصغيرة هي القادرة لوحدها على الحد من البطالة، في حين ان العراق بحاجة حقيقية الى تطوير مناهج التدريب، والحاجة الفعلية الى تشجيع اقامة الصناعات الكبرى والتدريب عليها. والنموذج الصيني في هذا المجال خير دليل، والتجربة العراقية السابقة في مجال التصنيع برهان على ذلك عبر سياسة الصناعة التجميعية، والتي ازدهر العمل فيها اولاً وتلقى المتدربون دورات في اختصاصهم وازدهرت الاسواق العراقية من جانب اخر، وادى هذا كله الى زيادة القدرة الانتاجية الواسعة والتي لعبت دوراً في توفير حاجيات المواطن الاساسية من الاسواق العراقية وبجودة جيدة وسعر مناسب لها.
لذلك بما اننا اليوم بحاجة حقيقية الى تطوير اليات البناء، وتطوير قابليات العمل نحو فضاء اوسع لتأهيل مهندسي النفط والاعمار والطرق والجسور والبنى التحتية كالكهرباء ونصب المحطات المتطورة، والمياه وطرق تحليتها، وقابلوات الهواتف الارضية والمحمولة، ناهيك عن المشاريع المتخصصة وهذا ما يدعونا للعمل في اطار هذا المجال.
اذن هي دعوة اليوم الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وعبر مراكز التدريب المهني للعمل على فتح باب التعاون مع الوزارات والمختصة والهيئات العالمية لبناء مناهج ومراكز تدريب متطورة، ويشكل المركز العراقي الكوري لتدريب العاطلين عن العمل تجربة جديدة وبنا حاجة الى زيادة فتح باب التعاون الحقيقي مع الدول الصناعية الناشئة او الدول المتقدمة في هذا المجال.ان اشكالية التنمية البشرية اليوم في العراق بحاجة حقيقية الى معالجات تأخذ منحى ذات طابع بعيد المدى وستراتيجي ورؤية سليمة من اجل ان تسير العملية التنموية ككل نحو الامام، ولابد ان تبدأ التنمية المستدامة بالانسان العراقي كمنطلق اساسي لبناء مدركها الستراتيجي باعتباره الهدف وهي الوسيلة لتحقيق الرفاهية ومجتمع الوفرة.
نحو ستراتيجية جديدة
وبالتالي هناك حاجة حقيقية الى بناء ستراتيجية عراقية ترتكز على عدة متطلبات فاولاً، اقامة برنامج (الامن الحيوي المشترك) والقائم على فكرة مفادها ان الامن في العراق هو امن الجموع ليس الا وبالتالي صناعة الاستقرار والسلام اللذين يكونان محصلة الامن الحيوي للعراق، وان يعتمد على تفاعل متكامل من قبل اطراف المجتمع العراقي، وهذا ما يجعلنا نتخذ من التقييم الستراتيجي الية فاعلة تبنى على التقديرات الستراتيجية وبناء جيش عراقي وقوات امنية فاعلة تحتاج الى فترة تتعدى الـ 15 عاماً، وبالتالي هناك حاجة حقيقية وماسة لاعادة تأهيل وتوظيف افراد الجيش العراقي السابق واعادة النظر برتبة مقدم فما هو اعلى للعمل كاستشاري ليس الا ومن اصحاب الكفاءات والاختصاصات المطلوبة والتي بحاجة اليوم لها في الجيش العراقي الحديث، والعمل على توفير الحوافر والعوامل الجاذبة الى هذه الخبرات للعمل في الجيش العراقي والاستفادة من الخبرة العملياتية للتدريب، وطبعاً هذا بعد اعادة دمجهم وفق برنامج " الامن الحيوي المشترك ".
وبهذا سنجعل من هذه الشريحة احدى الشرائح المنمية للامن المجتمعي ورافد اساسي للتنمية المستدامة في العراق عبر بعدها الامني، والذي يكون بأساسه المتغير العسكري والذي يعد احد الراوفد الحاضنة للامن القومي العراقي.ثانياً، هناك حاجة حقيقية الى تطوير سياسة فاعلة للتعليم العالي وربطها في السوق، من خلال ضبط آليات العلاقة بين الحاجة وتلبيتها وفق الاختصاص، وعندما نستقرئ السوق العراقية نجد ان هنالك اختلافاً بين مخرجات التعليم العالي وحاجات العمل المتوفرة في سوق العمل وهذه اشكالية بدأنا نعاني منها منذ الثمانينيات من القرن الماضي.
ولنا وقفة الان مع عملية اعمار العراق، ومن هذه النقطة الاساسية نستطيع ان نبني تقييمنا الاستراتيجي وخطة التعليم العالي المقبلة للاعوام القادمة، وهذا ماسيجعلنا نسعى الى تأشير الحاجة وعلى اساسها تؤسس الدراسات العليا واختصاصاتها، ونوجه البحث العلمي في القضايا الماسة بالمجتمع بما لايمس حرية التعليم ولكن توفير خيارات عديدة للباحثين من اجل حل الاشكاليات التي نعاني منها.وبالتالي سنجد ان مخرجات التعليم بعد سنوات قليلة ستكون نوعية وليست كمية، اما اذا استمرينا بسياساتنا الكمية في التعليم فسنكون عاملاً معثراً لعجلة التنمية المستدامة في العراق، وما نلاحظه من طوابير البطالة ووفق سجلات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي تشير الى ان عدد المسجلين لديها من اصحاب الشهادات بلغ اكثر من مليون و600 الف خريج لم يحصلوا على وظيفة حتى الان، ناهيك من اشكالية المناهج التي يتدربون عليها في مراكز التدريب المهني والتي تضعف من قابلياتهم للعمل من جهة ولا تتلاءم مع حاجات الاعمار الجديدة في العراق، فالاعمار بات في اغلبه متعلقاً بالجانب التقني الكترونياً والحاجة الى اليد العاملة قليلة ويتطلب مكننة الكترونية اكثر منه، وبالتالي بنا حاجة ايضاً من مناهج التدريب في وزارة العمل الى اعادة النظر من جديد وفق متطلبات سوق العمل العراقية وخصوصاً في مجال الاعمار.
حتى ان الدعم الحكومي للمشاريع الصغيرة والتي تسعى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للسير فيه مازال حتى الان لم يلب الطموح الهادف على الرغم من انه حقق نتائج لابأس بها، فنحن نجد ان اغلب المشاريع الصغيرة اتخذت المنحى التجاري، وكما نعلم ان التجاري محصور بعمل 1 - 3 موظفين، يتقدمهم صاحب المشروع فتبقى وظيفة اووظيفتان، وهذه ليست بالمشاريع المجدية لكن لو ركزنا جل اهتمامنا على المشاريع الانتاجية ومنها الصناعية او ورش الخدمات فاننا سنجد انها ستعمل على توظيف ما بين 4 - 6 موظفين، وبذلك سنحقق نجاحاً متوقعاً في الحد من البطالة واعطاء فرصة افضل للعاطلين لانه حتى الدخول المستحصلة تصل الى اكثرمن ضعفين عن الاجرة الشهرية للموظف في المشروع التجاري، وبهذا سنحقق نجاحاً على طريق البداية، في المشاريع الصغيرة وكيف تحول التجربة الصينية صناعات مصدرة، واسهامها في الناتج المحلي الاجمالي، وهذا ما نأمله في المرحلة الثانية من طورها العملي في العراق.
ثالثاً، هناك حاجة حقيقية الى تبني ستراتجية العمل وفق الاختصاص الدقيق، فكما هو معروف ان التنمية المستدامة التي يراد لها الازدهار وتحقيق مستويات مقبولة لابد ان تعتمد على تنمية اختصاص التخصص وليس السياسات المبنية على العمل اينما توفرت الحاجة دون الاكتراث الاختصاص ومجال عمله، وهذا ما جعل جهاز الدولة العراقي يعاني من ترهل واضح جراء انضمام شريحة كبيرة من الموظفين الجدد الى العمل الوظيفي دون عمل يوجد اليهم، ناهيك عن تشبث بعض الموظفين بأماكن عملهم نتيجة عبورهم السن القانوني وفق قانون التقاعد العامة، باعادة صياغة الاستراتيجية العراقية للتوظيف والعمل بعد تقييم اداء دوائر الدولة العراقية المختلفة وتسمية المسميات الادارية والتصنيفات وفق الاليات العالمية المعتمدة في العمل الحكومي.

عن: المرصد العراقي