|
|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
الثلاثاء: 07/10/2008
بين التعددية الراديكالية
والتعددية الليبرالية
مقومات بناء الدولة في العراق
د. سعدي كريم
لم يدخل مفهوم التعددية السياسية
نطاق علم السياسة إلا في وقت متأخر نسبياً، حيث اقترن ظهوره بما شهدته
السنوات الأولى من القرن العشرين من تعدد المذاهب السياسية والاجتماعية
مثل الكاربوراتية، الاشتراكية الموجهة، النقابية السندكالية وغيرها. وفي
هذا الإطار ظهر المفهوم للتعبير عن التعارض بين المعتقدات - القيم في
المجالات المختلفة للحياة الاجتماعية والسياسية. إلاّ أن سمات التعددية
لم تظهر حتى منتصف القرن الماضي بالمعنى المستخدم حالياً، وذلك بظهور
النظريات الليبرالية التي أولت اهتماماً لدور الانتخابات التنافسية
المنظمة من قبل الحكومات الديمقراطية.
وعلى الرغم من كثرة استخدام مفهوم التعددية السياسية في الوقت الحاضر،
إلاّ إنه يفتقر إلى تعريف محدد أو نظرية واحدة متكاملة تحدد مضمونه
وعناصره، فما هو شائع من عناصر هذا المفهوم هو تنوع وتعدد الجماعات
وكيفية تأثيرها في صنع القرار وتوزيع وانتشار عناصر القوة في المجتمع.
وتتفق الكثير من الدراسات الغربية على اعتبار التعددية نظرية اميركية
تتعلق ببحث تأثير جماعات المصالح في العملية السياسية، وبرغم كثرة
الانتقادات التي وجهت إليها، إلاّ أنها ما زالت من المفاهيم الرئيسية في
الدراسات الغربية التي تؤكد أن جميع النظم الديمقراطية هي ذات طبيعة
تعددية فالكثير من افتراضات هذه النظرية تسيطر على الكتابات السياسية.
لقد شكل محور اهتمام الدراسات الأميركية للتعددية بجماعات الضغط المنظمة
في عملية صنع القرار باعتبار ذلك سمة رئيسية للديمقراطية، فالنظام
الديمقراطي الأميركي يعبر آلياً عن توازن بين جماعات المصالح المتصارعة،
ما يجعل هذه الجماعات تؤدي وظيفياً دور اليد الخفية التي تضمن عدم تحول
الصراع بين هذه الجماعات إلى نتائج تهدد استقرار النظام، فالطابع التعددي
للنظام أتاح له فرص تطوير مفهوم التوفيق وتحقيق التوازن بين القوى
والجماعات المتصارعة ما أدى إلى تماسك النظام السياسي الأميركي، فافترض
وجود هذا التوازن بين الجماعات هو أساس النظرية الأميركية للديمقراطية.
عناصر التعددية السياسية
1- انتشار القوة بين الجماعات الاجتماعية سواء أكانت جماعات مصالح أم
جماعات اثنية أم عرقية أم غيرها. فوجود هذه الجماعات وتنوعها واتساع نطاق
تمثيلها للمصالح وتأثيرها السياسي هو السبيل للتوصل إلى حلول ديمقراطية
للمسائل العامة. وذلك عبر التفاعل والتفاوض والمساومة.
2- وينتج عن ذلك تعدد وتنافس مراكز القوة في المجتمع ما يؤدي إلى عدم
قدرة أي مركز أو منظمة واحدة من احتكار السلطة ومن هنا فإن التعددية هي
وثيقة الصلة بمفهوم الفصل والتوازن بين السلطات.
3- إن تعدد مراكز القوة في المجتمع واستمرار تفاعلها عبر المفاوضات
والمساومة في عملية صنع القرار يجعل من التسامح والتعايش بين الجماعات
المختلفة السبيل الأمثل في إدارة الصراع والتعامل السلمي لتحقيق مزايا
لكل الأطراف.
4- ومن أهم عناصر التعددية تطبيق مبدأ المحاسبة والمسؤولية على مستوى
الإدارة الحكومية انطلاقاً من مبدأ لا سلطة من دون مسؤولية ولا مسؤولية
من دون رقابة ومحاسبة وهذا ما يشكل ضماناً للحقوق وللمساواة.
5- ويرتكز مفهوم التعددية على اعتماد الحلول التدرجية والجزئية للمشكلات
بمعنى الابتعاد عن النهج الشامل أو المركزي لصانع القرار فالحل الأمثل هو
الحل القادر على تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة.
إن عناصر التعددية السياسية تبين مدى ارتباط هذا المفهوم بالديمقراطية
الليبرالية من حيث انتشار وتعدد مراكز السلطة والمشاركة السياسية،
وتعددية وفاعلية التنظيمات الوسطية، أحزاب، جماعات مصالح، منظمات مجتمع
مدني وغيرها، وهذا من شأنه أن يوفر قدراً اكبر لضمان المشاركة لمختلف
الجماعات الاثنية والعرقية وغيرها في العملية السياسية والتعبير عن
مصالحها في إطار «الوحدة في التنوع».
العلاقة بين النظام الشمولي بالتعددية
غير إنه يجب التأكيد على أن النظم التعددية ليست بالضرورة ديمقراطية،
فنظم الحكم الشمولية التي تتصف بالسيطرة الكاملة على المجتمع لا يمكنها
فرض هذه السيطرة إذا سمحت بوجود منظمات مستقلة تؤثر بدرجة معينة في
الحياة السياسية، إلاّ أن هذا لا ينفي من إمكانية وجود نظم تعددية ولكنها
ليست ديمقراطية، أما لأنها لا تسمح سوى لأقلية من المواطنين بالمشاركة
السياسية، أو إن الجماعات المهيمنة تستخدم قوة الدولة لتهميش الجماعات
الأخرى. مع ذلك فإن نظم الحكم الديمقراطية تعددية بالضرورة مهما اختلفت
درجة التعددية فيها.
وعلى العكس من «نظريات النخبة» تؤكد النظرية التعددية الليبرالية على
انتشار وتوزيع مصادر القوة بشكل غير متساو بين الجماعات وعدم تركزها في
جماعة معينة، كما تؤكد على قدرة كل الجماعات، حتى أضعفها، على التأثير
السياسي مما يجعلها مؤثرة وقادرة على جعل مصالحها ومطالبها محل اعتبار
واهتمام صناع القرار.
مشكلات التعددية
تعاني التعددية السياسية من مشكلتين: الأولى تتعلق بعدم أو ضعف المشاركة
من جانب بعض المواطنين في السياسة، والثانية تتعلق بكيفية التعامل مع
«المشاركة الزائدة»، وهو ما ترتب على اتساع نطاق المشاركة وزيادة التنافس
بين الجماعات المختلفة، وما ينتج عنها من عرقلة لصانعي القرار السياسي في
حالة الحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن مسألة معينة تتعارض بصددها المصالح.
وتسعى التعددية الليبرالية إلى حل يحقق التوازن بين هاتين المشكلتين عن
طريق إيجاد آليات مؤسسية وأنماط سلوكية سياسية ملائمة تسمح من ناحية
بتكوين جماعات أو نخب سياسية متنافسة تنتمي إلى مختلف الجماعات وتملك
القدرة على التأثير السياسي وفي نفس الوقت تسمح بتحقيق وتنسيق والضبط
اللازمين للمشاركة في إطار التعددية على المستوى المحلي والقومي.
نقد النظرية التعددية
واجهت النظرية التعددية الليبرالية العديد من الانتقادات في الفكر
السياسي الغربي المعاصر ولعل من أهم هذه الانتقادات ما يلي:
1- إن التعددية الليبرالية، كنظرية، افترضت قيام السياسة على التنوع
والتعدد على نحو يضمن التطور المستمر للحريات والديمقراطية الحافلة
بالاختيارات والقيم ومشاركة الأفراد والجماعات، لكنها لم تستطع أن تحدد
ماهية القيم والمبادئ السياسية التي تحكم العملية السياسية.
2- برغم استهداف التعددية الليبرالية تحقيق قدر أكبر من التنوع والتعدد،
إلاّ أنها لا تبتعد عن الأحادية. فلكونها قللت تعدد القيم إلى مجرد
الصراع على المصالح جعلت من نفسها قيمة عليا تعلو قيم المجتمع الأخرى.
3- إن التعددية الليبرالية لا تقدم تعايشاً سلمياً للقيم وإنما تكرس
الصراع كحتمية سياسية واجتماعية لأن التعددية تتحول من تشعب واختلاف في
المصالح والآراء إلى عدم تناسق ثم صراع من أجل الحصول على القوة اللازمة
للسيطرة على القيم، على الرغم من ادعائها القدرة على تقليل حدة الصراع
وعدم تصاعده من خلال الترتيبات المؤسسية.
4- إذا كانت التعددية الليبرالية ترفض وتنتقد الأحادية والشمولية والحكم
المطلق والمفاهيم الطبقية والمركزية، فهي تتجنب بيان هدف السياسة وتقتصر
في طرحها كونها أداة لإدارة الصراعات بين الجماعات والمصالح.
وهي بذلك تتهرب من مشكلة التفاوت الاجتماعي.
5- لهذا فإن التعددية الليبرالية تتناقض مع مبدأ المساواة ولا تهدف إلى
إقامة مجتمع المساواة كون ذلك يفترض التماثل بين الجماعات وهذا ما يتناقض
مع التنوع والتعدد الذي هو جوهر المفهوم التعددي الليبرالي.
6-برغم انتقاد التعددية الليبرالية لمفهوم النخبة فهي تخفي هذا المفهوم
النخبوي في طياتها. لأن أسس وآليات عمل التعددية الليبرالية لا تحقق
للمجتمع ديمقراطية حقيقية بقدر ما تحقق ديمقراطية نخبوية.
فمن خلال تركيزها على عملية إدارة تنظيم المنافسة والصراع بين الجماعات
والمصالح وفي إطار هذا التنظيم تجري عملية اتخاذ القرار والتي تتم بفضل
نشاط وتأثير بعض الجماعات النشطة «الأقلية» وبفضل عدم مبالاة «الأغلبية
الصامتة»، وبذلك تصبح السياسة وسيلة لإدارة الصراع وتختزل الديمقراطية
إلى مجموعة قواعد إجرائية.
ولهذا تختفي تحت الديمقراطية والتعددية «النخبوية».
وبناء على ما تقدم فإن التعددية الراديكالية تطرح نفسها مقابل التعددية
الليبرالية، فإذا كانت الأخيرة تركز اهتمامها على تعدد مراكز القوة
والتنافس بين الجماعات، فإن التعددية الراديكالية تهدف إلى تحقيق
المشاركة المباشرة والواسعة للمواطنين في صنع القرارات المؤثرة في
حياتهم.
وإذا كان محور اهتمام التعددية الليبرالية هو الجماعات وتعددها فإن محور
التعددية الراديكـالية هو الفرد إذ تركز على تحديد الآليات اللازمة
للمشاركة المباشرة وتسعى من خلال ذلك للقضاء على هرمية القوة والتفاعلات
المعقدة في الحياة المعاصرة عن طريق العودة إلى نمط فعال للديمقراطية
المباشرة القائمة على التمثيل المباشر والمشاركة في مجالات العمل
والحياة.
وأخيراً فإن التعددية الليبرالية، كونها نتاج التطـور الديمقراطي
الأميركي والغربي فإن ثمة محاذير عديدة تكشف محـاولة الاعتمـاد عليها
خارج نطـاق العالم الغربي وخصوصاً في البلدان النامية، ما لم يتم
تطـويرها كي تتلاءم مع واقع وطبيعة هذه البلدان ومجتمـعاتها.
عن: الصباح
|
|
|