|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
الثلاثاء: 30/09/2008
رؤية استشرافية لعلاقات العراق بمحيطه العربي
بين التجربة الماضوية والواقع الراهن
د.عبدالجبار احمد
نصت المادة(3) من الدستور العراقي لسنة
2005 على ان العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب وهو عضو مؤسس
وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها وهو جزء من العالم
الاسلامي، وهذه المادة الدستورية نتاج جدال طويل ونقاشات وسجالات محتدمة
حول ماهية المكانة المرجوة للعراق كدولة ضمن محيطه الاقليمي العربي ـ
الاسلامي او الاسلامي ـ العربي.
مؤشرات لابد منها
وعند الحديث عن علاقة العراق بالمحيط العربي.. يمكن تناول هذا الموضوع
حسب المفاصل الآتية:
1. هناك نوع من القصور والتقصير المتبادل ما بين العراق والدول العربية،
فالعراق ما زال معبأ بثقافة التشكيك بالمحيط العربي او في اقل تقدير ببعض
اجزاء هذا المحيط بحساب ان معظم الدول العربية قد ناصرت وايدت سياسات
مرحلة ما قبل نيسان 2003 ومشككة ومتلكئة في تأييد سياسات ما بعد نيسان
2003.
بالمقابل فان المحيط العربي او بعض اجزائه ما زال مشككا بالعملية
السياسية التي جرت بعد نيسان 2003 وبالحكومات الثلاث التي شكلت ابتداء من
حكومة الدكتور علاوي ومرورا بالسيد الجعفري وانتهاء بالسيد المالكي، وغير
متلهفة لتفعيل علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع العراق. وهذا القصور
والتقصير المتبادل لن يخدما ولن يدفعا لبناء علاقات عراقية ـ عربية على
وفق احترام المصالح المتبادلة.
2. هناك رؤية ضيقة واخرى متعصبة ما بين الطرفين، فالحكومة العراقية تعتقد
ان معظم الدول العربية مكبلة بالماضي وغير مدركة لمزايا الحاضر
الديمقراطي، والمحيط العربي ما زالت رؤيته ترتبط بالتعصب عبر النظر
لحكومة العراق بانها ما زالت غير معبرة عن او ممثلة لكل الشعب العراقي،
وهي الاخرى لا تؤمن بالحاضر بل الماضي او تمني عودة الماضي (وهو المستحيل
تاريخيا وسياسيا) او فشل الحاضر. وهنا نعتقد بان هاتين النظرتين لن تفسحا
المجال لامكانية بناء علاقات ودية على نمط العلاقات الموجودة في ارجاء
العالم.
كما ان ترجيح الرؤية الماضوية على حساب الرؤية المستقبلية لن يخدم مصالح
الطرفين، ولعل خير دليل على ذلك هو مثال التجربة الالمانية ـ الفرنسية.
3. ضمن هذا المفصل نشير الى مبدأ مهم واساسي وهو مبدأ الجغرافية الحاكمة
والسياسة المحكومة.
ففي اطار العلاقة ما بين الجغرافية والسياسة لا نستطيع ان نسلخ العراق من
جغرافيته التي ينتمي اليها، فالعراق ينتمي للمحيط العربي الاسلامي او
الاسلامي العربي ولا فرق عندنا بين الاثنين.
وتلعب الجغرافية والانتماء الجغرافي دورا مهما في تحديد سياسات العراق
(ولا ننسى هنا ان العراق يمتلك مقومات الاقليم ـ القاعدة الى جانب مصر)
ولذلك نعتقد انه من الوهم ان نجعل انتماء العراق عربيا من دون الانتماء
الاخر، ومن الوهم ايضا من يعتقد بامكانية ابعاد العراق عن المحيط العربي.
ولذلك من غير الجائز او من غير المنطقي ان تبتعد السياسات العراقية
والعربية عن معطيات الموقع الجغرافي واشتراطاته، لان السائد والحاكم هنا
هو الجغرافية والمحكوم هنا هو السياسة.
لكن في احيان اخرى واذا ما توافرت عناصر معينة واذا ما احسن توظيف هذه
العناصر فان السياسة ستكون هي الحاكمة والجغرافية هي المحكومة، وتجارب
الكويت مع العراق وتركيا مع الكرد في العراق، ولبنان وسوريا توضح ذلك.
ويتحقق مبدأ السياسة الحاكمة والجغرافية المحكومة عندما يتوافر للبلد
وللنظام السياسي صناع قرار يعملون على توظيف الجغرافية لصالح سياسات
ايجابية وبغض النظر عن كبر او صغر مساحة الدولة.
فالعراق على سبيل المثال هو من الدول المؤسسة للامم المتحدة برغم انه
بعيد جغرافيا عنها، وهو من الدول المؤسسة وبفعالية لجامعة الدول العربية،
وهو ضمن الوسط الجغرافي، كما هو عضو في منظمة المؤتمر الاسلامي وهو قريب
من بعض دوله وبعيد عن بعضها الاخر (اندونيسيا مثلا) واذا ما حسبنا مساحة
العراق في اطاره العربي لوجدنا انها اكبر اذا ما قيست بمساحة العراق في
اطاره الاسلامي (منظمة المؤتمر الاسلامي).
ما نريد قوله هنا ان السياسات الحكيمة والرشيدة والعقلانية هي السياسات
التي يحتاجها كل من العراق والدول العربية لبناء علاقة متكافئة ومتوازنة
من دون اغفال لاي من مصالح الطرفين.
4. توجد معادلة ينبغي على الطرفين ان يفكرا بها، الا وهي ان بناء علاقة
ودية وسليمة ما بينهما افضل بكثير من وجود علاقة متوترة حتى ان كانت مع
دولة عربية واحدة من دول المحيط العربي، فليس من صالح العراق ان يخسر دعم
اية دولة عربية سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا وحتى صحيا... الخ.. وكذلك الحال
فانه ليس من صالح الدول العربية ان تتعامل مع العراق بهاجس الريبة والشك
والطعون.
ولعل ما يشجع على بناء علاقات ودية، هو ان العراق جزء من المحيط العربي،
كما ان النظام العراقي الجديد يتسم بالدمقراطية وتوطيد علاقات متينة مع
محيطه العربي والاسلامي من جهة، ولكل الدول العربية مصالح مترابطة
ومتشابكة فيما بينها.
5ـ وعبر السياق التاريخي للعلاقات العراقية ـ العربية، نجد هناك بعض
المواقف المشجعة على تفعيل الاواصر المشتركة ما بينهم. وهنا نشير الى
المبادرة الاماراتية لايجاد مخرج للازمة العراقية قبل 19 / 3 / 2003،
وموقف رئيس الجماهيرية الليبية معمر القذافي من قضية الكرد في العراق،
وموقف القاهرة ـ عبدالناصر من قضية الكرد، وموقف سوريا والاردن في احتضان
بعض القيادات العراقية المعارضة في السابق والتي هي في الحكومة اليوم.
كل هذه من شأنها ان توجد بعض المحفزات على امكانية تفعيل العلاقات
العراقية ـ العربية.
6ـ تحتاج السياسة الخارجية العراقية الى تفعيل نشاطها الدبلوماسي العربي
عبر آليتين، الاولى الدبلوماسية الشعبية الغائبة والمغيبة، التي نعتقد
بامكانية ايجاد الكثير من الحلول لمشاكلها العالقة بين الطرفين، والقيام
بدور اساسي ومهم يتمثل في توضيح الصورة الحقيقية للعراق، ومن ثم خلق شعور
مشترك من الممكن ان يسهم في دفع الدول العربية الى ترميم علاقاتها مع
العراق واعادتها لمساراتها الطبيعية.وهنا نعتقد انه ليس من مصلحة المحيط
العربي اتهام العراق بكونه دولة تابعة الى س من الدول الاقليمية، كما هو
الحال ليس من مصلحة العراق اعادة طرح مواضيع سابقة حدثت قبل نيسان 2003،
بل من مصلحة العراق البحث عن مسارات جديدة تتجاوز فيها كل العقد
والتعقيدات.
7ـ من الضروري جدا ان تعتمد النخب السياسية العراقية مبدأ حصر خلافاتهم
وتنافساتهم وصراعاتهم السياسية داخل الاطار المحلي ـ العراقي، وعدم نقلها
الى اجندة المحيط الاقليمي الشرقي والغربي غير العربي المسلم والعربي
المسلم.
كما هو من الضروري ان تبتعد هذه النخب، نقصد بعضها، عن الارتباط بأية
ارتباطات، ما عدا تلك التي تفرضها اشتراطات العمل الوظيفي ـ الحكومي،
وذلك سعيا لايجاد علاقة عراقية ـ عراقية صحية ومتعافية والتي من شأنها
مساعدة الدول العربية على التعجيل بتحسين علاقاتها مع العراق، والعكس
ايضا صحيح، فان وجود علاقة عراقية- عراقية متوترة ومحملة بأعباء طائفية ـ
مذهبيةـ قومية ليس من شأنها تعطيل المحيط الاقليمي عن بناء علاقة متوازنة
حسب، بل ويسهم في تعطيل الاستقرار السياسي وجعل العراق ساحة من ساحات
تصفية الحسابات الاقليمية بدلا من ان يكون بوابة من بوابات التفاعل
والتعاون السلمي والحضاري.
8ـ واخيرا وفي ظل وجود تراكمات سلبية فان الحال يقتضي ما يأتي:
أ ـ العمل على تفعيل الزيارات المتبادلة التي من شأنها ان تقدم خدمة
حقيقية للعراق وللعراقيين وليس (خدمة للموفدين فحسب).
ب ـ العمل على تفعيل النشاط الثقافي المشترك وتوسيع مجالاته ودعمه
وابرازه اعلاميا، من خلال بوابة جامعة الدول العربية. وهنا يمكن ان تلعب
الجامعات العربية دورا اساسيا في استيعاب الكثير من الطلبة العراقيين في
اطار تبادل الزمالات الدراسية والبعثات.
ج ـ لابد من وجود تخطيط اعلامي فيه الكثير من سمات الضبط والتوجيه
وبالشكل الذي يخدم توجهات الحكومة العراقية وبشكل تكاملي.
د. ايجاد الحلول الحقيقية للعراقيين المتواجدين في الدول العربية. فهذه
الحلول من شأنها الاسهام في التقليل من موقف الدول العربية المتردد،
وتعزيز مكانة الحكومة العراقية.
هـ ـ السعي لعقد اتفاقيات جماعية وخاصة في مجال التعاون الوظيفي ـ
الاقتصادي وامكانية تأسيس شركة عراقية ـ عربية من شأنها ليس ايجاد
المصلحة الاقتصادية المشتركة فحسب بل وحل المشاكل بطرق بعيدة عن التشنج
والتوتر وبما يخدم الشعب العراقي وشعوب الدول العربية.
عن: الصباح
|
|
|