|
السبت: 27/09/2008
موقع العراق في الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة(2/2)
أ. د. إبراهيم خليل
العلاف
اعلان منطقتي حظر
الطيران العراقي وتأثيراتهما:
لقد تذرعت الولايات المتحدة الامريكية في نيسان 1991، عندما أعلنت منطقة
حظر الطيران شمال خط عرض 36 درجة بأنها تسعى الى خلق ملاذ آمن للسكان
العراقيين من الكورد النازحين الى تركيا من شمال البلاد في اعقاب قيام
الجيش العراقي بعملياته العسكرية هناك، وقد وضعت قوات امريكية وبريطانية
محمولة جوا في قاعدة أنجرليك التركية اول الامر باسم (قوات المطرقة) ثم
باسم (قوات مراقبة الشمال). كما اقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا بعد
ذلك على فرض حظر جوي في المنطقة الواقعة جنوب خط العرض 32 درجة (جنوبي
العراق) في 27 آب 1992. وقد بلغ مجموع الطلعات الجوية المسلحة التي
نفذتها الطائرات الامريكية والبريطانية منذ 17 كانون الاول 1998 وحتى
اواخر تشرين الثاني 2002 (44892) طلعة جوية مسلحة. وقد كان لفرض منطقتي
حظر الطيران العراقي في شمال البلاد وجنوبها اثر كبير في زعزعة استقرار
العراق، واضعافه وتهديد استقلاله وسلامته الاقليمية على الرغم من استمرار
احتجاج الحكومة العراقية السابقة على ذلك واعتبار منطقتي الحظر غير
شرعيتين.
كما استطاعت الولايات المتحدة استخدام اللجنة الخاصة المكلفة بمتابعة ملف
اسلحة الدمار الشامل العراقية في الحصول على المعلومات عن العراق وإثارة
ألازمات وخلق الذرائع للتدخل في شؤون العراق الداخلية وتهديد وحدته(33).
في 16/17 من كانون الاول 1998، شنت الولايات المتحدة الامريكية حملة
عسكرية على العراق استمرت اربعة ايام. كما صدر قرار من مجلس الامن برقم
1284 بضغط مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا نص على تشكيل لجنة باسم (لجنة
الرصد والتحقق والتفتيش(انموفيك) لتحل محل اللجنة الخاصة (اليونسكوم)
التي انشئت بموجب الفقرة 9 ب من القرار 687 (1991) ولكن بصلاحيات اوسع.
وفي القرار 1284 حددت مهمة (لجنة الانموفيك)، وابرزها انشاء نظام معزز
للرصيد والتحقق في وسائل نزع سلاح العراق. وقد استفادت الولايات المتحدة
من هذه اللجنة، كما قال سكوت ريتر، كبير المفتشين، في الحصول على معلومات
استخباراتية واسعة النطاق عن العراق(34).
لقد تحدث المسؤولون الامريكيون عن أن عام 1999، سيكون (عام الحسم) في
العراق، وعقدوا مع اعضاء في الكونغرس اجتماعات مع بعض قادة المعارضة
العراقية في الخارج قرب لندن وسموا منسقا امريكيا هو (فرانك ريتشارد دوني)
للاشراف على تلك الاجتماعات كما اقر الكونغرس قانون باسم قانون تحرير
العراق، وردد (روبرت بلليترو) يوم9 ايار 1999، وهو مساعد لوزير الخارجية
الامريكي آنذاك ((بان العراق يمثل في نواح معينة صورة مصغرة عن تحديات
السياسة الخارجية الامريكية للسنوات المقبلة، وهو تحد متعدد الاوجه
والجوانب في دولة ذات اطار جيوستراتيجي خطير بالنسبة للولايات المتحدة في
اعظم مناطق مصالحها على الاطلاق))(35).
كما دعمت الادارة الامريكية جهودها هذه من خلال رعاية المؤتمرات التي
عقدتها (احزاب المعارضة العراقية) ومنها على سبيل المثال، المؤتمر الذي
انعقد بين 29 تشرين الاول الى الاول من تشرين الثاني 1999 برعاية مادلين
اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية في نيويورك. وقال عضو الكونغرس
الامريكي (بوب كاري): ((ان سياسة احتواء العراق قد فشلت، واعترف بان
حكومته تعمل على تغيير نظام الحكم في العراق، والاتيان بنظام جديد))(36).
في ربيع سنة 2000 عقدت (المجموعة الرئاسية) الامريكية للدراسات، وهي
مجموعة تتألف من أعضاء في الحزبين الامريكيين الرئيسيين (الحزب الجمهوري
والحزب الديموقراطي)، وهم من رجال الدولة وكبار دبلوماسييها ومشرعيها
القانونيين وعلمائها ومثقفيها وخبرائها، وذلك لكي تنظر في حالة الشرق
الاوسط. وكان الجهد المنبثق عن هذا الاجتماع هو الرابع من نوعه تحت رعاية
(معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى). وقد وضعت دراسة بعنوان: ((السياسة
الامريكية في الشرق الاوسط)) قدمت الى الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش،
قبل احداث الحادي عشر من ايلول 2001. ومما جاء فيها ان هناك ثلاث مقومات
لردع الحرب الاقليمية لعل من ابرزها التأكيد على الشراكة الاستراتيجية
الامريكية ـ الاسرائيلية، والتعامل مع الدول العربية المؤيدة للغرب،
واخيرا ردع خصوم الولايات المتحدة وفي مقدمتهم: العراق الذي ينبغي ان
تفهم قيادته ((بان الولايات المتحدة قادرة على قيادة ردود الافعال
السياسية والعسكرية اذا حاول تهديد الاطراف الاقليمية او ابتزازها.. او
اذا استغل الاوضاع الراهنة لكي يحصل على مكاسب عسكرية في الشمال...)).
ويطلق التقرير على العراق وايران ((التهديدان الرئيسيان ضد المصالح
الامريكية في المنطقة)) وقال واضعو التقرير وابرزهم انطوني ليك، وجوزيف
ليبرمان، والكساندر هيغ وماكس كابلمان: ((ان افضل مطمح لمصالح الولايات
المتحدة ومصالح الشعبين في هذين البلدين (العراق وايران) هو التغيير
السياسي العميق.. ان التغيير في العراق سيحصل بشكل شبه مؤكد ولكن عن طريق
العنف... ولاضعاف النظام وجعله اقل مناعة، يتعين تطوير استراتيجية شاملة
ذات خطوات فعالة للضغط على نظام صدام حسين على عدة جبهات... ويتعين توضيح
التهديد الذي يمثله هذا النظام ضد المصالح الامريكية.. ويتوجب تنوير
الاصدقاء والحلفاء بخطورة التهديد العراقي.. ويمكن ان تكون مجموعات
المعارضة العراقية عنصرا اضافيا في احتواء صدام. وقد تساهم هذه المعارضة
في اسقاطه.. ويتوجب تزويد المعارضة بدعم مالي وعسكري واعلامي كاف.. بدءا
بالمعارضة الكوردية في الشمال..))(37).
وبعد احداث الحادي عشر من ايلول سنة 2001، حيث تعرضت مراكز القرار
الاقتصادي والعسكري والسياسي الامريكية الى ضربات شديدة من عناصر ما يسمى
فيما بعد (القاعدة) بقيادة اسامة بن لادن، ازدادت الادارة الامريكية
قناعة بضرورة التشديد على عزل العراق، وتغيير نظامه. وقد اشار الرئيس
الامريكي جورج دبليو بوش في خطابه الذي القاه امام الجمعية العامة للامم
المتحدة يوم 13 ايلول 2002، ((ان الامم المتحدة اذا لم تتحرك ضد العراق
فان امريكا مستعدة للتحرك فالعراق يمثل خطرا كبيرا على حياة الملايين من
البشر)) و((العراق يخفي معلومات مهمة عن برنامجه النووي)) و((العراق التف
على العقوبات، واشترى تقنية متقدمة واسلحة بالستية))(38).
في العاشر من تموز 2003 قدمت (مؤسسة رائد للدراسات) تقريرا وضعه (لوران
مورافيتش) المحلل الاستراتيجي فيها الى (هيئة السياسة الدفاعية في وزارة
الدفاع الامريكية)، ويتكون التقرير من اربع وعشرين نقطة خصصت لدراسة
الوضع في المنطقة العربية. ويخلص التقرير الى اقتراح ما يصفه بانه (الاستراتيجية
الكبرى للشرق الاوسط). ويقول التقرير بان (العراق هو المحور التكتيكي)،
و(السعودية هي المحور الاستراتيجي) و(مصر هي الجائزة). ولايقول كيف ولا
باية طريقة ولا متى، الا انه يرسم صورة قاتمة للاوضاع في العالم العربي
تدل، مما لايدع مجالا للشك، على ان الولايات المتحدة عازمة على اجراء
تغيرات جوهرية في المنطقة(39). وفي كانون الثاني 2003 وقف كولن باول وزير
خارجية الولايات المتحدة الاسبق امام مؤسسة التراث Hertiage Foundation
ليعلن عن (مبادرة الشراكة الامريكية مع الشرق الاوسط) US- Middle East
Partnership Initiative تتضمن قيام الولايات المتحدة بالمساعدة على اقرار
اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في بلدان الشرق الاوسط(40).
احتلال العراق في 9 نيسان 2003 ونتائجه:
بذلت الولايات المتحدة الامريكية قبل غزوها للعراق، والذي ابتدأ في 20
آذار 2003، واسقاط النظام السياسي القائم فيه في التاسع من نيسان 2003،
جهودا حثيثة في مجلس الامن للحصول على غطاء شرعي لما كانت تنوي فعله،
ولكنها فشلت فقررت خوض الحرب بدون ذلك وتحالفت مع بريطانيا وبعض الدول
الاخرى الموالية لها.
كانت خطة الحرب هي الجزء الثاني من خطة (عاصفة الصحراء التي طبقتها في
حرب الخليج الثانية 1991) . وقد اشار بوب وودوارد Bob woodward في كتابه:
(خطة الهجوم) Plan Attack الذي اصدره سنة 2004 الى ان الخطة مكتوبة في 20
صفحة بعنوان ((خطة العمليات 1003)) مضافا اليها 20 ملحقا مكونا من 600
صفحة تتضمن الامور اللوجستية والاستخبارات والعمليات البرية والجوية وقال:
انه بعد الحادي عشر من ايلول 2001، ربط الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش
بين (الارهاب) و(غزو العراق) واضاف: ((انه ليس من الضرورة ان نعثر اولا
نعثر في العراق على اسلحة الدمار الشامل.. لكننا نفهم طبيعة صدام حسين
وقدرته على ايذاء امريكا)) وذكر وود وارد ان كونداليزا رايز مستشارة
الامن القومي الامريكي السابقة وزيرة الخارجية الحالية، قالت انه ((بالرغم
من عدم العثور على اسلحة الدمار الشامل حتى اليوم في العراق، الا ان
النتائج على المدى الطويل في العراق، اكثر اهمية))... وكما قال الرئيس
بوش ((فاننا خلقنا عراقا حرا ديموقراطيا مزدهرا... وكانت الحملة على
العراق رائعة، اذ تم انجازها، كما قال بول ولفويتز، نائب وزير الدفاع
الامريكي الاسبق، باقل قدر من الخسائر البشرية الامريكية. كما ان الحرب
جرت دون تدخل اسرائيلي، ولم يتم استخدام اسلحة دمار شامل، ولم يحدث تدمير
لحقول النفط العراقية، ولم يحدث تدخل خارجي من قبل ايران او تركيا، ولم
تقع اضطرابات عرقية... هذا هو الجانب الايجابي من الحرب ضد العراق... ان
الحرية هي طموح انساني في العالم كله....))(41).
بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى وجدت الادارة الامريكية نفسها امام
مشكلتين اولاهما انها لم تكن تمتلك خطة واضحة تساعد في السيطرة على
الاوضاع في العراق خاصة بعد قرار سلطة الائتلاف Coalition Provision
Authority (CPA) التي شكلتها لادارة العراق برئاسة السفير بول برايمر، حل
الجيش العراقي والاجهزة الامنية والاستخباراتية وفتح الحدود العراقية على
مصراعيها. وقد ادى ذلك الى خلق حالة من الفوضى والارتباك وعدم الاستقرار
لانزال حتى كتابة هذه السطور نعيش تبعاته(42).
والمشكلة الثانية التي اصبحت تواجهها الولايات المتحدة في العراق، هي
انها صارت وجها لوجه امام عمليات مقاومة وطنية واسلامية (سلمية ومسلحة)
ليس من الممكن والسهولة اخضاعها لذلك اتجهت الى مجلس الامن، وتمكنت من
الحصول على القرار 1483(2003)، الذي عدها دولة محتلة تترتب عليها تبعات
وواجبات متعددة، ولعل في مقدمتها السعي باتجاه تشكيل سلطة او حكومة وطنية.
وفي 13 تموز 2003 اقدمت على تشكيل مجلس الحكم من ممثلي الاحزاب السياسية
العراقية التي كانت على صلة بها بشكل او بآخر قبل سقوط النظام السابق،
وهي حركة الوفاق الوطني وحزب المؤتمر الوطني العراقي، والمجلس الاعلى
للثورة الاسلامية، وحزب الدعوة الاسلامية والاتحاد الوطني الكردستاني
والحزب الشيوعي العراقي والحزب الديموقراطي الكردستاني والحزب الاسلامي
العراقي. وفي الاول من ايلول 2003، تشكلت الحكومة العراقية الانتقالية.
وفي 8 آذار 2004، اصدر مجلس الحكم (قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة
الانتقالية). وقد اكد القانون على ان المرحلة الانتقالية تبدأ في 30
حزيران 2004 وتنتهي عند تشكيل حكومة عراقية منتخبة بموجب دستور دائم وذلك
في موعد اقصاه 31 كانون الاول 2005(43).
صدر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 23 كانون الاول 2003
تقرير وضعه الخبير الاستراتيجي الامريكي (انطوني كورد سمان)، اشار الى
الاخطاء الكبيرة التي وقعت فيها الادارة الامريكية في العراق بعد
الاحتلال وابرزها (حل الجيش العراقي) و(الفشل في ايجاد توازن بين القوى
السياسية) و(التشجيع على مبدأ المحاصصة الطائفية) و(الفشل في ضبط الامن
وتحقيق الاستقرار) و (الفشل في ايجاد موازنات جديدة في العلاقات مع جيران
العراق تكفل عدم تهديدهم له او تدخلهم في شؤونه. واخيرا (عدم القدرة على
اعادة الاعمار) و(الفشل في تفعيل الخدمات الضرورية للمواطنين كالماء
والكهرباء والتعليم والصحة)(44).
كما نشرت مجلة (الشؤون الخارجية Forein Affaris) الامريكية في اعدادها
التي صدرت بين ايلول ـ تشرين الاول 2004 وتشرين الثاني ـ كانون الاول
2004، وكانون الثاني ـ شباط 2005، سلسلة دراسات كتبها اساتذة واكاديميين
امريكيين متخصصين بالشأن العراقي كشفوا فيها ما اطلقوا عليه (اخطاء
الادارة الامريكية في العراق) ومنها القرار بحل الجيش العراقي (مايس
2003). ومن ابرز الذين كتبوا هذه الدراسات (روبرت تكر) و (وديفيد هندرسون)
و(لاري دياموند).
لقد كشفت مجلة الاهرام العربي الاسبوعية المصرية في الرابع من حزيران
2005 عن انها حصلت على نص وثيقة امريكية سرية تتالف من(30) صفحة اطلق
عليها ((خريطة الطريق العراقية)) بشأن خروج القوات الامريكية من العراق
في نهاية السنة الحالية 2005. وقالت المجلة ان الخارطة تتضمن اربعة عناصر
تتمثل بـ (عقد مؤتمر مصارحة ومصالحة عراقية، وصياغة بروتوكول واتفاق
تفاهم شرف مشترك، وتبني مشروع مارشال عالمي لاعمار العراق، على ان تصبح
القوات العسكرية الموجودة الان في العراق تحت قيام الامم المتحدة وتتحول
الى قوات حفظ سلام). واوضحت الخطة انها تسمح بقدوم قوات عسكرية من دول
عربية واسلامية الى العراق لحفظ الامن وتدريب الشرطة والجيش العراقيين
لحين اتمام العملية السياسية، وكتابة الدستور الدائم. واشارت المجلة الى
ان الوثيقة وضعت من قبل ارفع الشخصيات والقيادات والتيارات السياسية
العراقية الحكومية فضلا عن الجماعات المعارضة والرافضة للاحتلال(46).
وقد بدأت تظهر في الكونغرس الامريكي دعوات للانسحاب من العراق ومواجهة
الخسائر التي باتت تعاني منها القوات الامريكية (اكثر من 1500 قتيل) كما
عقد الكونغرس جلسات استماع آخرها جلسة يوم 19 حزيران 2005 وتحدث فيها عدد
من المتخصصين بالشأن العراقي امثال الدكتورة فيب مار والدكتور نوح
فيلدمان والسيدة جودي فان رست والسناتور جوزيف بايدن. وقد تاكد في الجلسة
تنامي القناعة لدى المسؤولين الامريكيين بضرورة حل مشكلة العراق واشراك
كل اطياف المجتمع العراقي في العملية السياسية والابتعاد عن الدخول في
التفاصيل المثيرة للجدل والسعي باتجاه تاجيلها. وقد بدأت بعض المصادر
تتحدث عن محادثات بين مسؤولين دبلوماسيين ورجال استخبارات امريكيين من
جهة وبعض اطراف المقاومة العراقية للخروج من المأزق الحالي في
العراق(47).
خاتمة
بعد سقوط النظام السابق في العراق كشف تقرير مشترك لكل من وزارتي
الخارجية والدفاع الأمريكيتين، تم تقديمه الى الرئيس جورج دبليو بوش في
20 كانون الاول 2003 عن ((ان الولايات المتحدة لم تقم بغزو العراق كي
تنسحب منه، ولكنها ذهبت من اجل مصالح واهداف يجب ان تحققها)). واوصى
التقرير بعدد من الاجراءات لتحقيق هذه المصالح والاهداف واهمها وفقا لنص
ذلك التقرير ((ان تسهم الولايات المتحدة وبشكل مباشر في تحديد معالم
النظام السياسي المستقبلي في العراق بما يضمن وجود اصدقاء للولايات
المتحدة في مراكز مهمة في النظام السياسي المزمع اقامته، وعدم التسرع في
سحب القوات الامريكية من المدن قبل تأمين الاوضاع السياسية وقبل انتقال
هذه القوات الى قواعد عسكرية دائمة في العراق والتعامل مع هذه القواعد
العسكرية باعتبارها من اهم ضمانات النفوذ الامريكي في العراق والحيلولة
دون عودة العراق الى سابق عهده)) ومن هذه الاجراءات كذلك ربط العراق بعد
قيام الحكومة الدستورية بابرام سلسلة من الاتفاقيات تشمل الجوانب الامنية
والدفاعية وقضايا النفط وتحرير التجارة بين العراق والولايات المتحدة
وتوسيع السفارة الامريكية في بغداد بحث يصل عدد العاملين فيها الى مالا
يقل عن 3000 امريكي وفي اختصاصات امنية واستخباراتية(48).
وقد اتهم جورج كيري المرشح الديموقراطي الذي نافس بوش في انتخابات
الرئاسة الامريكية الاخيرة بوش بان يبعث برسائل خاطئة الى الشرق الاوسط
والعالم الاسلامي الذي يعتقد الان ان الولايات المتحدة تسعى لغزوه كله،
ودلل على ذلك باقدام واشنطن على بناء (14) قاعدة دائمة في العراق وقال
((اعتقد ان جزءا مهما من النجاح في العراق هو قدرتنا على اقناع العراقيين
والعالم العربي بان ليست لامريكا اية خطط طويلة ضدهم. وحسب فهمي ليس هذا
هو الوضع الحالي، فنحن نبني 14 قاعدة عسكرية هناك الان وبعض الناس يقولون
ان لها جانبا يجعلها دائمة...(49)
ومعنى هذا كله ان الولايات المتحدة بعد ان احتلت العراق، بدأت تعمل من
اجل تحويله الى مرتكز ومحور للتغيير في المنطقة كلها وتنفيذ (مشروع الشرق
الاوسط الكبير) الذي يعد الركيزة الاساسية في (المشروع الامبراطوري
الامريكي) كله. وقد اكد هذه المسألة المؤرخ الامريكي المعروف بول كنيدي
حينما اشار الى ان احتلال العراق قد ساعد الولايات المتحدة على اطالة
عمرها، وتنفيذ اهدافها ولمئة سنة قادمة(50). واكد ذلك احد المراقبين
الغربيين حينما شبه جورج دبليو بوش بالاسكندر الذي ما ان وضع يده على
العراق حتى بدأ في بناء امبراطوريته. وتذهب كوندليزا رايس وزيرة الخارجية
الامريكية هذا المذهب فتشير في مقال لها بعنوان ((تأملات في التحول
المنتظر بالشرق الاوسط)، نشرته صحيفة الواشنطن بوست في عددها الصادر
بتاريخ 7 آب 2005 فتقول: ((ان العراق، بعد حدوث التغيير الشامل فيه، يمكن
ان يصبح عنصرا اساسيا في منطقة الشرق الاوسط مثلما اصبحت المانيا العمود
الفقري لاوربا الموحدة الحرة))(51).
هل يتحقق هذا الذي تدعو اليه كونداليزا رايس في ضوء التطورات التي يشهدها
العراق حاليا حيث التضارب بين من يرى (ان العملية السياسية واقامة الدولة
الدستورية الفدرالية التعددية هي الحل لمشكلة العراق). وبين من يرى (ان
المقاومة المسلحة هي السبيل لتحقيق الاستقلال واجبار القوات الاجنبية على
الانسحاب من العراق) ففيما يتعلق بالحل الاول فان العملية السياسية قائمة
على قدم وساق، والاعداد للدستور، من قبل هيئة اعداد تضم كل تكوينات الشعب
العراقي، يسير في طريقه المرسوم له، وثمة تعجل امريكي لانجاز الدستور
يبدو واضحا وخاصة بعد الزيارة الاخيرة لوزير الدفاع الامريكي لبغداد
دونالد رامسفيلد، الاربعاء 27 تموز 2005.
ومما اكده رامسفيلد بعد اجتماعه مع الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء
العراقي وفي مؤتمر صحفي ((ان الوقت قد حان لتعزيز العملية السياسية وان
ثمة احتمال لانسحاب القوات الاجنبية المعروفة الان بـ (القوات متعددة
الجنسيات) في الربيع القادم. وقد اعلن جورج كايسي قائد القوات الامريكية
في العراق: ((ان تخفيض القوات الامريكية ممكن، اذا استمرت العملية
السياسية في السير على مسارها الايجابي، واذا استمر تطوير القوات الامنية)).
ومن جانبه قال الدكتور الجعفري ((انه من الضروري الا تتفاجأ الحكومة
العراقية بانسحاب قوات الاحتلال)) مشددا على ضرورة التنسيق مع الحكومة
لتهيئة الظروف المناسبة(52).
وتبقى القضية الصعبة الاخرى وهي الاسلوب الذي يمكن ان يستخدمه الامريكيون
لمواجهة (المقاومة المسلحة) في العراق. وهنا كشف مسؤول سابق في وزارة
الدفاع الامريكية وهو (الجنرال جاك كين)، بان: ((الولايات المتحدة لديها
صورة جيدة لقيادة المجموعات المسلحة، فيما لاتمتلك معلومات واضحة عن
الكوادر الوسطى والصغرى)).
واوضح كين في تجمع نظمه (معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى) ((نعرف من هم... ان القادة المسلحين يجتمعون معا ولقد سجلنا ذلك ليس فقط في العراق
وانما في الاردن وسوريا)). وتشكل ملاحظات كين اضاءة نادرة حول مدى
العمليات التي تقودها الولايات المتحدة ضد الجماعات المسلحة في العراق.
ونقلت صحيفة ((واشنطن تايمز)) عن كين قوله: ان الارقام عن قتل واعتقال
مجاميع من المسلمين زادت على ال(50) الفا خلال السبعة اشهر الاخيرة. وقد
سبق لكين ان قدم العراق مرتين بمنصبه العسكري ومرتين كمدني، وذلك لتقييم
التطورات الامنية بطلب من الجيش الامريكي. واوضح كين، انه ليس لديه علم
بحجم الجماعات المسلحة، لكنه استدرك انه على الرغم من الاف التحقيقات
التي اجريت، والتقارير التي رفعت، فان تكوين صورة واضحة عن تركيبة
الكوادر الوسطى لهذه الجماعات لم يعد ممكنا حتى الان.
واضاف كين ((ان المسلحين يعتقدون انه باستطاعتهم الحفاظ على المعدل
الحالي لوتيرة العنف لنحو 10 اعوام مقبلة))(53).
السؤال الذي يطرح نفسه الان، هو كيف سيتمكن العراقيون، من تكييف انفسهم
بطريقة تساعدهم في تحقيق اهدافهم المتمثلة بانسحاب القوات الاجنبية،
وتحقيق الاستقلال، واستكمال اعادة بناء الدولة والمجتمع وفق معايير
وطنية.. وفي حالة عجزهم او فشلهم في الاستجابة للمتغيرات الخطيرة التي
عصفت وتعصف ببلدهم فانهم سوف يتحملون وزرا وخطيئة لايمكن ان تغفرها لهم
الاجيال القادمة.. نأمل في ان يستطيع العراقيون، وهم شعب متحضر، وواع،
ويمتلك ارادة صلبة، تجاوز ماهم فيه وبأقل التضحيات.. لننتظر ونرى.
الهوامش والمصادر
ــــــــــ
(33) ابراهيم خليل العلاف، ((منطقتا حظر الطيران في العراق))، جريدة
الثورة، 4 كانون الاول 2002 وقد بلغ مجموع فرق التفتيش 397 فريقا
وزياراتها بلغت اكثر من (7) سبعة الاف زيارة شارك فيها(3200) مفتش. انظر:
ابراهيم خليل العلاف، ((مسؤولية مجلس الامن في رفع الحصار عن العراق))،
جريدة الثورة 1 تشرين الاول 2000
(34) ابراهيم خليل العلاف، ((القرار 1284 والصلة الاستخبارية الامريكية
والاسرائيلية باللجنة الخاصة))، جريدة الثورة 12 كانون الثاني 2000
(35) جريدة الثورة، 31 تشرين الاول 2002
(36) ابراهيم خليل العلاف، القرار 1284...))، جريدة الثورة 12 كانون
الثاني 2000
(37) انظر : السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، تقرير قدمته المجموعة
الرئاسية للدراسات، ترجمة فريدون كاكه ي، مراجعة يوسف كوران، مركز
كردستان للدراسات الاستراتيجية، (السليمانية، 2002) ص ص 5 ـ 19
(38) جريدة الثورة 13 تشرين الثاني 2002
(39) انظر: فاروق البربير، ((عن ازمة العالم العربي وتقرير راند كور
بوريشن))، مجلة تاريخ العرب والعالم، السنة (22)،العدد (20) تشرين الثاني
ـ كانون الاول 2002، ص ص 3 ـ 5
(40) ابراهيم خليل العلاف، ((الولايات المتحدة الامريكية ومحاولة (اقلمة)
و(تدويل) قضية الامن في العراق))، بحث مقدم الى مركز الدراسات الاقليمية
بجامعة الموصل آذار 2005، ص ص 1 ـ 2
(41) للتفاصيل انظر: مجلة المصور (القاهرية)، العدد 4152، 7 مايو، ايار
2004، ص ص 34 ـ 36، وقد تصاعدت اللهجة الامريكية المتشددة تجاه العراق في
الفترة الثانية مباشرة لهجمات سبتمبر / ايلول 2001، انظر: جمال عبد
الجواد ((السياسة تجاه العراق: تشدد يميني وهوس امني)) مجلة السياسة
الدولية، اكتوبر / تشرين الاول 2002
(42) ابراهيم خليل العلاف، ((خارطة الاحزاب السياسية الجديدة في العراق
والاستعداد لانتخابات سنة 2005))، نشرة (متابعات اقليمية) يصدرها مركز
الدراسات الاقليمية، جامعة الموصل، العدد (11) تشرين الاول 2004، ص ص 7 ـ
23
(43) المصدر نفسه
(44) قامت جريدة الصباح (البغدادية) بعددها الصادر في 26 كانون
الثاني2005 بترجمة التقرير بعنوان ((اخطاء الادارة الامريكية))
(45) جريدة العربي (القاهرية)، 16 يناير ـ كانون الثاني 2005 وكذلك انظر:
آن سكوت تايسون، ((المسؤولون الامريكيون يعترفون بارتكاب اخطاء في
العراق))، جريدة واشنطن بوست ترجمتها جريدة المواطن (البغدادية) في عددها
الصادر يوم 24 تموز2005
(46) انظر : مهدي مصطفى، ((الخروج الامريكي))، مجلة الاهرام العربي،
(لسنة (123)، العدد 428، 4 يونيو / حزيران 2005
(47) قناة الحرة الفضائية، مساء 19 تموز 2005 (انصات خاص بالباحث)
(48) ابراهيم خليل العلاف، الولايات المتحدة الامريكية ومحاولة (اقلمة)
و(تدويل) وضع الامن في العراق، مصدر ورد ذكره اعلاه
(49) جريدة الشرق الاوسط (اللندنية)، 2 تشرين الاول 2004وكذلك انظر:
محمود خليل،((اعادة نشر القوات الامريكية في الشرق الاوسط))، مجلة
السياسة الدولية، القاهرة، يوليو/ تموز 2004
(50) للتفاصيل انظر مقابلة احمد منصور مع بول كيندي، ابرز المؤرخين
الامريكيين، قناة الجزيرة الفضائية، تاريخ الحلقة 26 تشرين الثاني 2003
(51) انظر: جريدة الزمان 28 آب 2003
(52) شبكة المعلومات العربية (محيط)، 27 تموز 2005 ص1
(53) المصدر نفسه، ص ص 1 ـ 2.
عن مجلة علوم
انسانية
|