|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
السبت: 23/08/2008
ثقافة رهن الارتزاق!!
سهيل أحمد بهجت
ليس
في الإمكان بناء مجتمع حر بدون تثقيف أبناء وبنات هذا المجتمع، والثقافة
هنا ليست كم المعلومات كما يتبادر إلى الذهن من أن المثقف هو ذلك الذي
«يحفظ» الكثير من الكتب والمعلومات، وإنما نقصد بالثقافة نوعية الوعي
والمنطق الفكري الذي يجب تنشئة الفرد عليه حتى يكون جاهزا ـ بنوع ثقافته
قبل الكم والحجم ـ لمواجهة تحديات الطبيعة الاجتماعية وشؤون السياسة
بعيدا عن الخوف والجبن الفكري والنفسي.
فالإنسان الشرقي، ومنه العراقي منتم إلى هذه الثقافة، يخاف من التفكير
وطرح الأسئلة، ونتيجة لهذه العقلية التي ترى التفكير جزءا من (الحلال
والحرام) فإن هذا العقل يكاد يكون عاجزا عن الابداع، لأن كل شيء بات جزءا
من المحرمات، فالرسم والمسرح والموسيقى والرقص والفنون بأنواعها
والفلسفات والنظريات أصبحت كلها ضمن قالب الحرام الذي طغى على أي فرصة
للإصلاح.
ونحن هنا لا يمكن لنا أن نلقي باللوم في تخلفنا ومعاناتنا على المواطن
البسيط ـ رغم أهمية هذا المواطن في التغيير ـ بقدر ما نضع اللوم على
الطبقة المثقفة التي تريد الارتزاق عبر الثقافة والمعلومة، رغم أن
الاستفادة المادية من الثقافة هو أساس كل مجتمع متطور، لكن الارتزاق على
طريقة العبيد وتحصيل ما يراه هؤلاء «لقمة عيش»!! عبر استخدام الاطلاع
وكسب المعلومة لصالح تجار السياسة ومروجي بضاعتهم الكاسدة، هذا الأمر
يبدو لي أنه أحد أهم أسباب فقدان أي دور للمثقفين أو لنقل ندرته في
التغيير المفترض، فالثقافة هنا ليست لها هوية بقدر ما هي «كفاءة» تمكن
صاحبها من جني المال وتوفير دخل للمثقف وعائلته، وهذا ما يمكنني من أن
أُشكك في كونه ثقافة.
في الدول الغربية نجح المثقفون ـ بعد سقوط القومية مع هتلر ـ في خلق عقل
يستخدم الثقافة كغاية ووسيلة في آن واحد، وقد يستغرب البعض كيف يمكن
للثقافة أن تكون غاية ووسيلة في الوقت نفسه، لكن الموضوع ليس بهذا
التعقيد المنطقي بقدر ما هو شبكة علاقات نستطيع عبرها أن نفهم هذه
الإشكالية، فالمثقف الغربي يضع أمامه قبل كل شيء كلمة هي من أقدس مقدساته
ألا وهي «الحرية» كشرط أساس لتعريف ماهيته كـ«مثقف» وثانيا كي يستطيع
أداء واجباته الثقافية التي تتطلب كمّا هائلا من المال والحياة المريحة
التي تتيح له أسباب التفكير وأدوات البحث التي تكلف أموالا طائلة،
فالمثقف هناك في الغرب ممنوع عليه «عبر العقل الاجتماعي وليس المنع
البوليسي» أن يكون تابعا لحزب، كونه سيفقد صفة المثقف = الباحث الحيادي،
أوتوماتيكيا، بمجرد أنه تبنى وجهة نظر محددة تناقض كونه كائنا مفكرا حرا.
والنظام السياسي الغربي هو الذي يتيح للمثقف «والمثقف هو أيضا من منتجي
هذا النظام» أن يفكر بحرية لأن المطلوب منه أن يعرف الكون والعالم كما هو
بأدق موضوعية ممكنة، بينما نحن العراقيون «ونحن جزء من الشرق» نريد من
مثقفنا أن يصور لنا الكون والعالم كما نريد وبما يتناسب ونرجسيتنا
المتقيحة كأحزاب أيديولوجية تريد من المثقف أن يكون أداة من ضمن أدوات
للهيمنة على السلطة.
وهذا بالتأكيد يظهر بمظهر المثقف وهو في الوقت ذاته نقيض الثقافة،
فالثقافة إبداع وخلق لجديد، بينما ثقافتنا اجترار وتكرار للبالي والقديم،
وتضخيم صورنا البلاغية وجمالية الخطاب دون معالجة الواقع القبيح والمؤلم.
ومنذ أمد طويل كنت أحتقر «المثقف الحزبي» والذي لا أراه إلا نقيضا للمثقف
وأنه من جملة الأشياء التي نطلق عليها اسم الضد، كأن نسمي القبيح «جميلا»
أو المنافق «صريحا»، فلا وجود للمثقف الحزبي إلا بمقدار ما يكون هذا
الحزبي ناقدا لحزبه إلى درجة أن يكون مستعدا لفضح أي انحراف في حزبه وذلك
لمصلحة عامة الشعب والمواطنين.
لا زال مجتمعنا ينظر ويترقب بحذر تطبيق المفاهيم من حرية وحريات فردية،
وطبعا لرجال الدين ومتنفذين مستفيدين من العقل القومجي المتحجر دور في
الإبقاء على هذه المواقف، مثيرين موجة من الرعب تجاه الحرية وأنها تعني
انهيار المنظومة الخلقية والدينية، والحقيقة هي أن هذه المخاوف هي التي
تبقي الأزمة الدينية والفكرية وسائر الأزمات مستمرة، لأن الحرية هي وحدها
الكفيلة بمعالجة كل هذه الأزمات وخلق مثقف حقيقي يخدم المجتمع.
عن: عراق الغد
|
|
|