|
السبت: 16/08/2008
اغتراب الشباب في أحضان الوطن
الدكتور/ حسن المحمداوي(*)
أن
متطلبات الحياة المعاصرة الحديثة تلقي بضلالها على مستوى الطموح والرغبات
بالنسبة للفرد بشكل عام وهي آخذة بالتعقيد شيئاً فشيئاً وهذا ما يؤدي الى
إفتقار الفرد الى حالة الاستقرار النفسي والذي ينعكس سلباً على شعوره
بالأمان والأطمئنان الأمر الذي يكون بالنتيجة حافزاً يدفع المؤسسات
التربوية والتعليمية وخاصة في الدول المتطورة الى البحث والتقصي في هذه
المتغيرات من أجل مساعدة الفرد الى إيجاد حالة من التكيف والتوافق مع
الأوضاع الجديدة التي يمر بها ويخبرها.
ان العلماء والباحثين يهتمون كثيراً بدراسة وتفحص الأزمات الأنسانية في
المجتمعات الحديثة ويعولون وبشكل جاد على هذه الدراسات في صياغة المبادئ
والقوانين التي تعضد السلوك الإنساني وتقومه من أجل الوصول بالإنسان الى
التمتع بحياة خالية من الاضطرابات النفسية وصولاً الى مستوى مناسب من
الصحة النفسية، وعادة ما يربط العلماء والباحثين الأزمات الإنسانية
باغتراب الشخصية والعمل جهد الإمكان للتقليل من مشاعر
الاغتراب(Alienation)عند الفرد من أجل أن يتفهم ذاته ويتعايش معها بشكل
إيجابي، حيث يذكر فروم (Fromm,1964) بأن تطور الجنس البشري يتوقف على
درجة وعي الفرد بنفسه وبانفصاله كنفسِِ مستقلة عن الروابط التقليدية ومدى
تطوره في عمله، وأن الاغتراب في رأيه يمثل نمط من التجربة التي يعيش فيها
الإنسان نفسه كغريب بحيث لم يعد الإنسان كمركز لعالمه أو كخالق لأفعاله،
بل أن أفعاله ونتائجها تصبح بمثابة سادته الذين يطيعهم أو الذين حتى قد
يعبدهم.
الحقيقة أنا لا أرغب هنا في الخوض والتعمق في مفهوم الاغتراب من حيث
نشأته وتعاريفه ومجالاته وتفسيراته ولكنني أحب أن أسلط الضوء على اغتراب
فئة الشباب في العراق وماهية اسبابها ومواصفاتها ونواتجها وكيفية التصدي
لها، هذه الفئة العمرية التي عانت ما عانت من ظلم القوانين الجائرة ومن
جهل المؤسسات التربوية المقصود لها ومن الإهمال المدقع في تلبية أبسط
متطلباتها ومن جور السياسات المتعاقبة عليها وما نحن عليه الآن، هذه
الفئة التي يعول عليها في البناء والتقدم والازدهار والتي أن سلمت سلم ما
سواها وأن انتكست انعكست هذه الانتكاسات بشكل سلبي على حياة البلد وأمنه
وتطوره وتطلعاته ومن هنا ينبغي التعامل مع هذه الفئة والتي تشكل القلب
النابض للوطن بكل حذر وعلمية وموضوعية من حيث أننا نتعامل مع كائن أنساني
له كوامنه وخفاياه وميوله واتجاهاته.
كلنا يعلم الا الذين في قلوبهم مرض أننا قد ورثنا من السياسات الجائرة
السابقة جيلاً قد تغذى وتنشأ على تربية اللإنتماء والاغتراب وعلى كافة
الأصعدة والميادين لأن المناخات التي كانت سائده تدفع وبشكل واضح الى
تبني مثل هذه المشاعر والسلوكيات سواء على الصعيد النفسي او الأسري أو
الاجتماعي أو الثقافي وبهذا فأن مشاعر الاغتراب تتلبس الفرد نتيجة للضغوط
الداخلية التي يتعرض لها وللقوانين المتعسفة التي يتعايش معها وللحرمان
وعدم الكفاية التي يعاني منها وللتسلط الدائم الذي يستعبده ويفقده هويته
وذاته، حيث يعلق فروم في هذا الصدد قائلاً: بأن من أسباب اغتراب الفرد
يعود الى طبيعة المجتمع وسيطرة السلطة وهيمنة القيم والاتجاهات والأفكار
التسلطية، فحيث تكون السلطة وعشق القوة يكون الاغتراب، والحمد لله رب
العالمين الذي لا يحمد على مكروه سواه، بأن جميع أحزابنا التي كانت في
سبات زمن الطاغية أقول جميعها تعبد السلطة وتعشق القوة وتمني الشباب بما
يدغدغ مشاعرهم ولكنهم عندما يجلسوا على الكراسي ينسون حتى زوجاتهم
أنتشاءاً بسحر السلطة والقوة تاركين ما وعدوه وراء ظهورهم ومنتشين
بالتخمة الزائلة، ورحم الله ابو الطيب المتنبي حين يقول:
|
أين الذي الهرمان من بنيانه |
|
ما يومـهُ ما قومـهُ ما المصـرعُ |
| تتخلف الأثار عن أصحابها دهراً |
|
ويدركها البلاء فتصرعُ |
أننا
نواجه اليوم شباباً مغترباً بكل ما يحمله هذا المفهوم من معنى وأن هذا
الاغتراب لدى هذه الفئة المهمة في المجتمع هو من العوامل التي تنبأ بعجز
الفرد للوصول الى مستوى مناسب من التوافق النفسي والاجتماعي والذي يدفع
الفرد الى تبني السلوكيات السيئة والإصابة بالعديد من الأمراض النفسية
والاجتماعية والتي تتمثل بإدمان المخدرات والعنف والتطرف وغيرها الكثير،
وهذا ما نلمسه واقعاً عند شبابنا اليوم في العراق.
أن غياب دور المؤسسات التربوية والإرشادية العلاجية للتصدي لإفرازات
الاغتراب وتأثيراتها على بناء شخصية الفرد في العراق يؤدي هذا بالنتيجة
الى تكون مجتمع من الشباب المغترب عن نفسه وذاته، بحيث يعيش ذاته كشيء
غريب عنه منفصلاً منه وهذا يعني الأخفاق في تكوين ذاته الأصيلة ويعيش
بذات زائفة مغتربة عن نفسها وعن وجودها الإنساني، بمعنى آخر أن الشباب في
العراق يعاني من أزمة الهوية والتي يعبر عنها أريكسون (Erikson) الأزمة
الأساسية التي يمر بها المراهق وهو ينتقل من مرحلة الاعتمادية الطفولية
الى استقلالية الكبار، وأن هذا الفقد للهوية يعمل كمعول لتهديم الذات
بحيث يصبح الفرد متسماً بالآمعة أو عدم الاستقلالية ويصبح في نهاية
المطاف مجرد نسخة بلا أسم هو الناس، حيث يصفه هيدجر(Heidegger,1962)
بقوله: أن الفرد يفعل كما يفعل الناس ويقيس الأمور بمقياس الناس ناسياً
وجوده الحق أو غير مدرك له في خضم حياته العادية واهتماماته اليومية وفي
ذلك يتجلى معنى السقوط، أو كما تصفه هورني (Horney)، بأن هذا الفرد يكون
مبعدا عن ذاته فاقداً للشعور بانه قوة حاسمة في حياته ومثل هذا الفرد
يشعر بالخجل من مشاعره وموارده وأنشطته وبذلك يتحول الى الشعور بكراهية
الذات ويصبح متخلي عن ذاته منفي عنها منفصل منها مقضي عليها محاصرة
ومحبطة. وهنا تتجسد مشاعر الاغتراب لدى الفرد بمثابة شخص يتولى مهامه
ويكون بالنسبة اليه كظله وأن هذه المشاعر تكون بمثابة السمات التي تستخدم
لكراهية الذات والآخرين والابتعاد عنهم، بالإضافة الى ذلك فإنهم يعيشون
حالة من الاغتراب عن المجتمع والذي تتجسد بعدم الشعور بالانتماء أو الحرص
على ممتلكاته العامة وهذا يتأتى أساساً ونتيجة من الهيكل السياسي
والاقتصادي الذي يسود البلد والذي يزخر بالفساد من رأسه حتى أخمص القدمين.
ان وقوع الشباب في شباك الاغتراب أمر في غاية الخطورة والذي ينبغي التنبه
له وعدم تجاهله رغم جهل مجتمعاتنا المتخلفة والتي لا تزال تبحث عن لقمة
العيش وجرعة الدواء أي انها لا تزال تراوح في السلم الأول لهرم
ماسلو(Maslow) في تحقيق الذات ولا يزال أولي الأمر منا منشغلين في ذواتهم
ومتفننين في الحفاظ على كراسيهم وسلطانهم الزائل دونما أن ينظروا الى فئة
الشباب ومعاناتهم التي لا تبرح عنهم ما دامت الحياة في هذا الشرق المتدني.
أن يعيش الشباب حياة الاغتراب في وطنهم لطامة كبرى ومعضلة كبيرة لا يمكن
أن تحل أو تعالج بمجرد الكلام والتنظير دون الفعل والعمل، ذلك أ ن
الاغتراب يؤدي بالشباب وكما يقول أولمان (Ollman,1971) الى تبني الأفكار
الوهمية مع ضعف الطاقة العقلية بالإضافة الى الجمود العقلي والجهل وكذلك
الى الحماقة والبلاهة والقنوط.
أننا عندما نتحدث عن اغتراب الشباب فاننا نصف السمات والخصائص التي تطغي
على تصرفاتهم وسلوكياتهم في الوطن هذه السمات التي يقرها كل من كتب عن
هذا المفهوم بشكل عام والتي تتمثل بالعجز (Powerlessness) وعدم القدرة أو
السيطرة على الأحداث وبالتالي عدم التفاعل والتأثير في المواقف
الاجتماعية التي يتعرض لها، أي أن الفرد يكون عاجزاً عن السيطرة على
تصرفاته وأفعاله ورغباته وغير قادر على تقرير مصيره، بالإضافة الى شعوره
بالفقد للموجه أو المرشد فيما يتعلق بسلوكه وتصرفاته حتى تطغي سمة اللا
معنى (Meaninglessness) على سلوكه وتصرفاته ويرى بأن الحياة خالية من
المعنى وهي تسير وفق منطق غير معقول وهذا ما يدفعه للعيش فيها غير مبالي
وفاقد للواقعية الحياتية وعدم رغبته في الوجود فيها أصلاً، ولا ننسى
هيمنة السلوك اللامعياري (Normlessness) عند الشباب المغترب وتجاهل
المعايير والقيم الاجتماعية والأخلاقية بحيث أن الفرد يشرع لنفسه الوسائل
والسبل غير الشرعية من أجل انجاز الأهداف التي يبتغيها وأن تضاربت
وتعارضت مع الأعراف والعادات والتقاليد السائدة، وهذا يعني اهتزاز القيم
والمعايير داخل المجتمع بالإضافة الى الانهيار الذي يلحق بالبناء
الاجتماعي وأتساع الهوة بين أهداف المجتمع وقدرة الفرد للوصول اليها مما
يؤدي الى استحسان المعاني والمقاصد الغير مرغوب فيها اجتماعياً لتحقيق
الأهداف، وهذا يعني بأن السلوكيات والتصرفات لم يعد لها ضوابط معيارية
بحيث يصبح الخطأ صواباً وما كان صواب أصبح ينظر اليه باعتباره خطأ من
منطلق إضفاء صبغة الشرعية على المصلحة الذاتية وحجبها عن معايير وقواعد
وقوانين المجتمع.
ان اغتراب الشباب في بلد الأم يعني إحساسهم باللوعة والإقصاء والرفض
كنقيض للارتياح والاطمئنان والقبول الاجتماعي أو ما يمكن تسميته بالعزلة
الاجتماعية (Social Isolation)، وهذا ما يشعرهم بالوحدة والفراغ النفسي
والافتقاد الى الأمن والعلاقات الاجتماعية الحميمة والمسؤلة والتي
نفتقدها للأسف الشديد منذ زمن طويل بحكم الفلسفات التربوية والأديولوجيات
السياسية المستبدة والتي قتلت روح الإنسانية والرحمة فينا، كل هذه
العوامل أدت الى انعزال الشباب عن الأهداف الحقيقة للمجتمع والذي أدى الى
إقصاء الفرد من المشاركة في الفعاليات الاجتماعية وشعوره باليأس الدائم
وعدم الانتماء مما ولد لديه كراهية لقيم المجتمع ومبادئه الأمر الذي
يدفعه الى تبني أفكار ومعايير هدامة ومخالفة للعقل والمنطق والتقاليد
الاجتماعية، وهذا ما تشير اليه السويديه جوليا كرستيفا (Kristeva,1997)
من أن الفرد المغترب هو ذلك اللأمنتمي الى احد المجاميع والذي لا يشكل
جزء من المجموعة وغالباً ما يكون تركيزه متعلق فقط بالجوانب والدوافع
السلبية التي تمثل الاغتراب.
ان مخاطر اغتراب الشباب كثيرة وكبيره ولا يمكن حلها بكتابة مقال عنها دون
توفر النوايا السليمة للعمل من أجل تخفيفها والقضاء عليها ونحن اليوم
بأشد الحاجة الى طاقات شبابنا الخيرة والمبدعة ولكننا في ذات الوقت
عاجزين عن تقديم الحلول الناجعة والتي من شأنها أن تنتشلهم من براثين
الاغتراب وويلاته ودماره وحلولنا تأتي كمن يذر العين بالرماد بالرغم من
إمكانية البلد وثرواته ولكن الذين يعيثون بالأرض فساداً أهم أكثر دائماً
وعلى مر العصور من الخيرين في الأرض، أننا بحاجة ماسة اليوم للعمل من أجل
استغلال طاقات وإمكانات الشباب وتهيئة البرامح التي تكفل إيجاد حالة من
الكفاية لهم وإشباع جزء يسير من حاجاتهم الأساسية من أجل تعزيز ذاتهم
وإصلاح ما تصدع في نفوسهم.
هناك العديد من الدراسات التي تغفلها مجتمعاتنا المتخلفة والتي لا تعير
الاهتمام اليها لانها أبعد ما تكون عنها وأقرب ما تكون لخرافات وعاظ
السلاطين المملة بالأوهام والسطحية الفارغة وعدم الشعور بالمسؤولية، فبدل
من التفكر بنتائج هذه الدراسات والعمل يتوصياتها ومقترحاتها يكون التوجه
منصباً نحو ما تنتجه العقول البالية والفارغة من العلم والمنطق لذا نرى
حشداً كبيراً من فئة الشباب في عراق اليوم يلهث وراء بعض الأديولوجيات
الزائفة وبعض العمائم المتهرئة والتي تعشعش الشياطين فيها والتي تصب
جميعاً لهدر الدم وانتهاك حرمة الإنسان الذي كرمه الله بأن جعله خليفة في
الأرض، أقول أن العديد من الدراسات والبحوث النفسية والاجتماعية تؤكد بأن
هناك علاقة موجبة قوية بين الاغتراب والسلوك العدواني وسلوكيات أخرى
كالميل الى إدمان المخدرات وما يصاحبه من اضطرابات انفعالية وسلوكية
كبيرة وهذا ما تؤكده دراسة كل من جواين نتلر(Nettler,1957) وماكلوسكي (McClosky
, 1956) وكلارك (Clark, 1973) ورايموند و آدم جان (Raymond & Adam, 1990)
وغيرهم الكثير بالاضافة الى دراسة صاحب المقال (2007) والتي تؤكد على أن
أعمار الشباب والمراهقة هم من أكثر الفئات العمرية عرضة للشعور بالاغتراب
ومظاهره المتعددة والتي تكمن في العجز والتمرد اللاعقلاني واللامعيارية
والعزلة وهم أكثر شعوراً نتيجة لذلك بعدم الانتماء وتحقير الذات وعدم
التوافق النفسي والاجتماعي، ومن هنا ينبغي الانتباه لهذه الأمور وتهيئة
الأجواء والمناخات التي من شأنها العمل ضد مشاعر الاغتراب وتحصين الشباب
من الوقوع فيها.
ليس بوسعنا شئ غير أن نلفت انتباه القائمين على الدولة في العراق
ونستصرخهم عسى أن يكون هناك حياء لمن تنادي بأن ينظروا بعين من الرأفة
والجدية الى هذه الفئة التي تمثل روح الأمة وحياتها وتوظيف بعض عائدات
البترول لخدمة هذه الفئة وأن لا تكون هذه الثروات وبال علينا وسبب في
العوز والانحراف لتربص المتربصين والذئاب ورحم الله الشاعر السياب في
ملحمة المومس العمياء حين يقول:
ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعين
سهاد مقلتك الضريرة
ثمناً لملء يديك زيتاً من منابعه الغزيرة؟
كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
ولكي نمزق شباك الاغتراب ونحصن الشباب من الوقوع فيها، علينا العمل
لتهيئة فرص العمل لهذه الطاقات الهائلة من أجل تصريفها بالبناء والإنتاج
بدل الإرهاب والقتل والعدوان، وأعتقد ان بلد مثل العراق أن تواجدت فيه
الضمائر السليمة واليقظة والنفوس الأبية التي تستشعر مسؤوليتها اتجاه
البناء الآدمي قبل الحضاري، فبناء بيت في نفوس الشباب وتعميره بحب الذات
والوطن لهو خير الف مرة من بناء مقرات وجوامع ومساجد وخاصة تلك التي تعبق
منها ريح التفرقة الطائفية وإباحة دماء الناس، ان الله جلت قدرته يريد
بناء الإنسان أولاً وكهدف أسمى لإشاعة الحب والمودة والإخاء بين الناس
جميعاً، وهنا ينبغي على أولي الأمر أن يخجلوا مما يعانيه شبابنا في
العراق وأن يصفوا النية من أجل انقاذ ما يمكن إنقاذه والا ستكون العاقبة
وخيمة ومؤلمة أن ظل الحال كما هو عليه، وليكن شعارنا جميعاً بناء الإنسان
وإشباع حاجاته كفيل بعزة الوطن وشموخه واستقراره.
(*) أستاذ جامعي وباحث سايكلوجي.
عن: المرصد العراقي
|