الحضارية «قراءات ومتابعات»

الاربعاء: 06/08/2008


الأزمة تضع كركوك على حافة حرب
واستحقاقات «التأجيل» تكشف «هشاشة» التوافقات

مشرق عباس ـ بغداد

مشهد عام لمدينة كركوك
لم تكن مصادفة ان تقف كركوك على حافة الهاوية وتضع العراق مجدداً أمام خيار الحرب الأهلية، وعلى رغم ان كركوك ليست في الواقع جوهر الأزمة العراقية إلا أنها تمثل استحقاقاً اكثر تحديداً لسياسات «التأجيل» و«الترحيل» التي حاولت الأوساط السياسية العراقية الفاعلة استخدامها لضمان أرضية قلقة للتوافق السياسي في ما بينها لكنها كانت عملياً قد زرعت لنفسها وللعراق «حقل الغام» تزيده استراتيجية «الهروب الى أمام» تفجراً.
فكركوك (250 كم شمال بغداد) تقف بين قضايا منها تعديل الدستور بما يشمل حل إشكالية صلاحيات الرئيس ومسألة الأحوال الشخصية إضافة الى معالجة قضية المصالحة الوطنية وقوانين الحاكم الأميركي بول بريمر والفيديرالية وتقسيم العائدات النفطية وشكل السلطة في بغداد وصلاحيات أقطابها وعلاقتها بالمحافظات والأقاليم بين مجموعة كبيرة من القضايا التي تم تأجيلها بقرار من مجلس الحكم الانتقالي وحكومات علاوي والجعفري والمالكي لمصلحة تحقيق توافق حول قضايا أخرى.
وفلسفة «التأجيل» و «الترحيل» لم تكن خياراً متاحاً في جوهرها إلا أنها كانت من وجهة نظر القادة السياسيين العراقيين ضرورة لتخفيف حدة الشحن السياسي في القضايا مثار الخلاف والتركيز على قضايا يمكن الانطلاق منها لحل القضايا الإشكالية تباعاً.
لكن السياسة نفسها أزّمت وتؤزم إمكانات التوافق على قضايا المرحلة مع مرور الوقت ولا يزيدها محاولة التغاضي عنها الا تعقيداً، فيما لم تقد التوافقات السياسية التي شكلت الحكومات السابقة ومررت القوانين والقرارات الكبيرة، الى إحداث تقارب في المواقف بين الأطراف المختلفة حول النقاط الجوهرية التي بدأت عام 2003 باعتبارها قنابل موقوتة واستمرت على هذا النحو حتى اليوم.
كركوك ازمة ثقة
يمكن اعتبار كركوك مثالاً خالصاً لكنه ليس فريداً لأزمة الثقة بين الأطراف السياسية في العراق مثلما يمكن اعتبارها ضحية لفشل السلطة السياسية في العراق خلال قرن كامل في معالجة الأزمة الكردية برمتها.
ويمكن القول أيضاً ان سياسة «تعريب» مورست على هذه المدينة الغنية بالنفط على خلفية استعار الأزمة الكردية في سبعينات القرن الماضي بدافع ضمان سيطرة عربية هناك، لكن تلك السياسات لم تكن لتقلب المعادلة السكانية التي كانت عام 1957 تشير الى واقع سكاني متوازن.
وتشير الإحصائية المذكورة الى ان مجموع سكان مدينة كركوك عام 1957 كان 120 ألف نسمة يصبح 388 ألف نسمة باحتساب القرى والأرياف التابعة لما كان يسمى حينئذ «لواء كركوك».
ويكشف الإحصاء عن ان نسبة العرب في كركوك المدينة تقدر بنحو 22 في المئة فيما ان نسبتهم في «لواء كركوك» هي 28 في المئة وبلغت نسبة الأكراد في المدينة 33 في المئة وفي اللواء 48 في المئة ويمثل التركمان الذين تم وصفهم إدارياً بـ«الترك» نسبة 37 في المئة في كركوك المدينة ونسبة 21 في المئة في لوائها.
وتذكر الإحصائية نسباً للكلدان والسريان والإيرانيين والانكليز والهنود والفئات التي لم تكن لغتها واضحة المعالم وتوصف بأنها خليط من الأكراد والعرب والتركمان وقدرت نسبتها بـ4 في المئة في المدينة وواحد ونصف في المئة في اللواء.
عملياً كان العرب والتركمان يشكلون ثلثي مدينة كركوك في ذلك العام وأكثر من نصف السكان في لواء كركوك وان كان الأكراد لا يثقون بهذا الإحصاء في المجمل ويقدمون أدلة تاريخية أخرى على ما يعتبرون انه يبرهن على «كردية كركوك» تعود الى مرحلة الاحتلال البريطاني واتفاقية سايكس - بيكو وغيرها.
والأصل في الخلاف حول كركوك يتعلق أيضاً بالمتغيرات الإدارية التي طرأت على المدينة طوال النصف الثاني من القرن العشرين وشملت إلحاق قرى ومدن كانت تابعة لكركوك بمحافظات أخرى فيما ضمت مدن وقرى أخرى الى كركوك التي أطلق عليها منتصف السبعينات «محافظة التأميم».
بعد عام 2003 لم تكن مشكلة كركوك تتعلق بحجم السكان وقوميتهم في غياب إحصاء دقيق يفترض بحسب المادة 140 من الدستور انه يعود بالأمور الى ما قبل سياسات التعريب والتي لن تكون من حيث النسبة والتناسب مختلفة عن إحصاء 1957 لكن دعاوى عربية وتركمانية ارتفعت للحديث عن سياسة «تكريد» لضمان نسبة سكانية تساعد على ضم مدينة كركوك الى إقليم كردستان باستثمار قوة الأكراد السياسية والعسكرية على الأرض وسيطرتهم على الحكومة المحلية وهو ما ينفيه الأكراد بالمقابل.
والمادة 140 من الدستور العراقي المنبثقة من سياسة «الترحيل» لقانون تطبيع الأوضاع في كركوك الذي صدر في ظل الحاكم الأميركي واستمر حتى إقرار الدستور تحولت الى جزء من المشكلة بدلاً من ان تكون مقدمة للحل.
فالمادة التي انتهى سقفها الدستوري نهاية عام 2007 ومددت باقتراح من بعثة الأمم المتحدة تناقش قضيتين في غاية الأهمية تقترنان زمنياً وعملياً وقانونياً ببعضهما:
الأولى: معالجة المتغيرات الإدارية التي طرأت على النظام الإداري العراقي عبر العقود المختلفة وغيرت من الخريطة الإدارية للمحافظات العراقية جميعها ولا تشمل كركوك بالضرورة.
وهنا تجدر الإشارة الى ان المتغيرات الإدارية لا تحسب بالمجمل باعتبارها وليدة سياسات «تعريبية» وان متطلبات إدارية وتنظيمية تعدّل باستمرار في خريطة الوحدات الإدارية (المحافظات) ما يشمل طبيعة تكوّن المدينة وأسلوب نموها ووسائل الاتصال بها وأسلوب النظام السياسي في الحكم والإدارة وغيرها، لكن العراق احتفظ بأصل التقسيم الإداري الذي يشمل 18 محافظة ولم يزد عدد المحافظات كما حدث ويحدث في دول أخرى أقربها مصر التي استحدثت مؤخراً «محافظة 6 اكتوبر».
وتلك الحقائق تعقد إمكانية إيجاد تسوية لعشرات الوحدات الإدارية والقرى والنواحي المختلف عليها بين الأنبار وكربلاء وبين الموصل وصلاح الدين وأربيل ودهوك وبين ديالى والسليمانية وأيضاً بين بابل وبغداد وبين الكوت وديالى.
وإثارة هذه القضية من حيث المغزى وبافتراض قيام وحدات إدارية في ظل نظام لامركزي، تسمح بتكون الفيدراليات ما سيشعل أزمات متوالدة بين الوحدات الإدارية العراقية ابتداء من البصرة وانتهاء بدهوك شمالاً لا تقل حساسية في المستقبل عن قضية كركوك اليوم مع افتراض ظهور اكتشافات نفطية أو مصادر للثروة أو مراكز نقل استراتيجية في تلك المناطق.
وأكثر من ذلك ان محاولة إعادة العراق الى الشكل الأولي للتقسيمات الإدارية فيه سيوقع البلاد في أزمة تغيير نظامها الإداري.
وكان واضحاً مؤخراً ان مساس بعثة الأمم المتحدة في العراق بهذه القضية عبر توصيات حول أربع مناطق مختلف عليها بين الموصل وديالى وإقليم كردستان جوبهت برفض شديد من مختلف الأطراف واعتبرها الأكراد والعرب على حد سواء ظالمة لهم، ما يوضح حجم الأزمة.
الثانية، تأتي من حيث الترتيب الزمني لاحقة لحل أزمة المناطق المختلف عليها وتخص كركوك تحديداً وتتضمن إنهاء نتائج سياسة التعريب عبر إعادة الوافدين العرب الى المدينة الى مناطقهم أو منحهم حق الاحتفاظ بوجودهم في المدينة (مر عليه نحو 30 سنة) في مقابل حرمانهم من حق التصويت أو المشاركة في الإحصاء والاستفتاء على مستقبلها بين الانضمام الى إقليم كردستان أو البقاء ضمن السلطة المركزية وهما المرحلتان اللتان تتبعان تطبيع الأوضاع في المدينة.
وطريقة الحل هذه تحمل في طياتها إشكاليات لا تبدأ بالسابقة القانونية التي تفرض دولياً بمعالجة قضايا التغيير الديموغرافي للمدن وحل النزاعات، ولا تنتهي بأنها تطرح إشكالية التعامل مع الاهالي الوافدين وحق المواطنة فالأصل ان 10 أعوام من التعايش كافية لاكتساب الجنسية ضمن أساسيات القانون الدولي فما بالك بـ30 سنة!
إمكانية إجراء الإحصاء السكاني يعترض العرب والتركمان عليها نتيجة احتمال إحداث الأكراد خلال الأعوام السابقة تغييراً جذرياً في التركيبة السكانية يشمل إضافة نحو 600 ألف كردي الى سكان المدينة ليسوا جميعهم من أهالي كركوك الأصليين بينما ان الاستفتاء بين الانضمام الى كردستان أو البقاء ضمن السلطة المركزية يغلق الطريق على خيارات أخرى بينها تحويل كركوك الى إقليم فيدرالي غير قابل للاندماج أو التوسع على غرار وضع العاصمة بغداد وبالطبع فإن هذه الاتهامات والافتراضات يرفضها الأكراد جملة وتفصيلاً ويؤكدون بالمقابل انهم من أهالي كركوك الذين طردوا منها على يد النظام السابق.
أزمة متوالدة
وبالعودة الى أزمة الثقة فإن سياسات التغيير الديموغرافي التي فرضت على كركوك على يد النظام السابق ضاعفت من إحساس الأكراد بضرورة منع تكرار اضطهاد السلطة لهم، لكن أكراد العراق وفي خضم السعي الى تحصين مواقعهم أثاروا مخاوف وشكوك الأطراف العراقية الأخرى من إمكانية سعيهم الى استثمار الظرف التاريخي الذي منحهم السبق السياسي والثقل الأمني في العراق لتشكيل دولة جديدة في المنطقة تضم كركوك ومناطق واسعة من ديالى وصلاح الدين والموصل وأيضاً أربيل والسليمانية ودهوك تضم عرباً وتركمان ومسيحيين وازيديين بالإضافة الى الأكراد.
وفي دوامة تبادل الشكوك هذه جاءت النزاعات حول كركوك التي كان ثراؤها النفطي جزءاً من مشكلتها.
والأزمة الأخيرة التي كادت تدفع بالمدينة الى حرب أهلية مدمرة بعد ان خلفت نحو 170 بين قتيل وجريح، لا تنفصل في الجوهر عن تراكم انعدام الثقة بين الأطراف، وأقرب مثال على ذلك بروز أزمة جديدة على خلفية رفض الأكراد قرار الحكومة العراقية إرسال وحدات عسكرية من المركز الى كركوك.
وقانون انتخابات مجالس المحافظات لا يقدم معالجات لقضية كركوك ولا يمت بصلة الى شكل الحل النهائي في المدينة لكن الحل الذي تضمنته المادة 24 من القانون والتي نصت على تقسيم السلطة بواقع 32 في المئة بين الأكراد والعرب والتركمان و4 في المئة للمسيحيين كانت ستشكل سابقة لشكل الحل النهائي الذي تفكر به الإطراف العربية.
ونسبة 32 في المئة من مجلس المحافظة لن تمنح الأكراد سبقاً في قيادة السلطات الأمنية والسياسية في كركوك خلال مرحلة حاسمة تشمل تطبيق المراحل النهائية من القانون 140.
والنسبة نفسها ستمنح التحالف العربي التركماني في المقابل فرصة تغيير الشروط السياسية والأمنية التي فرضت المادة 140 لمصلحة فكرة الإقليم المستقل وتقاسم السلطة.
رئيس حكومة إقليم كردستان كان أصدر تصريحاً لافتاً في دبي عن استعداد الأكراد لتقاسم السلطة في المدينة وعلى رغم ان الأكراد تراجعوا عن هذا التصريح لاحقاً إلا أنه يبين حضور هذه الفكرة في عقلية الساسة الأكراد وان كانت في حاجة الى صفقة سياسية جديدة.
وعلى رغم ان الساسة الكرد يتحدثون عن ان كركوك هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو المساومة عليه، إلا أنهم يدركون خطورة الأزمة وقد منحتهم تطورات الأيام الأخيرة، خصوصاً وجود جبهة من السنة والشيعة تدعم قانون الانتخابات، بعضها من حلفائهم في الائتلاف الحاكم، تصوراً جديداً عن إمكانية انقلاب التحالفات لكنهم ما زالوا يمتلكون عنصر المبادرة ويلمحون الى ان كركوك يمكن ان تقسم العراق في إشارة ضمنية الى ان «وضع اليد» على كركوك ما زال خياراً متاحاً في حال استمر تصعيد الأطراف الأخرى، مثلما كان تلويح رئيس مجلس محافظة كركوك بقطع النفط عن بقية العراق، وانطلاق التظاهرات في المدن الكردية يحمل دلالة على وحدة الموقف الشعبي والرسمي الكردي إزاء هذه القضية.
الأكراد برروا رفض حل تقسيم السلطة بالتأكيد على ان تطبيق مثل هذا الحل يلزم الأطراف العراقية بتطبيق التقسيم في المحافظات المشتركة في قومياتها واثنياتها ومذاهبها جميعاً، ومنها بغداد والموصل وديالى وصلاح الدين والكوت وحتى بابل.
واللافت ان المتمسكين بحل التقسيم هذا هم في العموم من الداعين الى التمسك بوحدة العراق ومنع تقسيمه على أساس عرقي أو طائفي وهم أنفسهم الرافضون لمبدأ المحاصصة في الحكومة.
وحيث ان الأزمة العراقية برمتها «مدوّلة» على نطاق واسع وتتداخل فيها الإرادات الإقليمية والدولية فإن الموقف التركي هذه المرة يطل بقوة في مجمل الصراع ، وتركيا التي وقعت مؤخراً معاهدة تعاون على أعلى المستويات مع الحكومة العراقية ترفض علناً خيار ضم كركوك الى كردستان، كنوع من الحماية لتركمان العراق وتلوّح باستمرار بسلاح القصف الجوي الذي يتزامن مع اي تصعيد سياسي حول كركوك، وتركيا الثقيلة في المنطقة والتي تؤدي دوراً سياسياً فاعلاً بإمكانها جمع تحالفات إيرانية وعربية لمصلحة دعم موقفها، ما يدركه الأكراد في شكل دقيق.
لكن أوراق اللعب الموزعة على الأطراف العراقية تحت بند «القضايا المؤجلة والمرحلة» يبدو أنها وحدها ستطرح الحلول النهائية.
فالائتلاف الشيعي الذي يقود الحكومة ما زال يتشدد في تحقيق اتفاق بشروط كردية حول «العقود النفطية» و« تمويل البشمركة» ما دام الأكراد غير مستعدين لتقديم تنازلات مقابلة حول كركوك في مقابل تمسك الأكراد بأوراقهم في القضايا المؤجلة الأخرى.
أما إمكانية تحقيق صفقة سياسية حول القضية برمتها تشمل قضايا عراقية أخرى فتعقّدها سياسات التأجيل والترحيل، فيما ان حل القضية بمعزل عن الإشكالات التي رافقت السياسات العراقية منذ عام 2003 وقادت الى زرع الشكوك بين المكونات العراقية أمر غير وارد في المدى القريب.

عن: دار الحياة.