الحضارية «قراءات ومتابعات»

الثلاثاء: 05/08/2008


العراق في خارطة التوازنات الإقليمية والدولية

عبد الحليم الغنيمي

ارتبط مفهوم التوازن في منطقة الخليج بالابعاد الدولية لتوازن القوى، او ما يعرف بالنظام العالمي في حقبته الثنائية التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط المعسكر الاشتراكي.
وفي هذه الحقبة بدأ توازن القوى في المنطقة يسجل ميلا واضحا لصالح المعسكر الرأسمالي الذي نجح في استقطاب دولة كبيرة كايران تتمتع بثقل جيوسياسي متميز أعطاها الارجحية في توجيه معادلة التفوق لصالحها، في الوقت نفسه كان العراق يمثل الكفة الاقل رجحانا لاسباب تتعلق بالمساحة وعدد السكان، فضلا عن العامل السياسي وهو الاكثر اهمية في توجيه المعادلة لصالح ايران وليس للعراق، ففي الوقت الذي احتفظ النظام السياسي لدى الاول بالثبات والاستقرار على مدى اكثر من ثمانية عقود كانت حرية بالتأسيس لحلقات التواصل والتكامل في البناء والتطوير واستثمار العديد من الاتفاقيات والعلاقات الطيبة مع المجتمع الدولي ما وفر لهذا البلد رصيدا كبيرا من الثقة والمصداقية تمكن من توظيفها في تنفيذ المشاريع التحديثية بما في ذلك السياسية والعمرانية والعسكرية.
موقع العراق في توازن القوى الاقليمية
في هذا الوقت كان العراق يتأرجح مترنحا بين الانقلابات العسكرية التي تسببت بتدمير اسس الثبات والاستقرار وحرمانه من القاعدة التأسيسية التي عادة ما تتمثل بمهنية الدولة والحيلولة دون تسييسها او تحزيبها ومن ثم تغييب قاعدة التواصل بين الحكومات واستثمار عامل الزمن في انجاز مشاريع مماثلة ترتقي الى مستوى امكاناته الاقتصادية والحضارية والبشرية، الامر الذي افرغ بنية الدولة من مقومات الشرعية والحصانة واختزالها بقرار عسكري صادر عن احد الضباط الطموحين والمغامرين ممن لا يترددون من الانقلاب على الواقع بذرائع شعاراتية معروفة معلنا صبيحة اليوم التالي عن اعتقال طاقم الحكومة السابقة و(اعدامه حتى الموت) وتشكيل حكومة الانقلاب الجديدة.
ويكفي ان نشير الى ان عدد تلك الانقلابات بلغت خلال عشر سنوات فقط( هي الفترة الممتدة من 1958 الى 1968 ) خمسة انقلابات، اي بمعدل انقلاب واحد لكل عامين، لندرك مدى الخسارة الفادحة التي لحقت بالرصيد التنموي وتسببت بالتعتيم على الهوية السياسية وتضييع فرص التفاهم والتواثق مع المجتمع الدولي، وبطبيعة الحال عزلة العراق وحرمانه من نصيبه في التحالفات الدولية وهي السمة البارزة التي تميز طبيعة العلاقات الدولية في العصر الحديث، وقد تسبب ذلك في تكريس عامل التخلف الذي ضاعفت من اسبابه السياسة الارتجالية المعتمدة من قبل الانقلابيين التي يمكن اجمالها بعسكرة المجتمع واعتماد الخطط الخمسية غير العلمية وغير العملية واللجوء الى سياسة خارجية تتميز بالمغامرة والفوضوية تحت يافطة تحرير فلسطين ومقارعة الاستعمار والامبريالية، على انها سياسة غير منفصلة تماما عن لعبة التوازن الدولي ولاعبيها القطبين الدوليين في العقدين السادس والسابع من القرن الماضي.
وسواء أكانت الانظمة العربية جادة في تبنيها هذه السياسة ام انها كانت تعتمدها لاغراض الاستهلاك المحلي فقد استغلتها اسرائيل على نطاق واسع في الاساءة لمصداقية تلك الانظمة وتسليط الضوء على اجندتها العسكرتارية والشمولية، فضلا عن استخدامها الشعارات القتالية المعروفة ذريعة لمهاجمة مصر والاردن وسوريا عام 1967 فضلاً عن توريط العديد من الدول العربية ومنها العراق في عملية استنزاف طويلة الامد لم تنته الى مطلع تسعينيات القرن الماضي عندما اقرت هذه الدول بوهم سياسة التعبئة الحربية وتناقضها مع القاعدة الدولية التي تقوم عليها موازين القوى وتشكل فيها العلاقة الستراتيجية بين الولايات المتحدة واسرائيل(نقطة ضوء) الكفيلة بالكشف عن وهم تلك السياسة الاسطورية.
موقع ايران في التوازن الاقليمي
وهكذا يمكننا اضافة هذه الاسباب الى الاسباب الاخرى المؤدية الى اختلال توازن القوى في منطقة الخليج لصالح ايران التي ظلت تصر على اعتماد موقف محايد لا يخلو من حكمة، مفضلة اللجوء الى خيارات واقعية لا تختلف عن خيارات تركيا الدولة صاحبة التجربة الاتاتوركية مثار اعجاب الشاه(رضا بهلوي) ومن بعده ولده الشاه محمد رضا بهلوي حتى تحولت هذه التجربة الى سبب لاقتفائها-ايران- اثر تركيا في اعتماد سياسة الاصلاح الداعية الى التقارب من الغرب وتعميم المفاهيم الغربية على الاصعدة الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولذا فقد دفعت هذه السياسة ايران الى موقع ينأى بها عن دوامة الاستنزاف التي تعرض لها العراق جراء تورطه في سياسة المزايدات والمساومات وتعرضه الى استحقاقات اقتصادية وسياسية حبيسة ترتب عليه دفعها على حساب دوره الاقليمي وموقعه في معادلة توازن القوى في مواجهة ايران التي كانت تصنف في المرتبة الخامسة في تسلسل القوى العسكرية في العالم. الى جانب ذلك تميزت ايران بفضل الاستقرار السياسي الذي تمتعت به لعقود طويلة بوضوح سياستها الخارجية ومن ثم نجاحها في تحفيز العديد من الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة باقامة اتفاقيات معها تمكنت بموجبها من تحقيق قفزات نوعية.
ميزان القوى في المنطقة في مرحلة ما بعد الشاه
كانت تعزز بطبيعة الحال من دورها الاقليمي حتى العام 1975 العام الذي اخذ فيه النظام الشاهنشاهي يشعر لاول مرة بقسوة الضغوط التي توجهها المعارضة بقيادة الامام الخميني ذلك الحين، ولعل ابرز المؤشرات على ذلك موافقة النظام السياسي الايراني على توقيع معاهدة الجزائر العام 1975 التي كانت تنص في احد بنودها على الزام الجانب العراقي بتخيير قائد المعارضة الذي كان يقيم في البلاد القبول باحد الخيارين؛ التخلي عن العمل السياسي، او مغادرة العراق. وقد جرى القبول بالخيار الثاني فغادر الخميني العراق متوجها الى الكويت ومنها الى فرنسا ليعود بعد اربع سنوات الى ايران التي بدأت منذ ذلك التاريخ مرشحة للاستدراج الى حرب اقليمية في مواجهة العراق الذي اوكلت اليه المهمة بالنيابة عن الولايات المتحدة ومن ورائها الدول الاوروبية.
وكان من الواضح ان الهدف من وراء هذه الحرب هو اعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة من خلال استنزاف البلدين المتحاربين والعودة بهما بعد ثماني سنوات الى المربع الاول، انتهت الحرب في العام 1988 وبات لزاما عليهما مواجهة استحقاقات الحرب كل على طريقته، حيث اختار النظام السياسي في العراق قراره المعروف بغزو دولة الكويت لاهداف عديدة من بينها الخلاص من طواقم الجنرالات الذين تكاثروا في سنوات الحرب وباتوا يعيدون الى ذاكرة النظام شبح الانقلاب العسكري بعد ثلاثة عقود من المسك بقبضة فولاذية على كرسي الحكم.
غير ان هذا الهدف كان يعني المزيد من الحرب والدمار والحصار الاقتصادي والمزيد من التحجيم الاقليمي والخروج من معادلة التوازن الاقليمي، على عكس ايران التي لم تلبث حتى اعادت بناء مادمرته الحرب وتمكنت من استئناف مرحلة السلام بمزيد من التعبئة العمرانية المدعومة بوسائل تثقيفية وتوعوية تتولاها مؤسسات حكومية تعرف بمؤسسات (جهاد البناء) التي اعتبرت البناء فريضة تتقدم على فريضة الجهاد خلال الحرب، وتزامنا مع ذلك استطاعت الدبلوماسية الايرانية الشروع ببناء علاقات جديدة مع دول الاتحاد الاوروبي خاصة مع المانيا وفرنسا ومن ثم مع بريطانيا وايطاليا، اما علاقاتها مع روسيا فقد تأثرت الى حد بعيد بموازين النظام العالمي الجديد على خلفية سقوط الاتحاد السوفياتي وبروز سياسة منفتحة تبنتها روسيا (الوريث الشرعي). ولعل من اهم نتائج هذا الانفتاح كان التحول الكبير في منظومة التصنيع العسكري حيث جرى تطوير مفاعل (بوشهر النووي) مثار الجدل في الاوساط الدولية، اضافة الى انشاء مصانع عسكرية لاستزادة قدرات الصواريخ الباليستية وانتاج قطع الغيار للطائرات والصواريخ والتأسيس لمشاريع عسكرية وتكنولوجية كبرى تشكل اليوم مصدر قلق وازعاج لدول عديدة في مقدمتها الولايات المتحدة واسرائيل.
واقع التوازن الاقليمي في المرحلة الراهنة
بدأت الرحلة الاحادية للنظام العالمي الجديد مع بداية سياسة (الترويكا) التي انتهجها اخر رئيس للاتحاد السوفياتي (ميخائيل غور باتشوف) حيث اعتبرت هذه السياسة الشرارة الاولى لانقلاب واسع اطاح فيما بعد بذلك الاتحاد ومهد لعهد القطب الواحد وانفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم. وقد اشر هذا التحول تداعيات جديدة تجلت بوضوح بداية الثمانينيات تزامناً مع الحرب العراقية الايرانية حيث كشفت (التداعيات) عن العلاقة المفصلية بين التوازنين الدولي والاقليمي معبرة عن نفسها بالانقلاب المفاجئ في الموازين الاقليمية لصالح العراق، الذي تمكن بفضل الدعم الاميركي والاوروبي من ادارة الحرب بتكافؤ في مواجهة القوة العسكرية (الخامسة في العالم) التي تراجعت بفعل هذا التحول الى مرتبة تتوازى مع مرتبة العراق او تتخلف عنها خاصة في ضوء ترسانته التسليحية الضخمة والمشاريع الستراتيجية المثيرة التي تعد السبب المباشر وراء سلسلة الاحداث والتطورات المؤدية الى الفصل الختامي من فصول سيناريو الحرب عندما طويت الصفحة الاخيرة من عهد النظام المباد في 2003/4/9 العهد الذي استمر على مدى ثلاثة عقود ونصف.
غير ان هذا الانقلاب لم يعدو عن كونه ظاهرة آنية فرضتها حاجة الدول العظمى لاهداف واضحة تتمثل باستنزاف البلدين المتحاربين كما اشرنا الى ذلك، ومن ثم اعادة تشكيل مفاهيم القوة والتفوق حتى تؤدي الى واقع جديد يستجيب لدواعي ومقتضيات النظام العالمي الجديد وينسجم مع الابعاد الستراتيجية لسياسة القطب الواحد، وهي السياسة التي افصحت عنها مصادره قبيل حرب نيسان 2003 وبعدها حينما اشارت الى الحدود الفاصلة في مفاهيم القوة والطريقة التي يتم من خلالها تصنيف المواقف والسياسات في خانات الارهاب والمسالمة والخير والشر.
وكان من الواضح ان ما تنص عليه اطروحة النظام العالمي الجديد هو وجود واقع اقليمي ينسجم الى حد بعيد مع اهداف الدولة العظمى (القطب الواحد) ويتوافق مـع شروطها فـي تحديد هوية الاصدقاء والاعداء، اي الشروط التي تضع الحد الفاصل بين الحرب والسلم على قاعدة محاربة الارهـاب والانضواء تـحت مظـلة السلام وتعميم الخيارات المـدنية كبديل عن الخيارات العسكرية التي افرغت من مضامينها المباشرة وتوجب على المعنيين بها النظر الى نتائجها وتداعياتها البعيدة المدى، وفي ضوء ذلك اصبح الحاضر العالمي القائم يفرض حقائق اقليمية تخرج بطبيعتها من دائرة التوازنات التقليدية ويفتح الباب واسعاً امام متغيرات ثقافية وتأريخية تؤسس لمفاهيم جديدة تتعلق بالسياسة والمجتمع والاقتصاد والحرب والسلام ..الخ.
عالم بلا تناقضات
من ابرز المقولات التي حرص الساسة الاميركان على ترويجها لتبرير حرب نيسان (2003) (اعادة تشكيل مفردات الوعي في المنطقة) وفي ضوء ذلك بات من الواضح ان المنطقة مرشحة لاستقبال افكار ومفاهيم جديدة يمكن ان تؤثر الى حد بعيد على المنظومة الثقافية وتسهم في تنشئة عقل اقليمي جديد قادر على قراءة الواقع الدولي في مرحلته السياسية القائمة ومؤمن بضرورة التعاطي مع هذا الواقع من خلال المصلحة الوطنية والقبول بطريقة المقايضة وسيلة لتحقيق الكثير من الاهـداف الممكنـة.
وبغض النظر عن الفترة الزمنية التي يمكن ان تستغرقها عملـية تنفيذ مشروع تغييري معقد بهذا الحجم الا اننا يمكن استيضاح الارهاصات الميدانية لهذا المشروع مـن خـلال ما حصل في العراق، ومـا يحصل مـن تصعيد خطير بين واشنطن وطهران، التي يتوقع ان تنتهي الى حرب اقتصادية عنيفة وموجعة من غير استبعاد خيار الحرب العسكرية كما تشير الى ذلك الادارة الاميركية. وفي كلا الخيارين ستؤدي الحرب في نهاية المطاف الى نتيجة واحدة تتمثل بتدمير ترسانة تسليحـية ضخـمة تمثل الكفة الراجحة في موازيـن القـوى الاقليمية التي ستخضع الى معايير ثقافية جديدة يمكن ان تؤدي الى اعادة تشكيلها على المدى البعيد.

عن: الصباح