الحضارية «قراءات ومتابعات»

الأربعاء: 30/07/2008

 

 

التعلم وثقافة اللاعنف

د. عامر عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)

المشكلة التي نحاول الوقوف عندها هنا تتمثل في الانهيارات والصدمات التي يعيشها الواقع التعليمي والتربوي والبحث العلمي في العراق اليوم، والغاية التي تمثل الدينامية الفاعلة في قراءتنا لهذا الواقع هي المتمثلة بـ:
أولاً: محاولة استشرافية لمستقبل التعليم في العراق مع بداية القرن الحادي والعشرين، وما يحتاجه من استعداد كي يلعب التعليم دوراً فاعلاً في نهضة العراق وتنميته.
ثانياً: البحث في واقع البنية الاجتماعية والنفسية والمنهجية والتقنية والفلسفية لهذا الواقع التعليمي وآلياته وديناميته وما يتوفر له من إمكانات وما يعانيه من صعوبات.
فإن غاية التعليم مرتبطة بدرجة ومصداقية كل نظام قيمي والمناهج البيداغوجية، وهذه المناهج لا شك من وكونها اختلافية تبعاً لغايات الامة ومتغيرات عصرها، جامعة بين ثوابت الأمة المتمثلة بهويتها وقيمها ومواقفها الوجودية والثقافية. أما المتغيرات فهي الجامعة بين الحاجة والتحديث والعصرنة فكراً وتقنية في سد تلك الحاجة وخلق أفق للتنمية والازدهار، كلها تنعكس في التربية والتعليم في غاياته ولوازمه المعرفية التي تأتي انعكاساً للدينامية السوسيو ثقافية .
ولكون التنمية هي من لوازم التعليم، لأن البشر المتعلمين المؤهلين هم بحق الثورة الحقيقية التي لا تنتهي.. من هنا نلمس ذلك التسابق المحموم بين الدول على الاستثمار في مجال التعليم والمعرفة لأن العنصر البشري أحد ركائز أي نهضة لهذا تهتم تلك الدول في مجال التعليم والتأهيل والتدريب والرعاية الصحية.
فأهمية التعليم تأتي من كونه يسهم في بناء الشخصية الوطنية ويكرس الهوية الحضارية في عملية التنشئة الاجتماعية والثقافية ويمثل الركيزة الأساسية في خلق قوة عمل مدربة تلبي احتياجات التنمية وسوق العمل، وعلى خلق أجيال قادرة على التواصل مع العالم والتعامل مع مستجداته بفاعلية واقتدار.
فالمجتمع يتغذى من اتساع قدراته بقدر ما يتشكل ويغتني من الطفرات المعرفية والابتكارات المعرفية والتقنية، فضلاً عن التحولات الحضارية والاجتماعية.
من هنا تظهر واضحة وظيفة التعليم الذي يشكل المصنع الذي يزود المجتمع بالعقول والأدمغة القادرة على تطوير الحياة على سبيل التعديل وإعادة التفكير في أسباب التخلف ووسائل العمل، ونحن هنا نحاول أن نمارس هذا التطوير والنقد لأسباب ومفاعيل التخلف، من أجل النهوض بالتعليم الذي يسهم في نهضة البلد.
آخذين بنظر الاعتبار جدلية العلاقة بين التعلم وثقافة اللاعنف بوصفها ستراتيجية في أفق التعامل مع النظام التعليمي، و محور رؤية قيمي يمثل خطوة مهمة في تحاور الخطابات الشمولية وأطرها وفعالياتها العنفية القائمة على التعبئة والتجيش والتطويب الذي يؤدي إلى تفريغ الفعالية التعليمية من أهم مقوماتها، ألا وهي الحرية والكرامة والإبداع، لهذا نجد في سبيل تحقيق هذه الجدلية ضرورة معالجة الأمر بالشكل الآتي:
1- احترام القانون: وهذا أمر بديهي من أجل إرساء ثقافة قوية تقوم على التأسيس على فكرة الحق والحقوق من خلال بعد عقلاني أخلاقي يتشكل عبر الممارسة والتداول الحواري بين المكون الاجتماعي والسياسي الذي يجعل الحقوق شرطا ضروريا للوجود الإنساني بوصف الحقوق (هي محور وجود الفرد والمجتمع والدولة والقيم) وهذا يتحقق عبر الآليات التالية:
- إرساء ثقافة التسامح.
- خلق الثقة وتعزيزها بين مكونات المجتمع العراقي.
- تشجيع ثقافة الحوار الحضاري بدل ثقافة الإقصاء والعنف، نظراً لما تركه تلك الثقافة من شعور بالأمان على المستوى الفردي والجمعي، وتفتح باب التواصل والتجدد نسخاً وتداولاً وتحويراً.
ويعني هذا إننا إزاء تصورات معينة، منها على سبيل المثال: (تعميق الحرية في التعلم) وهي أحد مقومات سياسة وثقافة اللاعنف، لأن الحرية هي الغاية الفعلية من تطوير الشخصية وتكاملها الذاتي، فهي القدرة على ضم الانساق العقلية والروحية والحقوقية والجمالية في فعل واع، حرية فكر وممارسة، بعيداً عن قواعد المنع والزجر والمعاقبة. حرية الفرد التي تقوم على حق الحرية وحق الحياة وحق الكرامة، داخل ثلاثية الحق والحقيقة والنظام، التي تمنح الفرد القدرة على الخلق والإبداع غير المتناهي..
حرية يتحقق داخلها انساق مفاعيل التربية والتعليم في ظل عصر يعيش تغير شامل تغيرت معه أشكال الوعي وسلم القيم ومرجعيات المعنى ومصادر الشرعية ونظام الحكم ووسائل الاتصال، فقد شهد هذا العصر الانتقال من الخطاب المتعالي إلى الخطاب البشري، ومن عالم الزراعة إلى عالم الصناعة، فكان عصر حقوق الإنسان الذي انتقل من وضعية الرعية إلى المواطنة.. فهو في ظل الوطن يمتلك زمام المبادرة عبر ممارسته علاقته بوجوده على سبيل الاستقلال الذاتي والفاعلية الفكرية.
تلك الحرية ليست مطلقة بخطابها التنويري، بل هي نتيجة لخطاب التفاعل مع الماضي والحاضر صوب المستقبل، حيث انصهار الآفاق وخلق ستراتيجيات جديدة للمعنى تقوم على خطاب المصالح الذي يقوم بدوره على التداول والمشاركة الاجتماعية التي تحفز التعايش الاجتماعي والسياسي، الذي يقوم على الاعتراف بالتعددية والمواطنة، بعيدا عن صنوف القسر والرقابة والاستنطاق الرسمي، من خلال اعتماد قيم الاعتدال بوصفها الصيغ المثلى للواقعية والعقلانية، وبوصفها أسلوب تراكم وتكامل المعرفة والإبداع، كما إنها أسلوب تأسيس وإعادة إنتاج المدارس الفكرية والتربوية..
فهي بهذا الشكل تجفف منابع الراديكالية وآلياتها في التجييش والتعنصر عبر اعتمادها آليات ترسخ أسس العقلانية والواقعية والديمقراطية والحوار والتسامح في ميدان التربية والتعليم في العراق المعاصر، بعيداً عن النماذج الأيديولوجية ذات النوايا والمناهج الخفية، بإحلالها بدائل تقوم على المشاركة في السلطة وفي صناعة القرار وحرية الاختيار.
لعل هذا شرط من شروط المناداة بالمشاركة، خلافا لمناهج وآليات تثقيف معينة ذات مرجعيات معينة تمثل نمطا يسود العالم الثالث الذي يعتمد التربية وسيلة من أجل إعداد مواطنين مطيعين، مقرين بخطاب الطاعة والإذعان، متخلين بإرادتهم عن حقوقهم السياسية والثقافية لصالح أقلية حاكمة ذات صفات استثنائية خارقة مفترضة، ما يجعل منها وسائل للتأديب والإخضاع من خلال طرح المعنى الأحادي.
أو إنها تعمل على إنتاج رأسمال رمزي يقوم على إحياء صراعات الماضي المأزوم الذي يعمق الشرخ الاجتماعي والثقافي في ميدان التربية والتعليم، ويجعل الجيل الجديد ينخرط في صراعات الماضي التي لم يكن له دور فيها، والتي يعتمدها النظام السياسي لجلب المشروعية السياسية.. إنه منطق اصطفائي يعمق الإقصاء ويضفي على المؤسسات التربوية العنف الرمزي الذي يقوم على سرديات منتقاة عن الماضي.
فالبديل الذي يحقق احترام القانون ويضفي على التربية العقلانية والجدوى في حياة الوطن والمواطن هي التربية التي تعتمد وسائل وتقنيات تربوية تعمق الروح الوطنية، وروح التعايش، والتي ترى في العراق ليس مجرد تجمع أعراق، بل كينونة تاريخية وثقافية ضمن صورته المتكاملة إسلامياً، والمتحررة في إبداعها المادي والأدبي وقدرتها في إنتاج المعرفة والعلم.
2- احترام المعلم: انطلاقاً من الجدلية السابقة الجامعة بين قيم اللاعنف والتعلم بوصف الأخير هو الأرضية التي من خلالها يمكن تأهيل الوطن والمواطن إلى ثقافة جديدة تحقق له وسائل الحياة الكريمة، فإن المعلم أحد أركان العملية التربوية والتعليمية سواء في التربية أو التعليم العالي. ومن أجل خلق قطيعة مع القيم السابقة لابد من معالجة الأزمات التي تركتها تلك المرحلة، ومنها إزالة وتخفيف مشاكل التعليم، والتي نبدأ بأولها: احترام المعلم/ أو التدريسي: فتحت وطأة الحروب والحصار الذي ساهم في ترسيخ ثقافة الفاقة والحرمان وضياع الآمال بالمستقبل والعنف الرمزي بأشكاله المتنوعة، أصبح الخطاب التعليمي في ذاكرة كل تدريسي مشحون بالهواجس والمشاعر، ما تسبب في غياب تلك القدرة، التي عرف بها دائماً، على الخلق والابتكار والانجاز، تحت ما تلقاه من مفاعيل الحرمان المالي والاجتماعي الذي أحدث آثارا سيئة على حريته وكرامته ومتعته في الحياة. فلابد من النظر في هذا الأمر الذي يجعلنا إزاء جملة من الآليات من أجل المعالجة على المستويين المادي والتقني، وفق معطيات أكاديمية موضوعية، يوكل ترسيمها الى خبراء أكاديميين ذوي تخصصات مختلفة.

 

(*) استاذ  الفكر الوسيط  في جامعة الكوفة.