الحضارية «قراءات ومتابعات»

السبت: 26/07/2008

 

العراق والفصل السابع من ميثاق الامم المتّحدة (2/1)

د. جواد كاظم الهنداوي

- التمهيد -
نجحت الدولة ُ بمؤسساتها الدستورية كافة، وفي مقدمتها الحكومةُ، في التعامل مع الازمات اما من خلال الادارة وتسكين بعض منها، او تحويل بعضها الى فرصٍ ومكاسبَ على الصعيد الامني والسياسي. عليها اذا ان تغتنم الظرفَ الداخليّ الذي بدا يخرج من مرحلة تسوية الخلافات الى مرحلة بناء وترسيخ التوافق، عليها ايضا انْ توظف مقوماتِ الدولة واهمّها الثروةُ النفطيـّةُ ليس فقط للانتاج والتصدير وانما لنيل السيادة. الرؤية والمصلحةُُ هما اللتان تحددان الموقفَ حتى ولو اختلفتا مع المنطق، وقالوا ايضا: ليس في السياسة اعداءٌ واصدقاء وانما مصالحُ وحسب.
مقدمة
كان احتلالُ العراق للكويت عام 1990 مناسبةًً لتطبيق وتفعيل بنودِ الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. فبعد مرور خمسين سنة على تطبيق الميثاق اصبح الموقفُ الدوليّ واضحا وصريحا تجاه السلم العالمي والشرعية الدولية او القانون الدولي، وعلى الاقل ازاء بعض الاحداث والنكبات وليس جميعها. فما بين شهر اب وشهر نوفمبر عام 1990اصدرمجلسُ الامن 12 قرارا تتبنى تطبيق، وبصورة تدريجية، بنود الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة، وتبدا بعقوبات اقتصادية، وبتحديد مهلة زمنية، او مهددا باستخدام القوة (القرارات 660 في 2/8/1990، 661 في 6/8/1990، 662 في 9/8/1990، 664 في 18/8/1990، 665 في 25/8/1990، 666 في 13/9/1990، 667 في 16/9/1990، 669 في 24/9/1990، 670 في 25/9/1990، 674 في 29/10/1990، 677 في 28/11/1990، 678 في 29/11/1990).
قال بعضُ المتخصصين في القانون الدولي بانّ القراراتِ الصادرة َ بحق العراق «تشكـّل اولَ ظاهرة معاصرةٍ للمسؤولية الدولية الناشئةِ عن جرائم دولة». ولاسيما عند الوقوف على اثار القرار رقم 687 في 3/4/1991 والذي يوصف بانه «معاهدة سلام مفروضة على العراق» او «اتفاق سلام احادي الجانب».
فرضَ القرارُ 687 على العراق ايضا ترسيمَ الحدود بينه وبين الكويت، وتشكيلَ لجنةٍ خاصة للبحث عن الاسلحة والتخلص من اسلحة الدمار الشامل وتاسيس نظام ٍ للتعويض عن الاضرار الناشئة عن احتلال الكويت.
ولاول مرة، قرر مجلسُ الامن، وبعد تحرير الكويت، استمرارَ وضع العراق تحت طائلة الفصل السابع من اجل تنظيم الشروط التي يراها مجلسُ الامن ضرورية ً لتحقيق السلام وخضوع العراق لها وفق ما جاء في القرار المذكور.
وبهذا الصدد، يرى بعضُ المتخصصين في القانون الدولي بانّ الاستمرارَ في الاجراءات العقابية تجاه العراق حتى بعد تحرير الكويت كان بمثابة انتقام «Chatiment»، والبعد الزمني بين الخطا والعقاب (الخطا المتمثل بالاعتداء على الكويت وتهديد السلم العالمي والعقاب الذي استمر حتى بعد تحرير الكويت بمدة زمنية طويلة) يدفع نحو الاعتقاد «برغبة المنتصر في افتراس الخاسر» او بعبارة اخرى «الانحدار من منطق فرض القانون نحو منطق الانتقام،علما بان دور مجلس الامن لايمكن ان يكون اكثر من معاقبة المعتدي».
ادوّن هذه العباراتِ، التي هي استنتاجاتٌ لدراساتٍ قانونيةٍ معمّقة، من اجل التفكير والاجتهاد بمدلولاتها وطرح استفهاماتٍ مشروعة حول قانونية وشرعية ما فَرِضَ على العراق من التزامات. نتساءل، على سبيل المثال: هل من اختصاص مجلس الامن، باعتباره منظمة ذات طابع سياسي، عملها معرّف ومحدّد بموجب ميثاق الامم المتحدة، اصدارُ احكام ٍ قانونيةٍ ذات طابع قضائي تم بموجبها تاسيس مسؤولية العراق عن الاعتداءات التي ارتكبها تجاه الكويت، وكذلك تاسيسُ وتطبيقُ ـ وهذا هو المهم ـ صندوق التعويضات بموجب الفقرة 18 من القرار رقم687 عام 1991؟ هل انّ مثلَ هذه الاحكام هي من اختصاص مجلس الامن ام من اختصاص محكمة العدل الدولية؟
في هذا الجزء من الدراسة نتطرق الى هذه الاسئلة واخرى تتعلق بمسؤولية العراق والتعويضات والالتزامات التي فرضت عليه، وستكون موضوع َ الجزء الثاني.
نتناولُ الانَ الاجراءات التي تمّ اتباعها لوضع العراق تحت طائلة بنود الفصل السابع مع مقارنةٍ لحالاتٍ اخرى، وكذلك الكيفية التي يمكن بموجبها خروجُ العراق من الفصل المذكور والاثار القانونية المترتبة على ذلك.
1ـ اجراءاتُ تطبيق والغاء تطبيق بنود الفصل السابع:
بعد حالة العراق تعددتْ حالاتُ تطبيق بنود الفصل السابع، وبعضُ الكتابِ المتخصصين في القانون الدولي تحدث عن مرحلةِ تفعيل ِ الفصل السابع، ويصفُ بعضُهم سنواتِ تسعينياتِ القرن الماضي بسنواتِ الحصار والعقوبات. انّ الاجراءات المفروضة َ بموجب الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة هي اجراءاتٌ ذاتُ طبيعةٍ تنفيذيةٍ وليست ذاتَ طبيعةٍ قانونيةٍ مدنيةٍ او جزائية.
اعتمد مجلسُ الامن على معاييرَ اساسها حقوقُ الانسان وحالة القانون والديمقراطية والشرعية الدولية في توسيع مساحة تدخله واتخاذه قراراتٍ تتناول مواضيعَ ومجالاتٍ تدخل في مساحة سيادة الدول وشؤونها الداخلية. واسّسَ مجلسُ الامن محاكمَ جزائية ً لمعاقبة انتهاكاتِ القانون الدولي الانساني ساعيا لفرض التزاماتٍ جديدة على الدول الاعضاء كافة ومن تلك القرارات قرار رقم 1373 في 2001 والقرار رقم 1540 عام 2004 والمتعلقة بمحاربة الارهاب واسلحة الدمار الشامل باعتبارها ظواهرَ تشكـّل تهديدا للسلام والامن الدولي ومحورا لتهديد السلام والامن العالمي، وتفرض التزاماتٍ على الدول الاعضاء كافة باتخاذ موقف اتجاهها.
انّ هدفَ الاجراءات يتمثل في اكراه الدولة على تنفيذها والزام الدول الاعضاء في الامم المتحدة بالعمل على تنفيذها، واتجه مجلسُ الامن ايضا الى السعي الى تنفيذ تلك الاجراءات بالاكراه ولاسيما بعد سنوات التسعينيات، على اثر احتلال العراق للكويت.. ولغرض انْ تكونَ هذه الاجراءاتُ ذاتَ فاعلية، وقادرةً على تحقيق الهدف المطلوب، ينبغي انْ تكون ممارستـُها بشكل ٍ تدريجيّ كي يتوقفَ وينتهيَ الاعتداءُ والتهديدُ للامن والسلم العالمي الذي سبّبه تصرفُ وفعلُ الدولة.
بموجب المادة 39 من ميثاق الامم المتحدة، فانّ قرارَ تطبيق بنود الفصل السابع هو من اختصاص مجلس الامن الذي تقع عليه مسؤولية ُ الحفاظِ على الامن والسلام العالمي وذلك بموجب المادة 24 من الميثاق.
كان، ولا يزال، النقاشُ والتفسيرُ مختلفا بخصوص الاساس القانوني لسلطة مجلس الامن: اهي سلطة ٌ تفويضيّة ٌ من الدول الاعضاء ام سلطة ٌ مؤسّسة ٌ بموجب ميثاق الامم المتحدة، ولكلّ راي ٍ حججُه وبراهينُه المقنعة ُ والمؤسّسة قانونيا.
ما يهمنا في هذه الدراسة هو كيفية ُ خروج العراقِ من طائلة الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة، وهذا يعني وجوب صدور قرار واضح ٍ وصريح ٍ من مجلس الامن يعبّرُ عن ارادةِ اعضائه بوضع نهايةٍ للقرارات والاجراءات التي تم اصدارها. صراحة القرار امرٌ ضروريّ للحيلولة دون الاجتهاد والتفسير، من ثم الحيلولة ُ دون التفاوتِ والاختلاف في تطبيق قرار ٍ او اتخاذ مواقفَ متباينة ٍ ازاءَ تطبيق القرار مما يؤدي الى فقدان التعاون ِ والتجانس بين الدول في تطبيق او الغاء العقوبات.
ولكن عند عدم ذكر او تناول ميثاق الامم المتحدة اجراءاتِ الغاء القراراتِ التي اتخذت بناءً على نصوص الفصل السابع، يقودنا منطقُ القانون والقواعد ُ القانونيـّة العامّة المعمولُ بها الى القول بانّ الغاءَها يجب ان يخضع الى مبدا «Parallesime de Formes».
ايْ الغاءُ القراراتِ والاجراءات المطبقة بناءً على الفصل السابع يجب انّ يتم بموجب الطريقة نفسها التي ادت الى اصدارها والمتضمنة مرحلتين: الاولى اثباتُ وجود الدافع الملزم الى تطبيق نصوص الفصل السابع، والثانية هي اصدارُ القراراتِ والاجراءات التي من شانها تطبيق النصوص.
والغاء القرارات والاجراءات يتطلبُ اثباتَ غيابِ الدافع الذي ادى الى الرجوع الى نصوص الفصل السابع ومن ثـَمّ تبنّي مجلس الامن لقرار الالغاء.
اذا اصدارُ قرار ِ الخروج من الفصل السابع يقتضي من مجلس الامن ان يعودَ الى تقييم الحالة التي ادّت الى تفعيل او تطبيق نصوص الفصل السابع لكي يستنتج َ زوالَ الحالةِ واثرَ الاجراءات العقابيّة في تحقيق الاهداف المرجوّة والتي تمّ تحديدُها وتعريفـُها بصورة صريحة وواضحة.
وتقييمُ الحالة ِ ينبغي انْ يكونَ بشكل دوري كي يستطيعَ مجلسُ الامن ِ ملاحظة َ ومراقبة َ اثر الاجراءات العقابية وتحقيق الاهداف المرجوّة من تطبيقها وسلوك الدولة الخاضعة الى الاجراءات العقابية، وعلى ضوء التقييم، ايجابيا او سلبيا، ينبغي انْ يتـّجه قرارُ مجلس الامن الى تخفيف او الغاء الاجراءات العقابيـّة المفروضة.
على سبيل المثال نذكرُ هنا القرارَ رقم RES / 841 في 16/6/1993 الصادرَ من مجلس الامن والذي ينصّ على انّ رفع العقوباتِ المفروضة على جمهورية هايتي يبدا عندما تقوم الحكومة ُ بتوقيع وتطبيق، وبحسن نية، اتفاق ٍ يهدف الى اعادة الحكومة الشرعية التي يراسها ارستيد.والقرارُ رقم 917 عام 1994 يؤكد ايضا «على انّ هدفَ المجتمع الدولي هو اعادة الحياة الديمقراطية في هايتي وعودة الرئيس المنتخب شرعيا»، ومجلسُ الامن يؤكد من خلال هذا القرار ايضا بانّ الرفعَ «التدريجي للعقوبات امرٌ ممكن ٌ في حالة تحسّن الحالة، والرفع الكلي للعقوبات لا يمكن الا بعد انسحاب القائد العسكري واستقالته ومغادرة هاييتي...».
وبموجب القرار رقم 944 عام 1994، صرّحَ مجلسُ الامن برفع العقوبات عن هاييتي بعد انْ تاكـّدَ من عودة الرئيس المنتخب شرعيا وتطبيق الشروط كافة التي نصّت عليها القراراتُ والاجراءاتُ العقابيّة السابقة.
في حالةٍ اخرى تخصّ النزاع َ في يوغسلافيا، ثبـَّتَ مجلسُ الامن شروط َ رفع العقوباتِ المفروضة وبموجب القرار رقم 752 في 15/5/1992. واتفاق دايتون Dayton اشار الى الشروط كافة التي وردت في القرار اعلاه، ووضع مجلسُ الامن برنامجا زمنيا لرفع العقوبات، وبشكل تدريجي، وحدّد تاريخَ اشعار مجلس الامن بالتوقيع على الاتفاق من قبل الاطراف المتنازعة الثلاثة (جمهورية كرواتيا، جمهورية البوسنة، جمهورية يوغسلافيا الاتحادية) موعدا لرفع العقوبات المفروضة. وبالفعل تم تنفيذ الشروط وتوقيع الاتفاق من قبل الاطراف المتنازعة وتم بالمقابل رفع ُ العقوبات بموجب القرار رقم 1021 في 22/11/1995ونصّ القرارُ على ما ياتي:«خلال المدة الاولى والبالغة 90 يوما واعتبارا من تاريخ تقديم الاتفاق الرسمي الى السكرتير العام للامم المتحدة، ُ اجراءاتِ الحصار كافة تبقى قيدَ التنفيذ، خلال المدة الثانية والبالغة 90 يوما واعتبارا من تبليغ السكرتير العام للامم المتحدة، يرفع الحصارُ المفروضُ على السلاح جزئيا، وبعد 180 يوما، وبعد تطبيق اتفاق استقرار المنطقة، يتم رفعُ الحصار الكليّ عن السلاح».
في كلا الحالتين المذكورتين (حالة هاييتي وحالة يوغسلافيا) نلاحظ تطابقَ وتجانسَ قراراتِ مجلس الامن مع المنطق القانوني والمبدا العام وهو مبدا «التوازن في الاجراءات او الشكليات» بخصوص فرض الاجراءات العقابية بموجب الفصل السابع وبخصوص رفعها عندما يتبيـّن لمجلس الامن غيابُ الدافع الذي ادى الى اتخاذ الاجراءات العقابية.
ولكن في حالات اخرى، لا يتـّبع مجلسُ الامن الالية َ نفسَها في رفع العقوبات، اي غيابُ الدافع الذي ادى الي تطبيق الفصل السابع لا يقود الى رفع الاجراءات العقابية المفروضة. من هذه الحالات نذكر القرار رقم 1267 في 15/10/1999 بخصوص الحالة في افغانستان، حيث صرّحَ مجلسُ الامن بموجب القرار عن قلقه العميق بسبب الانتهاكاتِ الجسيمة لحقوق الانسان التي يرتكبها نظام ُ طالبان والدعم الذي يقدمه هذا النظام الى النشاطات الارهابية، ويشترط لرفع العقوبات عن افغانستان انْ يقومَ نظامُ طالبان بتسليم بن لادن الى اي دولة لغرض محاكمته. اي بعبارة اخرى تسليم بن لادن سيكون كافيا لازالة كلّ تهديدٍ للسلام والامن العالمي!
الحالة ُ الاخرى هي حالة القرار رقم 731 في 1992 بخصوص ليبيا. قراءة القرار تجعلنا نفترض بانّ رفعَ العقوبات التي فرضت على ليبيا تتم بعد انْ يتم تسليمُ الشخصين المتهمين بتفجير الطائرة. والقرار رقم 1192 عام 1998 الصادر من مجلس الامن ينصّ على ان ليبيا قبلتْ بتسليم الاشخاص الى المحاكم المختصة وانّ وقفَ العقوبات لا يتم الا بعد انْ يؤكـّد الامينُ العامّ للامم المتحدة تسليمَهم فعلا.
وبالفعل وعلى ضوء رسالة تاكيد ٍ من السكرتير العام للامم المتحدة يعلن فيها بانّ ليبيا قامتْ بتسليم المتهمين فقد تم فعلا وقفُ العقوباتِ المفروضة وليس رفعها وذلك بتاريخ 5/4/1999 من دون ذكر وتحديد للشروط التي يتم بموجبها الرفع ُ الكاملُ للعقوبات.
ولتفسير هذا التباين ِ والاختلافِ في قراراتِ مجلس الامن المتخذة بموجب الفصل السابع ازاءَ حالات تخصّ دولا تقع في مناطقَ جغرافيةٍ مختلفة وتنتمي لحضارات مختلفة (هاييتي ويوغسلافيا من جهة وافغانستان وليبيا والعراق من جهة اخرى) قال الامينُ العام السابقُ للامم المتحدة السيد بطرس غالي انّ «الاهداف المرجوة من تطبيق سياسة فرض العقوبات بموجب الفصل السابع قد تتغير مع الوقت...
وبسبب من خصائص هذه الاهداف القابلة للتغير وغير الدقيقة، من الصعوبة لمجلس الامن انْ يحدّدَ الوقتَ الذي سيتم فيه تحقيقُ هذه الاهداف ورفعُ العقوباتِ المفروضة...».
التفسير المذكور بحسب ما اعتقد هو تفسيرٌ دبلوماسيّ يخفي الابعادَ السياسيّة والاهدافَ الاستراتيجية للقرارات.
الحالة ُ العراقية توضّح بصورة ٍ اكثر حالتي عدم الدقــّة في تعريفِ الدوافع والتغير في الدوافع التي تقود الى تطبيق الاجراءات العقابية بموجب الفصل السابع. نذكر القرارَ رقم 661 في عام 1990 الذي فرضَ العقوباتِ على العراق كمثال مع حالة التغيير في الدوافع التي تقود الى تطبيق الاجراءات، كان هدفُ القرار هو انسحاب العراق من الكويت، وقد تدخلت قواتُ التحالفِ عسكريا وتم تحريرُ الكويت ولكن بقيت العقوباتُ. اي تمّ تحقيقُ الاهدافِ المرجوّة من العقوبات التي فـُرضتْ بموجب القرار المذكور اعلاه، واعلن مجلسُ الامن ذلك وبوضوح في قراره الصادر في 3/4/1991 «اعادة َ السيادة والاستقلال الى الكويت وعودة حكومتها الشرعية». ان ّ تطبيقَ الاهداف المرجوة من تطبيق القرار 661 وغيابَ الدوافع التي ادّت الى صدوره كان ينبغي انْ يؤدي الى رفع العقوبات والغاء القراراتِ الصادرة وذلك وفقا لمنطق القانون ووفقا ًَ لمبدا «التوازن في الاجراءات والشكليات» وعلى غرار الحالاتِ التي سبق ذكرها (هاييتي ويوغسلافيا).
نـُدرج هنا ما قاله بعضُ اساتذة ِ القانون بهذا الخصوص: «الموضوعُ الاساسيّ للعقوبات الاقتصادية المفروضة بموجب القرار رقم 660 عام 1990 هو اجبارُ العراق على ترك الكويت حالا وبدون شروط. وقد تحقق هذا الهدف بالتدخل العسكري، لذا تصبح هذه العقوبات الاقتصادية ساقطة».
في راي اخر للاستاذ Jean Combacau يقول فيه:«من الطبيعي ان تكونَ العقوباتُ المنصوصُ عليها في المادة 41 والتي تليها منتهية َ الفاعلية والاثر عندما تخضع لها الدولة ُ المعنية».
في القرار رقم 687 عام 1991، فانّ مجلسَ الامن «تعهد باعادة النظر بقراراتهِ وبصورة دورية اخذا بنظر الاعتبار مدى احترام العراق وتطبيقه لقراراتهِ والتقدم الحاصل في السيطرة على التسلح في المنطقة».
كما نستنتج، ان القرارَ يفرضُ على العراق تلبية َ شرط اخر كي يتم رفعُ الاجراءات العقابية (يلاحظ القارئ تغيّر الاهداف والدوافع) وهذا الشرط هو التقدم الحاصل في السيطرة على التسلح في المنطقة، ذلك انّ تنفيذه افتراضيٌّ ولا يتعلق بالعراق كما انّ تعريفه غيرُ دقيق ٍ وغيرُ محدّدٍ بزمن، مما يدل على انّ الشرط َ هو حجة لابقاء العقوبات، والامرُ واضحٌ في الرسائل التي تمّ توجيهُها من قبل رئيس لجنة التحقيق في اسلحة الدمار الشامل في العراق بتاريخ 27 و 30/3/1999، والتي اشارتْ الى انّ العراقَ نفـّذ َ بعضَ الالتزامات المفروضة عليه في مجال التدمير والتخلص من الاسلحة المنصوص عليها في الفقرات 8-12 من القرار المذكور، الا انّ مجلسَ الامن لم يتخذ ايّـة َ خطوةٍ لتخفيفِ العقوباتِ المفروضة، بيد انّ مثل هذا الاجراء منصوصٌ عليه في الفقرة 21 من القرار نفسه.
انّ المنطقَ القانونيّ ومبدا التوازن في الاجراءات والشكلياتِ يقضيان بانْ يتبنى مجلسُ الامن قرارا واضحا وصريحا في رفع الاجراءات العقابية التي فرضها على دولةٍ ما وقعتْ تحت طائلةِ الفصل السابع، ومثلُ هذا القرار يتطلب موافقة َ الاعضاء الدائمين في مجلس الامن كافة، ولاسيما عدم استخدام حقّ النقض من قبل احد الاعضاء. واستخدامُ حق النقض ضدّ رفع الاجراءات العقابية لايهدف الى منع مجلس الامن من اتخاذ قرار ايجابي، بل على العكس يمنعه من معالجة قرار سابق اوجد حالة ً معينة، وهذا ما سَعتْ اليه الولاياتُ المتحدة الامريكية وبريطانيا بموقفهما تجاه القرار رقم 687 عام 1991 الهادفِ الى الاستمرار في فرض العقوبات، مما يسمح لها انجازَ وتحقيقَ اهدافٍ استراتيجية وسياسيةٍ اخرى غير تلك التي تسبّبتْ بفرض الاجراءات العقابية. بكلّ تاكيد فانّ القرارَ المشارَ اليه اعلاه ينصّ على الشروط التي تسمح بمراجعة او الغاء ِ الاجراءات العقابية ولكنّ التاكدَ من تحقق هذه الشروط او وجود دلالاتٍ عملية لاستجابة العراق لهذه الشروط لا يؤدي الى رفع الاجراءات العقابية بصورة تلقائيةٍ ما لم يتم اتخاذ ُ قرار بذلك من قبل مجلس الامن وبالاجماع. كما انّ حقّ النقض الذي يمكن انْ تمارسَه احدى الدول الاعضاء يَحولُ دون ذلك. بعبارةٍ اخرى حقُّ النقض يسمح للجهة التي تمارسه بانْ تستمرَ الاجراءاتُ العقابية ُ المفروضة ُ بدوافعَ تخصّها واهدافٍ تسعى اليها غير تلك الدوافع القانونية التي سبّبتِ القرارَ، وهذا الامرُ يبدو جليا وواضحا في تصريح اولبرايت سكرتيرة الدولة انذاك للشؤون الخارجية للولايات المتحدة الامريكية، حيث قالتْ:«نحن لا نتفق مع بعض الدول التي تؤكد بانّ العراقَ قد اوفى بالتزاماتهِ المتعلقةِ بالتخلص من اسلحة الدمار الشامل». كذلك الامر في تصريح كلنتون رئيس الولايات المتحدة الامريكية الاسبق حيث قال:«العقوباتُ ستبقى لاجل غير محدود طالما بقي نظامُ صدام حسين».
استخدامُ حقّ النقض بهذه الطريقة دفعَ ممثلي الدول الاعضاء الدائمين في الامم المتحدة والجمعية َ العامّة الى القول بانّ الاجراءات العقابية َ يجبُ انْ لا يستمر تطبيقـُها الى اجل غير مسمى من دون الاخذ بنظر الاعتبار بالسلوك الايجابي الذي تتبناه الدولُ الخاضعة ُ لهذه الاجراءات، الامرُ الذي حدا بتشكيل لجان عديدة هدفها هو وضعُ استراتيجيةٍ لكيفية الخروج من الفصل السابع ورفعُ الاجراءات العقابيةِ المفروضة على دولة بموجب بنود الفصل السابع.
ومن تلك اللجان لجنة ُ انترلاكن Interlaken ولجنة بون بورلن Bonn-Berlin. وجهودُ هذه اللجان وموضوع ُ اعمالها هو معالجة الصعوباتِ التي تحول دون رفع الاجراءات العقابية المفروضة وايجاد ُ حلول اخرى غير تلك التي تمّ النصّ عليها في ميثاق الامم المتحدة مثل حقّ النقض او الية استئنافِ القرار من مجلس الامن. ويمكن ان يكونَ في صيغ ٍ مختلفةٍ لها الاساسُ فيها هو:
في كلّ قرار صادر بموجب الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة ينبغي انْ يكون دافعُ وموضوع ُ القرار واضحا ودقيقا: الوضوحُ يعني اعتمادَ، وبصورةٍ نهائيةٍ ومسبقة لتنفيذ القرار،معاييرَ تقيم الاجراءات العقابية المفروضة على الدولة. (مجلس الامن ـ تصريح رئاسي برقم (S/Prst/1995/9 in 22 fevrier, 1995))
اي الاعتمادُ على معاييرَ موضوعية ٍ محكومةٍ بتقويم زمنيّ يجعل الدولة َ الخاضعة َ للاجراءاتِ العقابية امام حلّ اخر، خيار اخر فيما اذا التزمت بشروط القرار، وبخلاف ذلك لا نعلم لماذا تستجيبُ الدولة الخاضعة ُ للاجراءاتِ العقابية الى شروط القرار اذا كان التزامها لايؤدي الى نتائجَ ايجابيةٍ تتلخص في تحررها من الاجراءات.
وعلى ضوء الية ادراج شرط رفع الاجراءات العقابية ضمن الشروط التي يتضمنها القرارُ الصادرُ من مجلس الامن، يمكن اتباع احدى الصيغتين التاليتين في كتابة وتحرير الشرط: في الصيغة الاولى، مجلسُ الامن يعبر عن نيـّته في مراجعة الاجراءات العقابية لغرض رفعها شريطة َ انْ يـُشيرَ الامينُ العامّ في تقريره بانّ الدولة َ موضوع الاجراءات العقابيّة قد امتثلتْ الى شروط القرار واحترمت التزاماتِها10.
مثلُ هذا الشرطِ تمّ استخدامُهُ في قراراتٍ عديدةٍ خاصة ً تلك التي صدرتْ تجاهَ جمهورية يوغسلافيا الاتحادية سابقا وهاييتي وليبيا.
في الصيغة الثانية، مجلسُ الامن يستطيع انْ يـُقرّرَ رفعَ الاجراءات العقابية المفروضة اذا كانتْ نتائجُ تقرير الامين العام للامم المتحدة ايجابية ً، ونجد مثلَ هذه الصيغةِ في القرار رقم 1267 عام 1999 بخصوص نظام طالبان.
في صيغة اخرى، يحدّدُ مجلسُ الامن المدة َ القانونية للاجراءاتِ العقابية المفروضة ووفقا للنص الاتي:«مجلسُ الامن يقرّر بانّ الاجراءات المفروضة َ (...) نافذة ٌ لمدةٍ، تـُحدّدُ المدة ُ وبنهاية هذه المدة, يقرر المجلسُ فيما اذا كانت الوحدة ُ المفروضُ عليها الاجراءاتُ اوفتْ بالتزاماتِها وبالنتيجة يتمّ رفعُ او تمديدُ العقوباتِ لمدةٍ زمنية اخرى ووفقا للشروط نفسها».
اهمية ُ مثل ِ هذه الصيغة تكمن في محدوديةِ المدة القانونية للعقوبات، والنصُّ على توقفِ العقوبات بصورة تلقائية او رفعها بشكل نهائي او تمديدها لمدة قانونية اخرى يتوقفُ على اتفاق اعضاء مجلس الامن، بعبارةٍ اخرى في نهاية المدة القانونية المتوقعة في الشرط، تصبح الاجراءاتُ العقابيّة ُ او العقوبات من دون مفعول.
استخدمت هذه الصيغة ُ في قراراتٍ عديدة اهمها القرار رقم 1306 عام 2000 بخصوص سيراليون Sierra Leone والذي ينصّ على عقوباتٍ لمدةٍ محددة الاجل وهي (8 اشهر). في نهاية هذه المدة قرر مجلسُ الامن تمديدَ فرض العقوبات لمدة (11 شهرا) اخرى كي يستطيعَ الامينُ العام التفاوضَ مع حكومة سيراليون لتاسيس محكمةٍ لمقاضاة الذين ارتكبوا جرائمَ بحقّ الشعب وبحقّ الافراد العاملين في المنظمات الدولية.

عن: المدى