الحضارية «قراءات ومتابعات»

الخميس: 03/07/2008


هل أصبحت عودة «الاستعمار الجديد» للعالم العربي سهلة ووشيكة؟

د. شاكر النابلسي

أصبحت عودة الاستعمار إلى مناطق كثيرة من العالم ومنها العالم العربي أسهل مما كـانت عليه قبل عام 1991 وقبل أن يختفي الاتحاد السوفيتي من خارطة العالم السياسيـة، ويختفي توازن القوى في العالم. فالعالم الآن في قبضة قوة عظمى واحدة. والقرار الدولي في العالم اليوم هـو قرار واحد. ومن هنا، ارتفعت أصـوات الكتّاب والمثقفين في الغرب، تنادي بأن «الوقت قد حان للكفَّ عن نواح القرن العشرين، والشروع بتدبر السبل الكفيلة بضمان استقرار كوني ورفاهية واسعة. وأن الخطوة الأولى لذلك كما قال إدوارد سعيد، هي إعادة تأسيس الإمبريالية الغربية» ( «تعقيبات على الاستشراق»، ص16، نقلاً عن بول جونسون، الإمبريالية الضائعة).
أعمدة الحكمة السبعة
يقول بول جونسون في كتابه (الإمبريالية الضائعة): إن إعادة تأسيس الإمبريالية الغربية، سوف يتم على أعمدة حكمة سبعة هي:
1ـ استعادة دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن كذراع طويلة للقوى الغربية.
2ـ تحويل الأمن الجماعي من قوة سلبية إلى «كلب حراسة» يقظ.
3ـ تثبيت حق التدخل عند الحاجة وطرد أوهام و «خرافة الاستقلال».
4ـ العمل على استيعاب الصين وإعادة توجيهها في أقنية إيجابية بنّاءة.
5ـ إدخال الصين في منظومة الدول الصناعية الكبرى والاقتصاد الدولي.
6ـ تربية البشرية وفق القواعد الليبرالية الغربية.
7ـ الحفاظ على الموارد وحسن استغلالها.
أسباب احتمال عودة الاستعمار للعالم العربي
وأما العوامل المساعدة على عودة الاستعمار إلى العالم العربي مستقبلاً، فيمكن حصرها في العوامل التالية:
1 ـ سيكون وجود النفط في العالم العربي عاملاً مهماً من عوامـل عودة الاستعمار إلى العالم العربي، فيما إذا اشتدت أزمة الطاقة أكثر مما هي عليه الآن ووصل سعر برميل البترول إلى 200 دولار. وفكرت الدولة العربية المنتجة للبترول باستخدام النفط كسلاح سياسي في المستقبل وهذا مستبعد إلى حد ما. وفيما إذا أسرفت الدول العربية المنتجة للنفط في الإنفاق على ملـذات الفئة الحاكمة وترفها، في حين أن الشعوب المستهلِكة للنفط تدفـع ثمن هذا النفط من عرقها وكدها وجهدها وشقائها. وفي هذا ينقل رياض الريّس على لسان أحـد المسؤولين الغربيين قوله: «أي حق للدول المصدرة للنفط والتي لم يكن لها أي دور على الإطلاق في اكتشاف هذا الذهب السائل، أن تلعب بمصير الحضارة الغربية كلها؟ أليس من الممكن خلق قضية فيها كل مواصفات الإقناع ولياقة المنطق وقوة حجة الاقتصادي وتبريرات السياسة تدعو الغرب إلى إعادة استعمار هذه المنطقة التي هي بمثابة حبل الوريد لكل مصالح العالم الغربي» ( رياض الريّس، «عودة الاستعمار»، ص 24).
من المنتظر أن يسبب إنتاج النفط مالاً فائضاً ضخماً وقد حصل ذلك الآن ـ كما تم في الماضي في الفترة 1974- 1982ـ تعجز عن استيعابه قنوات الاستثمـار المحدودة والضيقة في العالم العربي. في حين أن قنوات الاستثمار المالي في الغرب مفتوحة ومتعددة وواسعة، لاستيعاب مثل هذه الأموال. ومن هنا فسيسعى الغـرب إلى اجتذاب هذه الأموال ضمن استراتيجياته الجديدة، التي يُطلق على واحدة منها استراتيجية «استيراد رأس المال الفائض». في حين أن الغرب لن يكون لديه أموال فائضة لكي يستثمرها في العالم العربي صاحب قنوات الاستثمار الضيقة والمحدودة. ولعل ذلك يفسر لنا الطفرة العقارية الهائلة التي حصلت في المدة الواقعة بين 1974-1982، والتي اجتاحت دول الخليج المنتجة للنفط أولاً، ثم باقي الدول العربية الأخرى، التي كان لها رعايا يعملون في دول الخليج. وكان هذا الوضــع ناتجاً عن أن القناة العقارية والمضاربات فيها كانت هي القناة الاستثمارية الوحيدة التي تستطيع أن تستوعب جزءاً من أموال النفط. وقد أدت هذه الظاهرة إلى الضرر بالاقتصاد العربي وإلى التضخم، وإلى أزمات اقتصادية كثيرة منها أزمة «سوق المناخ» المعروفة في الكويت، والتي على إثرها انهارت بورصة الأوراق المالية في الكويت. وهو ما يتكرر الآن، وربما بطريقة أسوأ من حيث المضاربات العقارية ومضاربات البورصات الخليجية خاصة.
2 ـ عندما رحل الاستعمار عن العالم العربي، ظنَّ العرب بأن ما أن يخرج الاستعمار من المنطقة حتى يكون العالم العربي مهيئاً لأن يدخل في عهود الحرية والديمقراطية والرخاء الاقتصادي والانفتاح الاجتماعي والثقافي. وأن الاستعمار في الماضي كان سبباً رئيساً في كتم ومصادرة الحريات وانتشار الطغيان والاستبداد. وأن الديمقراطية السياسية لم ترَ النور في العالم العربي لسيطرة الاستعمار وإعدامه للزعماء السياسيين، ورميه للمعارضة السياسيـة في غياهب السجون. وأن الجوع والتخلف والجهل مظاهر كانت من أبرز مظـاهر الاستعمار في الحقبة الممتدة من 1918-1970، وأن العالم العربي شهد خلال هذه الفترة تدهوراً حضارياً كبيراً في جميع مناحي الحياة.
ولكن كثيراً من المثقفين أصيبوا بفاجعة كبيرة وخيبة أمل مفزعة في الدولة الوطنية، عندما رأوا الاستعمار يرحل عن العالم العربي، وتتولّى الدولة الوطنيـة زمام الأمور، فتتدهور الحياة السياسية في العالم العربي إلى درجات أحطّ مما كانت عليه أيام الاستعمار، وتُصادر الحريات بطريقة أبشع مما كـانت عليه أيام الاستعمار. وكما يقول المفكر السياسي الأردني منيف الرزاز «فعلى الرغم من أن المجتمع الشرقي لم يعرف الحرية بمعناها الحديث سابقاً، فلقد كان استعباده مع ذلك على يد حكامه شيئاً آخر، لم يدعه إلى الثورة الجماعية من أجل الحرية كما فعل حين استعبده الاستعمار الغربي».(الأعمال السياسية والفكرية،ج1، ص528).
وانتشر الفساد السياسي والإداري والاجتماعي في الدولة الوطنية بشكل أكبر مما كان عليه أيام الاستعمار، وجاع الناس أكثر من جوعهم أيام الاستعمار، وبقيت نِسب الأميّة في العالم العربي كما كانت عليه أيام الاستعمار. وكان الاستعمار في الماضي قد بنى المدارس والمستشفيات والطرق وشجع الزراعة وفتح البنوك ونظَّم الحياة الاقتصادية والإدارية في الدولة. برغم أن الناس كانت غير مرتاحة لمثل هذه القوانين والتنظيمات. ويؤكد الرزاز بأن «هذا كان شيئاً جديداً في حياة الناس لم يألفوه، وكرهوه، وشعروا أنه ضغط على حريتهم التي ألفوها وتعودوا عليها». وكانت معظم هذه الخطوات لصالح الاستعمار وضماناً لأهدافه السياسية والاقتصادية. فقد كان الاستعمار بحاجة إلى قوانين جديدة وإلى تنظيم مجتمع يتناسب مع غاياته العسكرية والسياسية والاقتصادية. وما زال كثير من النظم الإدارية المعمول بها في العالم العربي من النظم التي وضعها الاستعمـار من دون تغيير. وكل ما طرأ عليها كان التطبيق السيىء لها بفضـل الفساد الإداري، وعدم وجود آليات الحساب والعقاب في الدولة العربية الوطنية.
ومن هنا، بدأنا نسمع بين صفوف المثقفين من كان يترحَّم على أيام الاستعمار، وما أقام وأنشأ وبنى وعمَّر. وكانت هذه الأصوات تقول لو أن الاستعمار أنصف في تلك الحقبة بمعنى أنه قسَّم الرغيف الوطني بينه وبين أبناء الوطن، ولم يأكل الرغيف الوطني كله، ويُحرم أبناء الوطن منه ويتركهم في الجوع، وفتح نوافذ الحرية، وجاء لا ليضطهد ولكن ليُعمِّر ويستثمر ويُفيد ويستفيد لكان حال العالم العربي الآن أفضل مما هو عليه الآن. ولكـن الاستعمار كان بحاجة إلى أن يحافظ على نفسه وعلى مصالحه بكبت كل ما من شأنه أن يهدد هذه المصالح.
ويعود رياض الريّس ليقول نقلاً عن مسؤول غربي: «أصبحت احتمالات عودة الاستعمار مفتوحة. وأن هذه الاحتمالات لن تلقى معارضة أخلاقية أو مبدئية، كما كان يمكن أن تلقى في الماضي. لأن كثيراً من التحفظات الأخلاقية والمبدئية للاستعمار الغربي قد زالت عندما بدت على خطأ. فجلاء الاستعمار عن إفريقيا وآسيا لم يقد إلى الرخاء والحرية، بل قاد إلى مزيد من الفقر والتخلف ومزيد من القهر والاضطهاد. فقد نشأت بعد الاستقلال أشكال جديدة من العبودية السياسية والاقتصادية والاجتماعية» (عودة الاستعمار، ص 25).
3 ـ يقول المفكر المصري أنور عبد الملك، بأنه لا مجال للشك، بأن «عودة الاستعمار إذا تمّت مستقبلاً، فإنها ستتم على أساس حماية مصالح الغرب الاقتصادية وتأمين مصادر الطاقة في العـالم العربي، وعلى رأسها البترول العربي. كما ستتم هذه العودة على أساس أن وجود إسرائيل يشكل رأس حربة وقاعدة عدو مسلح مستمر ضد كل ما يمكن أن يشجع على النهضة العربية». (الفكر العربي في معركة النهضة، ص 144).
4 ـ لا ريب في أن الاستعمار في الماضي رحل عن مناطق كثيرة من العالم كالجزائر والمغرب العربي والخليج العربي وفيتنام والهند وعدن وغيرها من المناطـق الأخرى، بعد أن أمسك بآلته الحاسبة وجمع وطرح وأجرى حسابات دقيقة، وجد على إثرها أن إقامته هنا وهناك فيها خسارة مادية لا تستأهـل الاستمرار في الإقامة كمستعمر داخلي، وأن عليه أن يُغيّر استراتيجيته ويتخـذ من الاستعمار أداة جديدة تخفف عنه تكلفة الإقامة الدائمة داخل مستعمراته، بحيث لا يدفع مالياً وبشرياً أكثر مما كان يأخذ. فيما اعتُبر ذلك من قبل القوميين والمناضلين انهزاماً للاستعمار ودحراً له ونهاية لعهده. في حين أن الاستعمار كان قد خرج من الباب ليدخل من الشباك، ليس من جرّاء مكره وقوته وألاعيبه كما يقول القوميون، ولكن من جرَّاء أننا ما زلنا أمة ضعيفة، هشَّة الكيان، ذات ظهر مقوَّس، و «حائط واطي». وما زلنا غير مُستقلين وغير مكتفين بأنفسنا مادياً وثقافياً وغذائياً وصناعياً وزراعياً وتكنولوجياً وخلاف ذلك. وأننا بحاجة إلى الغرب، وأن سير حياتنا متوقف على علاقتنا الطيبة مع الغرب، ومدى ما نُقدمه للغرب من وسائل وتسهيلات لسير الحياة الغربية وتيسيرها. وأن الاستعمـار لا ينبت إلا في أرض لديها خاصية «قابلية الاستعمار» كما عبَّر عن ذلك المفكر الجزائري مالك بن نبي. وأن الاستعمار لا يمكن له أن يستعمر شعباً إلا إذا كان هذا الشعب لديه الاستعداد الذاتي لتقبُّل الاستعمـار. وقد كان كذلك وضـع الجزائر على سبيل المثال كما هو وضع معظم الشعوب العربية والإسلامية، فيما يقول مالك بن نبي.
ومن هنا نقـول، بأن الاستعمار لم يرحل عن العالم العربي، وأنه يعود في كل يوم بأشكال وأقنعة جديدة. فقد كانت مصر والهند هما اللتان تزرعان القطن، وكانت بريطانيا هي التي تصنعه وتبيعه. فهل كفّت بريطانيا عن ذلك بعد أن رحلت عن الهند ومصر؟
وكانت سيلان هي التي تزرع الشاي وبريطانيا هي التي تبيعه. فهل كفَّت بريطانيا عن ذلك؟ وما هو مصدر الشاي الذي نشربه الآن؟
وكانت الدولة العربية هي التي تنتج البترول والغرب هو الذي يبيعه، فمن الذي يُكرر البترول الآن ويسوّقه ويبيعه؟
وكانت الجزائر هي التي تزرع العنب وفرنسا هي التي تبيع النبيذ، فمن الذي يبيع النبيذ الآن؟
إن الزمن سيطول جداً في بقاء العالم العربي مرتبطاً استعمارياً بالغرب كلما تقدم الغرب وبقينا نحن «مكانك سِرْ»، أو تراجعنا إلى الخلف، كما حدث في النصف الثاني من القرن العشرين، حين ضاقت هوامش الحرية، وتراجعت الديمقراطية، وانتشر الفساد، وعمَّ الخراب والفوضى والحروب والجهل والأمية أرجاء مختلفة من الوطن العربي. وقد تنبه إلى كـل هذا بعض المفكرين السياسيين العرب حين لخصوا كل هذا بقولهم على لسان الرزاز: «إن شعـوب العالم الثالث ودوله التي حققت بنضالها القومي المتواصل استقلالها السياسي كان لا بد أن تكتشف الخدعة الكبرى التي وقعت فيها، وكان لا بد أن تتابع نضالها حتى تحقق تحررها الاقتصادي والاجتماعي».
5 ـ ينصبُّ اهتمام المفكرين السياسيين القوميين في شأن عودة الاستعمار على أمريكا بالذات. وهذا شيء مقبول وطبيعي أن تكون أمريكا هي الاستعمار الجديد في العالم العربي وهي التي تمثل مرحلة جديدة من مراحل عودة الاستعمار. ولكن غير المقبول وغير المنطقي وغير المقنع أن يصوِّر هـؤلاء أمريكا للعالم العربي بأنها ليست دولة غنية بذاتها، وأن غناها ليس نتيجة لمواردها الطبيعية، وثورتها العلمية، وتقدمها التكنولوجي فحسب، ولكنها لكونها تستغـل دول العالم الثالث وموارد العالم الثالث بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. ونحن نعلـم أن أمريكا قبل أن تعرف العالم العربي، كانت هي الدولة الأغنى في الحرب العالمية الثانية. وأنها هي التي أنقذت أوروبا من الإفلاس والمجاعة غداة الحرب العالمية الثانية بواسطة «مشروع مارشال»، في الوقت الذي كانت أوروبا هي المستعمِرة للعالم العربي وهي التي كانت تستغل ثرواته وخيراته.
والتناقض بين أمريكا والعالم الثالث ليس كما يقول المفكرون القوميون على لسان الرزاز«ليس سببه تناقض الغنى مع الفقر أو الجهل مع المعرفة، ولكن سببه إصرار أمريكا على أن يكون استمرار غناها وتصاعده على حساب بلدان العالم الثالث، وإصرارها على أن تفرض على هذا العالم النظام الاقتصادي الذي كان سبب فقره وتخلفه أيام الاستعمار الأوروبي، وكان سبب غنى الدول الصناعية وتقدمها». ولعل مثل هذه الأقوال تنقصها الأرقام الدالة. كما أن مثل هذه الأقوال تُنكر على الشعب الأمريكي جده واجتهاده وعلمه وتقدمه التكنولوجي وضخامة ثرواته الطبيعية التي بوّأت الشعب الأمريكي لكي يصبح متوسط دخل الفرد الأمريكي من أعلى المداخيل السنوية العالمية. ولكن المفكرين القوميين ينكرون ذلك، ويقولون إن سرَّ غنى أمريكـا «ليس مواردها الطبيعية وثورتها العلمية والتكنولوجية فحسب، وإنما هو استغلالها الحتمي لموارد العالم الثالث».
6 ـ إن المستوى العلمي المتدني للعالم العربي، ومستوى الخدمـات المتدني، ومستوى التدريب المتدني في المجالات المختلفة، قد اضطر الدولة الوطنية إلى استدعاء أعداد كبيرة من الخبرات الأجنبية للعمل في مختلف مجالات التدريب والصيانة والتشغيل، وخاصة في دول الخليج، التي كان لديها الإمكانية المالية لدفع تكاليف برامج التدريب والصيانة وخاصة في المجال العسكري والصناعي. وقد اعتُبرت هذه الخطوات بمثابة عودة الاستعمار الأجنبي لبعض الأقطار العربية فيما لو علمنا أن هؤلاء الفنيين يشكلون أعداداً كبيرة من الخبراء الأمريكيين على وجه الخصوص، وفيما لو علمنا أيضاً أن معظم السلاح المستعمل في الخليج الآن هو سلاح أمريكي. وأن رحيـل هؤلاء الخبراء مرتبط باستعدادنا لاستبدالهم بكوادر وطنية قادرة على القيام بعمل الخبراء الأجانب.
7 ـ لقد استطاع الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والأسباني خلال النصف الأول من القرن العشرين أن يُحكِم قبضته على العـالم العربي من خلال تجزئة العالم العربي ومن خلال تركه العالم العربي نهائياً مجزءاً في عام 1970. فهل اتحد العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أو حتى اتحدت بعض أجزائه لتحول بينها وبين عودة الاستعمار من جديد؟
إننا ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين، وفي عام 2008، نرى أن العالم العربي أكثر تجزئة مما كان عليه في النصف الأول والثاني من القـرن العشرين، وأن هناك عوامل كثيرة ساعدت على تجزئة الوطن العربي منها ظهور البترول وغلاء أسعاره، وظهور الحركات الدينية المتعصبة والعصابات الإرهابية، التي ساعـدت على هذه التجزئة وكرَّستها أكثر فأكثر.
فهل يكون هذا التغير السياسي والاجتماعي والاقتصـادي عاملاً مهماً ورئيسياً لعودة الاستعمار من جديد إلى العالم العربي؟
8 ـ إن الإنسان لا يستطيع أن يقاوم عدواً يجهله. فلكي يستطيع الإنسان أن يقاوم عدواً ما، عليه أن يعرفه جيداً. وقد تعثرت مقاومتنا للاستعمار الغربي في الماضي وطالت، ودفعنا ثمنها غالياً لأننا كنا نجهل الاستعمار وآلياته. واليوم عندما يعود إلينا الاستعمار بوجه جديد وأسلوب جديـد، وهو وجه وأسلوب التكنولوجيا الحديثة بأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ذات المستوى العالي والمعقدة، فهل نحن على استعداد لمقاومته؟
إن الأمة العربية، لا تملك أي سلاح علمي لمقاومة التكنولوجيا الحديثة بأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذا كان للأمة العربية أن تقاوم التكنولوجيا الحديثة، وكان لها مبررها الحضاري والعلمي في مقاومة هذه التكنولوجيا.
فالشعب العربي ـ كما يقول المفكر المغربي عبد الله العروي ـ «لا يفهم هذه التكنولوجيا، وليست لديه إمكانية لاختراع أنظمة منافسة. فالتبعية ـ ظاهرة كانت أم خفية ـ لا تعني فقدان الحرية والاستقلال أو التعدي على كرامة الأمة ومصالحها المادية فقط، ولكنها تعني كذلك استمرار التأخر التاريخي وتعميقه».(أزمة المثقفين العرب تقليدية أم تاريخانية؟ ص 152).
فهل سيفتح هذا كله الباب لعودة الاستعمار من جديد إلى العالم العربي؟.