|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
الاربعاء: 25/06/2008
تأثيرات حرب العراق على الاقتصاد الأمريكي
د. سلم علي
لم تخطىء ادارة بوش حساباتها بشأن
منافع حربها على العراق فحسب، بل اخطأت أيضاً بشأن الاكلاف الباهظة لهذه
الحرب التي مضى عليها خمس سنوات. وبدلاً من توقعات الرئيس بوش ومستشاريه
بأن تكون حرباً سريعة وغير مكلفة، فقد أصبحت ثاني أطول حرب تخوضها
أمريكا. وتشير تقديرات باحثين اقتصاديين مرموقين في الولايات المتحدة إلى
أن تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي فاق كل التوقعات، وتقدر كلفة ما تكبده
حتى الآن 3 تريليونات دولار(أي 3 آلاف مليار دولار). ويتوقع هؤلاء
الباحثون أيضاً أن تخلف الحرب آثاراً وخيمة على مستقبل الاقتصاد
الأمريكي، وعلى مدى عقود، وإن كانت بعض مؤشرات ذلك بدأت تطفو على السطح
في الفترة الأخيرة مقترنة ببدايات مرحلة ركود اقتصادي يشبه في بعض سماته
«الركود الكبير» في أواخر عشرينات القرن الماضي.
بالنسبة إلى العراقيين، تكتسب دراسة تأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي
أهمية خاصة لارتباط ذلك على نحو وثيق بخطط صناع القرار في واشنطن وسياسة
الادارة الحالية (والمقبلة) تجاه الملف العراقي، والاحتمالات التي تكتنف
مسارها، بما في ذلك مسألة الوجود العسكري الأمريكي، البعيد المدى
والمفتوح، في العراق والسيطرة على ثرواته النفطية الهائلة.
فمن جهة، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، وبالأخص
الاتجاهات اليمينية المتطرفة في المؤسسة الحاكمة والمجمع الصناعي
العسكري، ستتخلى بسهولة عن الاهداف التي رسمتها للحرب في العراق ومنطقة
الشرق الأوسط، في اطار استراتيجيتها للأمن القومي على الصعيد العالمي،
خصوصاً بعد كل ما تكبدته من «تضحيات» اقتصادية وسياسية، وفي الأرواح،
خلال السنوات الخمس الماضية. يضاف إلى ذلك، توقع احتدام الصراع والتنافس
على مصادر الطاقة، وبالأخص النفط، بين أمريكا ومنافسيها القدامى والجدد،
بالأخص في أوروبا وآسيا (الصين والهند)، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى
احتياطي النفط الهائل في العراق الذي يحتل المرتبة الثانية عالمياً. من
جهة أخرى، يمكن للاعباء المتزايدة على الاقتصاد الأمريكي جراء الحرب
واستمرار الوجود العسكري في العراق، إلى جانب تعمق الأزمة الاقتصادية
الراهنة، ان تعزز مواقع الاوساط السياسية في أمريكا التي تفتش عن مخرج من
المأزق العراقي، والسعي إلى بدائل لسياسات المحافظين الجدد الاحادية على
الصعيد الدولي، التي اضعفت موقع الولايات المتحدة ونفوذها وهيبتها وأدت
إلى تسريع وتيرة الانتقال من نظام القطب الواحد، الأمريكي، إلى ما سيصبح
نظاماً متعدد الأقطاب على صعيد عالمي.
ومما له دلالة كبيرة في هذا الشأن أن الحرب في العراق وآثارها على
الاقتصاد الأمريكي تستقطب اهتماماً متزايداً في الجدل الدائر حالياً في
حملة الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة، خصوصاً بين المرشحين
الرئاسيين للحزب الديمقراطي. ويمكن أن تبرز هذه القضية بقوة أكبر في
الشوط الأخير من الحملة الانتخابية لكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي في
الفترة بعد آب (أغسطس) المقبل وإلى موعد الانتخابات الرئاسية في نهاية
2008م.
وعلى الرغم انه لا يتوقع حدوث تغييرات سريعة في السياسة الأمريكية تجاه
العراق في حال فوز الديمقراطيين، لكن مثل هذا التغيير سيؤثر بقوة على
اتجاهات هذه السياسة على المدى المتوسط، ويفتح الباب على مصراعيه
لاحتمالات عدة.
وهو ما يعني في المقابل، بالنسبة إلى العراق والعراقيين تحديداً، إتاحة
فرصة أو فرص ثمينة للتعجيل بانهاء الوجود العسكري الأمريكي، عبر فرض جدول
زمني للانسحاب مدعوم بقرار دولي، وانتزاع السيادة الوطنية الكاملة للعراق
واستقلال قراره السياسي والاقتصادي. ولا جدال في أن تحقيق هذا الهدف
الحاسم يتطلب تحقيق اجماع وطني يستند على حركة شعبية ذات مشروع وطني،
ديمقراطي موضوعياً، يتخطى الانقسامات الطائفية والقومية والفئوية، ويشكل
بحد ذاته شرطاً ملازماً لاستعادة الوحدة الوطنية وارساء مقومات الدولة
المدنية الديمقراطية في العراق.
كلفة العمليات العسكرية المباشرة
تشير احدث دراسة للباحثين جوزف ستيغليتز، البروفسور في جامعة كولومبيا
والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد (2001م)، وليندا بيلمس المحاضرة في
السياسة العامة في جامعة هارفرد(*)، إلى أن كلفة العمليات العسكرية
الأمريكية المباشرة (وهي لا تتضمن حتى الاكلاف البعيدة المدى مثل رعاية
قدامى المحاربين المصابين) تزيد على كلفة حرب فيتنام التي استمرت 12 سنة،
وتبلغ أكثر من ضعفي كلفة الحرب الكورية.
وحتى في أحسن السيناريوات المحتملة، يتوقع أن تبلغ هذه الكلفة عشرة أضعاف
ما كلفته حرب الخليج الأولى، وتزيد بنسبة الثلث تقريباًعلى كلفة حرب
فيتنام، وتبلغ ضعف كلفة الحرب العالمية الأولى. والحرب الوحيدة في تاريخ
أمريكا التي كلفت أكثر منها هي الحرب العالمية الثانية، عندما خاض 16.3
مليون جندي امريكي القتال على مدى أربع سنوات، وبلغت كلفتها الاجمالية
(بقيمة الدولار في 2007م، وبعد أخذ معدل التضخم بالاعتبار) حوالي 5
تريليونات دولار (أي 5 آلاف مليار دولار). وفي تلك الحرب، عندما شاركت
القوات المسلحة الأمريكية كلها تقريباً في القتال ضد الألمان
واليابانيينن كانت الكلفة لكل جندي اقل من 100 ألف دولار (بقيمة الدولار
في 2007). بالمقارنة مع ذلك، تصل كلفة الحرب في العراق إلى 400 ألف دولار
لكل جندي.
ولم يتحسس الأمريكيون بعد هذه الاكلاف. فالكلفة بالدم دفعها الجنود
المتطوعون ومتعاقدون جرى استئجارهم. أما الكلفة المالية فقد جرى تمويلها
كلياً بالاقتراض. ولم تجر زيادة الضرائب لتمويلها، بل جرى في الواقع خفض
الضرائب على الاغنياء. ويعطي العجز في الموازنة الأمريكية الانطباع بأنه
يمكن تعطيل فعل قوانين الاقتصاد، وان بالامكان الاستمرار، عبر زيادة
العجز، بتمويل الانفاق على الحرب والحاجات الاجتماعية على السواء. لكن
هذه القوانين لا يمكن أن تلغى. وتبقى اكلاف الحرب حقيقية حتى اذا اجرى
تأجيل استحقاقاتها إلى جيل آخر.
وقد ارتفع القومي للولايات المتحدة بحوالي 2.5 تريليون دولار منذ بدء
الحرب، ويرجع 1 تريليون دولار منه بشكل مباشر إلى الحرب بالذات. ويستمر
هذا الرقم بالارتفاع، وتشير التقديرات إلى أنه يحول 2017 سيرتفع الدين
القومي، بسبب الحرب وحدها، بحوالي 2 تريليون دولار.
تقديرات عشية الحرب
شهدت ادارة بوش عشية الحرب نقاشات حول اكلافها المحتملة. وقدّر لاري
ليندسي، المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي ورئيس المجلس الاقتصادي
الوطني، انها قد تصل إلى 200 مليار دولار. لكن هذا الرقم تعرض الى
استهانة به من قبل وزير الدفاع رونالد رامسفيلد الذي وصفه بأنه «هراء».
واعبر نائبه، بول ولفويتز، ان عملية اعادة الاعمار في مرحلة ما بعد الحرب
يمكن أن تمول من عائدات النفط العراقية التي سترتفع. وقدم ميتش دانييل،
مدير مكتب الادارة والموازنة، ورامسفيلد تقديراً لاكلاف الحرب يتراوح 50
و 60 مليار دولار! واعتبر أن جزءاً منها ستموله بلدان أخرى. (لذا أخذنا
بالاعتبار معدل التضخم، بقيمة الدولار في 2007م، فان هذه الكلفة
التقديرية ستتراوح بين 57 و 69 مليار دولار). لكن هذا المبلغ اصبح ينفق
كل ثلاثة أشهر!.
وتجدر الاشارة الى أن حتى لاري ليندسي، بعدما لفت إلى أن الحرب يمكن أن
تكلف 200 مليار دولار، اضاف قائلا: «سيكون انجاز الحرب بنجاح شيئاً
نافعاً اقتصادياً». وتكشف مراجعة تقديرات ليندسي الآن انه قلل بشكل كبير
من تقدير اكلاف الحرب ذاتها وأيضاً كلفتها بالنسبة إلى الاقتصاد. واذا
أقر الكونغرس الأمريكي تخصيص بقية الميزانية التكميلية للحرب التي تبلغ
200 مليار دولار للسنة المالية 2008، يكون الكونغرس قد خصص أكثر من 845
مليار دولار للعمليات العسكرية، واعادة الاعمار، واكلاف السفارة
الأمريكية، وتعزيز الاجراءات الأمنية في القواعد الأمريكية، وبرامج
المساعدات الأمريكية في العراق وأفغانستان.
ومع اقتراب السنة الخامسة للحرب من نهايتها، تشير التقديرات لكلفة
العمليات العسكرية (أو ما يمكن أن يسمى بـ«الانفاق الجاري») للسنة 2008م
إلى أنها ستزيد على 12.5 مليار دولار شهرياً للعراق، وهيزيادة كبيرة
بالمقارنة مع كلفتها في 2003م عندما بغلت 4.4 مليار دولار شهرياً. واذا
اضيفت الحرب في أفغانستان، فان الكلفة الكلية هي 16 مليار دولار شهرياً.
ويعادل هذا المبلغ الموازنة السنوية للامم المتحدة. ولا يشمل هذا الرقم
الـ500 مليار دولار التي تنفقها الولايات المتحدة بالفعل سنوياً على
المصروفات المعتادة لوزارة الدفاع، وكما انه لا يتضمن نفقات أخرى مخفية،
مثل جمع المعلومات الاستخبارية، أو أموال ممتزجة بميزانيات وزارات أخرى.
أرقام رسمية.. وأرقام فعلية
ان الكلفة الاجمالية للحرب أعلى بكثير من الرقم الرسمي لان هناك اكلاف
كثيرة لا تدخل ضمن حسابات الادارة. على سبيل المثال، غالباً ما يقول
مسؤولون في الادارة بأن ارواح الجنود لا تقدر بثمن. لكن من منظور الكلفة،
تظهر هذه الارواح «التي لا تقدر بثمن» على سجل حسابات البنتاغون كمبلغ
500 ألف دولار فحسب، وهو ما يدفع كمساعدات وفاة وبوليصات تأمين على
الحياة. وبعد أن بدأت الحرب، ارتفع هذا المبلغ من حوالي 12 ألف دولار إلى
100 ألف دولار (مساعدة الوفاة) ومن 250 ألف دولار إلى 400 ألف
دولار(بوليصة التأمين على الحياة). لكن هذه المبالغ لا تمثل سوى جزء مما
كانت عائلات القتلى ستتقاضاه لو أن الافراد فقدوا ارواحهم في حوادث مرور.
ففي مجالات مثل الصحة وضوابط السلامة تقدّر الحكومة الامريكية قيمة حياة
مواطن شاب من ذروة قدرته على كسب الإجر بما يزيد على 7 ملايين دولار، وهو
أكبر بكثير من المبلغ الذي تدفعه المؤسسة العسكرية الأمريكية كمساعدات
وفاة. وباستخدام هذا الرقم، تبلغ كلفة الـ4 آلاف جندي امريكي الذين قتلوا
في العراق حوالي 28 مليار دولار. كما ان الاكلاف التي يتحملها المجتمع
جراء الحرب هي أكبر بكثير من الأرقام التي تظهر في موازنة الحكومة
الامريكية. واحد الأمثلة الأخرى على الاكفاف المخفية يكمن في فهم ما
تعنيه الاصابات في صفوف الجنود الأمريكيين. فالاحصائيات التي تصدرها
وزارة الدفاع عن الاصابات تركز على تلك التي تنجم عن عمل عدائي (قتالي)،
وفقاً لما تحدده المؤسسة العسكرية. ولكن اذا اصيب جندي بجروح او مات في
حادث سيارة ليلاً، يوصف ذلك بأنه «ذو صلة بحادث غير قتالي»، حتى عندما
يكون التنقل بالغ الخطورة بالنسبة إلى الجنود خلال النهار.
وفي الواقع، يحتفظ البنتاغون بنوعين من السجلات. الأول هو لائحة الاصابات
الرسمية الموجودة على موقع وزارة الدفاع في الانترنت. أما الثاني، الذي
يصعب العثور عليه، فان المعلومات التي يتضمنها لا توفر الا في موقع آخر
على الانترنت ويمكن الحصول عليها بموجب «قانون حرية المعلومات». وتبيّن
هذه المعلومات ان العدد الكلي للجنود الذين جرحوا أو اصيبوا أو عانوا من
المرض هو ضعف عدد المصابين بجروح في اعمال قتالية. وقد يجادل البعض بأن
نسبة من هذه الاصابات التي تقع خارج ظروف القتال يمكن أن تحدث حتى اذا لم
يكن الجنود متواجدين في العراق. لكن الدراسة الجديدة للباحثين الامريكيين
ستيغليتز وبيلمس كشفت عن غالبية هذه الاصابات والامراض يكن أن تربط بشكل
مباشر بالخدمة العسكرية في الحرب.
الكلفة الاجمالية للحرب
وبالاستناد إلى المعطيات المتوافرة عن التمويل لحالات الطوارىء، وإلى
السجلات المتعددة، والانتباه إلى التقديرات التي تقلل على نحو مزمن من
الموارد المطلوبة لمواصلة الحرب، سعى الباحثان الامريكيان إلى كشف
الانفاق الفعلي على الحرب، وما يرجح أن تنفقه الولايات المتحدة عليها في
النهاية. والرقم الذي توصلا إليه هو أكثر من 3 تريليونات دولار (3 آلاف
مليار دولار)، مع الاشارة إلى أن الحسابات التي اجرياها استندت على
افتراضات محافظة. وهما يلفتان إلى أن هذا الرقم (3تريليونات دولار) يميل
إلى أن يكون أقل من الرقم الفعلي. كما يوضحان انه لا يمثل سوى كلفة الحرب
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ولا يعكس الكلفة الهائلة التي تكبدها
العراق أو بقية العالم.
فاتوارت سيستمر دفعها لعقود
كشفت تجربة حرب الخليج في 1991 إلى حوالي 40 في المئة من القوات
الامريكية التي بلغ عددها 700 ألف جندي (شاركوا في القتال لمدة شهر واحد)
اصبحوا يستحقون تسلم مساعدات إعاقة (جسدية ونفسية)، ويدفع لهم أكثر من 4
مليارات دولار سنوياً من هذه المساعدات. لذا يمكن للمرء أن يتخيل ما
ستكلفه الحرب الحالية، اذا استمرت اكثر من ست أو سبع سنوات، واذا اخذنا
بالاعتبار انه سيجري الزج بأكثر من مليوني جندي فيها.
وبينما كانت نسبة المصابين إلى القتلى في الحروب السابقة تبلغ 2.5 إلى 1،
فان هذه النسبة في الحرب الحالية هي 7 إلى 1. ويرجع ارتفاع هذه النسبة في
الحرب العراق إلى منجزات الطب الحديث وتطور العلاج المقدم للمصابين من
الجنود الأمريكيين. واذا جرى تضمين اولئك الذي يتعين اجلاءهم طبيباً بسبب
ما يعتبر حوادث غير قتالية أو امراض، فان النسبة تصبح 15 إلى 1. والكثير
من الاصابات بليغة وتتطلب تقديم رعاية على مدى الحياة. وسيشكل ذلك عبثاً
ثقيلاً على نظام الضمان الاجتماعي الامريكي. وتبيّن التجربة المستخلصة من
الحرب العالمية الثانية ان الانفاق على رعاية قدامى المحاربين بلغ ذروته
بعد انقضاء اكثر من اربعة عقود على انتهاء تلك الحرب.
الحرب وتأثيرها على سعر النفط
يثار جدل احياناً حول وجود تأثير ايجابي للحروب على الاقتصاد، وهو فهم
خاطئ نشأ من الدور الذي لعبته الحرب العالمية الثانية في مساعدة الولايات
المتحدة على الخروج من الأزمة الاقتصادية الكبرى («الركود الكبير»). لكن
اصبح واضحاً ان الحرب في العراق لها تأثير سيء إلى حد كبير على الاقتصاد
الامريكي.
ويمكن تشخيص أربعة أصناف لتأثيرات الحرب على الاقتصاد الاجمالي للولايات
المتحدة. الأول يتمثل الحرب على اسعار النفط، اذا كان سعر برميل النفط
اقل من 25 دولاراً قبل الحرب، بينما يزيد الآن على 100 دولار. وقبل خمس
سنوات، كانت الاسواق الآجلة تتوقع ان يصمد سعر الـ25 دولار لعقد من
السنين على الاقل. وبالرغم من توقع زيادة الطلب من الصين وهند، كان يفترض
ان يلبي العرض هذه الزيادة. ومع توفر امدادات كبيرة وكلفة استخراج واطئة
في الشرق الأوسط، توقعت الاسواق ان يرتفع الانتاج متمشياً مع الطلب. لكن
الحرب غيّرت هذه المعادلة. واستندت حسابات الباحثين ستيغليتز وبيلمس
للكلفة الاجمالية للحرب على تقديرات محافظة جداً لتأثيرها على سعر النفط
(5 على 10 دولارات من الزيادة)، وعلى افتراض ان الزيادة الناجمة عنها
ستستمر لفترة 7 إلى 8 سنوات فقط، وأوضح البروفسور ستيغليتز في شهادته
امام اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرنس، في 28 شباط 2008م، ان ذلك
الافتراض كان «محافظاً بشكل غير واقعي» لانه «على سبيل المثال» تتوقع
الاسواق الآجلة اليوم ان يبقى سعر النفط اعلى من 80 دولار طيلة العقد
المقبل على الاقل». ومن شأن الأموال الاضافية التي تنفقها الولايات
المتحدة لشراء النفط أن تخفض الدخل القومي. التاثير الثاني ينشأ من حقيقة
ان الانفاق على الحرب لا يحفز الاقتصاد الامريكي على المدى القصير بقدر
ما يفعله الانفاق، مثلاً، على البنية التحتية أو التعليم الذي توجد حاجة
ماسة اليه في الولايات المتحدة.
التأثير الثالث هو ان الانفاق على الحرب، بشكل مباشر وغير مباشر على
السواء، عبر العجز المتزايد، يحجب الاستثمارات التي كانت تزيد انتاجية
امريكا في المستقبل.
وأخيراً، أدى ارتفاع الدين القومي الناجم عن الحرب إلى اقتراض المزيد
والمزيد من الاموال من خارج الولايات المتحدة، ما يجعلها الآن مدينة
للآخرين اكثر بكثير مما كانت قبل خمس سنوات. وسيدفع الامريكيون، والجيل
القادم منهم، فائدة على هذا الدين. ولا يعني اقتراض المزيد بدلاً من دفع
الفاتورات المستحقة سوى تأجيل دفع فاتورات الحرب. وسيؤدي دفع هذه
الفاتورات إلى خفض مستوى معيشة الامريكيين بالمقارنة مع ما كان سيكون
عليه. وهي نتيجة قاسية بشكل خاص اذا اخذنا بالاعتبار ان متوسط دخل
المواطن الامريكي اليوم هو اقل مما كان عليه قبل خمس سنوات.
لذا لم يكن مفاجئاً انه عندما احتاجت مؤسستان ماليتان كبيرتان في امريكا،
هما «سيتي بانك» و«ميريل لينتش»، إلى المال بسرعة مؤخراً، لم تكن هناك
سيولة مالية كافية في أمريكا. فقد أدت اسعار النفط المرتفعة والمدخرات
المرتفعة في الصين وأماكن أخرى إلى تمركز هائل للثروة خارج الولايات
المتحدة، ما اضطر المؤسسات المالية الامريكية إلى التوجه إلى تلك
المراكز.
اسباب القوة الظاهرية للاقتصاد
حتى وقت قريب، بدا مثيراً للاستغراب بالنسبة إلى البعض انه بالرغم من
الطريقة الواضحة التي تؤدي بها حرب العراق إلى إضعاف الاقتصار الامريكي،
فان هذا الاقتصاد بدا قوياً. فهل كان ذلك يعني ان هناك شيئاً ما يؤكد
صواب تلك المقولة القديمة بأن الحروب نافعة للاقتصاد؟ الجواب هو ان نقاط
الضعف هذه جرى اخفاؤها، بالضبط كما جرى اخفاء الكثير من الاكلاف الأخرى
للحرب بحيث انه لا يمكن رؤيتها بسهولة. فقد جرى اخفاء التأثيرات
الاقتصادية الاجمالية عبر سياسة نقدية فضفاضة، وتنفق للسيولة، وضوابط
متهاونة. وسمح ذلك معدل مدخرات الأسرة الأمريكية بالتدني إلى الصفر،
لتبلغ أدنى مستوياتها منذ «الركود اللكبير» (في أواخر عشرينات القرن
الماضي)، وساهم بزيادة فورية استهلاكية غير مسؤولة عبر تشجيع سحب مئات
مليارات الدولارات كقروض عقارية. وساعد ذلك، لفترة من الوقت، على اخفاء
الكلفة الحقيقية للحرب.
وهي ليست المرة الأولى التي تحاول فيها ادارة امريكية حشد الدعم والتأييد
لحرب لا تحظى بشعبية باخفاء الاكلاف الحقيقية والكلية عن الشعب الأمريكي.
كما انها ليست المرة الأولى التي تعاني فيها امريكا والشعب الامريكي جراء
ذلك. ففترة التضخم التي مرت بها امريكا ابتداءً من اواخر ستينات القرن
الماضي كانت، جزئياً على الأقل، نتيجة لفشل الرئيس الاسبق جونسون في
التعامل كما يجب مع اكلاف حرب فيتنام واجراء تعديلات مناسبة في الضرائب
والانفاق. واذا يبدو ان الوضع الاقتصادي مختلف هذه المرة، وبالتالي فان
النتائج الناجمة عن الحرب وتأثيراتها مختلفة، لكنها من نواح كثيرة اكثر
حدة.
آثار بعيدة المدى
وليس معروفا كم سيدوم التراجع أو الانكماش الحالي في الاقتصاد الامريكي،
أو مدى عمقه، لكن المرجح ان يكون اسوأ من أي تراجع مماثل في ربع القرن
الأخير، وستكون كلفته هائلة. وحتى اذا بلغ معدل النمو هذه السنة 0.8 في
المئة (حسب توقعات الصندوق النقد الدولي)، وبدأ النمو يسترد عافيته السنة
المقبلة ليصل إلى 2 في المئة، ويعود في 2010م إلى نمو بنسبة 3.5 في المئة
مثلاً (وهي وتيرة تحسّن اسرع مما يتوقع معظم المحللين)، فان الخسارة
الاجمالية في الناتج على مدى هذه السنوات الثلاث (أي الفرق بين الناتج
الفعلي للاقتصاد وقدرته) ستبلغ حوالي 1.5 تريليون دولار (أي 1500 مليار
دولار).
وفي كل الاحوال، مهما كان غنى أمريكا فانها لا يمكن أن تهدر 3 تريليونات
دولار دون أن يؤثر ذلك على قوتها ويضعف مكانتها على الصعيد العالمي، ويحد
من قدرتها على خوض حروب عسكرية متزامنة عبر البحار، وبمستوى حربها في
العراق. واذا بقيت القوات الامريكية في العراق سنتين أخريتين، فان ذلك
سيضيف 500 مليار دولار على الاقل إلى الكفة الكلية للحرب.ولابد لاكلاف
الحرب وتأثيرها على الاقتصاد ان تترك آثاراً بعيدة على مجالات حيوية تمس
حياة المواطن الأمريكي، مثل الرعاية الطبية ونظام الضمان الاجتماعي
والتعليم. (حسب الباحثة الاقتصادية الامريكية بيلمس فان مبلغ تريليون
دولار يمكن ان يغطي توظيف 15 مليون مدرس في المدارس الحكومية، أو تقديم
منح دراسية كاملة لأربع سنوات لـ43 مليون طالب أمريكي في الجامعات
الحكومية). وسيؤثر خفض الاستثمار المطلوب في التكنولوجيا والعلوم من
القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي. بالمقابل، كان الرابح الاكبر في
أمريكا من حرب العراق هو الشركات الكبرى (مثل «هاليبرتون» التي احتكرت
عقود إمداد وتموين القوات الأمريكية)، والمجمع الصناعي العسكري، وشركات
النفط.
الهوامش
ـــــــ
(*) صدر الباحثين الاقتصاديين جوزف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل
للاقتصاد، وليندا بیلمس المحاضرة في جامعة هاردفرد، كتاب بعنوان «حرب الـ
3تريليونات دولار»، في آذار 2008م.
المصدر: مجلة«الثقافة الجديدة»، العدد: 345، 2008م.
|
|
|