|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
الثلاثاء: 17/06/2008
نظرة ستراتيجية في مقتربات التحالف الجديد
العراق والولايات المتحدة الأميركية
د. عمار الواسطي
يبدو البعض محقا في تساؤله عن مآل
العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق، عندما يحصر تفكيره بالتقويم
الابتدائي لما هو مطروح اليوم من مشروع اتفاقية للامن والصداقة بين
الطرفين. فيتساءل هل ان مشروع الاتفاقية بديل عن الوصاية الدولية على
العراق، ام معاهدة لشرعنة الوجود العسكري الاميركي فيه، أم يراد بها
تحالف ستراتيجي تشاركي يجني منافع متبادلة؟!!. ومع الاسف لا تبدو الاجابة
بشأن هذا السؤال المركب واضحة الى درجة تقرير ما ينبغي على العراق القيام
به.
فعلى الرغم مما يعتمل به ذهن صانع القرار العراقي الستراتيجي من مشاغل
ومطالب حيال هذا الأمر، الا انه لم يزل دون الاقتراب مما يهدف اليه صانع
القرار الستراتيجي الاميركي، فالقادة العسكريون الاميركان في العراق بدوا
غير مبالين بما هو مطروح الان على هذا الصعيد تحت حجة ان هذه الامور من
اختصاص الساسة ولسنا نحن العسكر معنيين بها على حد قول العميد روبرت
هولمز احد القادة الميدانيين الاميركيين في العراق، وكذلك الساسة
الاميركان في العراق الذين رأوا ان المحادثات بشأن الاتفاقية قد تستغرق
وقتا طويلاُ لتطبيع العلاقات بين البلدين على حد قول الملحق الاعلامي في
البنتاغون جوف موريل. بل ان المقربين من دوائر القرار الاميركي في واشنطن
وكما نقلت ذلك تقارير صحفية نشرتها صحيفة الواشنطن بوست في مطلع شهر اذار
العام 2008، يلمحون دوماً الى وجود اتفاقيتين وليس اتفاقية واحدة تحلان
محل تفويض الامم المتحدة الخاص ببقاء القوات المتعددة الجنسية في العراق
والذي سينتهي نهاية هذا العام. وتشير الصحيفة الى ان الاتفاقية الاولى
المسماة (اتفاقية وضع القوات) ويرمز لها اختصاراً (سوفا) تعرف وتحمي
الوضع القانوني لافراد الجيش الاميركي وممتلكاته وتحدد صلاحية القوات
الاميركية في العراق. وهذه الاتفاقية بمناقشتها وتوقيعها من قبل السلطات
التنفيذية الاميركية تكون ملزمة من الجانب الاميركي ولكنها لا تتطلب
موافقة الكونغرس.
اما الاتفاقية الثانية فهي (اطار ستراتيجي طويل الامد) تقول عنه الادارة
الاميركية انه سيرسي ما وصفته بـ(التعاون في المجالات السياسية
والاقتصادية والثقافية والامنية) وتبدو هذه الاتفاقية هي المرجحة كتوقيت
أولي، بعد ان صرح غيتس في 20 ايار 2008 من ان الوضع في العراق متجه الى
نهاية الشوط! ليصح توقع رامسفيلد الذي اعلنه العام 2004 من ان الوضع في
العراق سيستقر العام 2009!!.
وعلى الرغم مما تقدم، الا ان الادارة الاميركية لم تزل غير قادرة على
تحديد صورة ما يجب ان تكون عليه اطر الاتفاقية فمع اقرار اعلان المبادئ
المقرر توقيعه في 3 تموز 2008 ويوضع موضع التنفيذ في الاول/ كانون الثاني
المقبل مع تسلم الرئيس الاميركي الجديد مقاليد الادارة الاميركية،
بالتأكيد على الالتزامات الامنية للعراق لردع اي عدوان اجنبي ضده ينتهك
سيادته وسلامة اراضيه ومياهه ومجاله الجوي، فأن الادارة الاميركية
الحالية لاسيما وزارة الدفاع وعلى لسان وزيرها روبرت غيتس لم تزل غير
قادرة على تحديد بنود هذه الاتفاقية وما تتضمن من التزامات. وهو ينتظر
حسم الجدل في الداخل الاميركي حيالها مؤسساتياً وستراتيجيا،ً فتارة يصرح
بأن الاتفاقية المزمع توقيعها تتضمن وجوداً عسكرياً اميركياً في العراق
مطالباً، من الهند مكان تصريحه، ان يوافق العراقيون على ذلك، وتارة اخرى
يصرح بأن الاتفاقية لا تتضمن التزاماً اميركياً بحماية سيادة العراق وانه
من المؤمل ان لاتشير الاتفاقية الى بناء قواعد عسكرية اميركية دائمة في
العراق.
وبين هذا وذاك يشير ساترفيلد مسؤول ملف العراق في وزارة الخارجية
الاميركية الى ان المهم ليس بما تتضمنه الاتفاقية ولكن المهم انها لن تحد
من الخيارات التي ستمتلكها الادارات الاميركية المقبلة اذ لا يمكن لاي
طرف الغاؤها في اي وقت.
واضاف ساترفيلد: ان المسؤولين العراقيين يسعون الى انهاء اتفاق الامم
المتحدة الذي يسمح بتواجد اميركي من دون موافقة الحكومة. في حين طالب
اعضاء في الكونغرس بان تقوم الادارة الاميركية بالطلب من حكومة المالكي
تمديد تفويض الامم المتحدة لثلاثة اشهر اخرى بعد انتهائه لكي تتمكن
الادارة الاميركية القادمة من دراسة الاتفاقية المرتقبة. ويبدو هذا الامر
هو الذي يمتلك حظوظاً اوفر في التطبيق.
مكانة الاتفاقية المرتقبة في الستراتيجية
الأميركية
اشرت ستراتيجية الامن القومي الاميركي لعام 2006 ملامح الالتزام الاميركي
المستمر بتشجيع انتشار الديمقراطية ومواجهة التهديدات المتخطية لحدود
الدول التي تنتهجها كخيار سياسي لها لاسيما تلك التي عاشت عقودا طويلة من
الحكم الاستبدادي والدكتاتوري. وهذه الستراتيجية كما افصح عنها بيان
البيت الابيض بخصوصها والصادر في 18/ اذار/ 2006 تقوم على ركيزتين،
اولهما تعزيز الحرية والعدالة والكرامة الانسانية في الدول الحرة بما في
ذلك تشييد وتطوير مؤسساتها الديمقراطية ومجتمعاتها. وثانيهما قيادة الدول
الديمقراطية الجديدة في مواجهة التهديدات الاخذة في النشوء والمتخطية
للحدود القومية كالارهاب والجريمة والفساد والاوبئة فضلا عن انتشار اسلحة
الدمار الشامل. والقاسم الوسائلي المشترك بين هاتين الركيزتين هو اصرار
الولايات المتحدة على تعزيز تحالفاتها لهزيمة اعدائها والعمل على
الحيلولة دون وقوع هجمات ضدها وضد اصدقائها وحلفائها. ذلك التعزيز الذي
بدا جوهر الاداء الستراتيجي الاميركي بعد العام 2006 يضم دعما
للديمقراطيات الفعالة بحيث تصبح اكثر قدرة على معالجة التحديات التي
تواجهها مقابل دفعها للتكاتف ورص الصفوف بطرق خلاقة مع الولايات المتحدة.
ومن هذا الهدف بدأت الاشارات الاولى لرؤية اتفاقية تحالف بين الولايات
المتحدة والعراق وهي تنطلق من حقيقة ماهو كائن لما سيكون عليه الامر بعد
الانسحاب، بمعنى ان الولايات المتحدة لايهمها تقنين علاقاتها مع العراق
بقدر مايهمها ايجاد اطر مناسبة لبلورة اداء تواجدها فيه. ذلك لانها تعي:
1- ان وجودها العسكري في العراق سيساعد على دعم الحكومة العراقية من اجل
ضمان الاستقرار واعادة البناء وسيحقق تعاطف الشعب العراقي مع ذلك
التواجد، بعد ان يبدو الاخير سبباً فيما يلمسه الشعب العراقي من ثمار
الديمقراطية على كل صعيد. كما ان وجودها سيوفر الوقت المطلوب لتعزيز قوة
واداء القوات المسلحة العراقية وتعزيز قدرتها على ادارة القتال في
العراق. الامر الذي سيدفع الولايات المتحدة وحلفاءها الى تقليص تواجدهم
ونشاطاتهم فيه. والمهم في هذا التواجد هو توفير المناخات المناسبة
والاستمرار الضروريين لانتعاش الديمقراطية كنهج حتمي وضروري للعراقيين.
2- ان الاتفاقية المرتقبة، وان جاءت ببعض الاهداف لتوفير الغطاء الشرعي
للقوات الاميركية لاسيما اذا ما تحقق وان خرج العراق من الفصل السابع
وانهيت الولاية الاميركية عليه، فانها تأتي كخطوة ملحة لاستيعاب ضغوط
الديمقراطيين المتزايدة بسحب القوات الاميركية من العراق بعد التكلفة
المادية والبشرية التي تكبدتها خلال السنين الماضية. وهنا تشير رئيسة
مجلس النواب نانسي بيلوسي وفي اكثر من مرة الى ان من واجب الحزب
الديمقراطي والكونغرس اعادة القوات الاميركية في اسرع وقت ممكن، والا فأن
الكونغرس سيخالف ارادة الرأي العام الاميركي.
3- ان الاتفاقية المرتقبة، ستضع بلا شك حداً للاستنزاف المادي (الانفاق
العسكري المتزايد) والبشرية لطاقات الولايات المتحدة الاميركية. ووفقاً
للتطورات والمقاييس المعتمدة فمن الممكن ان تبلغ التكلفة الاجمالية للحرب
في العراق نحو 633 مليار دولار على الاقل في منتصف هذا العام في حين تبلغ
التكلفة الاجمالية الكلية اكثر من 1000 مليار دولار. لقد اصدرت خدمة
ابحاث الكونغرس في اواخر نيسان 2007 تقريرا اوردته وكالة UPA ان حرب
العراق بلغت كلفتها الشهرية 7.4 مليار دولار وان الارقام المتعلقة بالحرب
على الارهاب في العراق وافغانستان مستمرة بالارتفاع اذ تصل هذه الكلفة
الى 752 مليار دولار في نهاية هذا العام. وقد رأى التقرير انه في حالة
استمرار الحرب لعشر سنوات اخرى، فان الكونغرس يرجح ان تزيد الكلفة بقيمة
410 مليارات دولار في حال خفض عدد الجنود الاميركان مع خفض القوات
الاميركية في العراق الى 70 الفا بحلول العام 2013. فذلك سيعني طلب 919
مليار دولار اضافي وهو ما يرفع كلفة الحرب المباشرة فقط الى 1.4 تريليون
دولار اميركي.
ولم تقتصر كلف الحرب في العراق على الجانب المادي فقط بل صاحبت ذلك خسائر
بشرية كثيرة ما بين قتلى وجرحى، مابين صفوف الجنود الاميركان بالاضافة
الى الخسائر المعنوية الاخرى التي لها علاقة بالسياسة الاميركية في
المنطقة.
ولكن ذلك الامر ليس يسيراًَ الى درجة ان اصبحت الاتفاقية المرتقبة وتواتر
معطياتها هاجساً مضافاً للاعباء اللوجستية التي تنوء بها القيادة
العسكرية الاميركية الميدانية في العراق. فقد اوضحت التقارير ان
البنتاغون خصص بليون دولار للانشاءات العسكرية في العراق للاعوام 2005-
2006. حيث يوجد في العراق بحدود 130 الف عسكري اميركي متوزعين على 76
قاعدة عسكرية. وشملت تلك التخصيصات والتوسيعات والانشاءات بناء ثلاث
قواعد رئيسة.
جدوى الاتفاقية
مقابل كل ذلك، ترى الادارة الاميركية ان التفكير بجدوى الاتفاقية يعتمد
بالاضافة الى ما تقدم، على طبيعة المطالب، الاهداف، العراقية، ورؤية
القيادات العراقية لدروب اتمامها طالما ظلت التزامات تنوء بها الادارة
الاميركية.
وتشير مذكرة التفاهم او اعلان المبادئ لعلاقة طويلة الاجل للتعاون
والصداقة بين جمهورية العراق والولايات المتحـدة الاميـركية الى جملـة من
المـطالب ومنـها:
1- توفير ضمانات امنية والتزامات لجمهورية العراق لردع اي عدوان اجنبي
ينتهك سيادته وسلامة اراضيه ومياهه ومجاله الجوي.
2- دعم لجمهورية العراق في جهودها الرامية الى مكافحة الارهاب بما يتسق
مع الآليات والترتيبات التي سيتم انتشاؤها في اتفاقات التعاون الثنائي.
وكذلك فيما يخص بناء القوات المسلحة العراقية، تدريباً وتجهيزاً وتسليحاً
لتمكينها من تسلم مهامها الامنية، وحماية العراق من اي عدوان خارجي اضافة
لحفظ الامن والاستقرار في الداخل من خلال القضاء على الارهاب والعمليات
المسلحة الاخرى.
3- دعم جمهورية العراق، في التدريب والتجهيز وتسليح قوات الامن العراقية
لتمكينها من حماية العراق وجميع مكوناته واستكمال بناء النظم الادارية
وفقا لمطالب الحكومة العراقية بما فيها الدعم في المجال الاقتصادي لاسيما
الاعفاء في الديون وتعويضات الحروب.
4- والاهم دعم الجمهورية العراقية في الدفاع عن نظامها الديمقراطي ضد
التهديدات الداخلية والخارجية.
لكن هذه المطالب حملت بتواردها مجموعة من الالتزامات خارج نطاق الاتفاقية
على الولايات المتحدة البت بها.
التزامات الاتفاقية
قبل الانطلاق بمناقشة ما ينبغي ان تضمه الاتفاقية ومن هذه الالتزامات:
1- ادماج العراق في المنظومة الغربية بشكل عام والمنظومة الاميركية بشكل
خاص على جميع المستويات على غرار تجربة اليابان والمانيا بعد الحرب
العالمية الثانية.
فسياسياً؛ اقامة نظام ليبرالي غير معاد للمصالح الغربية ويتوافق مع
توجهات السياسة الخارجية الاميركية تجاه قضايا المنطقة.
واقتصاديا؛ تحويل الاقتصاد العـراقي الى اقتصـاد سوق وادماجه في المنظومة
الاقتصادية العالمية بعد ضم العراق لمنظمة التجارة العالمية.
وهذا ما يجعل الولايات المتحدة مضطـرة ولـو بعد فـوات الاوان الى تأهيل
الاقتصاد العراقي عبر الاستثمارات الاميــركية لاسيمـا في مجال النفـط او
التبادل التجاري.
عن: الصباح
|
|
|