|
|
 |
الحضارية
«قراءات ومتابعات» |
|
السبت: 14/06/2008
أوراق طائفية لا تزال دولية الاستعمال
فيصل الشيخ رضا
الزركان
لقد اتضحت الصورة أخيراً، وتبين جوهر
التوجه الأمريكي في العراق وعموم منطقة الشرق الأوسط، وقد كشفت الأحداث
المتتالية طبيعة المشروع الذي روّجت له وسائل الإعلام الأمريكية
والمسؤولون الأمريكيون منذ بداية احتلال العراق وإلي وقتٍ قريب، حيث
أعلنت إدارة بوش بأنها تريد خلق المقدمات الضرورية لإقامة مشروع الشرق
الأوسط الجديد أو الكبير، الذي بإمكانه أن يوجد صيغاً أوسع لتعاون العالم
العربي مع الغرب، على أن تلعب إسرائيل دوراً مشاركاً في هذا المشروع، بعد
أن تعترف بها البلدان العربية، وتندمج في هذا العالم الذي يجب أن يتحول
إلي عالمٍ ديمقراطي نابذاً كل القيم القديمة البالية.
طبعاً إن الهدف من هذا المشروع هو تمكين الولايات المتحدة من السيطرة
الكاملة علي مقدرات العالم العربي وثرواته الطبيعية، إضافةً إلي مساعدة
إسرائيل في اختراق هذا العالم دون المرور بالمستحقات التاريخية وخاصةً
المسألة الفلسطينية وقضايا اللاجئين الفلسطينيين، حيث تنتفي هذه القضية
كلياً في إطار الاندماج الذي أريد له أن يتم من خلال مشروع الشرق الأوسط
الكبير.
وكان إنجاز أو تحقيق هذا المشروع، يتطلب جملةً من المتغيرات التي بدأت
باحتلال العراق وتنصيب جهات طائفية في دفة المسؤولية السياسية الرسمية،
وإضعاف هذا البلد من خلال تقسيمه إلي دويلات طائفية وقومية، ثم توجيه
إسرائيل إلي ضرب واحتلال لبنان وإشاعة حرب أهلية بين مكوناته الدينية
والمذهبية المختلفة، والهيمنة عليه بصورة غير مباشرة، عبر تقسيمه إلي
دويلات مليشياوية، بعد ذلك التوجه إلي سوريا وبلدان الخليج العربي وبلدان
إقليمية أخري لإثارة المشاكل المختلفة فيها، ودفع المنطقة إلي حروب
جزئية، يجعل إسرائيل الدولة المتفوقة كلياً عن عموم المنطقة، ومن خلال
ذلك تجري عملية إعادة ترتيب هذه المنطقة وصياغة أشكال جديدة لدولها
المتنازعة، بعد أن تكون إسرائيل قد اخترقت هذه البلدان وتفوقت عليها
جميعاً في ميادين مختلفة.
وكانت الولايات المتحدة لا يساورها شك من فشل مشروعها هذا، فقد وضعها
احتلال العراق في مشهدٍ جديد، وربما لأنها صدّقت بعض أصدقاءها من
العراقيين الذين كانوا قد أكدوا لها بأن الشعب العراقي سوف يستقبل القوات
الأمريكية بباقات الورد، لكن باقات الورد هذه قد تحولت إلي باقات من
القنابل والمتفجرات.
وتمرّغت الجيوش الأمريكية في الوحل العراقي، لكن إسرائيل من طرفها كانت
تحاول أن تثبت أن المعادلة العراقية فريدة من نوعها، وسوف لن تكون
متشابهة مع المعادلة اللبنانية أبداً، لذلك اتجهت إلي لبنان، بغية تحقيق
نصرٍ يعزز معنويات حلفائها الأمريكان في العراق، وفي نفس الوقت يقصّر
الخطي باتجاه مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تسعي إليه إسرائيل منذ زمنٍ
بعيد، وربما تكون هي التي اقترحته علي إدارة بوش، بعد أن تخلصت وبصورة
قطعية من الخطر التاريخي الذي كان يهددها وهو العراق.
وقد جرّبت حظوظها بضرب واجتياح لبنان، لكن مقدرات القدر حالت دون أن يكون
لها ذلك، فقد سددت المقاومة اللبنانية ضربةً كبيرة لمشروع الشرق الأوسط
الكبير حينما هزمت القوات الإسرائيلية الغازية شرّ هزيمة.
وفي هذه المعركة سقطت أولي بناءات الأسس التي كان من المؤمل أن يحمل هذا
المشروع علي ثقله، وارتدّت الموجة التعبوية التي بثتها وسائل الإدارة
الأمريكية والإسرائيلية للترويج لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وامتدت
الهزائم إلي أبعد ما يمكن خلال فترةٍ وجيزة للغاية. وتحوّلت إلي صراعٍ
شديد بين المتنافسين في داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، حيث
تعرّض الحزب الجمهوري إلي نكسةٍ كبيرة بخسارة مقاعد عديدة في مجلس
البرلمان، وفي الوقت ذاته اعترفت القيادات العسكرية الإسرائيلية بالهزيمة
علي أيدي المقاومة اللبنانية.
ولم يتوقف الانهيار عند حدٍ معين، فقد أُثيرت ضد أولمرت مشكلة الفساد
المالي، بعد أن أثيرت الكثير من الفضائح بين المسؤولين الآخرين.
وفي العراق تواصلت خسائر القوات الأمريكية، وتصاعدت وتيرة المواجهات
معها، وبدأت تتبلور مواقف جديدة لدي الشارع العراقي ضد الوجود الأجنبي في
البلاد. وتعرضت أيضاً الكثير من المشاريع الأمريكية في العراق إلي رفضٍ
شعبيٍ واسع، وخاصةً فيما يتعلق بطريقة الحكم القائم علي الأساس الطائفي
الذي تشجّعه الإدارة الأمريكية، والذي يؤدي إلي التعارض مع القيم
الديمقراطية المدنية الأمريكية ذاتها، فقد أخذت الكثير من الأصوات تردد
في الآونة الأخيرة سبب إصرار الإدارة الأمريكية علي توفير الحماية
للحكومات الطائفية التي لا تعترف بالمنافسة الحزبية القائمة علي أساس
البرامج السياسية لأحزاب مدنية غير دينية. ويفسّر الكثيرون هذه الإشكالية
بأن الاستراتيجية الأمريكية في العراق وربما في بعض بلدان الشرق الأوسط
تقوم علي أساس المصالح الاقتصادية، وخاصةً النفطية منها، فلم تأت القوات
الأمريكية إلي العراق من أجل تكريس نظامٍ ديمقراطي حقيقي، وإنما من أجل
النفط.
واتضّح أخيراً المشروع الأمريكي الذي هُزِم في العراق ولبنان وفي المنطقة
عموماً، بعد أن تصاعدت ضده حركة الرفض الشعبي الواسع، وتراجعت إسرائيل عن
أحلامها التي أصبحت تقضّ مضاجعها وبخاصةٍ بعد هزيمتها في لبنان.
إذن.. فإن معادلة إعادة صياغة الشرق الأوسط من جديد قد سقطت أمام أعين
الجميع وبخاصة أمام أعين من رسم معالمها في واشنطن.. وهكذا فإن إعادة
الجولان العربي السوري المحتل إلي سوريا، والدولة الفلسطينية حتي حدود
عام 1967 قادمة في إطار تتابع كافة الأحداث.. ويبقي لكل حادثٍ حديث.
عن: الزمان
|
|
|