الحضارية «قراءات ومتابعات»

 الثلاثاء: 20/05/2008

 

حلقات دراسية لحل الازمة السياسية في العراق

يوسف ابو الفوز

فنلندا البلد المحايد .. دولة فنلندا الاستقلال في 1917 وهي عضو الاتحاد الاوربي رغم صغرها ويبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة وكونها مرمية عند حافة القطب الشمالي على خليج بوتانيا المطل على بحر البلطيق ورغم مناخها القاسي حيث الليل الطويل والنهارات القصيرة والشتاء الطويل والصيف القصير جدا .
الا ان هذا البلد الذي خرج من رماد الاحتلالات والحروب الخارجية والاهلية، بنى تجربة ديمقراطية متميزة، حيث ينعم الشعب الفنلندي بالاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في ظل تجربة مجتمع الرفاه التي تميزت بها بلدان الشمال الاوربي. وغزا اسم فنلندا العالم واصبح في المرتبة الاولى في انتاج الورق والتكنولوجيا الخاصة بصناعته، وانتاج تكنولوجيا الاليكترونيات، اضافة الى كون فنلندا ومن سنين طويلة تأتي في مقدمة البلدان في تصنفيات الشفافية والنزاهة، ومستوى وتطور التعليم والبيئة وحقوق الانسان. اضافة الى جانب كل ذلك احتلت فنلندا مكانا بارزا ومتميزا في حل وادارة الصراعات السياسية العالمية. فمنذ ايام «الحرب الباردة» والصراع بين القطبين المتناحرين، الامريكي والسوفيتي، عملت فنلندا لتكون وسيطا وعلى الحياد. ولهذا كانت المكان المناسب لعقد «اتفاقيات هلسنكي»، التي توصل إليها «مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا» خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، حيث ضمنت تعاونًا مُتزايدا بين دول شرق أوروبا وغربها، وتوج ذلك بتوقيع كندا، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، و32 دولة أخرى معظمها أوروبية، على الاتفاقية الرئيسية في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وذلك في الاول من اب 1975، تلك الاتفاقية التي لعبت دورا بارزا في الحفاظ على السلام العالمي.
منظمة المبادرة لادارة الازمات
وارتباطا بما يجري في العراق من صراعات وخلافات، تحاول فنلندا ان تاخذ دورها، في تهدئة وحل الازمة السياسية في العراق، من خلال اقتراح اساليب عمل وحوار حضارية للاطراف السياسية العراقية. والدعوة للاطراف العراقية المتصارعة للحوار والتفاهم جاءت من منظمة فنلندية تحمل سمعة طيبة، تحمل اسم «المبادرة لادارة الازمات» (Crisis Management Initiative)، وهي منظمة فنلندية، مستقلة، مقرها العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وتتمتع برعاية معنوية ومادية، من الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية، ويسجل لهذه المنظمة انها نجحت في جمع اطراف النزاع في اندنوسيا الى طاولات مفاوضات، في مفاوضات استمرت لفترة خمس جولات مضنية، وانتهت في 15 اب 2005 بتوقيع اتفاق حدد انهاء الصراع بين المعارضة المسلحة والحكومة الاندنوسية ووضع حدا لمخاطر نشوب حرب اهلية في البلاد.
الرئيس مارتي اهتي ساري
منظمة «المبادرة لادارة الازمات»، والتي تعرف في وسائل الاعلام، بمختصر اسمها (CMI)، والتي تؤمن باهمية معالجة الازمات من خلال الحوار وتؤمن بالترابط بين الامن والتطور الاجتماعي الحضاري، اسسها عام 2000، ويرأسها حاليا، الرئيس الفنلندي السابق مارتي اهتي ساري (مواليد 1937)، وذلك بعد انتهاء ولايته لرئاسة الجمهورية الفنلندية، والتي بدأت بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 1996. والسيد مارتي اهتي ساري، من الزعماء التقليديين للحزب الديمقراطي الاجتماعي الفنلندي، وهو معروف للعراقيين بشكل جيد، فقد كان مبعوث الامم المتحدة الخاص الذي زار العراق، بعد طرد قوات الديكتاتور صدام حسين من دولة الكويت في اذار 1991، واطلع على حقيقة الدمار الذي الحقته القوات العسكرية للولايات المتحدة الامريكية بالبنى التحتية للعراق، وقدم اهتي ساري تقريره الى الامم المتحدة (نشر في حينه في طريق الشعب)، والذي لم يلق الترحيب من الادارة الامريكية في حينه، حيث انتقد فيه بشدة سياسة الولايات المتحدة الامريكية، واشار الى ان اعمالها العسكرية في العراق تعدت حدود طرد قوات صدام من الكويت. واحتل السيد اهتي ساري موقع المبعوث الخاص للامم المتحدة لحل الازمة في أقليم كوسوفو، ونال العديد من الجوائز العالمية نظيرا لنشاطه من اجل السلم العالمي، وكان احد المرشحين لنيل جائزة نوبل للسلام في العام الماضي.
اللقاء الاول ـ هلسنكي1
الدعوة الاولى للاطراف السياسية العراقية الى اللقاء في هلسنكي كانت في خريف 2007، حيث في الفترة بين 31/8/2007 و 3/9/2007 اجتمع في اطراف غابات هلسنكي، في فندق سياحي صغير ومنعزل، ستة عشر شخصية عراقية، خمسة عشر من القوى السياسية العراقية، وكان بمشاركة السيد أكرم الحكيم وزير الدولة لشؤون الحوار الوطني. اللقاء كان حلقات دراسية اكثر منه جلسات مفاوضات رغم ان وسائل الاعلام سمته بالمؤتمر. حصل اللقاء خلف الابواب المغلقة، مع اجراءات صيانية مشددة من الجانب الفنلندي، حيث لا يسمح للاعلاميين بالدخول والحضور، وكان ما يقدمه المتحدث الاعلامي عن اللقاء شحيح جدا، حيث الامتناع عن ذكر اي من الاسماء المشاركة، ولا اي معلومة عن مكان اللقاء، اضافة الى عدم توفر فرصة للقاء المباشر مع المساهمين. وفي حينه تحدثنا مع السيدة «ماري يارفا» من منظمة «المبادرة لادارة الازمات»، فقالت لنا: «ان كل هذه الاجراءات الصيانية المتشددة، وعدم ذكر اي معلومات عن اللقاء ياتي في اطار الاجراءات الامنية المشددة بسبب الاوضاع الامنية في العراق «واضافت» اعتقد ان اللقاء سيكون مناسبة جيدة لتبادل وجهات النظر». هدف اللقاء المعلن كان امكانية الاستفادة من مشاريع المصالحة الوطنية الناجحة في ايرلندا الشمالية وجنوب افريقيا. فمن ايرلندا الشمالية حضر اللقاء جناحي الصراع في شمال ايرلندا، وهم مارتن ميكنز الرجل الثاني في الجناح السياسي للجيش الجمهوري الايرلندي بعد جيري ادمز رئيس الحزب (أي ار أي)، واللورد جون الدرديس رئيس حزب الائتلاف في وقت الصراع واحتل فيما بعد رئاسة حزب الاحرار، وجفيري دونالدسن من حزب الاتحاد الديمقراطي المناوئ الاساسي لـ (أي ار أي)، وبلي هوجنستون عضو البرلمان الايرلندي الشمالي، ولي كرين عضو وزارة ايرلندا الشمالية. والفريق الثاني الذي حضر اللقاء من جهتي الصراع في جنوب افريقيا هم المساعد الاول للرئيس الاسطورة نيلسون مانديلا وهو السيد ماك مهراجي ويعتبر من أبرز قادة حزب المؤتمر الوطني الافريقي، ورشيد ابو بكر اسماعيل احد مسؤولي الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الافريقي، ورالف ماير الوزير في الحكومة العنصرية السابقة واصبح وزيرا ايضا للشؤون الدستورية في حكومة مانديلا. وبعد الاستماع الى مداخلات عن تجارب الشعوب في شمال ايرلندا وجنوب افريقيا، تواصلت نقاشات على اثرها تم توقيع اتفاقية عرفت بأسم «اتفاقية هلسنكي» حوت 12 قاعدة للحوار في عملية المصالحة الوطنية في العراق و 9 نقاط كتوجهات سياسية، ووقع الأشخاص المشاركين في المؤتمر على الاتفاقية كمشروع للمصالحة الوطنية العراقية. يذكر ان وزارة الخارجية الفنلندية وقبيل بدء جلسات اللقاء الاول اعلنت بأنها تبارك اللقاء ولكنها ليست طرفا فيه بأي شكل كان.
اللقاء الثاني ـ هلسنكي2
الدعوة الثانية للاطراف السياسية العراقية من اجل اللقاء في هلسنكي، حصلت ربيع هذا العام، حيث انعقدت الجلسات في الفترة 25 ـ 28 نيسان 2008، في اطراف هلسنكي، وايضا على شكل حلقات دراسية. لكن هذه المرة يبدو ان الجهة المنظمة لهذا اللقاء، منظمة «المبادرة لادارة الازمات»، حاولت الاستفادة من الانتقادات الحادة التي وجهت اليها في المرة السابقة بعد انتهاء اعمال اللقاء الاول ونشر معلومات مستفيضة عنه في وسائل الاعلام، حيث شكك بعض المراقبين في امكانية التوصل الى النجاح في اعتماد ما توصل اليه اللقاء من مبادئ وتوجهات رغم جودتها نظريا وامكانية ان تكون برنامجا جيدا وتوجها عاما للعمل السياسي يساعد في القيادة الى مصالحة وطنية تساعد على العمل نحو انهاء العنف الطائفي. اهم الانتقادات كانت منصبة على ان اللقاء الاول لم يشمل كل اطراف النزاع السياسي في القضية العراقية، حيث كان بدون اي مساهمة من الجانب الكوردي، الطرف الاساسي والمؤثر في العملية السياسية في العراق. وايضا اقتصار اللقاء الاول على مشاركة برلمانيين عراقيين وبعض من القادة الحزبيين، والذين في غالبيتهم كانوا من الاطراف الثانوية، وغير الاساسية، وبذلك لن يكون بامكانهم التأثير على اصحاب القرار في الصراعات الدائرة داخل العراق، وفي حقيقتها صراعات من اجل السلطة والمصالح والثروة.
هذا العام عمدت منظمة «المبادرة لادارة الازمات» الى توجيه الدعوة الى ستة وثلاثين شخصية عراقية، من مختلف الجماعات السياسية العراقية، وبضمنهم قادة من الاحزاب الكردية واحزاب علمانية واخرى دينية، ومن الحضور كان السادة اغضاء مجلس النواب: جلال الدين الصغير رئيس كتلة الائتلاف العراقي الموحد في مجلس النواب، حميد مجيد موسى سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، الدكتور فؤاد معصوم رئيس كتلة التحالف الكردستاني في مجلس النواب العراقي وعضو قيادة حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، الدكتور همام حمودي القيادي في المجلس الاعلى الاسلامي ورئيس لجنة تعديل الدستور، سعد البرزنجي وجعفر ابراهيم من قيادات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، علي الاديب القيادي في حزب الدعوة، اسامة التكريتي القيادي في الحزب الاسلامي العراقي، يونادم كنا سكرتير عام الحركة الديمقراطية الاشورية، الدكتور صالح المطلك، سامي العسكري، هادي العامري، قاسم السهلاني، جلال جوهر، محمد التميمي، فالح الفياض، وائل عبد اللطيف، اسامة النجيفي، ومحمد محمود احمد، اضافة الى السيد اكرم الحكيم، وزير الدولة للحوار الوطني وعدد من المستشارين في الوزارة. وجرت مراسم الاستقبال بسرية، واشترك فيها ممثلون عن السفارة العراقية في فنلندا، الذين لم يكن لهم اي مشاركة في المباحثات، وقد اخبرنا السيد غسان درويش، القائم المؤقت بالاعمال في السفارة العراقية في فنلندا، بأن دور السفارة سيقتصر فقط في المشاركة في استقبال وتوديع الشخصيات العراقية المساهمة في اللقاء. وجرت اجتماعات الحلقات الدراسية ضمن ذات الاجواء الصيانية المتشددة من قبل الفنلنديين، التي بدت لبعض المراقبين مبالغ بها من قبل الجانب الفنلندي. وفي أتصال هاتفي لنا مع السيد غونتين اوليفر المتحدث الرسمي بأسم اللقاء، امتنع عن تقديم اي معلومات راجيا انتظار انتهاء اعمال اللقاء، يذكر ان اللقاء ساهم فيه شخصيات سياسية من اطراف النزاعات السابقة في جنوب افريقيا وشمال ايرلندا.
عن نتائج اللقاء الثاني
صباح الاثنين 28 نيسان، وقبيل مغادرة الشخصيات العراقية، العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وعودتهم الى بغداد، وفي المطار، كان هناك مؤتمر صحفي اعد على عجل، وتم فيه اعلان بيان عن منظمة «المبادرة لادارة الازمات» تمت الاشارة فيه الى ان اللقاء كان ناجحا وان المشاركين اقروا مجموعة من المبادئ للعمل الوطني المشترك، اضافة الى مجموعة من اليات التنفيذ بهدف تحقيق تقدم في المصالحة الوطنية في العراق. وأكد البيان على انه «يتعين على كل الاحزاب السياسية والجماعات الالتزام بهذه المباديء التي اقروها من اجل المشاركة في المفاوضات.» الشيخ همام حمودي قال في المؤتمر الصحفي انه راض عن التقدم الذي انجز، واعرب عن ثقته بأن يتم انجاز المزيد من التقدم في الشهور القادمة. ووجه الشكر للشعب الفنلندي لحسن الضيافة. البروفسور بادريج اومالّي، من المشرفين على اللقاء، اشار الى «ان عملية السلام هي سلسلة من البدايات، وان كل بداية هي خطوة للامام».
واشارالسيد حميد مجيد موسى الذي كان حاظرا هذه الحلقات الى انها «كانت اجواء جادة ومسؤولة، وان اللقاء الذي ضم 36 شخصية سياسية عراقية، مثلت اغلبية الطيف السياسي العراقي، وفيهم 26 شخصية برلمانية، كان مثمرا في توفير الفرصة للتباحث والتحاور والتعرف الى تجارب الشعوب في انتهاج الحلول السلمية للازمات والتوترات في بلدانهم».

عن: طريق الشعب، باختصار.