الحضارية «قراءات ومتابعات»

الاربعاء: 14/05/2008

 


العراق وامريكا... مستقبل على صورة ماض يعاد انتاجه

عبد الستار جبر(*)
(خاص للمعهد)

يستشهد الجنرال بترايوس بكلام لتوماس ادوارد قاله في العام 1917: «لا تصدر اوامر بل بالاحرى نصائح للقادة الذين يجب كسب ثقتهم، كلما كان التدخل اقل سفورا كلما كان النفوذ اعظم»، اعتبرت هذه الكلمات، آنذاك، بمثابة حكمة، وما زالت على ما يبدو، وقد جاءت ضمن نص من ثمان وعشرين صفحة كتبه ادوارد واصبح مرجعا للبريطانيين للتعامل مع العرب، وتحديدا مع عرب الحجاز، وادوارد هذا هو لورانس العرب، البريطاني الذي اسهم بصناعة الثورة العربية وبطلها فيصل الذي اصبح ملكا للعراق فيما بعد، وغذى الروح القومية باتجاه تكوين امة عربية تتخلص من الهيمنة العثمانية لكنها لابد من ان تكون مخلصة للامبراطورية البريطانية، كما انه ذلك الرجل الذي اقترح تقسيم الشرق الاوسط بين ابناء الشريف حسين، مطالبا حكومته باعادة النظر باتفاقية سايكس ـ بيكو مع الفرنسيين.
بترايوس الامريكي في العام 2007 يسترشد بوصفة كولونيالية بريطانية كتبت في العام 1917، للتعامل مع العراقيين، بعد مضي 90 عاما، أي ما يقرب من القرن. حقبة زمنية يبدو فيها التاريخ ساكنا في هذه المنطقة، فما يصلح قبل قرن يمكنه ان يصلح الآن، أي لم يتغير العرب، لم تتطور عقليتهم القبلية، وبامكان الكولونيالية الجديدة ان تنجح في ادارتهم، وفقا للذهنية الكولونيالية القديمة، واذا كان لورنس العرب قد نجح في صناعة الثورة العربية ضد الاتراك، فان بترايوس يمكنه ان ينجح في صناعة ثورة مشابهة، عشائرية يقوم بها العرب السنة في العراق ضد تنظيم القاعدة الاسلامي الراديكالي الذي استخدم الرمادي وغيرها من اراضيهم كمناطق نفوذ له، هذا من وجهة نظر امريكية، فظهرت ميليشيات الصحوة كحلفاء للامريكان في محاربتهم للقاعدة كعدو مشترك، بعد ان كانوا مع القاعدة يقاتلون الامريكان والحكومة العراقية كعدوين مشتركين.
هذا المنطق التاريخاني الذي يحكم العقلية الكولونيالية الامريكية، يبدو لي انه هو الذي يتحكم في صياغة العلاقة المستقبلية بين امريكا والعراق، اذا رغبنا في النظر الى مستقبل هذه العلاقة، بدافع القلق المصيري او الفضول المعرفي او البحث العلمي او التساؤل المجاني او التقليد المنهجي في صياغة محاور نقاشية سياسية.
هذا المنطق ينظر الى الآخر بوصفه بنية عقلية او سلوكية ثابتة غير متطورة او متغيرة، ووفقا لذلك يمكن استخدامه وتوجيهه واستثماره لتحقيق اكبر قدر من المصالح، وفي الوقت نفسه انت من تصنع له ثورته وأمته ودولته ونظامه السياسي، و«كلما كان التدخل اقل سفورا كلما كان النفوذ اعظم»، انها الحكمة الكولونيالية الأخطر، لا سيما في اوضاع تتيح الكثير من التدخلات المتوارية؛ خلافات سياسية، صراعات اثنية، مصالح متقاطعة، ارادات متعارضة، تغذيها نزعات متطرفة للعنف، خالقة بذلك ما يحلو للبعض ان يسميه «فوضى بناءة»، يعمد الامريكان الى اشعالها وتأجيجها لكن بشرط ابقائها تحت سيطرتهم حتى يتسنى لهم تغيير الخارطة الجيوبوليتيكية للمنطقة. وما العراق سوى المفتاح المفضل لذلك، وهو قطعة الدومينو الاولى، ومن دون شك فانه ليست الحرية والديمقراطية هما ما يحركان بوصلة الاستراتيجية الامريكية تجاه العراق والشرق الاوسط، انما مصالحها الحيوية في هذه المنطقة هي من تقود دفة السفينة الامريكية التي عبرت المحيط الاطلسي وتكبدت اموالا طائلة وارواحا ومعدات لتبسط نفوذها هنا، لتحمي المصالح وتدير الملفات السياسية والاقتصادية الاقليمية بما يصب في خدمتها، وليس من اجل كنس الديكتاتوريات والتخلص من الانظمة الاستبدادية الحاكمة وانقاذ الشعوب المضطهدة.
واعتقد ان المنطق التاريخاني الذي تستند اليه الكولونيالية الامريكية يصطدم بمصالحها، فهو يوظف من اجلها دون شك، لكن التمسك به هو من يجعلها تنجح هنا، وتخفق هناك، فهذا المنطق لم يقد امريكا الى بناء دولة عراقية او ديمقراطية عراقية او ترسيخ قضاء عراقي مستقل. الديمقراطية والدستور كانتا مطلبين عراقيين (من المرجعية الشيعية- السيستاني) والاستجابة لهما يبدو لي كانت وفقا للمنطق نفسه، اذ لم يكن الامريكان انذاك قد حددوا وقتا معينا لاجراء انتخابات او كتابة دستور، انما كانت فكرة الحاكم المدني الامريكي مهيمنة، رغم تعثرها مبكرا، (غارنر، ثم بريمر، وقبلهما سيدة امريكية بربارا براون). وقد تحولت الانتخابات الى فرز لهويات طائفية، في حين تحول الدستور من عقد اجتماعي الى معركة خلافية لم تنته بعد، اعتقد ان الامريكان اسهموا بتعقيدها بشكل او بآخر، وربما كان لتشكيل مجلس الحكم دور في هذا التعقيد، اذ انهم لو لجأوا مبكرا الى حكومة تكنوقراط مجردة من صبغة التمثيل القومي والطائفي التي، على الاقل، لو انها اقتصرت على مجلس نيابي مصغر مؤقت.
تكوين «حكومة وحدة وطنية» تتجاوز الاستحقاق الانتخابي، اتجه نحو مزيد من تكريس الطائفية وانتشارها في مؤسسات الدولة، وفي هذا اضعاف للديمقراطية وانتهاك دستوري لاهم مبادئها، وقد اوجدت حكومة ضعيفة هشة تشرخها الانقسامات ولوي الارادات واساليب الابتزاز السياسي الذي يبدو ان السياسيين العراقيين لا يجيدون غيره من فن السياسة.
التغاضي عن ميليشيات ترفض الدخول في العملية السياسية بحجة المصالحة الوطنية، وتكوين ميليشيات جديدة تحت مسميات الصحوة، يضعف من هيبة الدولة، ويخلق قوى مناوئة للحكومة، غير شرعية، لا تكتسب صفة قانونية، لانها لا توضع تحت اشراف الحكومة وارادتها، انما يكون اتصالها مع الامريكان، وهنا تكريس لسلطة المحتل وتقليل من شأن سلطة الحكومة.
التدخل في احكام القضاء العراقي، كتهريب وزير الكهرباء السابق ايهم السامرائي، ورئيس هيئة النزاهة راضي الراضي، واخفاء وزير الثقافة اسعد الهاشمي، وليس آخرا عدم تسليم المدانين بقضية الانفال لتنفيذ الحكم بهم، يعد كل هذا تدخلا في القضاء العراقي وإضعافا لسلطته.
لا شك ان ثمة اكثر من منظور للعلاقة المستقبلية بين البلدين، وانا اشدد على المنظورين الامني والاقتصادي في هذه العلاقة، أي في الشؤون العسكرية واللوجستية، بما يتعلق بحجم تواجد القوات وبناء قواعد دائمة وصفقات بيع الاسلحة وتدريب وتجهيز القوات الامنية وفيما سمي بشراكة طويلة الامد على المستوى الاستراتيجي الامني بين البلدين، وفي المجال الاقتصادي فيما يخص عقود النفط وتحويل الاقتصاد العراقي باتجاه الخصخصة والسوق الحر وما يرافقها من تغييرات يسهم الامريكان في صياغتها، وهذان المجالان لست متخصصا فيهما، ولن اعطي صورة حقيقية بشأنهما حين اتصدى للحديث عنهما او عن احدهما، ومن المفيد ان يتطرق الى هذين المجالين مختصون يقدمون لنا قراءة علمية تستند الى لغة الارقام والوقائع، بل من المفيد ايضا ان يسهم خبراء قانونيون في تسليط الضوء على القوانين العراقية الراهنة وكذلك المعاهدات السياسية الموقعة مع الامريكان او من المفترض ان توقع معهم فيما يخص هذين المجالين، لمعرفة طبيعة التشريعات التي ترسم حدود هذه العلاقة ونوعها ومستقبلها. فالقوانين والمعاهدات توفر ضمانات مستقبلية (جزئية طبعا، اذ بالامكان نقضها) للطرف الآخر.
بالنسبة لي اردت مدخلا مختلفا، فكان عبر الاثنولوجيا السياسية، من وصايا وارشادات تجربة كولونيالية حديثة (البريطانية - الفرنسية) نجحت في ازاحة كولونيالية قديمة (العثمانية) تفسخت رائحة مرضها فسهل محاربتها، في مطلع القرن العشرين، الى تجربة كولونيالية احدث (الامريكية) تستلهم من ما سبقتها، في مطلع القرن الحادي والعشرين. ومع شديد الاسف، فانه بعد خمس سنوات من الحرب لم تقدم لنا التجربة الكولونيالية الامريكية دولة وديمقراطية وقضاء عراقيا سليمين، مثلما لم تمنحنا التجربة البريطانية قبل 90 عاما هذه الاشياء المفقودة، لقد اعاد الامريكان انتاج الماضي، ونحن نشهده في حاضرنا، ويبدو ان المستقبل بيننا واياهم لن يختلف كثيرا، انه على صورة الماضي نفسه، وفك ارتباطنا بهم، من اجل بناء حاضرنا بأنفسنا، يبدو صعبا للغاية، لاننا لا نمتلك الارادة الواعية والحرة لذلك.

(*) أكاديمي من العراق.