الحضارية «نشاطات»

الاحد: 23/03/2008

 


مهرجان نوهدرا الثقافي الثامن في دهوك

بغياب اعلامي مخيب للآمال احتضنت حدائق نادي نوهدرا الاجتماعي في دهوك مهرجان نوهدرا الثقافي الثامن... حيث اتقد الشعر واتقد الحب مع الجمال واتقدت الاخوة العراقية بصدق ابداعها..
نوهدرا... هو اسم محافظة «دهوك» القديم وقد تغير من نوهدرا الى دهوك بعد الاحتلال العثماني.. ومعناها «مدينة الشمس».
او«الشعاع لذلك اتخذ القائمون على هذا المهرجان من شعاع مدينتهم الرائعة شعاراً دائماً لمهرجانهم نوهدرا مركز اشعاع حضاري وثقافي».
قبل الابحار في ابداع هذا المهرجان العراقي بكل مفرداته لابد من العودة ولو ببعض السطور الى حضارة احفاد آشور لكونهم اصحاب السبق والريادة في اقامة هذا المهرجان.يقول المؤرخ الاستاذ «ليونارد دولي» «الاشوريون كانوا جماعات في مدن اعلى دجلة مثل» آشور ونينوى «ومنذ سنة» 2100 ق. م «ظهر فيها ملوك محاربون استطاعوا ان يسيطروا على» بابل «سنة 1100 ق. م» بقيادة «تجلا فبليرز» وظلت لاشور السيادة على بلاد العراق الى سنة «612 ق.م». واسم آشور منسوب الى الاله الاشوري «آشور» لذلك اطلقوا على عاصمتهم الاولى ذات الاسم... ومن ملوك هذه الحضارة العراقية الراقية «شيليمنصر الاول» و«اسرحدون». وكانت من اهم خصائص الملوك الاشوريين قدرتهم على استيعاب ما يقتبسونه من الشعوب الاجنبية ويترجمونها حسب فكرهم ووعيهم الخاص الى صورة مبتكرة تفوق الاصلية بالرؤيا والابداع لما يمتلكونه من حسن ووعي مفعم بالدقة والانسجام وذلك ما جعل اغلب ملوكهم يولون عناية خاصة بالفنون الجميلة والاداب الراقية وقد تركوا ميراثاً حضارياً زاخراً بالروائع لمن خلفهم ومثال ذلك.. ما اسسه الملوك «آشور بانيبال» بما تسمى دائرة المعارف التي عثر فيها على زهاء عشرين الف رقيم في اطلال حضارتهم وكلها تبحث في الدين والفنون والاداب والشؤون الاخرى وهي محفوظة الان في المتحف البريطاني، وقد لا اكون مدعياً لو قلت الان بان دائرة المعارف تلك كانت فيها اشارة لاقامة مثل هذه المهرجانات الثقافية.. وهذا ما يجعلنا ان نسلم ببديهية ان مهرجان نوهدرا الثقافي امتداد طبيعي لتلك الحضارة الثقافية العراقية الخالدة.
لقد كانت الاطلالة الاولى لمهرجان نوهدرا الثقافي عام 1986 اي بعد عشرة اعوام من تأسيس نادي نوهدرا الاجتماعي... وقد اشرف وجاهد من اجل اقامته الدكتور الاب الراحل «يوسف صبي» الذي كان له الفضل الكبير في التأسيس والتحفيز على ديمومته، وصمم شعار المهرجان الفنان الكبير«كمال ملكي كمالة» ونفذه الفنان «صديق حامد» ليصبح هذا الشعار ملازماً لجميع المهرجانات الثقافية والندوات الفكرية التي تقام على قاعة نوهدرا الاجتماعي..
انطلقت فعاليات مهرجان نوهدرا الثقافي الثامن في الساعة الثامنة مساء من يوم السبت الموافق الثالث عشر من اب عام 2005 وذلك بتوزيع الكراسات التعريفية بالمهرجانات السابقة اضافة الى منهاج كامل لمفردات ايام المهرجان مع اقلام ودفاتر ملاحظات جميعها تحمل شعار المهرجان..
كان المهرجان برعاية الاستاذ تمر رمضان محافظ دهوك ليبدأ المهرجان بالوقوف دقيقة حداد على ارواح شهداء العراق... ثم تلتها كلمة رئيس اللجنة العليا المشرفة على المهرجان ورئيس النادي الاستاذ «رائد جرجيس» ورغم انتمائه السرياني لغوياً لكنه اثر ان يلقيها باللغة العربية شاكراً الجميع حضورهم متمنياً للجميع اقامة طيبة ومشاركة فعالة داعياً الى وحدة الابداع العراقي وضرورة التآلف والتكاتف تحت اسم العراق الاتحادي بالحب والتآخي.. ثم تلته كلمة المحافظ قرأها بالانابة نائب المحافظ «كوركيس شيلمون خائي» بعدها كانت كلمة الاستاذ عادل حسن مدير الثقافة والفنون في دهوك... تحدث فيها عن واقع الثقافة العراقية وضرورة النهوض بها من جديد مرحباً بالقادمين جميعاً وبالذات القادمين من بعيد... ليبدأ بعدها العرس الشعري العراقي باللغات العربية والكردية والسريانية.. لتشرق على منصة المهرجان اصوات الشعر من بغداد ودهوك واربيل وكركوك وديالى واستراليا..
فكان صوت القس ترياقوس متوكا بولاء شعري صادق لايقل شعوراً وايماناً عن ولائه الديني يسمعنا قصيدته.. والصوت الشعري الكردي مفعماً بالابداع. والموقف على لسان الشاعر الاستاذ مسؤول فرع الحزب الديمقراطي الكردستاني في دهوك .
وتتوالى القراءات الشعرية الرائعة حتى جاء دور الشاعر العراقي حسين القاصد بمقاطع من الوجع العراقي وكان بابياته الشعرية الرائعة لافتاً لانتباه الجميع لاجادته برسم اكثر من دهشة وصورة شعرية في عقل وقلب المتلقي.

نحيا بلا وطن بلا عنوان
حتى الامان بحاجة لامان
شرطينا يحتاج شرطياً
لكي يحميه من همجية العربان
هل بعد دجلة والفرات
عذوبة كي نستعير الماء من عمان

تتوالى القصائد الرائعة باللغات العربية والكردية والسريانية. وهناك اكثر من شاعر وشاعرة كردي او اشوري القى على مسامعنا شوارده باللغة العربية. وتتوالى القراءات للشعراء العراقيين... معيد شامايا فايدة عبد الكريم.. حسن نوري وتتوالى معها برقيات التبريكات والتهاني من الاتحادات والمنتديات والبيوتات الثقافية وكانت برقية الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق رغم ايجازها بقلم الاستاذ حنون مجيد اكثر من رائعة .. لتنتهي الجلسة الاولى بعد الساعة العاشرة مساء وكانت قناة دهوك التلفازية تنقل مفردات المهرجان مباشرة بمشاركة «قناة اشور» الفضائية وهما القناتان الوحيدتان اللتان غطتا المهرجان كاملاً ..
بعد نهاية الجلسة الاولى كانت هناك مأدبة عشاء كبرى على حدائق النادي تلتها الرقصات والاغاني الفولكلورية النوهدرية باللغات العربية والكردية والسريانية وكلها تتغنى بحب العراق.. وما اجمل ذلك الطفل الاشوري القادم مع والده الشاعر لؤي بطرس وهو يغني بصوت الجنوب ..
«علاوي ابني كبر وبصف الاول صار» للشاعر الشعبي سمير صبيح.. في صباح اليوم التالي كانت سفرة سياحية الى مصيف سرسنك .. هناك قصور صدام الثلاثة التي تحولت الى مساكن شعبية .. وهناك دار استراحة الملك فيصل وقصره في سرسنك الذي اصبح مستشفى عاما.. ثم الى مصيف سولاف وفيها تحتاج الى اكثر من ريشة فنان يستجلي منابع الجمال.. واكثر من مستكشف في قانون الطبيعة ليفسر لنا سر هذا الماء الذي لاندرك من اين ينبع والى اين يصب.. لعلها «كهاريز سنحاريب» لان نظام «الكهاريز» الذي استخدمه «سنحاريب» في المناطق الشمالية.. هو عبارة عن انفاق تشق على شكل قنوات تحت الارض تقوم بسحب المياه الجوفية التي تنبع من سلسلة العيون لتجري بعد ذلك وتسقي الاراضي سيحاً..
نعم كل مجرى هو «كهريز سنحاريب».
شعراء «برطلة» يدعوننا الى جلستهم في سولاف.. قناة اشور تسجل اكثر من لقاء مع وفد اتحاد ادباء وكتاب العراق.. ثم ساعة اخرى على بحيرة دهوك ..لنصل الى قراءات اليوم الثاني، حيث شاركت مجموعة من الشعراء بقصائد تغنت بحب الوطن والوجع العراقي والشوق الى بغداد..
حيث قرأ الشعراء حازم قودا، كاميران برواري، بشير مزوري ثم تلتهم قراءة الشاعر يوسف المحمداوي حيث قرأ قصيدة كتبها في نوهدرا الى الشهيدة جاكلين التي قتلها ازلام النظام السابق في منتصف الثمانينات على ارض نادي نوهدرا الاجتماعي..
ليقول الى جاكلين عروس نوهدرا الابدية..

هي امنيات الليل في قتل الصباح
كم قاتل اني واحتمل الجراح
والريح تستحق نسمة
والغيم يذبح نجمة

متجاهلاً ذاتي.. ملذاتي.. على باب الغياب
هي امنيات.. في الطريق وجدتها.. فتشتها
لكنها من غير باب..

لتتوالى القراءات الشعرية حيث ابدع كل من الشعراء.. شاكر سييفو وهزرفان.. وغزوان صباح.. وناشتي كرمافي.. زهير بروى، علي جمعة. واثق بلو، زيز ججو قاشا ، جمال عويد، متي اسماعيل، غانم حنا النجار، مصطفى سليم.. ليأتي دور الشاعر المبدع ياس السعيدي ليقرأ لنا قصيدة بعنوان «حكاية معتصم بحبل الخريف» نالت استحسان الجميع وهو يقول..

قد فتش الارض لم يعثر على فمه
فباع عينيه حتى يقرضوه فما

وتتوالى القراءات الشعرية ليختمها الشاعر جبرائيل حنا ماموكا ليتفضل الاستاذ مسؤول فرع الحزب الديمقراطي الكردستاني بدعوة الجميع الى مأدبة عشاء كبرى على شرفه في احد مطاعم دهوك الرائعة..
ثم ياتي اليوم الثالث حيث كانت بانتظارنا الحافلات لتنطلق رحلة حلم اخرى باتجاه كهف اينشكي.. حيث موطن الحضارة والجمال الآسر الذي خلد في ذواتنا اكثر من قصيدة..
لتأتي بعدها الجلسة الاخيرة للقراءات الشعرية التي كانت جلسة ختام رائعة للشعر.
الشاعر والقاص هيثم بروى، نزار انطوان، سعدون نجيب، ابراهيم الخياط..
ثم يطل علينا الشاعر الرائع عمر عجيل السراي الذي اثار بقصيدته الشعر والشعراء وهو يصرخ..

ياايها الوطن المؤود في فمهم
ولست انثى.. وما فيهم فم رجل
يا واقفا قلب ام في ازقتهم
وظل صوتك من عينيك ينسدل
وكنت وحدي الم الناس اجمعهم
يا اخوتي وحدوا.. ياهور.. ياجبل
عتبي عليك فوحد.. تلك معجزتي
انا عراق.. خلت من قبلي الدول

لتتوالى القصائد الرائعة ويختمها الشاعر محسن قوجان..
وبعد ان توالت برقيات التهنئة بنجاح المهرجان بادر الاخوة القائمون وهم يعيشون لحظات الفرح ليطلبوا من الجميع البقاء يوماً رابعاً ليحتفوا بمناسبة نجاح المهرجان..

عن: يوسف المحمداوي ،جريدة الصباح ، بتصرف