الحضارية «نشاطات»

الاحد: 16/03/2008

 

بغداد في الشعر العربي ضمن احتفالية (شاعر مكة)

شهدت القاهرة افتتاح أعمال الندوة البحثية المصاحبة لاحتفالية الدورة التاسعة ل(جائزة شاعر مكة) محمد حسن فقي, حول موضوع (بغداد فى الشعر العربي).
وبدأت الجلسة الافتتاحية، التي حضرها مانح الجائزة الشيخ أحمد زكي يماني والفائزان بها فى هذه الدورة: الشاعر أحمد غراب، والناقد الدكتور حامد أبو أحمد، وعدد من ألمع الأكاديميين والنقاد العرب، بكلمة للدكتور عبدالله التطاوى نائب رئيس جامعة القاهرة، حيا فيها الجائزة ومانحها وأمينها العام الراحل أحمد فراج، مؤكدا على دورهما فى الاهتمام بدراسة الشعر والتراث العربي ووضعه موضع تساؤل وحوار مما يؤدي إلى تطويره وتجديده.
بعد ذلك أدار المفكر التونسي الدكتور عبدالسلام المسدي الجلسة الأولى، وفيها تحدث د. عثمان موافي عن «البناء الفني للقصيدة البغدادية في معترك القدماء والمحدثين».
وبدأ د. موافي بحثه بتتبع نشأة الصراع بين القديم والجديد في الشعر. ثم انتقل إلى الحديث عن الإطار الفني للقصيدة وصلته بقضية الصراع بين القدماء والمحدثين وتمثل الملامح العامة للقصيدة العربية. ويظهر أن القصيدة العربية كانت في بداية نشأتها تدور حول موضوع واحد، يتصل بذات الشاعر أو قبيلته التي يعد الشاعر جزءاً منها، ومن هذه الموضوعات الفخر والغزل، ثم تنوعت موضوعاتها بعد ذلك، كبكاء الأطلال والنسيب ثم وصف الرحلة والراحلة، ثم التخلص إلى الغرض الرئيس، وغالباً ما يكون المدح العربي منذ الجيل الأول للرواة فى القرن الهجري الثاني وحتى القرن الخامس، وقد تراوحت الموضوعات بين إنكار الشعر المحدث وإنصافه.
ويرى د. موافي أن هذا التطور استتبعه تغير في مفهوم القديم والمحدث؛ فقد كان مفهوم القديم عند الجيل الأول من الرواة هو الشعر الجاهلي وحسب، أما المحدث أو المولد، فهو الشعر الذي ظهر بعد ذلك، وعلى أية حال، فقد كان من نتائج الصراع بين القدماء والمحدثين حول البناء الفني للقصيدة، ظهور اتجاه بين المحدثين يدعو إلى وحدة عناصر القصيدة وتماسكها، ويغلب هذا الاتجاه على النقاد الذين مارسوا كتابة الفنون النثرية، أو الذين شكلت الفنون النثرية قسطاً كبيراً من ثقافتهم النقدية، مما دفع بعضهم إلى محاولة تطبيق قواعد الكتابة النثرية على القصيدة الشعرية.
أما دراسة الكاتب السعودى د. محمد الربيع «بغداد في الشعر السعودى» فقد تناول فيها 15 قصيدة لشعراء سعوديين من كافة أرجاء المملكة، وبعد استعراضه للقصائد توقف عند الاستنتاجات وهى: تعدد منطلقات الكتابة عند الشعراء, وتنوع القصائد بين الشكل العمودي وشعر التفعيلة, وتغني القصائد بالماضى المجيد وتأسيها على الواقع الأليم.
وعقب د. عبدالسلام المسدي على البحث مشيرا إلى ما أسماه التواضع النقدي للدكتور الربيع الذي أثار قضايا مهمة مثل التاريخ الشعري للمدينة العربية ورمزية المكان. وقد استوقفت نفس الدراسة د. عالي القرشى فسأل صاحبها عن سبب اقتصار نماذج بحثه على الشعراء الرجال؟ وعن شخصية بغداد وكيف وظفها الشعراء السعوديون في قصائدهم؟
ورد الباحث بأنه اطلع على قصائد لشاعرات سعوديات عن بغداد لكن ضيق الوقت حال دون إضافة نماذج أخرى, كما أكد على أن الشعراء الذين درسهم وظفوا بغداد كرمز شعري وليس كمجرد مكان.
وعقب د. المسدى على ذلك بقوله: مسألة بغداد وتناول الشعر للمدن، أيصور الفن المكان وكأنه كاميرا، أم يحدث تخييل فني حول المكان؟
وفى الجلسة الثانية قدم د. علي صبح بحثا عن ابن الرومى بدأه بالوقوف على العوامل التي شكلت الحضارة الإسلامية في ذلك العصر، وكانت سببا في نبوغ عدد كبير من الشعراء. وقد كان للشعراء حضورهم في بلاط الأمراء مما أدى إلى التنافس بين الشعراء. ومن أشد صور هذا التنافس ما كان بين ابن الرومي والبحتري، وهما الشاعران اللذان أثار كل منهما الآخر، وأذكيت روح المنافسة الشعرية بينهما. وتشير الدراسة إلى اختلاط الأعراق في دم ابن الرومي وأثر ذلك على شاعريته.
بعد ذلك يحدد د. علي صبح العوامل التي كونت عبقرية ابن الرومي في غربته, مثل هروبه إلى الطبيعة, وإحساسه المرهف.
ويختتم د. صبح دراسته بالمقارنة بين عدد من قصائد الرثاء لأكثر من شاعر, فيتناول رثاء ابن الرومي للبصرة, والبحتري لأنطاكية ومرثية لشاعر أندلسي مجهول إضافة إلى قصيدتي رثاء لأمير الشعراء أحمد شوقي والعقاد. وتخلص المقارنة إلى تأكيد تميز ابن الرومي والبحتري ابني حضارة بغداد الزاهرة.
أما بحث د. محمد نجيب التلاوي فقد تناول « بغداد وقصائد الانكسار» ويؤكد الباحث على تشابه المحن التي تعرضت لها بغداد قديما وحديثا. فكأن التاريخ يعيد نفسه.
ونظرا لأن القصائد المكتوبة عن بغداد أكثر من أن تحصى فقد ضيق الباحث بؤرة البحث حتى حدود أزمة بغداد العراق بعد الغزو الأميركى تحديداً، وكان اختياره للنصوص مصدر الدراسة يعتمد على التناول للأزمة الحالية للعراق من ناحية، وحرص الباحث على تمثيل بعض شعراء الأقطار العربية من سوريا والعراق ومصر والسعودية والأردن... لنرى قصيدة الانكسار من زوايا نظر قطرية متباينة.
وعن إرهاصات الانكسار تناول التلاوي قصيدة «حليب إنانا» لمحمود درويش وهي واحدة من قصائد ديوانه «سرير الغريبة» وذكر أن السمة المائزة فى قصيدة الإرهاصات الدرويشية تتمثل في القدرة الفائقة على المزج بين التوظيف الأسطوري والتاريخي للإعلان عن رؤية سياسية لواقع عربي ملغز لم يبق فيه من إيجابية سوى القناعة بتخلق القمر من العتمة، ويستشهد بالتاريخ الذي شهد ببقاء بغداد سالمة «... وأنت تطيرين من زمن نحو آخر، سالمة كاملة» – على حد تعبير الشاعر الذي احتفل بتخصيص خطابه الشعري لبغداد العراق.
أما النماذج الأخرى فقد تناول فيها د. التلاوى قصائد للشعراء: أحمد غراب، قصيدته «اغتصاب فتاة عربية»، و«بغداد ماتت» للشاعر السوري سيف الدين راعي، «العراق في خيمة صفوان» للشاعر السعودي جاسم الصحيح.
ورصدت الدراسة في هذه النصوص عدة ظواهر منها التركيز على لحظات الانكسار والاستسلام والبناء التقليدي، وغيبة التوظيف التراثي.
وفي الجلسة نفسها عرض د. يوسف بكار دراسة هامة عن صورة بغداد في ذاكرة الجواهري ومصطفى جمال الدين، وهما من كبار شعراء العراق، وإن كان جمال الدين أقل شهرة ومكانة من الجواهري, وقد برر الباحث اختياره لكون كلا الشاعرين من النجف، ولكونهما ارتبطا بصداقة وطيدة في النجف ودمشق, والأهم لكونهما ينتميان لمدرسة فنية واحدة. وهى المدرسة التي حافظت، في الشكل، على بنية القصيدة الشطريّة بشعرية فنيّة خاصة مثقلة بروح التجديد ومتطورة كما يقول جمال الدين نفسه بعيداً عن التقليد.
واقتطف بكار من ذكريات الجواهري، وخاصة الفصل المعنون بـ «شبح في بغداد» ما يرويه عن أولى زياراته لبغداد وما أوحت به الرحلة من قصائد. وقد ظلت بغداد تلهم الجواهري طوال مسيرته الإبداعية، فنظم فيها 26 قصيدة بحسب ما ذكر د. بكار الذي يرى أن كثيراً من شعر الجواهري يُعدّ مرجعاً لدراسة تاريخ العراق المعاصر، ويمثّل جزءاً من حياة الشعب العراقي حتّى غدا جزءاً من التجربة العاطفيّة والذهنية والسياسيّة للأمة كلها مهما تتباين المواقف من الشاعر عينه.
أمّا مصطفى جمال الدين فله في بغداد قصيدتان مستقلتان: الأولى غيريّة سياسيّة، والأخرى ذاتيّة شخصيّة. كما أنّه ذكّر بها وذكرها في قصيدتين أُخريين: «معلم الأمة»، و«حلم الأمّة».
القصيدة الأولى عنوانها «بغداد»، وهي من حيث موضوعها، تستعرض العصر الذهبي لبغداد في الحكم والسياسة والعلم والأدب والفن، وتذكّر بإصرار هادف بمن أسهم في بنائها من قائد ومعلم ومهندس وفيلسوف وشاعر وفنّان ومزارع وغيرهم ممن تناسى التاريخ إسهاماتهم وأدوارهم في بناء هذه الحضارة، واقتصر على الخليفة والوزير والحاجب والأمير.
ويضيف الباحث أن «الشكل» لم يكن هو المهم عند مصطفى جمال الدين، إذ كان يعي تماماً قلق المرحلة التي يعيشها بأن القصيدة التقليدية مرفوضة، ممّا دعاه، إلى أن يكتشف رؤى جديدة ضمن شعر الشطرين، فترك البكاء والنواح والندب والمطالع التقليديّة إلى التمرد ولغة التحريض، وتخطّى رسم الذكرى إلى رسم آفاق القادم الآتي، وابتعد عن الإحساس بضرورة الهرب إلى الشعور بلذّة الصمد والمقاومة.
وقد لاقت مداخلة الناقد السعودي عاصم حمدان استحسان القاعة خاصة حين رفض مقولة د. بكار الذي يرى أن كثيراً من شعر الجواهري يُعدّ مرجعاً لدراسة تاريخ العراق المعاصر، ويمثّل جزءاً من حياة الشعب العراقي، فحمدان يرى أن الجواهري قد عاش متقلبا بين اليمين واليسار ولم يثبت على موقف وأن الشعراء الذين يفعلون ذلك تعجز قصائدهم عن استشراف المستقبل ويفقدوننا الثقة في الشعر.
ولم تختلف مداخلة د. وليد مشوح عن سابقتها فقد رأى أن شعر الجواهري كان جوانيا وقد أراد بغداد حانة وحسناء يعانقها وإمًّا مرضعة، أما إذا غضب منها فيلصق بها كل النواقص.
وفي تعقيبه على المداخلتين أكد د. بكار على أنه يدرس شعر الشاعر ولا يحاكمه وأن تغير مواقف الشاعر لا يهمه، فالمهم من وجهة نظره هل أجاد الشاعر أم لا؟
 

عن :الجيران