|
السبت: 02/05/2009
فـهـــم العـولــمــــــة
د. صلاح الجابري
(خاص للمعهد)
محاضرة للدكتور
صلاح الجابري،
ألقيت في المنتدى الثقافي الحر في ذي قار، التابع لمعهد الأبحاث
والتنمية الحضارية – بغداد،
بتاريخ 12-2-2009، على قاعة المركز الثقافي في الناصرية.

مقدمة:
لماذا هذا
العنوان؟
في الحقيقة إن هناك تشابكا
واختلاطا في تناول الباحثين لهذا الموضوع، لاسيما في عالمنا الإسلامي،
بين فهم الموضوع فهما علميا موضوعيا حياديا، وبين تقييم الموضوع أي
إطلاق أحكام قيمة حوله. والحقيقة طالما كان الخلط بين أحكام الواقع
وأحكام القيمة مصدرا لشواش التفكير والغموض. ودرءا لهذا الخلط واللبس
رأينا أن نميز بين هذين الجانبين، وأن نعنى في هذا البحث بـ "فهم
العولمة" دون محاولة إصدار أحكام قيمة حولها بقدر الإمكان. وفي بحث آخر
سنتناول أحكام القيمة حول العولمة، عندما نعرض للمواقف التي تشكلت في
الفكر العربي المعاصر، وهي مواقف تقييمه تسعى إلى صياغة أحكام معيارية
متفاوتة استنادا إلى تفاوت المنطلقات الأيديولوجية من إسلامية،
وماركسية، وليبرالية، وتوفيقية وغيرها.
أما فيما يخص أهمية الموضوع،
فالحقيقة أن العولمة بتجلياتها ومنتجاها اكتنفت كل مفاصل حياتنا، ولم
يخل منها بيت أو شارع أو مدرسة، فقد اخترقت غرف نومنا وغزت جيوبنا،
وأثرت على فكرنا وعلى تشكيل رغباتنا، وتطلعاتنا المستقبلية. فدخيل بهذا
الحجم وهذا التحدي حقيق علينا أن نقف منه موقفا جادا موضوعيا لفهمه
واستيعابه، ومن ثم تقنينه وتنظيمه.
وسأقدم في هذا البحث فهما للعولمة
من خلال عرض لترتيب معلوماتي كالآتي:
- تحقيب العولمة تاريخيا.
- قراءة استشرافية مسبقة
للفلاسفة والأدباء عبر مراحل تطور العولمة.
- تعريف العولمة.
- أسس العولمة، أو خصائصها
المائزة.
تحقيب العولمة:
بدأ مصطلح العولمة بالظهور في
أواسط الستينيات في كتابين:
الكتاب الأول بعنوان: ”الحرب
والسلام في القرية الكونية“ لمؤلفيه مارشال ماك، وكنتن فيور.
الكتاب الثاني بعنوان: ”دور
الولايات المتحدة في مجال التقنيات الإلكترونية بين عصرين“ لمؤلفه
زبيغينو بريجنسكي.
انطلق الكتاب الأول من حرب فيتنام
والدور الذي لعبه التلفزيون فيها ليستنتج بأن الشاشة الصغيرة حولت
المواطنين من مجرد مشاهدين إلى مشاركين في اللعبة الأمر الذي أدى إلى
اختفاء الحدود بين المدنيين والعسكريين. ويرى ماك أن الإعلام
الإلكتروني في وقت السلم يجعل من التقنية محركا للتغيير الاجتماعي[1].
في الكتاب الثاني يرى بريجنسكي أن
تشابك الشبكات التكنوترونية، حيث يتزواج التلفزيون بالكومبيوتر و
بالاتصالات اللاسلكية، حوّل العالم إلى "عقدة علاقات متشابكة ومتداخلة،
عصبية، متوترة، ومتحركة". وأكد بريجنسكي بأن الولايات المتحدة هي
المجتمع الكلي الأول في التاريخ، فهي مركز "الثورة التكنو ـ إلكترونية"
لأنها تتصل أكثر من غيرها، 65 في المائة من مجموع الاتصالات المعالجة
تخرج منها من خلال نتاجات صناعاتها الثقافية، ولكن أيضا بفضل "تقنياتها
ومناهجها" وممارسات التنظيم الجديدة"[2].
أما في الثمانينيات صار مصطلح
Globalization مألوفا في معاهد إدارة الأعمال الأمريكية وفي الصحافة
الاقتصادية الإنجلوساكسونية. وكان يعني الحركة المعقدة لانفتاح الحدود
الاقتصادية وليونة التشريعات، مما يشجع النشاطات الاقتصادية الرأسمالية
على توسيع حقل عملها ليشمل المعمورة برمتها. وهذا التطور الهائل لوسائل
الاتصال أعطى لهذا المصطلح معنى وصدقية وقضى على المسافات والحواجز قبل
أن يسقط آخر جدار كان يقسم العالم إلى كتلتين كبيرتين وذلك في برلين في
تشرين الثاني عام 1989[3].
نموذج تحقيب
روبرتسون للعولمة:




تراوح الدراسات
حول نشأة العولمة
1. هناك من يرجع العولمة إلى
تكوين الإمبراطوريات التاريخية.
2. وهناك من يرجعها إلى
الانتصار العالمي لأحد أشكال الدين.
3. وهناك من يرجعها إلى تبلور
الروح العالمي.
4. إرجاعها إلى استسلام النزعة
القومية لهدف التجارة الحرة.
5. إرجاعها إلى الاستعمار.
6. إرجاعها إلى انتصار
البروليتاريا العالمية.
7. إرجاعها إلى ظهور الشركات
المتعدية الجنسية.
8. إرجاعها إلى نشوء النظام
الإعلامي الكوني.
اختلاف العولمة الراهنة عن أشكالها
الأولية
إذا كانت العولمة تعد رديفا لتنامي
الرأسمالية عبر القرون الأربعة الأخيرة، فإن هناك عدة وقائع أساسية
تميز حضورها الراهن،هي:
1. تضخم الشركات المتعدية الجنسية
والتي يضعها تومبسون في موقع القلب من العولمة الاقتصادية ويصفها بأنها
المثال الحي لرأس المال العالمي.
2. عجز دولة الرفاه التي وضع
أسسها عالم الاقتصاد البريطاني اللورد جون منيارد كينز، حين نادى
بانتهاج سياسة تقوم على تدخل الدولة لحماية الاستقرار الاقتصادي في
محاولة للخروج من الأزمة الرأسمالية المشهورة في نهاية الثلاثينيات.
فكما حلت الدولة محل الإقطاعية
تدريجيا منذ نحو خمسة قرون، تحل اليوم الشركات المتعدية الجنسيات محل
الدولة، والسبب في الحالين واحد: التقدم التقاني، وزيادة الإنتاجية،
والحاجة إلى أسواق أوسع.
3. الطفرة الراهنة للتقدم
التكنولوجي في مجالات الاتصال والمعلومات.
4. قيام العولمة على إطار مؤسسي
تملك الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة المباشرة عليه، مكون من نظام
استثماري عالمي بإدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) ونظام
نقدي بإدارة صندوق النقد الدولي (IMF)، وكلا النظامين يقومان بدوريهما
في ضبط العلاقات الاقتصادية العالمية، ويضاف إليهما نظام تجاري عالمي
بإدارة منظمة التجارة العالمية (WTO) التي خلفت (اتفاقية الغات) منذ
بداية عام 1995 والتي تحتوي على قواعد ملزمة وآليات تحكم إجبارية، وتعد
نفسها لتصبح الحكم الفيصل في ميادين التنافس والوصول إلى الأسواق
العامة والقوانين المتعلقة بالاستثمار والعمالة.
5. الزيادة الكبيرة في درجة تنوع
السلع والخدمات التي يجري تبادلها بين الأمم، وكذلك تنوع مجالات
الاستثمار التي تتجه إليها رؤوس الأموال من بلد إلى آخر...
6. ظل تبادل السلع ورؤؤس الأموال
هو العنصر المسيطر على العلاقات بين الدول حتى وقت قريب للغاية، ثم بدأ
تبادل المعلومات والأفكار يصبح هو العنصر الغالب على هذه العلاقات، أو
على الأقل هو العنصر الذي ينمو بأكبر سرعة.
التنظير المسبق
للعولمة في الفلسفة والأدب
كتب صحفي إنجليزي في عام 1839
معلقا على مضامين الرحلة بالقطار مدعيا بقلق بأنه مثلما أن المسافة
ألغيت فإن سطح بلادنا سينكمش في الحجم حتى يصبح بحجم مدينة هائلة[4].
وبعد سنين قليلة أسرت التجربة
ذاتها الشاعر الألماني هنريش هين، عندما لاحظ: "أن المكان ألغي عن طريق
سكك الحديد. أشعر كما لو أن جبال وغابات كل البلدان قد تقدمت نحو
باريس. وإلى الآن، أستطيع شم أشجار الزيزفون الألمانية..."[5].
وصاغ المنظر الاجتماعي الألماني
كارل ماركس في عام 1848، أول تفسير نظري لمعنى الانضغاط الإقليمي
territorial compression الذي أدهش معاصريه بشكل كبير. ففي تفسير
ماركس، إن أولويات الإنتاج الرأسمالي قادت البرجوازية إلى أن "تعشعش في
كل مكان، وتتوطد في كل مكان، وتنشئ علاقات في كل مكان." وقد شكل طاغوت
الرأسمالية الصناعية مصدرا أساسيا للتكنولوجيات التي تسببت في سحق
المكان، وساعدت على تعبيد الطريق أمام الاتصال في كل اتجاه، والاعتماد
المتبادل للأمم"[6].
في عام 1904 شخص هنري آدامز Henry
Adams وجود "قانون التسارع" a "law of acceleration"، كقانون أساسي
لعمليات النمو الاجتماعي، ولإضفاء معنى على الحدود المكانية والزمانية
ذات التغيير السريع للنشاط البشري. يمكن أن يكون المجتمع الحديث مفهوما
على نحو ملائم فقط إذا كان التسارع الواضح وغير القابل للكبح للعمليات
الاجتماعية والتكنولوجية الأساسية يحتل مكانا مركزيا في التحليل
الاجتماعي والتاريخي[7].
يشبه جون ديوي في عام 1927 ”العالم
الجديد“ المنبثق عن التطورات التكنولوجية والاقتصادية الحديثة بانفتاح
أميركا أمام الاستكشاف والغزو الأوروبي في عام 1492. بالنسبة لديوي قدم
اختراع البخار، والكهرباء، والتلفون، تحديات هائلة لأشكال متجانسة
وستاتيكية نسبيا من حياة الجماعة المحلية التي مثلت دائما المسرح
الرئيس لأغلب النشاط البشري.
وفجر النشاط الاقتصادي بشكل متزايد
حدود المجتمعات المحلية، عندما كثفت السفينة، وسكة الحديد، والسيارة،
والطائرة، إلى حد كبير معدلات انسيابية الحركة الجغرافية.
أدرك ديوي أن ضغط المكان طرح أسئلة
أساسية عن الديمقراطية. لاحظ أن المجتمعات السياسية ذات الحجم الصغير
(على سبيل المثال، القسم الإداري لانجلترا الجديدة)، والتي هي الموقع
الحاسم لممارسة مشاركة ديمقراطية فعالة، بدت ملحقة بقضايا كبيرة من
عالم متداخل. وعادت شبكات كثيفة على نحو متزايد من العلاقات الاجتماعية
العابرة للحدود إلى أشكال محلية من الحكم الذاتي غير مؤثرة. تساءل
ديوي، "كيف يمكن للناس أن يكونوا منظمين، وربما نسأل، متى لا يبقوا
فعليا في مكان؟. [8]
وفي نطاق كون المواطنة الديمقراطية
تستلزم في الحد الأدنى إمكانية الفعل بالمشاركة مع آخرين، كيف تكون
المواطنة مستمرة في عالم اجتماعي يعرض إمكانيات مدهشة من الحركة وسهولة
التحرك؟
تضفي تقنيات السرعة العالية
الجديدة ميزة متحولة ومتقلبة للحياة الاجتماعية، كما ثبتت من خلال نسب
متزايدة من التغير والتحول في ميادين عديدة من النشاط (ربما كان
الاقتصاد أكثرها أهمية) متأثرة بها بشكل مباشر، والسيولة النسبية وتحول
العلاقات الاجتماعية هناك. فإذا كانت المواطنة تتطلب القليل من الثبات
والاستقرار في الحياة الاجتماعية، ألم تكن التغيرات الجديدة في الشروط
الزمانية والمكانية للنشاط البشري تتنبأ بشكل سيء بالمشاركة السياسية؟
كيف يصبح المواطنون سويا ويعملون بشكل جماعي عندما يجعل "جنون حركة
وسرعة" المجتمع المعاصر من الصعب على المواطنين أن يطلع أحدهم على
الآخر، ناهيك عن أن يميزوا على انفراد أشياء ذات شأن عام؟ .[9]
قدم الناقد الثقافي الكندي مارشال
مكلوهان Marshall McLuhan موضوعة "القرية الكونية" وهي متولدة عن طريق
التسارع الاجتماعي على مستويات التنظيم البشري كافة[10].
فقد اهتم ماكلوهان ببلورة فكرة
تقليص سرعة حركة المعلومات للمسافات الجغرافية في كرتنا الأرضية التي
تحولت إلى مجرد قرية واحدة يعرف كل شخص فيها ما يدور في أي مكان فيها،
وعلاقة تغير مفهومنا للزمان وللمكان بتغير مفهومنا للثقافة وللإنسان
ذاته، وبفتح آفاق جديدة أمام الإنسان بما يترتب عليها من بلورة لطاقات
جديدة واقتحام لمجالات لم يسمع فيها وقع لقدم بشرية من قبل[11].
اتجه النقاش في السبعينيات
والثمانينيات من القرن الماضي إلى أن التحولات الجديدة في الحدود
الزمانية والمكانية للحياة البشرية فاقمت من النزعات السياسية
الاستبدادية، وقد بدا الناقد الاجتماعي الفرنسي بول فيرلو Paul Virilio
أنه يؤكد ما أقلق ديوي من قبل فيما يخص انحطاط الديمقراطية. وطبقا إلى
تحليله، فإن أولويات السرعة العالية للحرب الحديثة وأنظمة الأسلحة
قوَّت السلطة التنفيذية وأضعفت السلطات التشريعية التمثيلية. وبذلك مهد
ضغط الإقليم الطريق نحو حكومة طوارئ ممركزة على السلطة التنفيذية[12].
يقال أن الفيلسوف الألماني مارتن
هيدجر هو الذي توقَّع بدقة النقاش المعاصر حول العولمة. لم يصف هيدجر
إلغاء المسافة فقط كمائزة جوهرية لشرطنا المعاصر، بل ربط التحولات
الجديدة في الخبرة المكانية ببدائل أساسية في زمانية النشاط البشري:
"كل الأبعاد في الزمان والمكان تنكمش. يصل الإنسان الآن بين ليلة
وضحاها، عبر مسافات كانت تستغرق سابقا أسابيع و أشهر في الرحلة"[13]
.
تكهن هيدجر أيضا بدقة بأن الاتصال
الجديد وتقنيات المعلومات ستولِّد بسرعة إمكانيات ابتكارية لتوسيع نطاق
الواقع الفعلي بشكل كبير: "إن الأماكن البعيدة ذات الثقافات القديمة
جدا تشاهد على الفيلم كما لو أنها تقف هذه اللحظة وسط حركة مرور في
شارع ... إن ذروة هذا الإلغاء لكل إمكانية للبُعد يتم بلوغها عن طريق
التلفزيون، الذي سيعمُّ بسرعة ويهيمن على الآلة الكلية للاتصال". إن
وصف هيدجر للإمكانيات المتنامية للتواقت والآنية في الخبرة البشرية ظهر
أخيرا ليس أقل ترددا من وجهات نظر العديد من سابقيه. يعني ضغط المكان
في تحليله أن من منظور الخبرة البشرية "كل شيء بعيد على حد سواء وقريب
على حد سواء"[14].
تعريفات العولمة
تضيف الترجمة العربية إشكالا آخر
إضافة إلى إشكالية التحديد أو التعريف. فبين مقتنع بترجمة
مصطلح(globalization) إلى العولمة وبين من يرى أن من الأنسب ترجمتها
إلى ((الكوكبة))، وآخر يرى إنها العالمية، لم نجد حلا وسطا، إلا أن
الإجماع يكاد ينعقد على لفظ ((العولمة))، وإن كان هناك خلل في الاشتقاق
اللغوي، لكن الدلالة واضحة من الناحية العملية.
التعريف الاصطلاحي
فدلالة لفظ العولمة تشير إلى ذلك
الحراك السريع والعابر للجغرافية والمتجاوز للحدود فيما يخص الاقتصاد،
ووسائل النشر الثقافي، والأنظمة السياسية الحديثة ولاسيما الديمقراطية.
وذا كان هناك عدم اتفاق بين
الباحثين في تحديد المفهوم، فإن منشأ ذلك يرجع إلى سببين:
الأول: هو التزام الباحث أو المفكر
بطقم من المعتقدات والأفكار المسبقة، أي الالتزام بايدولوجيا محددة
ينظر من خلالها إلى العولمة والقوة الحافظة لها والمهيمنة عليها. ومن
الطبيعي أن تتضارب الأيديولوجيات المختلفة.
والسبب الثاني: اختلاف الباحثين في
تحديد الأولويات، فبين من يحدد العولمة بالاقتصاد حصرا ويهمش الأبعاد
الأخرى (السياسية والثقافية مثلا)، وبين من يحددها ثقافيا ويعطي دورا
ثانيا للبعد الاقتصادي والسياسي.
تعريف روزناو
يوضح جميس روزناو العولمة بأنها
تقيم علاقة بين مستويات متعددة للتحليل: الاقتصاد، السياسة، الثقافة،
الايديولوجيا، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، تداخل الصناعات عبر الحدود،
انتشار أسواق التمويل، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، نتائج
الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة... ويرى روزناو إن
مهمة إيجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الأنشطة تبدو عملية صعبة، وحتى لو تم
تطوير هذا المفهوم، فمن المشكوك فيه، أن يتم قبوله واستعماله بشكل
واسع.
ويذهب السيد يسين إلى أنه إذا
أردنا أن نقترب من صياغة تعريف شامل للعولمة، فلابد من أن نضع في
الاعتبار ثلاث عمليات تكشف عن جوهرها: العملية الأولى تتعلق بانتشار
المعلومات بحيث تصبح مشاعة لدى جميع الناس، والعملية الثانية تتعلق
بتذويب الحدود بين الدول، والعملية الثالثة هي زيادة معدلات التشابه
بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات. وكل هذه العمليات قد تؤدي إلى
نتائج سلبية بالنسبة إلى بعض المجتمعات، وإلى نتائج إيجابية بالنسبة
إلى بعضها الآخر.
مقارنة بين العولمة والمحلية: يوجد
تضاد واضح بين العولمة والمحلية، يمكن حصره بالنقاط الآتية:
1. العولمة تقلل من أهمية
الحدود، في حين تؤكد المحلية على الخطوط الفاصلة بين الحدود.
2. العولمة تعني توسيع الحدود،
في حين تعني المحلية تعميق الحدود.
3. العولمة تعني انتقالا
للأفكار والمبادئ وغيرها، والمحلية تميل في بعض الأحيان إلى منع انتقال
الأفكار والمبادئ.
تعريف انتوني
جيدنز
يرى أنتوني جيدنز أن العولمة
ابتكار من ابتكارات اللبرالية الجديدة التي استطاعت أن تلغي الحدود
الإقليمية وأن تحول الدول الإقليمية إلى مجرد"قصة خيالية"، وأن تفقد
كثيرا من السياسيين قواهم المؤثرة.
تعريف منظمة
التجارة العالمية:
يعرِّف المدير العام لمنظمة
التجارة العالمية العولمة بأنها: "واقع وليست اختيارا..." ، وهذه نبرة
حتمية في النظر إلى العولمة تضفي عليها صفة قدرية، وجبرية، فالواقع
العيني لا خيار أمامه، في حين أن الخيار يكون بين احتمالات لا بين
حتميات.
تعريف قمة
رؤساء وحكومات الدول السبع المصنعة في العالم:
ونقرأ في البيان الصادر عن قمة
رؤساء وحكومات الدول السبع المصنعة في العالم، المنعقدة في مدينة ليون
الفرنسية عام 1996: "إن التنمية الاقتصادية والتقدم، في عالمنا
المتداخل، مرتبطان ـ أشد ما يكون الارتباط ـ بمسلسل العولمة. العولمة
معطى بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل بلداننا ومستقبل الكرة الأرضية
بأكملها.
فامتيازاته عديدة: نمو غير مسبوق
للاستثمارات والمبادلات، انفتاح جهات العالم الآهلة بالسكان على
التجارة الدولية، فرصة العديد من الدول النامية في تحسين مستوى عيشها،
انتشار سريع للمعلومات والإبداع التكنولوجي وزيادة في المناصب المؤهلة.
وهو ما ستنتج عنه زيادة كبيرة في خيرات ورفاهية العالم. لذلك فنحن
مقتنعون بأن هذا المسلسل مصدر أمل بالنسبة للمستقبل. فالتاريخ يبين
جليا بأن تحسين مستوى العيش مرتبط بالقدرة على الاستفادة من المبادلات
والاستثمارات الدولية والتقدم التقني".
تعليق:
الملاحظ على ذلك البيان السالف
"لمجموعة السبع" بأن الإفراط في مدح الظاهرة قد حال دون تبيان أوجه
اختلافها وظواهر سابقة لها تناولتها نظريات الاقتصاد الدولي التقليدي
من خلال مفاهيم لا توظف مصطلح العولمة في مقاربتها أو في فهمها على
الرغم من تأكيدها على مركزية المبادلات والاستثمارات الخارجية والتقدم
العلمي، بمعنى أن الجديد في الأمر قد لا يكون الظاهرة في قدمها أو
حداثتها، بل في اللبوس الاصطلاحي الذي اكتسته بحكم تكاثف عوامل لربما
لم تكن إلى عهد قريب، ذات تأثير كبير كثورة التكنولوجيا وظهور الأقطاب
الاقتصادية وانتصار قيم سياسية وثقافية جديدة.
تعريف ريكاردو
بتريلا
يحدد ريكاردو بتريلا العولمة
بأنها: "مجموعة المسلسلات التي تمكن من إنتاج وتوزيع واستهلاك سلع
وخدمات:
· من أجل أسواق عالمية منظمة
بمعايير ومقاييس عالمية،
· من طرف منظمات ولدت أو تعمل على
أساس قواعد عالمية وفق ثقافة تنظيم تتطلع للانفتاح على الإطار العالمي
وتخضع لإستراتيجية عالمية من الصعب تحديد مرجعية واحدة لها (قانونية،
اقتصادية أو تكنولوجية) نظرا لتعدد التداخلات والارتباطات التي تكتنف
مختلف المراحل "الإنتاجية" قبل عملية الإنتاج نفسها وبعده"
برهان غليون
يعرِّف الدكتور برهان غليون
العولمة بأنها: "ديناميكية جديدة تبرز دائرة العلاقات الدولية من خلال
تحقيق درجة عالية من الكثافة والسرعة في عملية انتشار المعلومات
والمكتسبات الوطنية المكونة لهذه الدائرة المندمجة وبالتالي لهوامشها
أيضا .."
عبد الإله بلقزيز
ويذهب عب الإله بلقزيز إلى أن معنى
العولمة في مضمار التبادل والإنتاج المادي والرمزي يتلازم مع معنى
الانتقال من المجال الوطني، أو القومي، إلى المجال الكوني في جوف مفهوم
تعيين مكاني جغرافي (الفضاء العالمي برمته)، غير أنه ينطوي على تعيين
زماني أيضا، حقبة ما بعد الدولة القومية، الدولة التي أنجبها العصر
الحديث إطارا كيانيا لصناعة أهم وقائع التقدم الاقتصادي والاجتماعي
والثقافي. وقد يستفاد من ذلك أن المنزع الراهن نحو إنفاذ أحكام
العولمة، إذ يضع حدا لتلك الحقبة، يدشن لأخرى قد لا تكون حقائق العصر
الحديث ـ السائدة منذ قرابة خمس قرون ـ من مكونات مشهدها، وبالتالي
يرسي مداميك ثورة جديدة في التاريخ، ستكون قوتها ـ هذه المرة ـ هذه
المرة المجموعة الإنسانية بدل الجماعة الوطنية والقومية.
علي حرب
ويعرف على حرب العولمة بأنها:
"جملة عمليات تاريخية متداخلة تتجسد في تحريك المعلومات والأفكار
والأموال والأشياء وحتى الأشخاص، بصورة لا سابق لها من السهولة والآنية
والشمولية والديمومة إنها قفزة حضارية تتمثل في تعميم التبادلات
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نحو يجعل العالم واحدا أكثر من
أي وقت مضى من حيث كونه سوقا للتبادل أو مجالا للتداول أو أفقا
للتواصل"
الأسس الأولية
للعولمة
اللاموقعية: وتعني أن التنوع
المتزايد في النشاطات الاجتماعية يحدث بشكل يتجاوز الموقع الجغرافي
للمشاركين. بحيث يمكن للأحداث العالمية ـ بواسطة الاتصال الإخباري،
والحواسيب الرقمية، وأجهزة الإعلام المرئي السمعي، والسرعات الصاروخية
وأمثالها ـ أن تحدث بشكل متواقت في أي مكان وكل مكان في العالم”.
وتبرز اللاموقعية ذاتها في مجالات
اجتماعية عديدة:
· جمهور العمل في قارات مختلفة
مشغول الآن بالتجارة الإلكترونية؛
· ويسمح التلفزيون للناس أن يحددوا
أي مكان ليشاهدوا تأثير الحروب الفظيعة الجارية بعيدا عن راحة غرفهم
الحياتية؛
· ويستخدم الأكاديميون المؤتمرون
آخر الأجهزة الفيديوية لتنظيم سمنارات يقع فيها المشاركون في مواقع
جغرافية منفصلة؛
· ويسمح الإنترنت للناس أن
يتواصلوا آنيا مع بعضهم على الرغم من المسافات الجغرافية التي تفصل
بينهم.
إن الإقليم بالمعنى التقليدي
للموقع المتماثل جغرافيا لا يشكل دوما كل "مكان اجتماعي" يحدث فيه نشاط
اجتماعي. بهذا المعنى الابتدائي للمصطلح، تشير العولمة إلى انتشار
أشكال جديدة من النشاط الاجتماعي اللاإقليمي.
الترابطية: يفهم المنظرون المحدثون
العولمة بصفتها مرتبطة بتزايد الترابط الاجتماعي عبر الحدود السياسية
والجغرافية القائمة. وفي ضوء هذه الرؤية تكون اللاموقعية المظهر البارز
للعولمة. لكن المظهر الأكثر بروزا للعولمة يتعلق بالطريقة التي تؤثر
فيها الأحداث والقوى البعيدة على المساعي الإقليمية والمحلية.
على سبيل المثال، قد ينظر إلى
موسوعة على الانترنت كمثال على مكان اجتماعي لاموقعي مادام يسمح بتبادل
الأفكار على الإنترنت، الشرط الوحيد لاستخدامها هو الدخول إلى
الانترنت، فاستخدام موسوعة في الانترنت هو من حيث المبدأ غير مرتبط بأي
موقع جغرافي محدد. على أي حال، فالقارئ قد يجعل استخدام الموسوعة كمكمل
لمقرر دراسي ضمن مدرسة أو جامعة. فتلك المؤسسة غير واقعة فقط عند نقطة
اتصال جغرافية محددة، بل إن موقعها ربما جوهري من أجل فهم العديد من
صفاتها الأساسية: مستوى التمويل قد يتفاوت استنادا إلى الدولة أو
المنطقة التي تقع فيها الجامعة، وقد تتطلب الأكاديمية نفسها فصولا
دراسية وقراءات مختلفة في جامعة في الصين أكثر مما تتطلبه مثيلتها في
الأرجنتين أو النرويج مثلا.
تشير العولمة إلى تلك العمليات
التي تؤثر فيها القرارات والأحداث البعيدة جغرافيا إلى درجة متزايدة
على الحياة الجامعية المحلية. مثال ذلك إصرار القادة السياسيين
الأقوياء على أن صندوق النقد الدولي يشترط على دول أمريكا الجنوبية
واللاتينية أن يلزموا أنفسهم بسياسات اقتصادية قد ينتج عنها تزايد عدد
المعلمين والباحثين ذوي الرواتب الضعيفة. كما أن الابتكارات الحديثة في
مجال تقنية المعلومات الصادرة من مختبر في الهند يمكن أن تغير خبرة
قاعة الدرس لطلبة في كولومبيا البريطانية أو اليابان.
تشير العولمة إلى عمليات تغيير
تسند التحول في تنظيم الشؤون البشرية عن طريق ربط النشاط البشري مع
بعضه وتوسيعه عبر المناطق والقارات. فالعولمة بهذا المعنى هي مسألة
درجة مادام أي نشاط اجتماعي مفترض قد يؤثر على أحداث بعيدة قليلا أو
كثيرا: فعلى الرغم من أن عددا متزايدا من النشاطات تبدو مشتبكة بأحداث
في قارات بعيدة، تبقى نشاطات بشرية معينة قبل كل شيء إقليمية أو محلية
في هدفها. أيضا إن مقدار وتأثير النشاط قد يكون متفاوتا: يمكن أن يكون
للأحداث غير المتعيِّنة جغرافيا تأثيرا شاملا قليلا نسبيا أو كبيرا جدا
على أحداث في موقع معين. وأخيرا، نحن قد نعتبر الدرجة التي يتجاوز فيها
الترابط الحدود ليس مجرد صدفة بل على العكس قابلة للتنبؤ ومنظمة( (17)
Ibid,P.15.
تسريع النشاط الاجتماعي: يجب أن
تتضمن العولمة الإشارة إلى سرعة أو تسريع النشاط الاجتماعي.
فاللاموقعية والترابطية يبدوان خاصيتان مكانيتان بصورة رئيسية في
الطبيعة. ومع ذلك من السهولة أن نرى كيف ارتبطت تلك التحولات المكانية
بتسارع الأشكال الحاسمة للنشاط البشري، أي بزمنية الفعل البشري.
إن انتشار النقل العالي السرعة
والاتصال، وتقنيات المعلومات تشكل المصدر المباشر لتشويه الحدود
الإقليمية والجغرافية. ويستلزم ضغط المكان أشكالا سريعة الإثارة من
التكنولوجيا؛ وتعتمد التحولات في خبرتنا بالإقليم على تغيرات مصاحبة في
زمنية الفعل البشري.
وقد ارتكز الترابط المتبادل وتوسع
النشاطات الاجتماعية عبر الحدود على إمكانية حركات وتدفقات سريعة نسبيا
للناس، والمعلومات، والرأسمال، والبضائع. فمن دون تلك التدفقات
السريعة، من الصعوبة أن نفهم الكيفية التي تستطيع فيها الأحداث البعيدة
أن تحتفظ بالتأثير الذي تتمتع به الآن. وتلعب تكنولوجيا السرعة العالية
دورا محوريا في تسريع العلاقات البشرية. لكن عوامل عديدة أخرى تساهم في
التقدم الشامل وتسريع النشاط الاجتماعي. وتقدم البنية التنظيمية للمصنع
الرأسمالي الحديث مثالا واحدا؛ وتقدم عادات وميول معاصرة معينة، بضمنها
"هوس الحركة والسرعة" الموصوفة من لدن ديوي، مثالا آخرا. ترتبط
لاموقعية وتوسعية الترابط المتبادل بقوة بتسارع الحياة الاجتماعية، في
حين يتخذ التسارع الاجتماعي نفسه أشكالا مختلفة عديدة.
العولمة بوصفها عملية تاريخية: على
الرغم من اختلاف المحللين حول القوى السببيةِ التي تُولّدُ العولمةَ،
فهم يتفقون غالبا بأن العولمة يجب أن تفهم على أنها عملية طويلة المدى
نسبيا. ويحتوي التاريخ الحديث على أمثلة متعددة منها. وكما رأينا
سابقا، كشف مفكرو القرن التاسع عشر عن بعض المعالم الرئيسية على
الأقل؛ إذ شكل انكماش الإقليمية عنصرا مهما في تجربتها المعيشة. مع هذا
يعتقد بعض المفكرين المعاصرين أن العولمة اتخذت شكلا حادا في العقود
الأخيرة بشكل خاص، مثل ابتكارات في الاتصال، والنقل، وتقنيات المعلومات
(الحسبنة computerization، على سبيل المثال) ولدت إمكانيات جديدة مدهشة
للتواقت والتآني.
ومن هذه الرؤية، فإن الاهتمام
الثقافي في الوقت الراهن بمشكلة العولمة يمكن أن يكون مرتبطا بشكل
مباشرة بانبثاق تقنيات ذات سرعة عالية جديدة تميل إلى التقليل من أهمية
المسافة وتعميق إمكانيات عالية من اللاموقعية والترابط الاجتماعي.
بينما اندهش أسلافنا بشكل مفهوم من سكة الحديد، والتلغراف، فإن نسقا
واسعا نسبيا من النشاطات الاجتماعية هي الآن متحولة عن طريق ابتكارات
تسرع النشاط الاجتماعي وتعمق بشكل كبير ميولا مستمرة نحو اللاموقعية
والترابط الاجتماعي.
العولمة بصفتها عملية متشعبة: يجب
أن تفهم العولمة بصفتها عملية متشعبة، ما دام أن اللاموقعية، والترابط
الاجتماعي، والتسارع تعرض نفسها في ميادين مختلفة من النشاط الاجتماعي
(اقتصادية، سياسية، وثقافية). وعلى الرغم من أن كل مظهر للعولمة يرتبط
بالعناصر الجوهرية للعولمة الموصوفة أعلاه، فإن كل مظهر يشتمل على
سلاسل معقدة ومستقلة نسبيا من التطورات الأمبريقية، ويتطلب فحصا دقيقا
من أجل الكشف عن الأواليات السببية المحددة له.
مظاهر العولمة
1. المظهر
الاقتصادي للعولمة(العولمة الاقتصادية):
تمثل الشركات المتعدية الجنسيات
التي تستخدم التكنولوتجيات ذات السرعة العالية والأساليب التنظيمية
بكفاءة عظيمة، ويمثل انبثاق الأسواق المالية حول العالم وعلى مدار
الساعة، تعقد فيها صفقات مالية كبيرة عابرة للحدود في الانترنت بلمح
البصر، مثالا مألوفا عن المظهر الاقتصادي للعولمة. تتحدى الأسواق
المالية العالمية أيضا المحاولات التقليدية للدول القومية الليبرالية
الديمقراطية للتحكم بنشاطات المصرفيين، وتولد مخاوف مفهومة حول التأثير
والقوة المتزايدة للأسواق المالية خارج المؤسسات التمثيلية المنتخبة
ديمقراطيا.
وتبرز العولمة في الاقتصاد من خلال
المظاهر الآتية:
· الاتجاه المتزايد نحو التكتل
الاقتصادي للاستفادة من التطورات التقنية الهائلة.
· تنامي دور الشركات متعدية
الجنسيات، وتزايد أرباحها، واتساع أسواقها وتعاظم نفوذها في التجارة
الدولية.
· تزايد دور المؤسسات المالية
الدولية بشكل مباشر وبخاصة في تصميم برامج الإصلاح الاقتصادي، وسياسات
التثبيت والتكيف الهيكلي في الدول النامية (التحول إلى اقتصاد السوق).
· تدويل بعض المشكلات الاقتصادية
مثل الفقر، التنمية المستدامة، السكان والتنمية، التنمية البشرية،
التلوث وحماية البيئة، والتوجه العالمي لتنسيق عمليات معالجة هذه
المشكلات والتعاون في حلها.
· تعاظم دور الثورة التقنية
الثالثة وتأثيرها في الاقتصاد العالمي (التغيرات السريعة في أسلوب
الإنتاج ونوعية المنتج).
2. المظهر السياسي
للعولمة:
تتخذ العولمة في الحياة السياسية
شكلا مميزا، كذلك إن الميول العامة نحو العالمية، والترابط عبر الحدود،
وتسارع النشاط الاجتماعي أساسية هنا تماما. إن الحركات العالمية التي
يستخدم فيها نشطاء تقنيات الاتصال عالية السرعة لتوحيد القوى عبر
الحدود في مقاتلة أمراض تبدو في مجال عالمي متماثل (على سبيل المثال،
نضوب طبقة الأوزون)، تقدم مثالا عن العولمة السياسية. ثانيا، سيكون
الميل نحو أشكال من تشريع القوانين الاقتصادية والاجتماعية والنظام
تتجاوز السلطة القومية الطموحة، حيث تتعاون الدول القومية الفردية
لمتابعة تنظيم تتجاوز فيه السلطة القضائية الحدود القومية، ليس أقل من
العمليات الاقتصادية العابرة للحدود التي قد تقوض النماذج التقليدية من
النظام المؤسس على الدولة القومية. ولقد وصف علماء السياسة بشكل نموذجي
الميل نحو أشكال طموحة من النظام يتجاوز الدولة القومية (الاتحاد
الأوروبي على سبيل المثال، أو رابطة التجارة الحرة لأميركا الشمالية)
على أنه تجليات حديثة مهمة للعولمة السياسية.
من أبرز تجلياتها سقوط الشمولية
والسلطوية، والنزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية، واحترام حقوق
الإنسان. وتثير العولمة السياسية عدة مشكلات مثل: هل هناك نظرية وحيدة
للديمقراطية هي الديمقراطية الغربية، أم أن هناك صياغات أخرى متأثرة
بالخصوصية السياسية والثقافية للمجتمعات في العالم؟ وهل هناك إجماع على
احترام مواثيق الإنسان، أم أن هناك نزعة لدى بعض الدول للدفع بالخصوصية
الثقافية لمنع تطبيق مواثيق الإنسان العالمية
3. المظهر الثقافي
للعولمة:
وتتجلى في الاتجاه إلى صياغة
ثقافية عالمية، لها قيمها ومعاييرها، والغرض منها ضبط سلوك الدول
والشعوب.
تسعى العولمة الثقافية إلى
الانتشار الجغرافي لمؤسسات التدفق الثقافي، لاغية جميع الحدود
والقوانين مهيمنة على حركة الفكر. إن امتلاك وسائل الإعلام والسيطرة
عليها متاح لمن يملك اكبر رؤوس الأموال كما بالنسبة لأنواع الملكية
الأخرى، فالثقافة شكل من أشكال الاتصال الذي يقرِّب البشر من بعضهم على
اختلاف جنسياتهم، لتقوم بدورها المنوط بها من قبل العولمة في عملية
التظليل وتعميم النمط وإلغاء الخصوصية.
والسؤال هنا: هل تؤدي هذه الثقافة
العالمية ـ حال قيامها وتأسيسها ـ إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية،
مما يهدد هويات المجتمعات المعاصرة؟
الهوامش
:
................................
[1] ينظر: غسان العزي،
في جذور العولمة وإشكالياتها، مجلة منبر الحوار، العدد 37، شتاء
1999، بيروت، ص45.
[2] المصدر نفسه، ص46.
[3] المصدر نفسه، ص46.
[4] Harvey,
David (1996), Justice, Nature, & the Geography of Difference
(Oxford: Blackwell),P.242.
[5]
Schivelbusch, Wolfgang (1978), “Railroad Space and Railroad
Time,” New German Critique 14; P.34.
[6] Marx, Karl
(1979), “Communist Manifesto,” in Robert Tucker (ed.), The
Marx-Engels Reader (New York: Norton), P.476.
[7] Adams, Henry
(1931), The Education of Henry Adams (New York: Modern
Library)P.123.
[8] Dewey, John
(1927), The Public and Its Problems (Athens, Ohio: Swallow
Press).P.140.
[10] McLuhan,
Marshall (1964), Understanding Media: The Extensions of Man
(New York: McGraw Hill),p.103.
[11] حافظ،
د.صبري، العولمة والثقافة القومية، آليات الهيمنة والمقاومة،
مجلة إبداع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، العددان
الثاني والثالث، فبراير ومارس، 1999، ص9، ص24.
[12] Virilio,
Paul (1986), Speed and Politics (New York:
Semiotext[e]),p.44.
[13] Heidegger,
Martin (1971), “The Thing,” in Poetry, Language, Thought
(New York: Harper & Row),P.165.
|