الحضارية « ملفات »
الخميس: 13/12/2007

مستقبل الصناعة النفطية في العراق..
نحو مبادئ أساسية لوضع إطار تنظيمي وسياسة نفطية عراقية فعالة

حميد جعفر(*)

يعتبر التطوير الأمثل لاحتياطيات العراق الهائلة من النفط والغاز من أهم المفاتيح الاقتصادية لتحقيق مستقبل واعد للبلاد.إذ بعد انتهاء عقود من سوء الإدارة، وقلة الاستثمار في المشاريع النفطية إضافة إلى التلاعب السياسي، هناك أمام العراق الآن فرصة ذهبية لا تعوض لوضع سياسة نفطية صحيحة واطر تنظيمية لتحقيق هذا الهدف الحيوي.
ولربما هذه هي الفرصة الوحيدة: إذ إن الدفع بهذه الفرصة عن طريق قانون متعثر أو جاء بوازع سياسي معين وبضغوط خارجية سيمنع العراق من الاستفادة من إمكانياته الكامنة على اقل تقدير، وبالتالي إلحاق الضرر بالشعب العراقي، ويرجح أيضا أن يثير ظروفا قد تؤدي إلى صراع داخلي كبير وطويل الأجل يكون تهديدا للديمقراطية الحالية حديثة الولادة. وبالتأكيد أن المخاطر كبيرة ولكن أمام العراق الان فرصة واحدة لاتخاذ الخيار الصحيح ولأجيال قادمة.
ولكن ماذا يعني (التطوير الأمثل) من الناحية العملية؟
انه وببساطة، أن يكون هدف العراق الأساسي والواضح هو زيادة الإنتاج إلى أقصى حد في اقرب وقت ممكن، من اجل زيادة عائدات الدولة. ولا تتوفراي طريقة أخرى غير ذلك لتحقيق أقصى عائد للدولة ولصالح الشعب العراقي. وهذا لا يمكن ان يتحقق الا بعد ان تقوم شركة النفط الوطنية العراقية بالتركيز على الحقول المنتجة حاليا فقط وإعادة تأهيلها وزيادة انتاجها ليصل الى 4 ملايين برميل يوميا (وهذه مهمة كبرى فى حد ذاتها)،اضافة الى القيام بدعوة شركات القطاع الخاص (العراقية والأجنبية) لاستثمار مئات المليارات من الدولارات اللازمة لتطوير الحقول الباقية والقيام بعمليات التنقيب بموجب عقود المخاطرة والربح (وليس بموجب عقود الخدمة) والتي بدورها تحقق أعلى قدرة استثمارية وتضمن أعلى عائد للدولة.
إن المبدأ الأساس لوضع إطار تشريعي ناجح يكمن في الفصل الواضح الذي لا لبس فيه بين سلطات وادوار الجهة التنظيمية (وهي الحكومة ممثلة بالوزارة المعنية) والجهة التي تخضع للتنظيم (وهذا يشمل جميع الشركات الاستثمارية بما فيها شركة النفط الوطنية العراقية، وشركات القطاع الخاص للنفط والغاز المتعاقد معها للتنقيب والتطوير). ولهذا فان مسودة قانون النفط الحالية تمثل بالتأكيد بداية طيبة رغم أنها تتضمن بعض الالتباسات الكبيرة الواجب تسويتها. اضافة الى ذلك فان ملاحق مسودة القانون كما اقترحها البعض تشير الى منح 90% من احتياطيات العراق المؤكدة إلى شركة نفط وطنية عراقية لم تؤسس بعد، ولا تخضع للمسائلة. ومن الناحية العملية، وبعد الأخذ بعين الاعتبار الوقائع الحالية ونقص الموارد، فان ذلك سيكون بمثابة ضربة قاتلة لأي أمل في التقدم والتطوير السريعين لهذا القطاع، بل انه سيكون مناقضا لما ورد في الدستور وبالتحديد المادة 110 المتعلقة بالسياسة النفطية وتشريعاتها التي تتطلب (الاعتماد على احدث تقنيات مبادىء السوق وتشجيع الاستثمار). ومن هذا المنطلق، هنالك ثمانية مبادئ اساسية يمكن أن تفعل أو تقوض نجاح سياسة العراق النفطية والاطار التنظيمي لها:
1) الهدف المركزي
هناك قدرا كبيرا من الجدل والضجيج السياسي الذي اثير في الاسابيع والاشهر الاخيرة على قانون النفط والغاز المقترح. وبقدر تعلق الأمر بالسياسة النفطية وإطارها التنظيمي، فان للعراق هدف واضح ومحدد: وهو زيادة العائد الاقتصادي للشعب العراقي إلى أقصى حد ممكن. وتحقيق هذا الهدف يتم بالأساس بواسطة ثلاثة عناصر هي: زيادة الإنتاج إلى أقصى حد، في أسرع وقت ممكن، وفي ظل افضل الشروط التجارية للدولة. فقط ذلك لاغير، بدون تزويق أو تعقيدات مربكة
وبصراحة، فان كافة الأهداف الأخرى التي يتم الادعاء بها والتصريحات المنمقة حول "تحقيق الوحدة الوطنية" و"حماية المصلحة الوطنية ضد الملكية الاجنبية" وما الى ذلك، ماهي إلا محاولات تضليلية من مخلفات الماضي وألاعيب فجة لتحويل أنظار العراقيين الذين ملوا من سماعها طوال العقدين الماضيين.
إن المادة (109) من الدستور العراقي تنص وبوضوح على ان (ثروة النفط والغاز هي ملك لكل الشعب العراقى فى جميع المناطق والمحافظات) ولا يوجد خلاف على من يملك نفط العراق. ويمكن التعامل مع مسألة تقاسم الايرادات فى تشريع مستقل، وهو في الحقيقة حول كيفية تقاسم الكعكة(كعكة الإيرادات)، الذي سيتم على اساس نسب توزيع السكان وكما نص عليه الدستور العراقي. ولذلك عندما يتعلق الامر بسياسة نفطية فعالة فان ما يهمنا هو كيفية زيادة حجم هذه الكعكة ولجميع العراقيين: وافضل السبل هو ايجاد اطار قانوني يشجع التنمية القصوى للموارد النفطية للبلد. ولا شيء سوى ذلك.
2) دور الدولة
يعتبر دور الدولة المتمثل بحكومة العراق أمرا مطلوبا ومهما باعتبارها الاداة القوية والفعالة لصياغة سياسة البلاد النفطية وتنظيم الإشراف على القطاع النفطي بكامله وجميع الشركات العاملة داخله. وكذلك وضع السياسات والمعايير اللازمة والتركيز على زيادة الحد الأقصى للريع الاقتصادي للدولة من هذه العمليات. واذا قررت الحكومة المشاركة في تشغيل وادارة القطاع النفطي تجاريا بنفسها فإنها بذلك تقوض دورها كمنظم فعال له. اذ لا يمكنها القيام بالمهمتين معا. وأثبتت التجربة على نطاق عالمي ان ادارة القطاع العام لمنشأة تجارية هي عملية غير ناجعة وتفسح المجال للاستغلال السياسي. وخير دليل على ذلك تاريخ العراق الذي يزخر بامثلة توضح ذلك. وعلى الرغم من وجود اقلية بارزة تواقة حتما لعودة ملكية الدولة الا ان نموذج الاقتصاد الاشتراكي والتخطيط المركزي والإدارة المركزية للدولة قد ولى والى الابد.
3) الحاجة إلى القطاع الخاص
إن إنتاج العراق الحالي من النفط يصل إلى حوالي 2 مليون برميل في اليوم، وهو نفس المستوى الذي كان عليه في عام 1975، عام تأميم النفط، لا يمثل سوى جزء بسيط من المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه الإنتاج في العراق في ضوء الاحتياطيات والقدرات الكامنة من النفط والغاز. ويكفينا أن نتأمل إنتاج روسيا التي تمتلك احتياطيات نفطية اقل بكثير مما لدى العراق بينما يفوق انتاجها ستة أضعاف انتاج العراق! وهنا اريد الكشف عن حقيقة هي ان 60 ٪ من احتياطيات العراق الحالية الموءكدة تم في الواقع اكتشافها من قبل شركات القطاع الخاص، في حين يعود تحديد وجود 20 ٪ اخرى من الاحتياطيات الى شركات تنتمي اصلا الى القطاع الخاص.
وينبغي أن لا يكون هناك أدنى شك بان اعمال التنقيب عن النفط، وتطوير حقول النفط والغاز غير المستغلة يجب ان يقوم بها القطاع الخاص من اجل مصلحة البلاد. وهنا لابد من القول ان كل هذا العمل يجب ان ينظم بدقة من جانب الحكومة لضمان التقيد بالالتزامات التعاقدية. ولقد اثبتت التجربة على نطاق عالمي ان الحكومات تفتقر الى الكفاءة المطلوبة في ادارة المؤسسات التجارية، والعراق بالتأكيد لا يمثل استثناء لذلك. وعلاوة على ذلك، ففي مثل حالة العراق تكون الحاجة للاستثمار من قبل القطاع الخاص اكثر الحاحا من اجل معالجة النقص الحاد في الموارد المالية والتقنية والكوادر البشرية المؤهلة الذي تعاني منه الدولة العراقية. والسبيل الوحيد لاشراك القطاع الخاص بما في ذلك شركات النفط العراقية هو عن طريق منح عقود المخاطرة الملائمة(عقود الربح والخسارة) وبأي شكل كان كي تتوحد مصالح شركات القطاع الخاص مع مصالح الدولة بما يجعل هذه الشركات تضع كامل مواردها المالية والتقنية والإدارية في خدمة هذا المجهود. ومرة اخرى، لا يهم شكل العقود المعتمدة للاستثمار، طالما انها تستند الى مبدأ المخاطرة وتوفر الحوافز المناسبة للمستثمرين بما يؤمن الاستفادة القصوى من تحسين الريع الاقتصادي للعراق. وهنا لابد من القول إن السرعة والكفاءة الفائقة هما أمران متلازمان وفي غاية الأهمية كما هو الحال بالنسبة لمسألة تعظيم المنافسة.
وإذا ما تركنا دول الخليج الصغيرة مثل قطر أو الإمارات اللتان حققتا تطورا سريعا من فوائد استثمارات القطاع الخاص نجد اليوم حتى الدول العربية الكبرى (ذات التوجه الاشتراكي) مثل جمهورية مصر العربية وسوريا وليبيا قد بدأت باستقبال عدد كبير من شركات القطاع الخاص للاستثمار وضمن إطار اتفاقيات تقاسم الانتاج. فمصر على سبيل المثال لديها 64 شركة تعمل في قطاع النفط والغاز، بدءا من شركات دولية كبيرة إلى أصغر شركة إقليمية أو مستقلة. ومن خلال نشاطات هذه الشركات والمنافسة الناجمة حققت مصر تقدما سريعا في زيادة احتياطيها وانتاجها وبالتالي زيادة عائدات الدولة بطريقة لايمكن أن يحققها لها احتكار الدولة.
وبالفعل فان اتفاقيات تقاسم الانتاج لا تعتبر من أدوات الهيمنة الخارجية كما يزعم البعض كذبا مما أدى إلى تشويه سمعتها بشكل غير مسؤول.إذ أن هذا النموذج من العقود قد اوجدته أندونيسيا، وهي عضو بارز في منظمة اوبك. بل إن مبدأ تقاسم الإنتاج هو وسيلة لضمان الحد الادنى المطلوب لمكافاة الشركة المستثمرة وزيادة عوائد الدولة. وأي وصف عكس ذلك هو محض خيال.،اما عقود عدم ألمخاطره التي اقترحها البعض كوسيلة اخرى، والتي تتبعها إيران بشكل كبير فهي اتفاقات (اعادة شراء العقود)، وهي محدودة النجاح وتتبعها ايران بسبب القيود الدستورية الخاصة بذلك البلد.ولكن في حقيقة الامر أن المادة 110 من الدستور العراقي تقضي (بالاعتماد على أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار) لادارة قطاع النفط.
4) الغاية من انشاء شركة نفط وطنية عراقية
إن الغاية من انشاء شركة نفط وطنية عراقية هو لإدارة وإعادة تأهيل الحقول النفطية المنتجة حاليا وممتلكاتها، والارتقاء بمستويات انتاجها لكي تصل الى طاقة تتراوح بين 3.5 - 4 مليون برميل يوميا. وهذا يشكل تحديا كبيرا وفق المقاييس الدولية، ولا سيما اذا ما نظرنا الى الحالة المزرية الراهنة لمنشآت العراق النفطية والكادر الوطني العراقي الذي تفكك من جراء الحرب والعقوبات والهجرة غير المسبوقة للعقول العراقية. فضلا عن الافتقار للأموال ونقص التكنولوجيا. ولذا فان مهمة انشاء شركة نفط وطنية عراقية ستتطلب موارد مالية وإدارية هائلة. ولكن إذا ما احسن توجيهها وتنفيذها، فان ذلك من شأنه ان يؤدي الى ظهور واحدة من أكبر شركات النفط في العالم وتكون قادرة على تشغيل اكثر من نصف طاقة العراق الانتاجية الممكنة.
ولذا ينبغي على شركة النفط الوطنية العراقية ألا تحول اهتمامها ومواردها عن هذه المهمة الكبيرة، وبالتالي ينبغي ان لا يسمح لها بممارسة اعمال اخرى مثل تطوير حقول النفط العراقية غير المطورة، والقيام بأعمال التنقيب، أو الاستثمارات الأجنبية، أوالخدمات البترولية. كما يجب ان تبقى بمناى عن التدخلات السياسية، ويجب كذلك ان تعمل كمؤسسة تجارية تحت الاشراف التنظيمي للوزارة، كغيرها من الشركات العاملة. ولهذا، لا بد من وضع معايير وضوابط المساءلة لها كغيرها من المؤسسات التجارية، لضمان كفاءة أدائها وعدم تبديد الموارد الوطنية.
وعلى شركة النفط الوطنية العراقية الجديدة أن تعمل وبسرعة كبيرة، كأي كيان تجاري أخر، لكي تصبح معتمدة على نفسها ماليا، وان لا تعتمد على أي تمويل من خزينة الدولة. وفي المقابل، ينبغي أن يسمح لها في تحقيق الارباح كغيرها من الشركات الصناعية الاخرى. وبهذه الطريقة، ستكون شركة النفط الوطنية العراقية مسؤولة أمام المساهمين (أمام الدولة وليس وزارة النفط) لبيان كفاءة عملياتها ونتائجها. وعليه يجب أن تكون الشركة الوطنية حرة في ادارة أعمالها بكفاءة دون تدخل الاحزاب السياسية. ويجب ان يقر تفويضها وسلطتها وهيكلها تبعا لذلك. كما يجب الا يكون رئيسها وزير النفط او اي شخصية سياسية أخرى، ويجب أن يتم تعيين أعضاء مجلس إدارتها لفترات محددة غير قابلة للتجديد، وهكذا.
وفوق كل اعتبار يجب ان لا تقوم شركة النفط الوطنية العراقية وبأي حال من الاحوال، بدور الجهة التنظيمية، إذ يجب أن تبقى هذه المهمة مستقلة وضمن مسؤولية الهيئات التنظيمية للدولة الاتحادية مثل مجلس النفط والغاز، والوزارات المعنية على مستوى الدولة والمحافظات. وفي نهاية المطاف، يمكن خصخصة شركة النفط الوطنية جزئيا في السنوات التالية من خلال توزيع ملكيتها بشكل واسع وشفاف بين العراقيين وبطريقة الاكتتاب العام.
وأخيرا فان محاولات بعض الاطراف وبدوافع سياسية لمنح ما بين 80 و90 ٪ من احتياطي العراق بما في ذلك حقول النفط غير المطورة الى شركة النفط الوطنية من خلال ملاحق مقترحة على القانون، ستقضي على أي أمل في تحقيق تقدم اقتصادي سريع للعراق. كما ستؤدي الى تكريس التخلف وتقويض امكانية تطوير قطاع الطاقة الحيوي في العراق وإعادة العراق الى المركزية والنموذج القديم المتمثل بسيطرة الدولة. (على الرغم من انه حتى نظام البعث الاشتراكي قد بدأ بالتخلي عن هذا النموذج في ثمانينات القرن الماضي) بل ان ذلك سيكون جريمة ترتكب بحق الشعب العراقي وانتهاكا واضحا للدستور العراقي في كل الاحوال. وسيخسر العراق سنوات من فرص التقدم، وسيضيِِِِِِع العراقيون المليارات من أموال الدولة التي هم بأمس الحاجة لها لاستعادة الازدهار والرخاء وبأسرع وقت ممكن. علينا ان نرفض هذه الافكار البالية من نماذج الاقتصاد المركزي. وكما قال أحد الحائزين على جائزة نوبل مرة: «اننا لا نستطيع ان نحل مشاكل الأمس بنفس العقلية التي خلقت هذه المشاكل»!
5) استخدام أموال الدولة
تتراوح تقديرات أموال الاستثمارات المطلوبة للتطوير الكامل والسليم للقطاع النفطي العراقي بين عشرات الى مئات المليارات من الدولارات. ومن دون الخوض في مناقشة الأرقام، فمن الواضح ان احتياجات العراق هائلة وهو يعاني اليوم بالفعل من ديون كبيرة من نفس الحجم، وأولويات عليا متنافسة على اموال الدولة مثل البنية التحتية والأمن والصحة والتعليم.
وفي كل الاحوال، وكمبدأ أساسي، ينبغي أن لا تستنزف أموال الدولة أو خطوط الائتمان للاستثمارات التجارية في الوقت الذي تتوفر فيه استثمارات القطاع الخاص المتاحة، وهذه سياسة متبعة حاليا على نطاق واسع، إقليميا وعالميا، بل وحتى في بلدان متقدمة تتوفر فيها الأموال والأفراد المؤهلين فعلا. ولكن لماذا؟ لأنه وبكل بساطة مبدأ اقتصادي جيد وهو الافضل من أجل ضمان كفاءة تحقيق أفضل النتائج وتحقيق الاستغلال الأمثل لأموال الدولة. وهذا سبب آخر لتحديد وتقييد دور الحكومة في الاستثمار والتشغيل في قطاع البترول: إذ لا جدوى من إضاعة أموال العراق في استثمارات يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص وبكفاءة أكثر وبعائد اقتصادي اكبر للعراق.
6) الشروط التجارية
تتهم بعض الردود على قانون النفط والغاز المقترح بأنه يبيع ثروة العراق (للمصالح الأجنبية) أو (التخلي عن 70 ٪ من ثروة العراق النفطية). وهذا محض هراء بالطبع. إذ إن أيام الحكومات الاستعمارية التي تملي شروطها قد ولت ومنذ أمد بعيد، ويجب أن لا يغطي الخطاب السياسي القومي الفارغ على واقعية المنطق الاقتصادي العملي. فالدول المنتجة للنفط والواثقة ليست بحاجة للتفكير بهذه الطريقة، وإذا كانت الدول العربية التي تتبع النهج الاشتراكي مثل مصر وسوريا وليبيا يمكنها أن تحقق تطورا اقتصاديا بتطبيق هذا النوع من عقود المخاطرة، فمن المهين حقا ان نفترض أن العراقيين غير قادرين على القيام بذلك ومن اجل المصلحة الوطنية العليا.
أن العراق بإمكانه وينبغي علية أن ينتزع أفضل الشروط التجارية من الشركات باعتباره يمثل اكبر حوض للنفط غير مستغل في العالم، ونظرا لقلة تكاليف الانتاج ولوجود احتياطيات كبيرة وفي ضوء ارتفاع أسعار النفط في الوقت الحاضر. فعلى سبيل المثال، لتطوير حقل رئيسي، تكون نسبة الربح النفطي الممنوح لشركة خاصة تقوم بالاستثمار بموجب اتفاق تقاسم الانتاج هو 5 ٪ او حتى اقل. وهذا يعني ان الدولة تحتفظ ب 95 ٪ او اكثر من عائدات الانتاج من الحقل بعد حساب التكاليف، ودون المجازفة بالاستثمار من قبلها. وعلى النقيض من ذلك، فان كل سنة من التأخير في تطوير هذا الحقل النفطي هو خسارة اقتصادية دائمة للشعب العراقى لا تقل عن 10 ٪ (معدلات البنك المركزي العراقي اليوم تقترب في الحقيقة من نسبة 20 ٪).
7) الجوانب الغامضة في مشروع القانون الحالي
يتناول المشروع الحالي لقانون النفط والغاز قضايا كثيرة بطريقة حديثة متطورة، لكنه لا يزال يتضمن جوانب غامضة تتطلب المعالجة. فالجانب الايجابي فيه انه يميز تمييزا واضحا بين الجهة التنظيمية والجهة الخاضعة للتنظيم، وبالتالي يقضي على التضارب والغموض المتعلقان بإشراف الحكومة ؛ وهو يسعى الى كسب استثمار القطاع الخاص في جميع جوانب عمليات ما قبل الانتاج، بما في ذلك (وهو الأهم) تشجيع القطاع العراقي الخاص؛ كما انه يتضمن اقامة شركة نفط وطنية عراقية ويمنحها السلطة لإعادة تأهيل الحقول العراقية المنتجة حاليا. وهذا في حد ذاته يمثل مهمة كبيرة كما ذكر سابقا. ولكن للاسف، يبدو أيضا أن مشروع القانون يخول شركة النفط الوطنية الحق فى تطوير الحقول غير المستغلة، وحتى إجراء عمليات التنقيب، ولكن دون مساءلة او تخطيط مدروس حول التكاليف من خزينة الدولة. وهنا، " يكمن الشيطان في التفاصيل". وإذا لم تحدد هذه التفاصيل بشكل واضح لا لبس فيه، يمكن ان تعيدنا وبسهولة إلى النظام القديم غير الموثوق به وهو نظام سيطرة الدولة: فاذا ما اعطيت شركة النفط الوطنية العراقية الحق للاستيلاء على كل شيء حينئذ سوف لن نتقدم ولا خطوة واحدة للامام، وعندها سيكون قانون النفط والغاز لتنظيم الاستثمار في هذا القطاع بدون جدوى.
8) القطاع الخاص العراقي
وهناك عنصر أخير لكنه هام كذلك لتحقيق سياسة ناجحة، وذلك بتطوير وتشجيع قطاع خاص عراقي حقيقي وفي جميع جوانب صناعة النفط العراقية، وكما هو الحال لأي صناعة نفطية ناجحة تسهم في نجاح الصناعات النفطية في العالم.وهذا سيتيح أفضل فرصة لزيادة العمالة العراقية. ويوفر مردودات اقتصادية ايجابية مضاعفة، ونقل التكنولوجيا، والمنافسة العالمية في الإدارة والقوى العاملة. فضلا عن انه يشكل ايضا افضل رد على المنتقدين الخائفين من الأجانب (والهيمنة الأجنبية). وعلى الرغم من ورود اشارات حول تشجيع القطاع الخاص العراقي في مشروع القانون الحالي الا ان غياب آلاليات لتنفيذ هذا البند يضع شكوكا حول جدية صانعي السياسة في التطبيق العملي لهذه المبادرة.
يجب أن يكون تدريب أو إعادة تدريب كوادر النفط والغاز من العراقيين العاملين شرطا مفروضا على جميع الشركات والمشاريع العاملة في الصناعة النفطية في العراق، مع إعطاء الأولوية الحقيقية، والمشاركة الفعالة للقطاع الخاص العراقي، الذي يحتاج الى الرعاية والتشجيع كي يتطور مهنيا.
وطالما أن القطاع الخاص العراقي لا يزال في مراحل نشأته الأولى، يجب البدء ببرنامج رسمي، كأن يكون على سبيل المثال برعاية وتوجيه البنك الدولي / الهيئة المالية الدولية لتشجيع تنمية قدرات القطاع الخاص العراقي في جميع جوانب الصناعة النفطية، بما فيها عمليات ماقبل الإنتاج وعمليات التنقيب، وليس فقط خدمة عمليات ما بعد الإنتاج. وعلاوة على ذلك، ولإضفاء قوة حقيقية لهذا التوجه الايجابي يجب ان يلزم القانون او على الاقل يشجع شركات النفط العالمية لتأسيس شراكة مع شركات القطاع الخاص العراقية المؤهلة، وتطوير قدراتها.
وفي الختام وخلاصة القول: انه لا يمكن أن يكون هناك إطار تنظيمي فعال لقطاع النفط في العراق من دون فصل واضح لدور الجهة التنظيمية والجهة الخاضعة للتنظيم، ولا يمكن الحديث عن سياسة نفطية ناجحة لتطوير هذا القطاع بدون توفر عدد كبير من الشركات المتنافسة لتحقيق اكبر قدر من الانتاج للعراق، وتحت رقابة سلطة تنظيمية حكومية محايدة وقوية، يكون جل تركيزها على زيادة العائد الاقتصادي للدولة ولمصلحة الشعب العراقي.


(*) أحد رجال الأعمال المختصين في القطاع الخاص لصناعة النفط والغاز، عراقي الجنسية، يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة الهلال النفطية في دولة الامارات العربية المتحدة والشرق الأوسط (Crescent Petroleum Group) والرئيس التنفيذي لشركة دانه غاز.
المصدر:
www.
marsadiraq.com/