الحضارية «معلومات»

 الاربعاء: 11/06/2008

 

الرشيد: وطن في شارع

جمال حيدر

ذاكرة بغداد منذ مئة عام

لم تعرف بغداد شارعاً حقيقياً في العهد العثماني. كان شارعها الأول والوحيد هو شارع النهر الذي شيّده الوالي ناظم باشا في العام 1910. وإثر انتصار الوالي خليل باشا في مدينة الكوت، عزم على أن يكون أول من يشيّد الشارع الأول في جانب الرصافة من بغداد، لتسهيل وصول القناصل الأجانب الذين كانوا يسكنون على ضفاف نهر دجلة في الباب الشرقي، وكبار الشخصيات البغداديّة التي تقطن في محلّتي الحيدر خانة وباب الشيخ، الى السراي، مقرّ الحكومة. وخلف قرار الوالي العامل الشخصي الذي غدا شائعاً لدى الولاة العثمانيين، رغبة في مجاراة موضة التحديث وإطلاق أسمائهم على أي إنجاز مهما كان هامشياً.
بدأ تشييد الشارع في أيار (مايو) من العام 1916، حيث استدعى رؤوف بك الجادرجي رئيس البلدية (شقيق الزعيم الوطني كامل الجادرجي)، أصحاب الدور التي سيخترقها الشارع للاتّفاق معهم على مبالغ التعويض التي ستدفع لهم. عملية إنشاء الشارع كانت تجري بطريقة عجيبة، إذ جيء بحبلين طويلين مدّا فوق سطوح الدور لتحديد مساحة الشارع وطوله. ويقال إن مرور أحد الحبلين فوق إحدى الدور كان يعني نزول الكارثة على أصحاب تلك الدار. وكثيراً ما كان الحبل يتحوّل من دار الى أخرى حسب قيمة الرشوة التي تدفع أو النفوذ الذي يستخدم.
تعرّضت أعمال الانشاء الى معضلات عدّة أهمّها: رفات إمام طه (موقع تمثال الشاعر معروف الرصافي حالياً) وجدار جامع الحيدر خانة. وتمّ نقل الرفات في جنح الليل الى سلمان باك، في حين استطاع القائمون على المشروع هدم جدار الجامع ليلاً، ليتعامل الناس صباح اليوم التالي مع الأمر الواقع، كذلك اصطدمت عملية إنشاء الشارع بأملاك المتنفّذين والأجانب المشمولين بالحماية وفقاً للامتيازات الأجنبية، لهذا كثرت التعرّجات على امتداد الشارع.
تمّ إنجاز الشارع في مدّة وجيزة نسبيّاً، وجرى افتتاحه في ذكرى إعلان الدستور في 23 تموز من العام 1916، وأُطلقت عليه تسمية «خليل باشا جادة سي» ودوّن ذلك في قطعة زخرفية وضعت على جدار جامع سيد سلطان علي. وظلّت اللوحة معلّقة حتى خمسينيات القرن الماضي. وظلّ الشارع حتى دخول الإنكليز بغداد في 11 آذار 1917 مليئاً بالحفر يعلوه التراب، وبدأ الإنكليز أول عهدهم بتعبيد الشارع وأطلقوا عليه تسمية «الشارع الجديد»، بينما سمّاه البغداديّون «الجادة العمومية» ثم سمّي «الشارع العام» ليطلق عليه أخيراً اسم «شارع الرشيد» تيمّناً باسم الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي عاشت بغداد في عهده عصراً ذهبياً من جانب، وكالحاً معتماً من جانب آخر. وقد روى أحد البغداديين أنه زار خليل باشا في اسطنبول في أواخر عمره، فوجده ممتعضاً لحذف اسمه من الشارع معاتباً البغداديين على ذلك.
اعتباراً من ساحة التحرير يفتح الشارع بوابات الماضي مع محال الجقمقجي لتسجيل الأسطوانات، لكن ليست ثمّة موسيقى ولا مغنّون، والمحلّ صار مكتبة أرشيفية لأندر الأغاني العراقية والعربية. متاجر أخرى للحلويّات والكنافة، ثم مدخل لسينما «الخيام» ومقهى سمر. يقابل المدخل بناية قديمة لدائرة الأحوال المدنيّة. ويمتد الشارع مع تعدّد المتاجر وعيادات الأطبّاء والصيدليات واستوديوات التصوير ومخازن أنيقة للملابس الجاهزة. ثم مدخل سينما «روكسي» ببواباتها الحديدية المشبّكة، غير أن السينما انزوت حاضراً وتحوّل المدخل الى معرض للمتاجر التي انتشرت على جانبيه. ثمّة زقاق صغير يقودك في اتجاه مبنى صحيفة «التآخي» التي تحوّل اسمها الى «العراق» في السبعينيات بقرار رسمي لا يخلو من شوفينية واضحة المعالم.

وتتوالى المتاجر على جانبي الشارع: البلداوي للأربطة، زاوية صغيرة لرواف مسنّ، عدّته بسيطة ليس أكثر من إبرة وكشتبان ومجموعة خيوط متمايزة الألوان وزبائن «على قد الحال». رواف مع أبنائه يرتق الثقوب بمهارة. يأتي فندق السندباد، بناء قديم ومستطيل يطلّ على ساحة السنك، ثياب غسلت تواً معلقة على شرفات الغرف المطلّة على الشارع.
يخترق الشارع محلّة «المربعة» بجامعها سيد سلطان علي الذي تمّ تشييده في العام1892، وقد تحوّلت المحلّة في سبعينيات القرن الماضي الى البؤرة الأكبر لتجمّع المصريين في بغداد، فيما اختصّت متاجر المحلّة في الأعوام الأخيرة ببيع العدد اليدويّة ومضخّات الماء والأدوات الزراعية. رائحة البن المستورد تجبرك على الاستدارة نحو «البرازيلية»، المقهى الأكثر استقراطية في فوضى المكان. في الاتجاه ذاته يلفحك الهواء المبرد لأسواق «أورزدي باك» العصرية. يقال إنها شركة فرنسية اختارت بغداد مكاناً لأحد فروعها خارج الأراضي الفرنسية. الطابق الأرضي للأسواق تحوّل في السنوات العشر الأخيرة الى مرآب للسيارات، فيما تحوّلت الطوابق الأخرى الى مخازن للمتاجر المجاورة.
سينما «الوطني» المحشورة بين المتاجر والمطاعم الرخيصة تقابل الأسواق، فيلمان بتذكرة واحدة، مغامرات طرزان في أدغال أفريقيا، رعاة بقر في صراع دائم مع الهنود الحمر، في حين تعرض سينما «الرشيد» المحاذية لها الأفلام العربية القديمة، توليفة عجيبة من الحب والأغاني والوفاق الطبقي والنهايات السعيدة.
ساحة حافظ القاضي، التاجر البغدادي، تقطع استمرارية شارع الرشيد، في محاولة لاسترداد الأنفاس. استوديو «ارشاك» الى الجانب الأيسر من الشارع الذي يمتد في اتجاه مرقد «أبو شيبة» المثقلة بوابته الصغيرة بأقفال أصحاب النذور. وثمّة مداخل متعدّدة توشج شارع الرشيد بشارع النهر، ومن أهمّها سوق المستنصر بمتاجره المتراصفة والمحميّة بسقف من الأجر من مساقط الشمس.
يواصل الشارع امتداده ليلامس شارع البنوك، حيث تنتصب العمارة الأعلى في سماء بغداد آنذاك التي شيّدها عبد الهادي الدامرجي في العام 1948، وهي من سبعة طوابق نفّذها المهندس نيازي فتو. بنايات شاهقة متعدّدة الطوابق تتوالى فيما بعد. بنوك ومصارف محشورة وموظّفون بهيئات وقورة وجداول حسابات لا نهاية لها.
يستمر الشارع ليصل سوق الصفافير، أحد أقدم الأسواق البغداديّة المعروف بصناعة وبيع التحف النحاسية. حدّادون أشدّاء يطرقون النحاس بتواصل. طرقات تحفر في جسد المعدن الأصفر تراث العراق وتفاصيله العجيبة. أصوات المطارق تتواصل وتلاحق المارة. وتذهب الأمثال الشعبية الشائعة الى غلبة أصوات الفوضى على كل الأصوات. ضجيج فريد غائر في عمق أربعة قرون، حيث تتوارث حرفة الصفار من جيل الى آخر بثبات وسرّية. ومنذ تلك الأعوام ما زالت الأكفّ السوداء والوجوه القاسية تعزف سمفونية الطرق بإيقاعات متنافرة حيناً ومتناسقة حيناً آخر.
الشاعر العراقي معروف الرصافي ينتصب شامخاً بهندامه الإفرنجي، محدّقاً صوب الكرخ، كأنه يدعو العراقيين من كلتا الضفّتين الى الوحدة والتعايش. تمثال الرصافي يحدّ من امتداد شارع الرشيد. في ذلك الميدان الصغير يقف الشارع على عجل، يريح أنفاسه قليلاً ليواصل مسيرته نحو ساحة الميدان.
ومن الأسواق التي يمرّ بها شارع الرشيد سوق الهرج، وهي السوق الأكثر فوضويّة في جانب الرصافة من بغداد. أيام الجمع تمور في شارع السوق الضيّق، والعيون تتطلّع الى بضائع عفا عليها الزمن. ما من لص لم يمرّ على سوق الهرج العارم بكلّ المسروقات. توافه غابرة لا نفع فيها ملتقطة من رحم الماضي: آلات كهربائية، تحف، أسطوانات، أسرّة قديمة، حقائب، مفاتيح صدئة، ملابس مستعملة، كتب ومجلاّت، وبضائع أخرى تشهر عنادها الدائم في وجه كل جديد ومعاصر.
مدخل شارع المتنبي يبدأ من شارع الرشيد. رقعة صغيرة وغابة من المكتبات المتراصّة الى جانبي الشارع وتفرّعاته: مكتبة النهضة، مكتبة التربية، مكتبة الشطري، المكتبة الأهليّة، والعشرات غيرها. سمّي الشارع سابقاً بـ«الأكمكخانة» وتعني المخبز في اللغة التركية، وذلك لوجود الفرن الكبير الخاص بالجيش العثماني في بغداد. وكان موقع الفرن مقابل مقهى «الشابندر» التي أُغلقت أبوابها أخيراً إثر التفجير الارهابي الذي استهدف الشارع وزبائنه، في محاولة لفرض العتمة والجهل على شعب اتّصف بشغف القراءة والمعرفة. وثمّة بعد خاص بشارع المتنبي يرجع تاريخه الى عشرات الأعوام، تبلور في إقامة المزاد العلني لبيع الكتب النادرة في أيام الجمع. وفي أعوام ماضية زحف المثقّفون الى الشارع ليعرضوا مكتباتهم الخاصة على أرصفته للحصول على لقمة عيش، أصبحت هي الأخرى عسيرة في زمن النظام البائد.
وكانت مكتبة «المثنى» لقاسم محمد الرجب تعتبر من كبرى مكتبات شارع المتنبي، ويعود تاريخ تأسيسها الى بدايات الحرب العالمية الأولى، وتضم ثلاث عشرة غرفة تحوي أنفس أسفار الحكمة. وقد التهمت النيران في نهاية التسعينيات من القرن الفائت محتوياتها الثمينة، إثر حريق تحيط به هالة من الغموض والشكوك والالتباسات.
تتواصل المتاجر.. شربت الحاج زبالة بأوانيه الزجاجيّة الكبيرة المحشوّة بشراب الزبيب الذي يقدّم مترافقاً مع الجبن الأبيض، يأتي على الجانب الأيسر من شارع الرشيد، يقابله كعك السيد الذي تأسّس في العام 1906، ثم المصوّر الأهلي وصوره الفوتوغرافية الموزّعة على الواجهة لشخصيات العهد الملكي بوقارهم وحُسن هندامهم والبسمة المصطنعة المرسومة بدقّة على الشفاه. ثم ينتهي الشارع بأن يفتح ذراعيه ليستقبل ساحة الميدان بكل مودّة وحميميّة.
ساحة الميدان، الخطوة الأخيرة في مسار شارع الرشيد، ساحة كبيرة تدور حولها كل يوتوبيات الهوس المغلّف بحكايا الرغبة في أزقّة سرابية تعجّ بالباحثين عن المتعة المحرّمة. في منتصف الستينيات لم تكن «الميدان» وأطرافها المحاذية تحمل السمات التي عرفت بها قديماً، لم تكن سوى أطلال من منازل مائلة للهدم وواجهات كئيبة خلّفتها الأزمان الغابرة. حاضراً اتّسعت الساحة بعدما أزيلت تلك المنازل وتحوّلت الى سوق فوضويّة للملابس المستعملة.
الذاكرة العراقية ما زالت تستحضر حفلة أم كلثوم في صالة فندق «الهلال» الذي كان يحتلّ إحدى زوايا الساحة، كذلك احتفت سينما «رويال» التي افتتحت في العام 1924 بعروض فرق يوسف وهبي وجورج أبيض وفاطمة رشدي. ويعدّ شارع الرشيد إمبراطورية تعجّ بالمقاهي: «البلدية»، «أم كلثوم»، «حسن عجمي»، «الزهاوي»، «البرلمان»، «شط العرب»، «البرازيلية» و«سمر».
الكثير من الأحداث الجسام في تاريخ العراق المعاصر شهدها الشارع، حيث انطلقت من جامع الحيدر خانة عشرات التظاهرات المساندة لثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، الى جانب مسيرات وتظاهرات أخرى خلال العهد الملكي مطالبة بالحرّية والاستقلال، كما شهد الشارع محاولة اغتيال الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم في العام 1961، بالاضافة الى المواجهات المحتدمة بين أنصار الجمهورية وبين قطعان الحرس القومي سيّئ الصيت في 8 شباط من العام 1963. و«الرشيد» انزوى بعيداً منذ العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على نظام صدّام، ونال نصيبه من اضطراب الأحوال.
«الرشيد» وطن في شارع دونما منازع، جمع بين ذراعيه الأحداث الأهم التي شكّلت ملامح تاريخ العراق المعاصر.