الحضارية «معلومات»
 

 

نشأة المؤسسات الطبية في العراق
(حتى نهاية العهد الملكي)(*)

إعداد: خديجة آل صالح

أكدت الدراسات والبحوث التي صدرت في العالم أن هناك علاقة مشتركة وارتباطاً متبادلاً بين الصحة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية حيث تؤدي الصحة إلى تحسين تدريجي في ظروف وتوعية الحياة، وتعتمد عليه في الوقت نفسه يسهم تحسين الصحة في زيادة الإنتاج، وفي رفاهية الفرد والمجتمع. والرعاية الصحية الأولية هي جزء لا يتجزأ من عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك وجب تنسيق هذه الرعاية مع أنشطة القطاعات الأخرى كالتعليم والزراعة ومياه الشرب والإسكان والأشغال العامة والمواصلات والصناعة وغيرها من القطاعات، بل إنّ منظمة الصحة العالمية توصي الحكومات بتعزيز الرعاية الصحية الأولية في خططها الوطنية للتنمية مع التركيز بصورة خاصة على برامج التنمية الريفية والحضرية، كما توصي بدعم الأجهزة الإدارية والعامة للرعاية الصحية الأولية وما يتصل بها من أنشطة من خلال التنسيق بين مختلف الوزارات، وتوفير القوى العاملة والموارد الكافية لهذه الرعاية وأن تضمن الاشتراك الكامل للمجتمع من خلال تعميم المعلومات الملائمة بطريقة فعالة وزيادة التعليم وإعداد الترتيبات المؤسسية الضرورية التي يمكن للأفراد والأسر والمجتمعات من تحمل المسؤولية عن صحتهم ورفاهيتهم، وقد جاءت هذه التوصيات في تقرير المؤتمر الدولي للرعاية الصحية الأولية الذي انعقد أيلول عام 1978 في (المااتا ـ العاصمة الكازاخستانية) وأصدرته منظمة الصحة العالمية في جنيف. وقد نص هذا التقرير على أن تكون جميع الأنشطة الموجهة نحو التنمية مترابطة ومتوازنة بحيث تركز على المشكلات ذات الأولوية القصوى التي يعانيها المجتمع والنظام الصحي معاً. وأن تقوم الحكومات ومراكز البحوث والمعاهد الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات بصورة خاصة، بإعداد تكنلوجيا وأساليب تؤدي إلى الصحة، وذلك في إطار النظام الصحي وما يتصل به من خدمات على أن تكون هذه التكنلولوجيا صالحة علمياً ومتلائمة مع الاحتياجات المحلية ومقبولة من المجتمع وأن تتولى الجماهير نفسها المحافظة عليها. كما ألزمت الدول عالمياً ومن خلال مقررات المؤتمرات التي عقدت خصيصاً لهذا المجال بأن تضع سياسات خاصة لتقديم الخدمات الصحية لشعوبها واعتبرت الصحة حق أساس من حقوق الإنسان وهدف اجتماعي عالمي النطاق، وان الرعاية الصحية الأولية هي المدخل إلى بلوغ جميع مواطني العالم بالأعوام القليلة القادمة مستوى من الصحة يسمح لهم بأن يعيشوا حياة منتجة اجتماعياً واقتصادياً، والرعاية الصحية الأساسية هي جزء لا يتجزأ من النظام الصحي للبلد والتي تعتمد على وسائل تكنلوجيات صالحة علمياً وسلمية عملياً ومقبولة اجتماعياً وميسرة لكافة الأفراد والأسر في المجتمع من خلال مشاركتهم التامة، كذلك الرعاية الصحية والخدمات الطبية تعكس الوجه الحضاري للبلد وبناءاً على تلك الأسس والمقررات كان لابدّ لبلد مثل العراق أن يبني له قاعدة صحية سليمة ومتنامية ولنا هنا أن نبين تاريخ الخدمات الطبية في العراق بشكل موجز.
ففي مطلع القرن التاسع عشر الميلادي شهد العراق خدمات طبية متواضعة وفقيرة تم توفيرها من قبل سلطات الاحتلال العثماني ولم يكن في العراق قبل عام 1872 سوى دار للعجزة وكانت تسمى (تنبلخانه) حيث كانت غرفة مظلمة وغير نظيفة يحجز فيها المجذومين والمصابين بالأمراض السارية وفي نفس العام أي عام (1872) شيّد والي العراق آنذاك (مدحت باشا) مستشفى في جانب الكرخ سُمي (مستشفى غرباء) تشبيهاً بأرقى مستشفى تعليمي في اسطنبول في ذلك العهد والتي لا تزال تحمل هذا الاسم هناك ومستشفى (غرباء) كان موقعه في موقع (شعبة الكرخ الحزبية) حالياً المطلة على نهر دجلة والذي اشترك الأهالي في المساهمة في بناء هذا المستشفى بجمع التبرعات لمساعدة الوالي مدحت باشا وبقي شاغراً لفترة، بسبب عدم وجود الأطباء اللازمين لإدارته فاستعمل بادئ الأمر كمدرسة إعدادية رسمية، وحين اتخذ مستشفى بعد ذلك كان عدد الأسرة فيه حوالي خمسين سريراً قسمت المستشفى فيه إلى ثلاثة أقسام داخلية وجراحية وزهرية ولم تكن فيه عيادة خارجية وإنما لحقت به شعبة بسيطة للإسعاف، وكان المستشفى مجانياً، وكان يديره أطباء البلدية وبعض مأموريها حتى سنة 1887 وخصصت فيه جناح للمساجين والمعتوهين في عهد الوالي (قدري باشا) غير أنّ هذا المستشفى ما لبث أن تحول مرة ثانية إلى مدرسة إعدادية، وألحق بدائرة المعارف، وبعد تولي (نجم الدين ملا) ولاية بغداد أعاده مستشفى من جديد، حتى عام 1925 حيث اتخذ مقراً للمجلس التأسيسي العراقي ثم أصبح مقراً لمجلس الأمة مدة غير يسيرة وآل أمره بعدئذ من جديد إلى مستشفى الكرخ الملكي ثم هدم وأزيلت أنقاضه.
وفي عام 1897م أصدر الوالي (رجب باشا) أمره باتخاذ البناء القديم في بستان (نجيب باشا) عند باب المعظم على ضفة نهر دجلة اليسرى، مستشفى للجيش يعالج فيه الضباط والجنود بعد أن بنى غرفاً واسعة في المحل الذي تقوم فيه ردهات مدينة الطب والمستشفى الجمهوري حالياً وسمي هذا المستشفى باسم مستشفى المجيدية (مجيدية خستخانه سي) وظل هذا اسمه حتى سقوط بغداد سنة 1917، وفي عهد (نايف باشا) شيّد مستشفى سمي باسمه (في الموقع الذي أقيم عليه هيكل وزارة الصحة مطلع العهد الجمهوري) وقد افتتح سنة 1898 وكان يحتوي على ردهات كبيرة خصصت للأمراض الباطنية والأخرى للجراحة والثالثة لأمراض العيون، كما خصصت بعض الغرف لإجراء العمليات الجراحية، وأخرى للأمراض النسائية وثالثة للصيدلية، وبضع غرف لإيواء المجانين وبعد توالي الإهمال على هذا المستشفى وتفاقمه أخلي قـُبيل الاحتلال الانجليزي لبغداد سنة 1917 وأصبح مستشفى للأمراض العقلية وعليه نهضت بناية السجن المركزي حتى بداية الستينات.
وكانت هناك مستشفى دار المعلمين التي افتتحت عام 1912، وكذلك مستشفى السبع ابكار الذي كان عسكرياً يستقبل جرحى الحرب وحينما احتل الانجليز العراق، أبدلوا اسم مستشفى المجيدية إلى (المستشفى العسكري البريطاني الثابت رقم 23) وجهزوه بالعقاقير والآلات الجراحية الحديثة العهد آنذاك، وبقى تحت إدارة الجيش البريطاني حتى سنة 1923 حيث أنيطت إدارته بوزارة المعارف ـ وزارة التربية والتعليم حالياً، وكانت تشرف على التعليم الجامعي أيضاً ـ الذي جعلته تحت إدارة مديرية الصحة العامة وأسمته المستشفى الملكي العراقي وكان يديره الدكتور (دنلوبdinlob ) بمساعدة الدكتور (صائب شوكت)(1)
ولم يكن فيه من الأطباء العراقيين سوى عدد ضئيل وفي سنة (1924) التحق بالمستشفى الملكي ثلاثة من الأطباء العراقيين وهم (شاكر السويدي وإبراهيم عاكف الآلوسي وتوفيق رشدي) وكان فيه ست ممرضات عراقيات فقط. ثم التحقت بالمستشفى المذكور ثلاث ممرضات انجليزيات لتدريب الممرضات العراقيات ولتحسين التمريض في المستشفى، وكان في المستشفى وحدات لمختلف فروع الطب والجراحة، والأمراض الداخلية، والتوليد، والأمراض النسائية، وأمراض العيون، وأمراض المناطق الحارة، وأمراض الأنف والأذن والحنجرة، وكان فيها دار للتمريض وعيادات خارجية للأمراض العصبية وطب الأسنان والأمراض المتوطنة وفيه قسم للطب العدلي، ومعهد للأشعة ومعهد باستور وكانت أسرته تبلغ أكثر من (500) سرير وفي سنة (1929) افتتحت فيه قاعة للعمليات، وفي العهد الجمهوري أطلق عليه اسم (المستشفى الجمهوري)، ويبدو من أخبار بعض الأطباء الذين عاصروا تلك المرحلة أمثال (صائب شوكت والأستاذين شوكت محمود وكمال السامرائي) إنّ مستشفى المجيدية والمستشفى الملكي لم يكن بهذه السعة والتكامل إلا في أواخر الأربعينات وما بعدها وقد شهد العراق ما عدا مستشفى المجيدية (الملكي ومن بعد الجمهوري) مستشفيين كانا من جملة التشكيلات الصحية التي يرسم خططها الكولونيل (باتي Bati) في بغداد وهو طبيب عسكري بريطاني من مرتبات الجيش الهندي، عـيّن رئيساً أدراياً للقسم الطبي المدني الملحق بدائرة الأمور الصحية للجيش البريطاني في العراق وذلك في (13) آب سنة 1918 فقد كانت تقوم خلف ثكنة الخيالة في باب المعظم بيوت من اللبن، أسست بعد الاحتلال الانجليزي واتخذت فيها المستشفى العسكري الهندي رقم (70)، وعندما تشكلت الإدارة الصحية المدنية على عهد الكولونيل (باتي) اتخذت هذه الأبنية بما فيها من مواد وأثاث مأوىً وقتياً للمستشفى الذي سمي باسم (المستشفى العام الجديد) وكان ذلك في 24 نيسان عام (1919) والذي قال عنه الدكتور صائب شوكت بأنه كان هناك مستشفيان فقط في بغداد، واحد في الرصافة والآخر في الكرخ والمستشفى العام في الرصافة كان عبارة عن أكواخ شيّدت من اللبن وسقوفها من القصب والطين وكانت الأكواخ معدة كردهات تستوعب ثلاثين مريضاً وكان هناك في هذا المستشفى (17) موظفاً بريطانياً بين طبيب وموظف إداري و (14) ممرضة بريطانية و (84) موظفاً هندياً من طبيب وممرض وخدم ومضمد، وقد أسست فيه فيما بعد عيادة خارجية للمعالجة، وبقي هذا المستشفى في أكواخ باب المعظم حتى سنة (1923) عندما أخلى الانجليز مستشفى المجيدية، وأمّا المستشفى المدني الثاني في جانب الكرخ فكان في محل (مستشفى غرباء العثماني) وبوشر بالعمل فيه في شهر آب (1917) بعد أن أجريت عملية الترميمات اللازمة وكان يضم مئة سرير ثم زيدت عدد الأسرة عام (1918) إلى مائة وأربعة وأربعين سريراً، وكان أول مدير له بعد الاحتلال الانجلزي الميجر (Gary Eviss) ثم عهدت إدارته إلى الدكتور (نوئيل ابراهام) وكان من أطبائه (ساموئيل اواتوكمورديان وفتح الله بنا) ثم الغي هذا المستشفى وضم إلى المستشفى العام واتخذت بنايته مقراً للهيئة التأسيسية كما أسلفنا، ثم أعيد به (كمستشفى الكرخ الملكي) وأشهر من برز به من العاملين به كطبيب مقيم هو الأستاذ الدكتور الجراح (حسين طالب) في عام (1945) وكان هناك أيضاً مستشفى العزل (أو الحميات) فقد كانت بدايته خياماً ضربت في ظاهر باب المعظم ببغداد خلت ثكنة الخيالة في الكرنتينه سنة (1918) وكان القائم على إدارته طبيباً عسكرياً من المستشفى العسكري المجاور له يعاونه موظف صحي من الهنود وممرضتان روسيتان وطائفة من الخدم، ثم اختير موقع جانب الكرخ لبناء مستشفى العزل وتم بناؤه عام (1919) (موقع مستشفى الكرخ حالياً) بالقرب من مقبرة الشيخ معروف وعهدت إدارته إلى الكابتن (وايت wight) والكابتن كورتر (Gornor) مع ممرضتين وفي عام (1922) عهدت إدارته إلى مديرية صحة بغداد المركزية وكان يضم مائة سرير وارتفع عدد الأسرة عام (1939) إلى (170) سرير حيث تولى إدارته الدكتور (عبد الهادي الباچچي) ومن ابرز من تولى إدارته الدكتور المرحوم (مظفر الزهاوي)(2).
ومن المؤسسات الطبية المعروفة بنظافتها وادارتها هي مستشفى الولادة التي أسسها وتولى إدارتها وسميت باسمه الأستاذ الدكتور كمال السامرائي وكانت من أبرز مستشفيات الولادة آنذاك ووصفت بشدة رعايتها للمرضى، وضم المستشفى خيرة الممرضات والقابلات الفنيات الجيدات، ثم أغلق هذا المستشفى وأزيلت بنايته مطلع الثلاثينات ونتيجة للحاجة الملحة في أوائل الثلاثينات لإنشاء مستشفى لمكافحة الأمراض الصدرية ومنها على وجه الخصوص (التدرن) المنتشر آنذاك شارك جمع من المواطنين مع السلطات الصحية لجمع التبرعات المالية لفتح أول مستشفى صدري (مستشفى الأمير عبد الإله) ثم أبدل الاسم بعد ثورة 14 تموز 1958 إلى مستشفى (التويثة للأمراض الصدرية) وكان هذا المستشفى قد أنشئ على أرض زراعية جميلة عند ملتقى نهر ديالى بنهر دجلة وقد تبرع بأرض المستشفى إلى جمعية مكافحة السل المرحوم السيد عبد المنعم الخضيري، وافتتحت المستشفى في آب عام 1951 م وبدأت بـ (230) سريراً، وتولى إدارتها المرحوم الدكتور (محمد حسن سلمان) ثم توسعت تلك المستشفى إلى أن تضمنت ألف سرير وقد أصدرت المستشفى في(8) تموز عام 1952 مجلة سميت (رسالة مستشفى الأمير عبد الإله للأمراض الصدرية) وكان كتـّابها نخبة من الأطباء وأيضاً النزلاء يتحدثون عن تجربتهم الشخصية مع المرضى وكان فيه شعبة للأمراض القلبية وتخطيط القلب لكنها أغلقت ونقلت ممرضاتها المتدربات جيداً إلى مستشفى السلام رغم حاجة المستشفى لهن وفي نفس السنة أنشأت الحكومة مستوصف ثاني للأمراض الصدرية في بغداد قرب بناية كلية الهندسة في باب المعظم وكان مستشفى ناجحاً بمزاولة أعماله وإدارة الدكتور جهاد شاهين، وفي نفس الفترة استمرت الجهود الحثيثة بإنشاء المستشفيات والمراكز الصحية في كل أنحاء القطر ومن جملة تلك المستشفيات:
1 ـ مستشفى التويثة.
2 ـ مستشفى الموصل العام.
3 ـ مستشفى بعقوبة للأمراض الصدرية.
4 ـ مستشفى الأمراض الصدرية في الديوانية.
5 ـ مستشفى اليرموك (وهي مستشفى الأمراض الصدرية للأطفال).
6 ـ مستشفى الأمراض الصدرية في ميسان.
7 ـ مستشفى الأمراض الصدرية في الزبير.
8 ـ مستشفى الأمراض الصدرية في أربيل.
9 ـ مستشفى مرجان في الحلة.
وكان هناك أيضاً مستشفى الأمراض الصدرية العسكري في الحارثية الذي افتتح عام 1960 وكان يضم ستين سريراً فقط وذلك بسبب ضيق المكان، وقدمت مقترحات للجهات المختصة من أجل إمساك قطعة الأرض المجاورة لمستشفى التويثة لإنشاء مستشفى جديد وبسعة 350 سريراً بدلاً عن الأول وتم إنشاء المستشفى بالفعل ونقل المرضى على أثرها إلى المستشفى الواقع على ضفاف نهر دجلة عند ملتقى نهر ديالى به، وفي عام 1964 تمّ إنشاء وحدة تابعة للمستشفى سميت وحدة الأشعة المتنقلة.
 
الهوامش
ــــــ
(*) مقتبس من كتاب (تاريخ أعلام الطب العراقي الحديث) للدكتور أديب توفيق الفكيكي.
(1) من مواليد عام 1896 بغداد عرف بمواقفه القومية والوطنية وبالمكانة الاجتماعية المرموقة دخل كلية الطب في استنبول سنة 1913 وكان عمره (15) سنة وتخرج من سنة (1918) وكان الأول على طلاب الكلية آنذاك من بين مجموع 480 طالباً.
(2) من مواليد بغداد عام 1906 في منطقة (جديد حسن باشا) حيث ترعرع فيها، وهو من عائلة أدباء وشعراء ورجال دين وضباط. أكمل دراسته الجامعية في مدارس الحيدرية وتخرج من الكلية الطبية الملكية في دورتها الأولى عام 1933 سافر إلى أوربا وتدرب في مستشفيات لندن، وشغل مناصب عديدة في الدولة.