الحضارية «جغرافية العراق»

السبت : 31/07/2010

 

 

 

 

 

تغير المناخ العالمي وأثره في بيئة العراق

 

الدكتور مثنى العمر

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

يمر المناخ العالمي في الوقت الراهن بحالة تغير تتمثل بارتفاع معدلات درجات الحرارة لعموم الكرة الأرضية وتغير في معدلات سقوط الأمطار والثلوج ، ويختلف العلماء حول منشأ هذه الزيادة وسببها ، ما بين زيادة طبيعية ضمن نطاق التغيرات الدورية التي سبق أن شهدت مثلها الكرة الأرضية من قبل ، وتزايد تراكيز الغازات المسببة لظاهرة الإحتباس الحراري في جو الأرض.

وفي الحقيقة، فإن الارتفاع في درجة حرارة الكرة الأرضية والتبدلات المناخية قد أصبحت حقيقة واقعة وقد أدت هذه الزيادة لحد الآن الى تراجع معظم الانهار الجليدية في العالم عما كانت عليه في نهاية القرن التاسع عشر، وأرتفع مستوى سطح البحر خلال المدة نفسها بمعدل يبلغ حوالي 1-2 ملم/سنة.

تعد مشكلة الاحتباس الحراري من أكثر مشكلات البيئة إثارة للجدل على المستوى العالمي، وتتلخص بتزايد انبعاث غاز ثنائي أوكسيد الكربون وبعض الغازات الملوثة الأخرى الى الغلاف الجوي مما يؤدي الى حبس الحرارة في الغلاف الجوي للكرة الأرضية أكثر من المعدل الطبيعي الذي واكب الأرض منذ نشوئها، ويتوقع الباحثون زيادة تراكيز غاز ثنائي أوكسيد الكربون أو ما يعادله من الغازات المسببة لحبس الحراري في منتصف القرن الحادي والعشرين بما ينتج عنه زيادة في معدل درجات الحرارة يبلغ 4,5 درجة مئوية ، وهناك من يقدرها بأكثر أو أقل من ذلك أيضاً .

الوضع المناخي في العراق:

شهد النصف الثاني من القرن الماضي أرتفاع مستمر في معدلات درجات الحرارة في عموم القطر فقد كان المعدل العام في بغداد إذ تشير معلومات هيئة الأنواء الجوية العراقية بأن المعدل العام لدرجات الحرارة العظمى في بغداد للسنوات 1941- 1970 كان يبلغ 22,9 درجة مئوية فقط، وأرتفع ليبلغ 32,6 درجة مئوية في عام 2000 ، وقد أثر هذا التغير المناخي على معدلات هطول الأمطار التي تناقصت هي الأخرى بشكل كبير مسببة تزايد حالة التصحر والتلوث بالغبار التي كان العراق يعاني منها أساساً بإعتباره ضمن منطقة صحراوية وتشغل الصحراء الغربية ما نسبته 70% من مجموع مساحة البلاد.

الآثار السلبية لتغير المناخ على البيئة في العراق:

هناك عدد كبير من التأثيرات المناخية والبيئية السلبية التي سببها التغير المناخي بسبب إرتفاع درجات الحرارة خلال السنوات القليلة الماضية، ومنها :

1-تزايد الحاجة إلى المياه في المجمعات الحضرية (بغداد والمحافظات) الذي تفاقم أثره في ظل النمو السكاني وتزايد الميل إلى الهجرة من الريف إلى المدينة، في الوقت الذي تشح فيه الموارد المائية لأسباب سياسية وطبيعية.

2-تزايد الملوحة في الموارد المائية في القطر، ومنها نهري دجلة والفرات بسبب تزايد نسب التبخر المترافق مع ارتفاع درجات الحرارة.

3- لاشك في أن ارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية من شأنه التأثير على النباتات بشكل سلبي في المناطق الزراعية والطبيعية، وقد لوحظ موت بعض أنواع النباتات المستخدمة في تشجير الأرصفة والمساحات الخضراء في بغداد في موجات الحر القائظ في الصيف الماضي.

4-يؤثر ارتفاع درجات الحرارة على الثروة السمكية سلبياً ، فهي من جهة ترفع درجة حرارة الماء ومثل هذا التغير يعد خطراً على الأسماك، وهو من الجهة الأخرى بسبب إنخفاض الأكسجين الذائب في الماء .

يلاحظ مما تقدم بأن عموم مناطق العراق مهددة بارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من معدلاتها الحالية، وهذا الارتفاع ستكون عواقب بيئية ستشاهد في بغداد أشد من غيرها من المناطق ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة الحالة، ومن أهم العواقب البيئية لإرتفاع درجات الحرارة ما يأتي:

1- تزايد حالة الجفاف عما هو عليه الآن بسبب زيادة معدلات التبخر وتناقص معدلات هطول الأمطار، فضلاً عن تناقص الحصة المائية الداخلة بسبب الخلافات المائية مع تركيا وتزايد حالات العواصف الغبارية من حيث التكرار والشدة (تركيز الغبار في الهواء)

2- تقلص المساحات الخضراء في المدن بسبب موت بعض أنواع النباتات الحساسة من جهة وبسبب تناقص عمليات الري.

3- تأثر النشاط الزراعي بسبب تناقص الري وزيادة الجفاف، ما لم تتخذ اجراءات معالجة فعالة.

4- تناقص المياه الجوفية بسبب تزايد السحب المتوقع عليها، وتناقص كميات الأمطار السنوية

المعالم البيئية القديمة في بغداد لإتقاء حرارة الجو:

يروي الرحالة الأنكليزي ولستيد مشاهداته عن بغداد التي زارها في القرن التاسع عشر وبالتحديد في عام 1830 واصفاً أرتفاع درجة الحرارة بقوله: " وحين تكتسح المدينة رياح السموم ترتفع درجة الحرارة إلى مائة وأربعة وعشرين درجة فهرنهايتية ( وهي ما يساوي 46 درجة مئوية) حينها يلجأ السكان إلى السراديب. من هذا نستدل على أن درجة الحرارة في أقصى إرتفاع لها لم تكن لتتجاوز 46 درجة مئوية فقط وربما لأيام قليلة تنخفض بعدها، أما درجة الحرارة العظمى في الأعوام الحالية فإنها غالباً ما تتجاوز الخمسين ولأيام طويلة خلال شهري تموز وآب. كما يصف هذا الرحالة طبيعة الأسواق في بغداد قائلاً:

" وتؤلف الأسواق في نظري أهم مظهر في المدينة الشرقية، فالشوارع الضيقة، إما أن تكون معقودة بالآجر، أو مسقفة بالأغصان الجافة، أو القماش الخشن المشدود بحبال متعارضة تمتد من سقف لآخر".

لقد كانت فطرة العراقيين قد أرشدتهم آنذاك إلى ضرورة تسقيف الأسواق بما كان متوفراً من مواد أولية وبأساليب غير مكلفة اقتصادياً، وهذه الفطرة نفسها هي التي أرشدت مهندسي وبنائي القرن العشرين أيضاً إلى اتقاء حرارة الصيف القائض بتشييد أبنية بطرز خاصة ذات نوافذ صغيرة وجدران سمكية من الطابوق مثل بناية سراي الحكومة آنذاك والتي ما تزال قائمة وتعرف بإسم (القشلة)، كما أنتبه العراقيون إلى أهمية استعمال مواد بناء ذات طبيعة باردة والذي لا يكتسب كمية كبيرة من الحرارة مثل الطابوق والآجر والخشب (والأخير كان يستعمل في الشناشيل العراقية وفي التسقيف وفي العديد من المعالم المعمارية أو التركيبية). ومن جانب آخر فإن الشوارع كانت تمتاز بميزات خاصة فهي ضيقة نسبياً غير واسعة وذات مباني مشيدة بمعمارية مميزة مثل الأروقة المعمدة التي تشكل مع بعضها أرصفة مسقفة تقي المشاة من أشعة الشمس.

 

 

 

 

......................

المصدر : من الموقع :

http://montada.mosuluniversity.com/showthread.php?31-%CA%DB%ED%D1-%C7%E1%E3%E4%C7%CE-%C7%E1%DA%C7%E1%E3%ED%A1-%E6%C3%CB%D1%E5-%DD%ED-%C8%ED%C6%C9-%C7%E1%DA%D1%C7%DE