|
الإثنين : 19/07/2010
في
المُدرَكْ السوسيولوجي لجغرافيا العراق
علي وتوت

استهلال:
هذه محاولة في استكناه المُدرَكْ
السوسيولوجي لجغرافيا العراق، بأبعاده المختلفة، السياسي والتاريخي
والديموغرافي والإيكولوجي، وكيف أثرت هذه الجغرافيا في صياغة تاريخه
الحديث وإشكاليات حاضره، مثلما تساهم في صياغة مزاج أفراده وجماعاته،
وصناعة أنساقهم Systems، وأساليب حياتهم Styles of Their Lives.
وسنحاول أن نعرض في مقالنا هذا لكل بعدٍ منها. فالطبيعة الجغرافية
والمناخية للعراق لعبت دوراً حاسماً ليس في تاريخه بل حتى في تكوين
مجتمعه، مثلما يشير أحد الباحثين(1).
البعد التاريخي
للجغرافيا :
إن الجغرافيا هي بنت التاريخ
بمقدار ما هي أمه. فالتاريخ يختار أولاً بصورة تدريجية من بين كل
(الإمكانات) التي تتيحها له الجغرافيا. إن الشروط الظرفية التي تحدث في
عصر تاريخي معين، فعل إنسان معين، ضغط مجموعة مجاورة، الصدفة، و.. ما
إلى ذلك تتراكم عبر العصور، فتدفع بجماعة معينة نهائياً في طريق معين
بدلاً من الطرق الأخرى التي سمحت بها الشروط البيئية سواء بسواء ولا
يمكن التخلي عن هذه الطريق فيما بعد، لأن الجماعة تكون قد نُظِّمَت
بناءً عليه، ولأن التمثلاّت الجماعية تعتبره أمراً طبيعياً(2).
وإذا ما كان التعرف إلى طبيعة
المكان (الجغرافيا) هو المدخل الضروري إلى فهم مجريات الزمان (التاريخ)
في حياة كل مجتمع، فإن خصوصية المكان وخطورة تحدياته، وتوتر عناصره،
بالنسبة إلى المجتمع في العراق، تمثل أهمية مضاعفة، وحالة خاصة لا بد
من الابتداء بالتأمل الدقيق فيها وإدراك طبيعتها وتفردّها الصعب الذي
يمثلّ استثناءً مكانياً بين الأمكنة، أدىّ إلى خلق استثناء زمانيّ بين
الأزمنة في صياغته لتاريخ المجتمع في العراق وعلاقته بالدولة، ذلك أن
قاعدة السياسة هي الجغرافيا وخلفيتها هي التاريخ(3).
لقـد كانت المنطقة التي تتضمن
الرافدين العظيمين (دجلة والفرات)، والتي تشـتمل على السـهول الغرينية
الواسـعة والتي ظهرت فيها أولى الحضارات في العالم، تدعى في الأزمان
الموغِلـة في القِدم بـ (بلاد ما بين النهرين Mesopotamia)، لكن اسم
(العراق) أصبح معروفاً منذ القرن السـابع الميلادي، على الرغم من أن
المسـلمين من عرب الجزيرة كانوا يدعونه قبل ذلك بـ (أرض السـواد). ففي
تلك الأيام لم يكن اسم العراق يشير إلى حدود عراق اليوم، بل فقط إلى
ذلك الجزء منه الذي يقع جنوب الخط يصل بين الأنبار (أو حديثة، استناداً
إلى رأي آخر) على الفرات وتكريت على دجلة، وصولاً إلى البصرة في
الجنوب(4).
وإذا كانت الحياة التاريخية
القديمة للمجتمع والدولة في العراق قد بدأت في جنوب العراق حتى اتصلت
بأعالي الوسط مستقرة على كتف نهر الفرات لبدء حياة حضرية ذات إفراز
حضاري مؤثر دون أن تعبر النهر، فإنها ستوغل فيما بعد نحو المناطق
الصحراوية القريبة التي تكثر فيها العيون، كما هو الحال في المناطق
الغربية من العراق(5).
لكن العراق بحدوده الجغرافية
المعهودة في وقتنا الراهن، لم يكن معروفاً في نهاية القرن التاسع عشر
وبداية القرن العشرين. بل كان يقسم إلى ثلاث ولايات هي بغداد والموصل
والبصرة. وبكلماتٍ أخرى لم يكن هناك حتى ذلك التاريخ (قبيل تأسيس
الدولة العراقية الحديثة) مجتمع واحد متماسك، يمكن وصفه بأنه (مجتمع
عراقي)(6).
وكان لابد للعراق بحكم موقعه،
والذي يقع وسطاً بين حضارتين كبيرتين في كل حين، من أن يكون ساحة
للصراع بينهما، فهو في مرات عدة كان ساحاً للصراع بين الفرس والروم...
حدث ذلك قبل الإسلام، أما بعد ثلاثة قرون من سقوط الدولة العباسية على
يد (هولاكو)، فقد أصبح العراق ساحاً للصراع بين العثمانيين والفرس، على
الرغم من أن إرهاصات ذلك الصراع الإثني الطائفي قد بدأت منذ أيام
العباسيين، وقد انعكس ذلك على طبيعة الصراعات الاجتماعية بين سكان
العراق خلال قرون. إذ تزامن ظهور إيران الصفوية (الشيعية) في العام
(1501) مع نشوء الإمبراطورية العثمانية (السنية)، ثم مع محاولات
السلطانين العثمانيين سليم الأول (1512-1520) وسليمان القانوني
(1520-1566) بناء دولتهما كإمبراطورية عالمية. وقد أوجدت هذه القضية
واقعاً جديداً في العراق الذي أصبح ساحة حرب بين القوتين المتنافستين،
كما سبقت الإشارة، ومع اندلاع الصراعات في القرنين السادس عشر والسابع
عشر بين العثمانيين والصفويين، أخذ كل من السلطان العثماني والشاه
الصفوي يسمي نفسه (عاهل الإسلام). وتبدى الصراع بين الإثنين بلغة نزاع
طائفي (سنّي ـ شيعي)(7)، يحصل على أرض العراق.
وقد سيطر الصفويون على كامل أرض
العراق في العام (1508) واستمر حكمهم حتى الاحتلال العثماني للعراق عام
(1534). والواقع أن في العراق عموماً لم يشهد أي تحسن مع مجيء
الصفويون، ذلك أنهم أججوا الصراع السياسي/الطائفي الذي كان قد انتشر
بين أبناء المجتمع منذ الحكم الأموي وزاده العباسيون اشتعالاً، لكن
الصفويين صبوا الزيت على النار حينما عمل الشاه إسماعيل الصفوي على
اضطهاد أهل السنّة وقتل بعض وجهائهم وفقهائهم، وهدم قبور أئمتهم كقبر
أبي حنيفة وعبد القادر الكيلاني. فلما دخل العثمانيون أصلحوا ما عمل
الصفويون برفع الظلم عن السنّة لكنهم اضطهدوا الشيعة ونكلوا بوجهائهم
وفقهائهم. فلما عاد الصفويون لاحتلال العراق حينما سيطر الشاه عباس
الصفوي على العراق واحتله عام (1623)، عمل على اضطهاد أهل السنّة، فلما
عاد السلطان العثماني مراد الرابع ليفتح العراق من جديد فعل بالشيعة
مثلما فعل الشاه الصفوي عباس بالسنّة. وهكذا ظل المجتمع في العراق
يعاني الأمرين من هذا الصراع الاستعماري بين العثمانيين والإيرانيين،
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الشأن أن الأفراد في ذلك الحين لم
يكونوا يعرفون ما تعرفه المجتمعات المعاصرة من مشاعر الولاء الوطني.
فقد كانت النزعة الدينية المتمثلة بالتعصب المذهبي أو الطائفي هي
السائدة. معنى ذلك أن أهل العراق لم يكونوا يعدون العثمانيين أو
الإيرانيين أجانب محتلين غرضهم الاستيلاء على البلاد ونهب خيراتها، بل
كان كل فريق منهم ينظر إلى الدولة التي هي من مذهبه الديني كأنها
الدولة المنقذة(8).
في حين سيطر العثمانيون على العراق
في العام (1534) للمرة الأولى، واستمر حكمهم متقطعاً (بين سيطرة
الإيرانيين مرات عدة وبين احتلال المماليك ـ وهم أتراك أيضاً ـ وعودتهم
للاحتلال المباشر للعراق في عام 1836) حتى الاحتلال البريطاني عام
(1917). والحق أن صراع الأطماع بين الدولتين الفارسية والعثمانية استمر
ما يقرب من أربعة قرون كان العراق خلالها ساحة لعمليات الحرب
والاستنزاف لم يحصد فيها أبناء العراق سوى المصائب والأهوال دون أن
يكون لهم في ذلك القتال أية مصلحة.
وفيما بعد، وحين تم تأسيس الدولة
الحديثة، تجلى تأثير الصراع بين العثمانيين والإيرانيين في العراق: إذ
إن وجود غالبية شيعية من أبناء أقليمي الوسط والجنوب في العراق (وهم
يشكلون ما يقارب 58 % من سكان العراق)، كان بحد ذاته يثير - وباستمرار-
حفيظة شركائهم السنّة العراقيين (الذين يشكلون ما يقارب 20 % من سكان
العراق، والذين حكموا العراق طوال عمر الدولة الحديثة) مُظهرين
تحفظاتهم هذه بشكل اتهامات لعامة الشيعة بـ (التبعية الإيرانية)، عادةً
ما يوجه هذه الاتهامات النخبة السنية الحاكمة (وتكون هذه الاتهامات
ضمنية في معظم الأحيان، أو علنية سافرة في أحيانٍ أخرى كما هو الحال
عند انتفاضة الشيعة ضد الظروف السيئة التي يعيشونها، كما حدث في
انتفاضة النجف في عام 1977 وانتفاضة معظم محافظات الوسط والجنوب
الشيعية والشمال الكردية في عام 1991 مثلاً(9))، فضلاً عن تأثير المحيط
العربي الذي قام دائماً للأسف على أساس شك وسوء فهم أنتج باستمرار
مواقف عدائية تجاه العراقيين الشيعة (العرب)، وبالتالي اتجاه غالبية
المجتمع في العراق(10). وقد ولدَّت هذه المواقف بالنتيجة شكوكاً قوية
لدى العراقيين الشيعة، وحذراً مبرراً إزاء دعاوى القومية العربية
والنظام العربي عموماً، والذي برهن – ولا زال يبرهن حتى الآن- على انه
جدير بهذه المخاوف والشكوك، وانه يتعامل مع العراقيين فعلاً على أسس
طائفية(11).
في التوزيع
الديموغرافي للجغرافيا:
لقد كان سكان العراق لا يتجاوزون
الـ (3) ثلاثة ملايين نسمة في بداية القرن الماضي، وقد تسببت الكوارث
التي مرَّ بها العراق في كل مرة، في موت وفناء الكثيرين من سكانه. أما
منذ بداية النصف الثاني من القرن السابق، فعلى الرغم من حدوث عدة
انقلابات عسكرية بدأت منذ العام (1936) وحدثت في أعوام أخرى (1941،
1958، و1963، 1968،)، وحدوث خمسة حروب كبرى (أربعة منها خارجية) وعدد
لا بأس به من الانتفاضات الشعبية، بالإضافة إلى موجات التهجير القسري
(الداخلية والخارجية) التي استخدمتها الحكومات العراقية المتعاقبة
لإسكات وقمع حركات المعارضة، فإن العراق مر بثورة ديموغرافية أدت إلى
مضاعفة عدد أفراده مرة ونصف في حتى عام (1958)، وثلاث مرات نصف في عام
(1977)، وما يقارب من سبع مرات ونصف في عام (1997)(13). ويسكن أرض
العراق حسب تقديرات العام 2000 ما يقارب (24) مليون نسمة(14). وعلى أية
حال سنقوم بتصنيف معطيات التوزيع الديموغرافي (السكاني) للمجتمع في
العراق إلى ما يأتي:
(آ) الكثافة السكانية: إن سكان
العالم موزعون بشكل غير متساوٍ، وعلى الرغم من جميع وسائل تعميم طرق
الحياة المستمدة ن أساليب التوسع التقني الصناعي في مجالات العمل
والنقل والمواصلات، فما زال السكان مختلفي الأوضاع من حيث الكثافة في
المناطق السكنية. ومهما كان التوزّع السكاني في تفاوت شديد، فقد أصبح
متعارفاً عدّ الكثافة السكانية مجرد نسبة عددٍ من السكان في مكان ما
إلى مساحة هذا المكان. لكن المدلول الجغرافي لهذا النوع من الكثافة لا
يعطينا القيمة المرجوة من الناحية العلمية بسبب أن مساحة المكان ليست
كلها بنفس الأهمية الاقتصادية، لأن قسماً يكون مستغلاً والقسم الآخر قد
لا يكون، كما أنه قد توجد عوائق تمنع ذلك الاستغلال(15).
بناء على ما سبق، فإنّ متوسط
الكثافة السكانية لا يعني شيئاً بحد ذاته، فالعراق الذي تكوّن الصحراء
ما يقارب (40% ) من مساحته، يتمركز سـكانه بأعداد ضخمة في وادي
الرافدين، وتحديداً في الشريط الضيق الممتد بمحاذاتهما (أي بمحاذاة
النهرين). ويبلغ معدل الكثافة السكانية حسب تقديرات عام (2000) ما
يقارب (53) نسمة في الكيلومتر المربع الواحد. وهي نسبة معتدلة بحسب
التقديرات الإحصائية. لكن هذه النسبة لا تشكل حقيقة الكثافة السكانية
في العراق الذي يتركز السكن فيه في مدن الوادي، إذ يرتفع الرقم إلى
(500) نسمة في المناطق الشديدة الكثافة (مثل بعض مدن وأحياء العاصمة
بغداد ومدينتي البصرة والموصل) ويصل العدد إلى (234) نسمة في المناطق
الكثيفة السكان (كما هو حال مراكز المدن العراقية عموماً)(16).
(ب) التوزيع الحضري والريفي
للسكان: يشير لمبارد Lampard إلى وجود ثلاثة مفاهيم للتحضر متداولة
الآن في العلوم الاجتماعية، وهي : السلوكي والبنائي والديموغرافي.
وبينما يهتم الأول بتجربة الأفراد مع مرور الزمن وبأنماط السلوك، فإن
الثاني يتعلق بنشاطات كافة السكان وخاصة تغيرات النسق الاقتصادي، فإن
الثالث يهتم بدراسة تركيز السكان.
إن التفسير الأول لمفهوم (التحضر
Urbanization) هو تفسير اجتماعي يشير إلى العملية التي يكتسب بها الفرد
غير الحضري الأدوار ونمط المعيشة والرموز وأنواع التنظيم والمظاهر
الحضارية المميزة لمدينة، ويشارك سكانها المعاني والقيم والأفكار
الخاصة بهم. ويطلق على أسلوب الحياة السائد في المراكز الحضرية الكبيرة
بـ (الحضرية). وتسري عملية التحضر على الأشخاص الذين يعيشون في المدن،
والذين يقيمون في المناطق غير الحضرية ولكنهم أصبحوا تحت تأثير النمط
الحضري. بينما يشدد التفسير الثاني على الاقتصاد، ويرتبط بانتقال الناس
خارج الجماعات الزراعية إلى جماعات أخرى غير زراعية أكبر منها عموماً.
وجوهر هذا المفهوم هو العلاقة بين التنمية الاقتصادية والتحضر. أما
المفهوم الثالث لعملية التحضر فهو ديموغرافي محض، يعدُّ عملية التحضر
تركيزاً للسكان. وتتخذ عملية التركيز هذه مظهرين: زيادة عدد المراكز
الحضرية (المدن). وزيادة حجم المراكز الحضرية. ونتيجة لكلا المظهرين
تزداد نسبة الناس الذين يعشون في المراكز الحضرية. وطالما كان التحليل
الديموغرافي للسكان هو محور اهتمام هذا الجزء من المقالة، وجب التركيز
على المفهوم الثالث، مع الإشارة إلى عدم إهمال المفهومين الآخرين في
سياقها(17).
على الرغم من أن المقصود بالحضر هم
سكان المدن تحديداً، فإن تعريف المدينة مسألة معقدة. فالسكان الذين
يصنفون حضراً يختلفون من بلدٍ لآخر. ذلك أن وصف المناطق بـ (الحضر) أو
(الريف) غالباً ما يرتبط باعتبارات إدارية وسياسية وتاريخية، أو
بمعايير (أو محكات) تصنيفية تضاف إلى جانب المعايير (أو المحكات)
الديموغرافية(18). مثل معيار الكثافة السكانية أو المهنة أو نوعية
الأملاك أو نوع الضرائب أو التصنيف وفق العامل الإداري (وهو العامل
المستخدم في العراق لتحديد الريف والحضر، فكل ما هو خارج الحدود
الإدارية لمراكز المدن يعد من الأرياف وفقاً لهذا المعيار). فالحضر
الذين يشكلون ما نسبته (60%) تضم بغداد نسبة (39%) منهم بحسب إحصاء
(1977)، و(44%) بحسب إحصاء (1987)، لا زالوا يفتقدون لكثير من شروط
الحياة الحضرية(19)، كما أشرنا إلى ذلك في مقالاتٍ سابقة(20).
وإذا شئنا التبسيط قلنا إن العراق
تحول في أربعين عاماً (1947-1987) من كون ثلث سكانه من المقيمين في
المدن إلى كون ثلثيهم في هذا الوضع. وتشير بعض التقديرات إلى انتقال
(70 %) من العراقيين إلى تجمعات تضم أكثر من خمسة آلاف نسمة عام 1985.
غير أن الانتقال تم بوضوح لمصلحة المدن ذات النشاط الاقتصادي العصري
(بغداد، البصرة، كركوك، الموصل) على حساب المدن ذات النشاط الاقتصادي
التقليدي (الأنبار، ميسان، المثنى)(21).
في البعد
الإيكولوجي لجغرافيا العراق:
لقد تمت استعارة مفهوم التبيوء
Ecology من البايولوجيا، حيث يعني وسائل دراسة العلاقات بين الأنساق
العضوية للكائن الحي والبيئة Environment. فهو مرتبط بالعوامل
الطوبوغرافية والظروف المناخية بقوة، إلا أنه مرتبط في الوقت نفسه
بالموارد الطبيعية النباتية والحيوانية على حد سواء، مثلما هو مرتبط
بالكوارث الطبيعية(22). وهو في استعماله البايولوجي يتضمن نوعين من
العلاقاتُ أولهما بين الكائن العضوي (بمفرده) والبيئـة، وثانيهما بين
الجماعات العضوية والبيئـة. أما في العلوم الاجتماعية فهو يتقيد بدراسة
النوع الثاني من العلاقات، أي العلاقات بين الجماعات البشـرية
وبيئاتها، فهو يتحدد بدراسـة العلاقات بين الجماعات البشـرية (أو
السكان) وبيئاتهم الخاصة، لا سيما بيئاتهم المادية(23).
و(العراق) في القراءة الإيكولوجية
لبيئته الطبيعية هو وادٍ خصب ولكنه يحتاج إلى ريٍ وبزلٍ دائمين، وإلاّ
عَلَتْهُ طبقات ملحية بيض. ونهرين يغيران مجرييهما باستمرار، ولا يكفان
عن الفيضانات المدمرة، وكان أسوءها حل عام 1954 حينما غرقت بغداد(24)،
مثلما كان الغرين المجلوب من أعالي النهرين وروافدهما الكثيرة يسدَّ
المنافذ الاصطناعية، ويكوّن بتوالي القرون دلتا الرافدين العظيمة(25).
ولكن، وعلى الرغم من أن العراق يملك هذين النهرين العظيمين، واللذين
يشكّلان على طول امتدادهما واديـاً ظل مسرحاً للحضارات البشرية الأولى
التي نشأت وازدهرت على الأرض ما بينهما، فإن هذا السهل محاط بسلاسل
جبلية من الجهتين الشـمالية والشـمالية الشـرقية والتي يصل ارتفاعها
إلى حوالي (3550) متراً فوق مستوى سطح البحر، تشكل ما نسبته (5 %) من
مسـاحة العراق الكلية، مثلما هو محاط بصحراء شاسـعة، تقع في الغرب
والجنوب وتشكّل ما نسـبته حوالي (40 %) من مسـاحته الكلية(26).
أما مناخ العراق فإنه يتسم بخصائص
قارية متطرفة لوقوعه بعيداً عن المحيطات والبحار. فحرارة الصيف وجفافه،
وبرودة الشتاء وأمطاره تعد ملامح مناخية رئيسة. وتنقسم فصول السنة في
العراق إلى ثلاثة فصول هي الشتاء والصيف والخريف، باعتبار أن فصل
الربيع قصير الأمد مندمج في فصل الصيف. ويبدأ فصل الشتاء من ديسمبر
(كانون الأول) حتى منتصف شهر فبراير (شباط)، ويعد يناير (كانون الثاني)
أكثر شهور الشتاء برداً. بينما شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) هما أكثر
أشهر السنة حرارةً في العراق(27).
ويقع العراق معظم أيام السنة تحت
تأثير منطقة ضغط عالٍ تعمل على هبوط رياح دافئة جافة من طبقات الجو
العليا. وتستمر حركة الهواء هذه في فصل الصيف من الشمال والشمال الغربي
مكونة رياحاً حارة جافة (الشمال) تهب معظم أيام الصيف بنسبة لا تقل عن
(90%) ولكن تيار الهواء هذا لا يستمر على وتيرة واحدة في فصل الشتاء،
إذ غالباً ما ينقطع هبوبه بفعل مرور الأعاصير وما يصاحب ذلك من هبوب
رياح متغيرة الاتجاهات. وهذه الأعاصير جزء من دورة الرياح الغربية غير
المنتظمة التي يكون مصدرها من البحر المتوسط، الجزيرة العربية، أوروبا،
سيبيريا، البحر الأحمر، المنخفض الهندي الموسمي وهي معروفة في
تأثيراتها الطقسية المناخية على العراق في دوراتها الفصلية ولا بد أن
هنالك تطرفاً في بعض المواسم نتيجة تأثيرات هذه المنظومات الضغطية سواء
في ارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها وكذلك في كثرة أو قلة الأمطار
وندرتها(28). فيما ينتقل سير هذه الرياح في فصل الشتاء جنوباً بتأرجح
نطاق الضغوط العالية شبه المدارية في هذا الاتجاه. ويبلغ معدل عدد
الأعاصير المارة بالعراق في الفصل البارد من السنة (120) إعصاراً.
ويقترن سقوط معظم الأمطار على العراق بمرور هذه الأعاصير الضعيفة. وقد
يتطور بعضها ويتسع من حين إلى آخر ويبقى مستقراً في البلاد عدة
أيام(29).
وتسبب هذه الأعاصير هبوب رياح
بحرية على العراق مصحوبة بهطول أمطار غزيرة على مناطق السهول وسقوط
كميات كبيرة من الثلوج على الجبال. وتزداد عموماً كمية الأمطار الساقطة
تدريجياً، كلما اتجهنا نحو الشمال الشرقي، إذ تزداد كميتها من (50) ملم
في الزاوية الجنوبية الغربية من العراق إلى (1000) ملم في المنطقة
الجبلية العالية الواقعة في الشمال الشرقي منه. وتعزى كثرة تساقط
الأمطار في هذه المنطقة إلى تأثير عامل مزدوج من النشاط الإعصاري
والحاجز الجبلي، ولكن درجة تذبذب الأمطار السنوية عالية جداً، إذ لا
يظل الحد الجنوبي لمنطقة الزراعة الديمية محتفظاً بموضع ثابت، فبعض
فصول الشتاء جافة، في حين بعضها الآخر وافر الأمطار. ويعد الاختلاف
الجغرافي والزمني لهطول الأمطار من الحقائق المهمة بالنسبة إلى الزراعة
الجافة. فسقوط كميات إضافية من الأمطار في الربيع يترك آثاراً إيجابية
في إنتاج القمح والشعير، يضاف إلى كل هذا أن هناك اختلافاً في مقادير
ما يسقط من الأمطار شهرياً(30).
إذن مناخ العراق قاري وشبه صحراوي
متطرف بارد شتاءً حار جاف صيفاً، ممطر شتاءً، تؤثر فيه منظومات ضغطية
متطرفة (ضغط عال وضغط واطئ) من مصادر عدة، كما سبقت الإشارة.
..........................
(*)
العنوان الالكتروني :
witwitali@yahoo.com
الهوامش:
..................
(1) سليم
مطر: العراق وخصوصيات الموضع والموقع (مقالات في الهوية)، بغداد، صحيفة
الصباح، الثلاثاء، 20/ يناير/ 2004
(2)
موريس دوفرجيه: الأحزاب السياسية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، 1975، ص 27
(3) محمد
حسنين هيكل: كلام في السياسة، القاهرة، الشركة العربية للنشر العربي
والدولي، 1999، ص 35
(4) حنا
بطاطو: العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية،، الكتاب الأول،
من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية،
1990، ص 60
(5) متعب
مناف جاسم: التركيبة الاجتماعية في الأنبار وأثرها في بناء نمط الشخصية
السلوكية، (بحث غير منشور) قدم إلى المؤتمر العلمي الأول لجامعة
الأنبار (15/4/1992)، ص4
(6) علي
وتوت: الدولة والمجتمع في العراق المعاصر، دراسة تحليلية في سوسيولوجيا
المؤسسة السياسية في العراق (1921-2003، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)
مقدمة إلى قسم الاجتماع في كلية الآداب/ جامعة بغداد، 2004، ص 197
(7) Ann
Lambton, State and Government in Medieval Islam (Oxford, 1981),p.
212-213
(8) علي
الوردي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد، مطبعة العاني، 1965، ص
110
(9) راجع
مثلاً ردود فعل النظام البعثي والاتهامات العلنية في صفحات صحفه
الرسمية، والتي وجهها للعراقيين الشيعة خلال الانتفاضتين (ملاحظة
للباحث)
(10)
راجع خلال السنتين الأخيرتين فقط اتهامات الملك عبد الله ملك الأردن،
والملك عبد الله ملك السعوية والرئيس المصري حسني مبارك، هذا على مستوى
الحكومات، أما ردود الفعل الشعبية فتبدو واضحة للعيان في الاحتفالات
بمن يقتَل من المدنيين العراقيين في العمليات الإرهابية، وبتأبين قاتل
الشيعة الإرهابي المجرم الزرقاوي (ملاحظة للباحث)
(11)
عارف معروف: المضمون الاجتماعي للطائفية في العراق، موقع الكاتب
العراقي وفق الرابط:
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=39937
(13)
بحسب إحصاء عام 1997 الذي يقدر سكان العراق بـ (22) مليون نسمة مقارنة
بـ (7) ملايين نسمة حسب إحصاء عام 1957 (الجهاز المركزي للإحصاء،
بغداد، 1997)
(14)
يراجع بهذا الشأن تقرير منظمة اليونيسيف في الأمم المتحدة عن (الحالة
الصحية) في العراق، تقرير منشور في موقع المنظمة على شبكة الأنترنيت
بتاريخ 14/5/2001
(15) علي
وهب: المجتمعات البشرية والأنماط المعيشية والسلوكية، منهجية الجغرافيا
الاجتماعية، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1996، ص 257
(16)
بحسب إحصاء عام 1997 (الجهاز المركزي للإحصاء، بغداد، 1997)
(17)
يونس حمادي علي: مباديء علم الديموغرافيا، بغداد، جامعة بغداد، 1985، ص
241
(18)
نفسه، ص 242
(19)
غسان سلامة: المجتمع والدولة في المشرق العربي، بيروت، مركز دراسات
الوحدة العربية، ط 2،1999، ص 218
(20)
راجع مقالتنا الموسومة (انتهاك حقوق الإنسان في المدينة العراقية)،
المنشورة في صحيفة (الصباح) البغدادية يومي الثلاثاء 13-6-2006،
والثلاثاء 20-6-2006
(21)
غسان سلامة: المصدر السابق، ص 220
(22) علي
وتوت: بيئة الإنسان من منظور الثقافة والمجتمع، بغداد، بيت الحكمة،
دراسات اجتماعية (دورية)، العدد (12)، السنة الأولى، شتاء (1999)، ص127
(23)
Julius Guold and William L.Kolb (Edited by) , A Dictionary of The
Social Sciences, The Free Press, A Division of Macmillan Publishing
Co., Inc. New York, 1964., P. 215
(24)
http://www.iraqandiraqis.com/about_us.htm
(25)
حسين محمد عجيل: رحلة في التاريخ الطويل، جنيف، الإنساني (دورية) تصدر
عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، العدد (25)، 2003، ص 16
(26) طه
الهاشمي: المصدر السابق، ص 22
(27)
نفسه، ص67
(28)
عواطف مدلول: زائر مفاجئ اقتحم ابوابنا دون ان يطرقها، ما الذي يتحكم
بالتغييرات المناخية ؟ موقع صحيفة الصباح البغدادية وفق الرابط:
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=18198
(29)
موقع دار بابل للدراسات والإعلام، وفق الرابط:
http://www.darbabl.net/geographical.htm
(30 )
نفسه.
.........................
المصدر :
الحوار المتمدن - العدد: 1651 - 2006 / 8 / 23
من
الموقع :
http://swideg.jeeran.com/geography/archive/2010/5/1052317.html
|