|
السبت :
08/05/2010
أزمة
تقاسم المياه بين الدول على حوضي دجلة والفرات واثرها على البيئة
والتنمية الزراعية
علي خضر الساعدي

يشكل نهرا دجلة والفرات مصدرا
رئيسا للموارد المائية في العراق. وهما اساس نشوء الحضارة والحياة في
هذا البلد. فقد مارس العراقيون القدامى الزراعة بواسطة الري بطرق
مختلفة سواء كان ذلك سيحا من الانهار والجداول ام بالواسطة، وشقوا
الجداول وبنو السدود والخزانات والنواظم على الانهار لسقي مزروعاتهم.
ولنأخذ الان نبذة تاريخية عن الري في العراق. يعتمد العراق كليا على
مياه نهري دجلة والفرات الذين يعتبران المصدرين الاساسيين للموارد
المائية في العراق. لقد بدأت حضارات ما بين النهرين بتنمية الانهار منذ
(4000 سنة ق.م)
حيث نشأت عدة حضارات على ضفافهما،
ان وفرة المياه ووجود تربة زراعية خصبة قد وفر بيئة مناسبة لتطوير
الزراعة المروية. ويوجد في متاحف العراق شواهد اثرية تدل على نشوء
قوانين للمياه في بلاد ما بين النهرين في فترات مختلفة من تطور المراكز
الحضارية العريقة مثل: لاجاش (2360 ق.م) واور (2100 ق.م) وايسن
والسومريون في اور وذلك انهم كانوا يستخدمون انظمة ري بواسطة القنوات.
كما اسهم البابليون ايضا في تطوير المعرفة بالري واستخدامات المياه
وبين احد الالواح الاثرية (لوح اور البابلي) الحلول الممكنة لعدد من
المسائل المائية (السدود، الابار، الخنادق المائية) ويشتمل القانون
الشهير لحمورابي على تشريع مائي لتنظيم الري والحد من اضرار الفيضانات.
وقبل ان ندخل في جوهر الموضوع لابد ان نذكر بعض الشيء عن حوضي نهري
دجلة والفرات من المنبع الى المصب اكمالا للدارسة..
*نهر الفرات:
ينبع رافدا نهر الفرات (فرات صو
ومراد صو) من المرتفعات الجبلية في شرق تركيا ليكونان نهر الفرات عند
مدينة (كيبان) لمسافة (1176 كم) داخل الحدود التركية قرب مدينة طرابلس
ثم يدخل النهر الى سوريا لمسافة (604 كم) ويصب فيه رافدان من الجانب
الايسر هما البليخ والخابور وعند مدينة القائم يدخل النهر الاراضي
العراقية لمسافة (1160 كم) خلال الهضبة الغربية الى ان يدخل السهل
الرسوبي في مدينة الرمادي. وتتفرع منه في شمال الفلوجة.
وسدة الهندية مجموعة جداول الري من
الجانب الايسر منه (الصقلاوية، ابو غريب، اليوسفية، اللطيفية،
الاسكندرية) حين يبلغ اجمال طول النهر (2940 كم) وان معدل الجريان في
هذا النهر بحدود (31-32) مليار م3 ويبلغ معدل الجريان السنوي الطبيعي
له عند الحدود العراقية السورية هو (27,40) مليار م3. ونظرا لارتفاع
مناسيب النهر في هذه المنطقة فيقترب من نهر دجلة عند الفلوجة بمسافة
حوالي (40كم) وفي جنوب الهندية يتفرع الى شط الحلة وشط الهندية لتصل
المياه الى مدينة الحلة والديوانية لاغراض الري الزراعي ثم يتلاشى
النهر في الاراضي الزراعية جنوب الرميثة، ويتفرع شط الهندية الى فرعين
هما نهر الكوفة ونهر الشامية حيث يتم ارواء جميع الاراضي الزراعية على
حوض هذه الانهار وبعدها يلتقيان عند مدينة الشنافية ثم بعد ذلك ينفصلان
الى نهري العشان والسوير ويلتقيان شمال السماوة وثم باتجاه مدينة
الناصرية ثم يدخل هور الحمار لخمسة فروع صغيرة وهنا تكون مياه النهر
بعد اجتيازه هذه المسافة الطويلة قد استنفذت لاغراض الري والزراعة
وبسبب التبخر في فصل الصيف ويفقد القسم الاخر من مياهه في الاهوار
والمستنقعات وبعد خروجه من هور الحمار يلتقي مع نهر دجلة عند ناحية
كرمة علي.
*نهر دجلة:
ينبع نهر دجلة الذي يبلغ طوله
1900كم من المرتفعات الواقعة في جنوب شرقي تركيا ويتكون النهر من عدة
ينابيع وينحدر من المرتفعات المحيطة ببحيرة (كولجك) ويسمى دجلة الغربي
ومنبع شرقي يتكون من عدة روافد تنحدر من المرتفعات الجنوبية المحيطة
ببحيرة وان اسمه (بوتان صو) والاخر (بطمان صو) ومن التقاء هذين النهرين
يتكون نهر دجلة فينحدر نحو الجنوب الشرقي في الاراضي التركية لمسافة
(485 كم) وتكون نسبة 18% من طواله ويدخل الاراضي العراقية عند قرية
فيشخابور ويستمر حتى مضيق الفتحة الذي يفصل بين مرتفعات حمرين ومكحول
ثم الى قضاء بلد باتجاه سامراء ثم الى بغداد حين يقترب من محافظة الكوت
في اراضي زراعية سهلة تكثر فيه التعرجات وذلك بسبب انحدار الارض وكثرة
الكثبان الرملية وقلة جريان النهر وعند مدينة الكوت حيث تقوم سدة الكوت
يتفرع الى جدول الغراف والدجيل في جهته اليمنى. وبعدها يجري في اراضي
سهلة حتى مدينة العمارة ويتفرع منه من ضفته اليسرى جدول الكحلاء وجدول
المشرح من الضفة اليمنى جدول البتيرة والمجر الكبير. وبسبب هذه
التفرعات الكثيرة التي تأخذ مياهها منه وتصب في الاهوار في المنطقة
يصبح النهر ضيقا قليل المياه. وجنوب مدينة العزير يعود النهر فيتسع
ويختلف عن نهر الفرات بكثرة روافده التي تصب فيه ومن اشهرها:
1- الخابور: ينبع من الاراضي
التركية ويمر في مدينة زاخو ويصب في نهر دجلة عند الحدود العراقية.
2- الزاب الكبير: ينبع من الاراضي
التركية والايرانية ويلتقي بنهر دجلة عند اثار النمرود وبعد ان يمر في
المنطقة الجبلية. ويعتبر من اهم روافد دجلة اذ يسهم بحوالي 33% من مياه
دجلة.
3- الزاب الصغير: وينبع من الجبال
الايرانية ويمر عبر المنطقة الجبلية ويصب في نهر دجلة جنوب مدينة
الشرقاط.
4- العظيم: وتقع منابعه جميعها في
داخل العراق ومن اهم هذه المنابع (نهر خاصة صو) وهو الذي تقع عليه
مدينة كركوك. وهذا النهر فصلي في جريانه حيث تنقطع عنه المياه في فصل
الصيف ووقت الجفاف ويجري هذا الرافد بنفس المنطقة ليصب في نهر دجلة
جنوب مدينة بلد.
5-ديالى: وينبع من الاراضي
الايرانية والعراقية ثم يقطع الحدود نحو الجنوب الغربي الى ان يصب في
دجلة جنوب مدينة بغداد قرب قضاء المدائن (سلمان باك).
والان لابد ايضا من معرفة مشاريع
السيطرة والخزن المنجزة على مجرى نهري دجلة والفرات وهي:
1- مشروع الحبانية: يقع الى الجنوب
من مدينة الرمادي لغرض خزن (3,3 مليار م3) واعادة (2,7 مليار م3) الى
نهر الفرات في موسم الصيهود والجفاف ومن ثم التحكم به عن طريق سدة
الرمادي وناظم الورار على نهر الفرات. وتستفيد اراضي المنطقة الوسطى
والجنوبية من المياه العائدة في بحيرة الحبانية الى النهر صيفا عن طريق
ناظم الذبان. وتتصل بحيرة الحبانية في بحيرة الرزازة جنوبا عن طريق
جدول تحلية المجرة وتصرف المياه الزائدة عن طاقة الخزن بحيرة الحبانية
الى بحيرة الرزازة التي تتسع لخزن (26 مليار م3).
2- مشروع الثرثار: يقع على بعد 65
كم شمال غرب مدينة بغداد وهو اكبر المشاريع في السيطرة والخزن في
العراق وتتحول المياه اليه عن طريق سدة سامراء وناظم الثرثار وتصل سعة
الخزن الاجمالية بعد تطويره الى (85 مليار م3) وهو مصدر انقاذ مدينة
بغداد وباقي المدن من خطر الفيضان ويبلغ طوله (100 كم) وعرضه (40 كم)
وعندما كانت الحاجة ضرورية في خزن المياه في هذا المشروع تم شق قناة
الثرثار- الفرات بطول 37,5 كم بتصريف قدره (500م3/ثا) عام 1976 وتم شق
وانجاز قناة الثرثار- دجلة بطول 23,5 كم وبتصريف قدره (600 م3/ ثا) عام
1988 وقد اصبح التصريف العام للقناة حوالي (1100م3/ثا). وهما من
المشاريع المهمة في مجال السيطرة على خزن المياه.
3-مشروع دوكان: ويقع على رافد
الزاب الصغير وتبلغ سعة بحيرته في مقدمة السد 6,8 مليار م3. وهي لاتكفي
لارواء المساحة من الاراضي البالغة مليون دونم في سهل كركوك واربيل
والغرض منه السيطرة على الفيضان وتوليد الطاقة الكهربائية ومساحة
بحيرته (50 كم2).
4- مشروع دربندخان: يقع في اعلى
رافد نهر ديالى عند التقاء فرعيه سيروان وتانخرو على مسافة 60 كم جنوب
شرق السليمانية وتبلغ سعة بحيرته في مقدمة السد (3,25 مليار م3) وهي
تؤمن ارواء مساحة اراضي تقدر بحوالي 2 مليون دونم من الاراضي الزراعية
التي تقع حول ووسط النهر وجنوبه وكذلك لدفع خطر الفيضان وتوليد الطاقة
الكهربائية ومساحة بحيرة (121 كم2).
5- سد الموصل: ويقع هذا السد على
نهر دجلة شمال مدينة الموصل بحوالي 60 كم وتبلغ سعة الخزن فيه (11,11
مليار م3) والغرض منه الوقاية من خطر الفيضان واستغلال المياه المخزونة
فيه لارواء مساحة مليون دونم في منطقة الجزيرة وتوليد الطاقة وقد تم
انجازه عام 1986م ويبلغ طول خزانه 75كم من موقع السد لغاية الحدود
العراقية التركية وعرضه حوالي 10 كم ومساحة بحيرته 220كم2 ومساحة حوضه
(50200 كم2) عند اعلى مستوى ويقع على ارتفاع 330م فوق مستوى سطح البحر.
وهناك معلومات وردت في الفترة الاخيرة ان جدار هذا السد الكبير والمهم
بدأت تتشقق وان اسسه على وشك الانهيار بين لحظة واخرى مسببا حالة خطرة
في فيضان مدينة الموصل وبغداد.
ولكن الدولة وعلى لسان وزير
الموارد المائية قد كذب هذه الادعاءات الكاذبة والمغرضة والتي وراءها
حتما اهداف سياسية في خلق الهلع والفزع بين المواطنين وخاصة اهالي
مدينة بغداد. وقال ان السد لايمكن ان ينهار بهذه السهولة لا في الوقت
الحاضر ولا في المستقبل وطمأن المواطنين جميعا بان الوزارة مهتمة بهذا
السد الاروائي الكبير وذلك بتحشية السد المستمرة وخلال 24 ساعة بضخ
الاسمنت المقاوم الى اسس السد الجبسية والتي من خصائصها الاحتفاظ
بالماء. وهذا مما يؤثر بشكل ملحوظ على هبوط في جدار السد مما يجعل خط
انهياره محتملا. ولكن العمل مستمر ولاخوف على السد من السقوط مستقبلا.
وان الحكومة والوزارة على اتصال دائم مع الشركات العالمية من اجل ادامة
وصيانة هذا السد المهم وكذلك فانها تسعى الى ايجاد الوسائل البديلة
والمقترحة من اجل تقويم وادامة هذا السد نهائيا وبالتعاون مع المجلس
العالمي للخبراء.
6- سد حمرين: يقع على رافد ديالى
في بعقوبة على بعد 10 كم ومقدم السد ثابت. وتبلغ سعة الخزن فيه (2,45
مليار م3) لارواء الاراضي الزراعية في محافظة ديالى والوقاية من خطر
الفيضان وبمساحة سطحية تبلغ (337 كم2).
7- سد حديثه: يقع على نهر الفرات
في مدينة حديثة وبسعة خزن اولية قدرها (8,28 مليار م3) ويروي المساحة
المزروعة في حوض الفرات الاوسط والاسفل والوقاية من الفيضان.
8- سد العظيم: ويقع على نهر العظيم
وهو من المشاريع الاستراتيجية في السيطرة على الفيضان ويروي مساحة
زراعية على حوض النهر تقدر بالف دونم وتبلغ سعة الخزن فيه (1,5 مليون
م3) وهناك مشروع اخر قيد الانجاز (مشروع سد الفارس) يقع على نهر الزاب
الكبير في محافظة اربيل وتبلغ سعة الخزن فيه (14,4 مليار م3) ويروي
المساحات المزروعة على حوض الزاب ويؤمن المياه لارواء اراضي سهل مخمور
في اربيل.
9- سدة الهندية: تقع على شط الحلة
وتزود نهر الحسينية بالمياه في فصل الصيف وفي حالة تعرض هذه الاراضي
للجفاف وانخفاض منسوب المياه في فصل الصيف وتزود نهر الكفل وجدول
المسيب في الجانب الايسر ونهر الحسينية وبني حسن في الجانب الايمن وهي
تروي كل الاراضي الزراعية في قضاء الهندية.
10- سدة الكوت: وتقع على نهر دجلة
شمال مدينة الكوت وهي تزود جدول الغراف وجدول الدجيلة بالمياه في الضفة
اليمنى لنهر دجلة ولولا هذان النهران لتحولت هذه المنطقة الى صحراء
قاحلة ولنزح كبير من اهالي المنطقة مما يؤثر على السكان بصورة عامة في
محافظة واسط وذي قار.
11- سد ديالى: يقع على نهر ديالى
في منطقة المنصورية الجبل وهو يزود جميع الجداول الواقعة على حوض ديالى
الاسفل وقد تم تحويله الى سدة كونكريتية بعد ان كان سد غاطس في الماء
لغاية عام 1969م ومن اهم جداوله الخالص على الضفة اليمنى. والروز،
والمقدادية، وكنعان، وخراسان على الضفة اليسرى. ويروي حوالي ثلاثة
ارباع المناطق الزراعية وبساتين النخيل في محافظة ديالى. وهناك ظاهرة
طبيعية تتعلق بوجود هذين النهرين وهي ظاهرة الاهوار والمستنقعات في
جنوب العراق والتي تأخذ مياهها من نهري دجلة والفرات وتقدر مساحتها ما
بين (8000- 30000كم2) وتختلف مناسيب المياه في هذه الاهوار على سعتها
حسب مواسم الفيضان في الربيع واوائل الصيف حيث توجد منخفضات مائية على
شكل بحيرات وخزانات تغطي مساحة تقدر بحوالي 5370 كم2 وهي تتواجد في
محافظة البصرة وميسان وذي قار.
ولهذه الانهار اهمية بالغة فلولا
هذه الانهار لاصبح العراق صحراء قاحلة وبفضلها اصبح بلدنا زراعيا منذ
قرون طويلة ومازالت الزراعة تسهم بنصيب كبير في الانتاج القومي وتكوين
مصادر الطاقة الكهربائية عند السدود. ويعيش على ضفافها اعداد كبيرة من
السكان الذين يمتهنون الزراعة والرعي حيث العشب والماء وكثرة الثروة
السمكية التي هي الغذاء الرئيس لكل الساكنين في القرى الفلاحية هناك.
فاذا قامت الدولة او أي مصدر اخر من قطع هذه المياه او قلتها عن هذه
الروافد وهذه الاهوار باقامة السدود والخزانات عليها لحبس هذه المياه
من الجريان في النهر بشكل طبيعي والوصول الى هذه المناطق الزراعية فان
السكان يموتون جوعا مع ماشيتهم وزرعهم، ولايستطيع البقاء وقد يضطر الى
الهجرة الى مكان اخر او الى المدينة بعد ان يترك الزراعة من اجل العيش
وبهذا يكون ضرر عليه وعلى البلد الذي يحميه. وهذا مالا تستطيع ان تفعله
أي دولة في العالم من حرمان شعبها وخاصة مناطق الاهوار التي تسكنها
معظم القرى الفلاحية الذين يعيشون على الزراعة حيث تتوفر المياه طوال
ايام السنة. فعلا الدولة ان تقوم بتنظيم هذه الثروة الطبيعية من اجل
الشعب وهؤلاء المزارعين والفلاحين وان تعمل على بناء السدود والنواظم
التي تنظم وتسيطر على هذه المياه كي تصلهم في جميع فصول السنة ومن
ناحية اخرى سهول واسعة منبسطة ذات تربة خصبة تغري سكانها في مزاولة
النشاط الزراعي وتجري خلالها مياه نهري دجلة والفرات ولذلك كانت تلك
العوامل دافعا كبيرا للانسان في بلدنا في الاستفادة من هذه المياه فشق
الترع والجداول واوصل المياه الى هذه السهول الخصبة. ولما كانت مناسيب
المياه في نهري دجلة والفرات متباينة فهي مرتفعة مدمرة في موسم الفيضان
وعلى العكس في موسم الجفاف والصيهود حيث تصبح منخفضة قليلة المنسوب.
فقد انشأت السدود والخزانات لرفع المياه الى الاراضي وتوفيرها عند
الحاجة. اما في المناطق الجبلية والمتموجة فقد استفادة الفلاحون
والمزارعون من مياه الابار والعيون في عمليات ري مزروعاتهم الصيفية
والامطار في ري مزروعاتهم الشتوية.
وقد تأثرت ومنذ القديم في العراق
وعلى انهاره السدود التي توفر هذه المياه لمعظم اراضيه. وبحكم ما اصاب
العراق من غزوات وحروب اجنبية وفيضانات عالية كانت مشاريع الري والسدود
عرضة للاهمال والاندثار وكذلك بالنسبة للسياسات الهوجاء التي كانت
تتبعها تلك الانظمة في قهر المجتمع وخاصة المناطق الجنوبية لانها كانت
تخشى الثورة عليها من تلك المناطق فكانت مستمرة في حجب مثل هذه الثروة
الطبيعية من مصادرها. حتى ان بعضها قد درس واندثر واصبحت الارض جافة
قاحلة وغادرها حتى الطير. والدولة الان جادة وتعمل من اجل احياء واعادة
الحياة الى مثل هذه المناطق الجنوبية المحرومة ومن اجل انعاش الزراعة.
ان نسبة كبيرة من سكان العراق تعتمد في تأمين احتياجاتها من مياه الشرب
والزراعة على نهري دجلة والفرات وقد اظهرت الحسابات الغنية حصول نقص
مقداره (1 مليار م3) من واردات النهر سيؤدي الى تجميد وحجب مساحات
زراعية تقدر بحوالي (62500 هكتار) وان مجمل المساحات الزراعية التي
ستحرم من تجهيز المياه في العراق نتيجة انخفاض الوارد ستبلغ (696000
هكتار) من الاراضي المزروعة مما له انعكاس كبير على دخول الفلاحين
والمزارعين في المناطق الموجودة على حوضي النهرين وان ذلك سيدفع بهم
الى ترك مهنة الزراعة والهجرة الى المدن. كما انها ستزيد من اتساع وزحف
مساحات التصحر في العراق. وهذه الظاهرة اصبحت ملموسة لدينا هذه السنين
خاصة وان المشكلة لم تعالج بشكل الصحيح لحد الان. وبما ان وضع العراق
الجغرافي باعتباره دولة مصب يضعه في موقف حرج لانه يتأثر سلبا باجراءات
الدول الواقعة على مجرى نهري دجلة والفرات (تركيا وسوريا) وتؤثر تلك
الاجراءات بدرجة كبيرة على كمية الايرادات الواردة الى العراق ونوعية
تلك المياه والمقصود بتلك الاجراءات انشاء السدود الكبيرة والمشاريع
الاروائية واعادة المياه الراجعة جراء البزل والصرف الصحي الى النهر
مما يؤثر على النشاطات المختلفة الصحية والزراعية والبيئية.. لقد سعى
العراق منذ وقت مبكر مع الدول المتشاطئة (تركيا، وسوريا).
للدخول في مفاوضات ثلاثية بغية
التوصل الى اتفاق يضمن حصص البلدان الثلاثة تركيا وسوريا والعراق. في
مياه النهرين طبقا لقواعد القانون الدولي والاتفاقات الدولية الثنائية
ورغم ان المفاوضات قد بدأت في اوائل الستينيات الى انها لم تثمر عن
التوصل الى اتفاق يحدد حصة كل دولة من الدول المتشاطئة لحد الان خاصة
الجانب السوري فقد شكلت لجنة فنية مشتركة منذ عام 1980 بين العراق
وتركيا وسوريا وكان الهدف من هذه اللجنة هو التوصل الى قسمة عادلة
للمياه المشتركة الا ان اللجنة بعد ان عقدت ستة عشر اجتماعا توقفت عام
1992م دون التوصل الى نتيجة تذكر رغم جهود العراق والتي مازالت مستمرة
خاصة مع الجانب التركي الى حل يرضي جميع الاطراف ورغم الجهود المتكررة
لاستئناف عمل اللجنة الا انها لم تفقد أي اجتماع بعد ذلك التاريخ. ان
موقف العراق من المياه المشتركة يتلخص بالنقاط الاتية (ان دجلة والفرات
نهران دوليان طبقا لتعريف النهر الدولي المتفق عليه دوليا أي انه
المجرى المائي الذي تقع اجزاء منه في دول مختلفة. ان حوض نهر دجلة
والفرات هما حوضان منفصلان من خلال حدود هيدولوجية واضحة لكل منهما.
عليه ضرورة عقد اتفاق ثلاثي لقسمة عادلة ومعقولة للمياه كما ونوعا بين
الدول المتشاطئة من خلال الالتزام بأسس قسمة المياه بين هذه الدول
الواقعة على حوض النهر والانتفاع المنصف والمعقول والتي تستند الى
القانون والعرف الدوليين وبما يضمن الحقوق المكتسبة للمشاريع القائمة
في العراق. باعتبار العراق هو البلد الذي تمر به معظم اطوال هذين
النهرين فله الحق في استخدام هذا الفائض من المياه وعند دخوله الاراضي
العراقية. مع ضرورة الاحتفاظ والالتزام بالقواعد والاجراءات التي تتطلب
مستلزمات الحفاظ على البيئة النهرية وما يتبع ذلك من وجوب اتخاذ
اجراءات لمنع مكافحة التلوث في مياه النهرين جراء المشاريع الاروائية
والزراعية المختلفة. ومازال العراق يرفض بجعل فكرة اعتبار المياه
الدولية المشتركة سلعة اقتصادية لمخالفة ذلك لقواعد القانون الدولي.
فان تركيا مازالت مستمرة في تنفيذ مشاريع ضخمة على حوضي النهرين وان
مجلس الامن القومي التركي قد اوصى باسراع في اتمام وانجاز كل السدود
المفترض انشاؤها على نهر دجلة والفرات واعتبار عام 2023 موعدا لانجازها
ومن المشاريع التي باشرت تركيا في انشائها ضمن مشروع (الكاب) من دون
اعلام الجانب العراقي بذلك وهو مشروع سد (اليسو) على نهر دجلة خلافا
للقانون والعرف الدولي الذي يقضي بقيام دول اعالي مجرى النهر باشعار
دول اسفل النهر بأية نشاطات تقوم بها يمكن ان يكون لها اثر ضار ذو شأن
على دول اخرى من قبل المجرى المائي.
ان استمرار تركيا في تنفيذها
للمشاريع على مياه النهرين قبل التوصل الى اتفاق بشأن قسمة المياه
سيؤدي الى الاضرار بالسكان والبيئة في العراق نتيجة النقص الحاصل في
كمية المياه وتردي نوعيتها بسبب تلوث المياه العائدة الى النهر جراء
زيادة ملوحتها نتيجة تصريف مياه البزل واحتوائها على مواد كيمياوية
بسبب استخدام الاسمدة الزراعية. فان من المواضيع المطلوب طرحها في
الوقت الحاضر لمواجهة هذه المشكلة وحلها هو تفعيل عمل اللجنة الفنية
للمياه الدولية المشتركة بين (العراق وتركيا وسوريا) من اجل الاسراع في
التوصل الى قسمة عادلة للمياه كما ونوعا بين الدول المتشاطئة على
الحوضين. فهناك تأثير للمشاريع التركية على العراق فنرى ان تركيا قامت
خلال الثلاثة عقود الاخيرة بتنفيذ مشروع جنوب شرق الاناضول (مشروع
الكاب) الذي يعتبر من المشروعات الكبيرة لتنمية واستعمال نهري دجلة
والفرات في الجزء التركي. ويشمل المشروع انشاء 22 سدا و19 محطة
كهرومائية. وبعض السدود الصغيرة والتي تتغذى من حوض النهر لارواء مساحة
تقدر بـ(2,276 مليون هكتار).
ويعتبر هذا المشروع في المشاريع
الاقتصادية والسياسية. حيث ستتأثر كميات المياه الواردة الى العراق في
هذا النهر بشكل كبير عند اكمال مخطط انشاء السدود التخزينية والمشاريع
الاروائية في تركيا وخاصة بعد اصرار تركيا على تنفيذ مشروع سد اليسو
وسد (جزرة) الذين سيتحكمان في تحديد كميات المياه المطلقة الى العراق
وهذا بحد ذاته تجاوز على حصة العراق وخلاف القانون الدولي. فعند قيام
تركيا بتنفيذ سد اليسو سيؤدي في السنوات الجافة الى تقليص المياه
المتدفقة بشكل حاد وخاصة بعد اكمال منظومه هذا السد (سد اليسو-جزرة)
حيث سيتم تحويل كل المياه الى اراضي هذا المشرع قبل عبورها الى الحدود
الدولية (التركية- العراقية) وسيؤدي الى تخريب البيئة العراقية وحرمان
الكثير من السكان القاطنين على النهر من امدادات مياه الشرب. ان انشاء
السد سوف يقلل الموجات الفيضانية القليلة والمعتدلة الا انه لايقلل
ذروات الفيضان العالية وهذا سيؤثر على سلامة امن المنشآت المدنية
والسكان المنتشرين على طوال اسفل مجر النهر وعلى النمط الطبيعي لجريان
مياه النهر، وقد قامت تركيا باستكمال انشاء العديد من السدود الكبيرة
والصغيرة واهمها (كيبان، قره قابا، اتاتورك، بيرجيك، قرقامش) على مجرى
نهر الفرات ومشاريع اروائية ضمن مشروع الكاب ويبلغ مجموع المساحات
المرورية من نهر الفرات ضمن هذا المشروع (1091203) هكتار وخارج الكاب
(556000) هكتار والاحتياج المائي السنوي لهذه المساحات هو (15,145
مليار م3/سنة). ونتيجة هذه المشاريع فان كمية المياه المتوقع وصولها
عند الحدود العراقية- السورية سوف تنخفض بشكل حاد بحيث تصل الى (8,22)
مليار م3/سنة. وتهدف تركيا من تنفيذ مشروع الكاب الى اجراء تغيير
ديمقراطي للسكان في المنطقة وانشاء تجمعات سكانية جديدة وجلب ايد عاملة
لاستثمار هذه المشاريع الاروائية ولها انعكاسات سلبية حيث تؤدي الى
زيادة التلوث والملوحة في نهري دجلة والفرات وهي بحاجة الى وجود مبازل
للحد من هذه الظاهرة. وان زيادة النشاط البشري ورمي المخلفات الثقيلة
من الاستهلاك المدني والصناعة يؤدي الى مزيد من التلوث لانحطاط مستوى
النهر وقلة الجريان سوف تؤدي الى هلاك الحياة المائية نتيجة لانعدام
الاوكسجين الذائب وكذلك الحال بالنسبة الى المجرى الرئيس. اما بالنسبة
الى العراق فقد قام بالفترة الاخيرة بتنفيذ بعض المشاريع الجديدة مثل
مشروع (الخازر كومل) على نهر الخازر في محافظة نينوى ويتكون من سدين
الاول هو سد (باكرمان) ويقع على نفس النهر والذي هو احد روافد نهر
الزاب الكبير بارتفاع (112م) وطول (363م) وبحجم خزن كلي مقداره (490
مليون م3) ويبلغ منسوب قمة السد (577م) وبفتحة تفريغ تصرف (48م3/ثا)
والسد الثاني يقع في مؤخرة السد الاول بمسافة 27 كم ويكون بارتفاع 20 م
وبطول 820 م وبحجم خزن كلي مقداره (5,5 مليون م3) وبه 8 بوابات بتصريف
(500م3/ثا) ويبلغ ارتفاع قمة السد (364م) وتبلغ طاقة الخزن فيه الى
خمسة اضعاف السد الاولي (27م/م3) ونحن جادون ومستمرون في التفاوض مع
الجانب التركي والسوري ولكن هناك ضعف في جانب الاتصالات مع الجانب
الايراني لان الجارة ايران في نيتها انشاء (13) سدا على الانهار
والروافد التي تنبع من اراضيها وتصب في نهر دجلة كما انها راحت في
الفترة الاخيرة تقوم بحرف مجاري هذه الانهار والروافد الصغيرة وجعلها
تصب داخل الاراضي الايرانية مما حرم المناطق المحيطة بهذه الانهار
لاغراض ري المزروعات على جانبي الانهار وكل هذه الانهار تغذي نهر دجلة
وهي مشتركة بيننا مع ايران مثل: حمرين، ديالى، سيروان، الكارون الكرخة.
فجميع السكان في تلك المناطق يعتمدون بالدرجة الاولى على هذه الانهار
القادمة من ايران. والجميع يعلم ان هذه المناطق قد تأثرت بشكل كبير
ونحن لن نستطيع ان نعيد هذه المياه من دون موافقة ايران. وعلى هذا
الاساس نحن نطلب من دول الجوار مراعاة القسمة العادلة والمشروعة للعراق
في المستقبل لان مصيرنا مربوط معهم وان يكون هناك تنسيق مباشر معهم
بشأن اخذ موافقتنا على هذه المشاريع او على الاقل اعلامنا بها قبل
الشروع بها لكي يأخذ العراق احتياطاته، وبخصوص الخطط التشغيلية. فان
مسألة الحصص المائية يعتبرها البعض مشكلة، لكن الحقيقة اننا لانسميها
مشكلة لان الواقع الجغرافي العراقي يضعنا امام حقيقة واحدة وهي ان
العراق مرتبط من ناحية الموارد المائية بدول عدة ومصادر المياه الرئيسة
التي تزود نهري دجلة والفرات بالدرجة الاساس هي من تركيا وهناك عدد من
الروافد لنهر دجلة هي من ايران واي عملية او تصرف منفرد او مشروع يقام
كالسدود والبحيرات على النهر وتوسيع اراضي زراعية في تركيا او سوريا او
على روافد في ايران لها تأثير مباشر على الحصص البائية الداخلية الى
العراق. ويوجد لدينا اكثر من 30 فرعا او رافدا موسمي وغير موسمي مشترك
مع ايران وكلها تغذي نهر دجلة والمناطق المحاذية لايران، وهناك نية
مبيتة لدى ايران بانشاء 13 سدا على هذه الروافد مما يؤثر ويجعل نسب
المياه المتدفقة في هذه الانهار والروافد فيكون تأثير ذلك اشد على
توفير المياه لسقي المزروعات على حافتي الانهار الصغيرة ولا يصل من هذه
المياه إلا القليل لتصب في نهر دجلة .. وبسبب اهمال مشاريع المياه
لفترة طويلة اكثر من 40 عاما كان استغلال هذه المياه غير صحيح لعدم
وجود ترميم وطرق فنية . اما الآن فالحكومة العراقية جادة في اعادة
اعمار وتطوير هذه المشاريع واعداد الخطط لتحسين ادارة الموارد المائية
بشكل افضل لذا يجب على مجلس النواب مطالبة برلمانات العالم في ضمان حصص
العراق المائية من ناحية الكمية والنوعية فتوفير المياه لا يقل اهمية
عن توفير الامان كما على الدولة العراقية انشاء عدد من السدود
والخزانات للمحافظة على نوعية المياه وعدم هدرهما ليكون لنا الحق في
مطالبة الدول المتشاطئة معنا في مصادر المياه بكمية المياه وعذوبتها
لغرض الشرب وارواء جميع المزروعات من اجل إنعاش التنمية الزراعية .
………………
ملحوظة :
مصادر الدراسة تمت بالتعاون مع وزارة الموارد المائية - مديرية السدود
والخزانات - وزارة النقل - المديرية العامة للموانئ العراقية - شركة
الرافدين لبناء السدود .
.........................
المصدر :
من الموقع :
http://taakhinews.org/?p=29070
|