الحضارية «جغرافية العراق»

 الإثنين : 06/07/2009

 

مياهنا الجوفية.. الخزين الطبيعي

  

 

سهيل ياسين

 

قدرت بمليارات الأمتار المكعبة

تعد المياه الجوفية موردا من مواردنا المائية البالغة الاهمية ومصدرا مهما من مصادر الثروة في بلادنا وخزينا طبيعيا يمكن الاستفادة منه في العملية الانمائية البشرية والاقتصادية، وان اجمالي هذه الثروة يقدر بحدود ملياري متر مكعب ووجود خزان مائي جوفي هائل في المنطقة الشمالية ومنطقة الجزيرة الغربية من العراق، قدر بنحو 200 مليار متر مكعب وتغذيته السنوية تصل الى 1447 مليون متر مكعب، بحسب بعض الدراسات الجيولوجية الحديثة

وبغض النظر عن تباين هذه التقديرات لدى هذه الدراسة وتلك تبقى المياه الجوفية في العراق رافدا حيويا في مواجهة نقص المياه السطحية وحرب المياه والتلاعب في مناسيبها وخسارات العراق المتكررة من مياه نهري دجلة والفرات التي تبلغ درجات مخيفة على الاخص في السنوات الاخيرة، الامر الذي ترك اثرا سلبيا على القطاع الزراعي مستقبله وتحول مساحات كبيرة من الاراضي الى مناطق قاحلة ومستويات مقلقة تنذر بمستقبل مخيف اذا ما عولجت بخطط علمية وستراتيجية شاملة حيث تشير بعض الدراسات وعلى الاخص ما عرض على موقع اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة التصحر على الانترنت ان اكثر من 90% من الاراضي العراقية معرضة للتصحر.

خمسة أقاليم

استخدم العراقيون منذ القدم المياه الجوفية فضلا عن مياه الانهار او مياه دجلة والفرات حيث تم حفر اول بئر بتقنيات حفر الابار منذ اكثر من سبعين سنة وتحديدا في العام 1935 الذي كان منطلقا لسلسلة من الانجازات والاعمال في هذا المجال المتمثلة باعداد هائلة من الابار المحفورة حاليا ويدويا التي بلغت اكثر من 50 الف بئر.

وقسم المتخصصون نوعيات المياه الجوفية في العراق الى خمسة اقاليم على اساس التكوين الجيولوجي في مقدمتها اقليم الجبال اذ تتواجد فيها المياه الجوفية في طبقات الحصى والرمل العائد الى عصور سحيقة واهم الاحواض في هذا الاقليم هي رانية، قلعة شهرزور، بنجوين وزاخو، اما الاقليم الثاني فهو اقليم الهضاب والتلال ويعد من اهم الاقاليم من ناحية امكانية استثمار المياه الجوفية فيه اذ تمثل الطبقات الحاملة للمياه من افضل الطبقات واهم الاحواض هي اربيل، التون كوبري، عقرة، ربيعة، شمال سنجار، وحوض نهر الوند، والاقليم الثالث هو السهل الرسوبي ويقع هذا الاقليم بين الفرات من الغرب والحدود الايرانية العراقية من الشرق وشمال بغداد من الشمال والخليج العربي من الجنوب، وليس للاقليم اهمية من ناحية الاستثمار وينطبق هذا الوصف على الاقاليم الاربعة واقليم سهل الجزيرة اما الاقليم الرابع فهو اقليم الصحراء وهو عبارة عن اراض منبسطة، والتقييم النوعي للمياه الجوفية متباين نظرا لتقسيمات الاقاليم وثمة علاقة بين نوعية المياه وبين اعماقها فكلما ازدادت اعماق المياه الجوفية نتج عنها نوعيات جيدة، فالمياه المستخرجة من عمق 15- 30 مترا تكون مياه ضحلة والمستخرجة من عمق 90- 150 مترا تكون جيدة نوعا ما اما المستخرجة من عمق 250 مترا فما فوق فهي نوعيات جيدة ومن هذه النوعية توجد بالقرب من الحدود السورية.

آبار متنوعة ولكن!

قسم بعض الدارسين الابار المحفورة في العراق على اساس الانتفاع والاهمية في مقدمتها ابار النفع العام التي تشمل الابار المحفورة في الصحراء لاغراض ارواء الماشية وهناك ابار محفورة حول المدن لغرض ري الاحزمة الخضراء وانشاء الغابات على الطرق العامة، ومجمل هذه الابار لم تتم رعايتها من قبل النظام السابق اذ بيع قسم منها في فترة التسعينيات واهمل الباقي بعد ان هدرت اموال كثيرة في اصلاحها الذي لم يكتب له النجاح بفعل الفساد، وثمة ابار حفرت لارواء الاراضي الزراعية وهي قريبة من المدن وهذه تكون اكثر نفعا لاشراف اصحابها عليها بشكل مباشر، اما الابار السطحية فهي التي يتم حفرها بواسطة الايدي العاملة حيث تشكلت الفرق في القطاع الخاص وازدهر النشاط في هذا المجال، وقد تراجعت مجمل الانشطة الخاصة بانتاج الابار وان وجدت فان الكثير منها وعلى الاخص المنتجة عفويا اصبحت مستنقعات آسنة في ظل غياب التخطيط العلمي وقلة الدعم المالي للمشاريع المتصلة بحفر الابار، ما يتطلب ايجاد سبل متقدمة وناجحة في عمليات احتساب كميات المياه الجوفية ووضع تصور يقترب من حدود الدقة لوضع نظام متوازن بين الاستهلاك المبرمج وكمية الخزين المتاح.

تحديات ومشكلات

واجهت المياه الجوفية العراقية منذ اوائل الثمانينيات والعقود اللاحقة مشكلة بالغة الخطورة الا وهي تلوث هذه الثروة الطبيعية المهمة من جراء الحروب التي شنها النظام المباد، حيث تم استخدام اسلحة محرمة دوليا ما تركت اثارا خطيرة وكارثية على البيئة والانسان والمياه، ستمتد الى سنين طويلة وستخلق دون ادنى شك نتائج غير محمودة وسلبية، اذا ما اهملت من دون دراسة مبكرة تضع الحلول الفورية والسريعة للمشكلة، والكشف عن مسببات التلوث باعتماد الاساليب العلمية الحديثة، وتحديد اضرار التلوث على السكان والزراعة واتخاذ التدابير للحد من تأثيراته وجوانبه السلبية فضلا عن ذلك ثمة عوامل اخرى اساسية في تلوث المياه الجوفية هي المخلفات الصناعية بفعل الانشطة الصناعية وكذلك بعض النشاطات المنزلية والتجارية وان جاء هذا ثانويا لكنه بشكل وآخر يعد مصدرا من مصادر التلوث.

ويرى الخبراء وجود نوعين من المعالجات لملوثات المياه الجوفية، النوع الاول معالجته تقتضي زمنا طويلا الى جانب مبالغ مادية كبيرة، وفي هذه الحالة لا يستعيد الخزان المائي حالته الطبيعية وبذلك يكون الماء غير صالح للشرب كما هو الحال في التلوث الاشعاع النووي، اما النوع الاخر فالملوثات القابلة للمعالجة وغالبا ما تكون من انواع البكتيريا المرضية او عناصر معدنية ثقيلة ذات نسب عالية السمية للاستخدامات البشرية كما يدعو المتخصصون الدوائر المعنية وفي مقدمتها الموارد المائية والاقسام المتخصصة في الجامعات والمعاهد العراقية لدراسة موضوع المياه الجوفية ومشكلاتها التي تأتي قضية التلوث في مقدمتها، ووضع تصور عريض ودقيق لحالة الابار المحفورة سابقا ومعرفة عائديتها وبالتالي اتخاذ القرارات المناسبة والاجراءات اللازمة بهذا الجانب، ولابد من وضع تصور مبدئي لخارطة انتشار المياه الجوفية ومعرفة مصادر تموينها وتحديد حركتها وضرورة وضع اسس جديدة يكون الاطار العام هو الصرامة في وضع شروط حفر ابار جديدة من قبل القطاع العام او الخاص.

مصدر جذب للاستثمار

اذا كان هناك من يقلل من اهمية المياه الجوفية بوصفها بديلا عن المياه السطحية في سد النقص الحاصل، ولا تتعدى اسهامها نسبة محدودة لا تزيد عن 10%. فان ذلك لا يلغي اهميتها في مجال الاستثمار في مصانع الالبان والاعلاف والصناعات الانشائية وغيرها من المجالات الاخرى واذا ما تحقق ذلك الاستثمار، في مناطق غرب وشرق وشمال العراق التي تتوزع فيها المياه الجوفية فان هذه المناطق بطبيعتها ستشهد حراكا حيويا في الفعاليات الصناعية والتجارية وتسهم بطبيعة الحال في تشغيل العديد من الايدي العاملة ما يحقق ذلك عموما نموا اقتصاديا يساعد بشكل وآخر في رفد وتفعيل مستويات الحياة المعاشية والحصول على نتائج ايجابية عن طريق القطاع الخاص والاستثمار الاجنبي.

خبرات وحلول

فيما لو توفرت خطط علمية ومدروسة للنهوض بمشاريع المياه الجوفية التي تشكل دون شك رافدا مكملا للمياه السطحية واتباع السبل العلمية لحفظ المياه بانواعها من الضياع والاستخدام الصحيح، نكون بذلك قد حققنا مستوى عاليا من الارتقاء والتسريع بعمليات التنمية العامة ولعل الحفاظ على المياه بانواعها يتمثل بمظاهر مختلفة منها استخدام المياه بشكل اقتصادي عبر وسائل سقي حديثة وتقليل نسبة المياه الغائرة من خلال تبطين السواقي بمواد عازلة واتباع الطريقة الكنتورية وانشاء المصاطب في المناطق الجبلية والنظر الى اهمية عمليات حفظ التربة من التعرية التي تؤدي الى حفظ المياه والاستفادة من المياه الجوفية التي تتطلب مسوحات ودراسات حول كمية ونوعية المياه الجوفية ومستواها في مختلف مناطق العراق، من اجل الاستفادة منها لجميع الاغراض الاقتصادية والترفيهية فان الدلائل تشير الى ان العراق سيواجه سنوات جفاف تشح فيها المياه تنعكس سلبا على سكان العراق واقتصاده ما يستدعي الامر الى المباشرة الفورية بوضع حلول وخطط ستراتيجية طويلة الامد، عن طريق الخبرات المختلفة في مجالات التربة والجيولوجيا والزراعة والبيئة وغيرها من الامكانات العلمية المقتدرة العراقية الى جانب الخبرات الاجنبية المتقدمة في هذا المجال.

  

 

........................
المصدر : من الموقع :

http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=85164