الحضارية «جغرافية العراق»

الاثنين: 23/06/2008


وضع البيئة في العراق

هاشم نعمة

مدخل
تميزت العقود الأخيرة بالتدهور الحاد في مكونات البيئة الطبيعية كتلوث الهواء والماء والتربة وزيادة مستوى الضوضاء، خصوصاً في المدن، وتراكم أنواع كثيرة من الفضلات على مساحات واسعة، وتنامي الاستعمال لكثير من الموارد الطبيعية، وانقراض بعض أصناف الحيوانات والنباتات، وانجراف التربة إضافة إلى أشكال أخرى من تحطيم التوازن الطبيعي.
رغم أن مشاكل البيئة والنتائج المترتبة عليها لا تكون متطابقة في كل البلدان، إذ لكل حالة خاصة ملامحها المميزة، إلا أنها باتت تنال جميع بلدان المعمورة، فمثلا حرق أبار النفط في الكويت الذي أقدم عليه النظام العراقي المنهار في 1991م والذي كان أكبر كارثة نفطية في التاريخ لم تقتصر تأثيراته الضارة في الكويت والدول المجاورة؛ إذ شملت دائرة يصل محيطها إلى مدينة موسكو وأثرت في المناخ والطقس. فمثلا انحباس الأمطار في اليمن كان من نتائجها. فكميات النفط المحترقة والمتدفقة ـ تكونت 300 بحيرة نفطية داخلية ـ بلغت 4.6 مليون برميل في اليوم وتعادل استيراد الولايات المتحدة يوميا حينذاك من النفط. إذ كانت الحرارة الناتجة من الحرائق تعادل 86 مليار واط وكان غاز ثاني اوكسيد الكربون المنبعث 1.9 مليون طن متري في اليوم يساوي 2% من الانبعاث العالمي لهذا الغاز من احتراق الوقود الحفري والكتلة العضوية وانبعاث 20000 طن متري من غاز ثاني اوكسيد الكبريت. كذلك نتجت كميات كبيرة من السخام والنفط غير المحترق على شكل غبار نفطي والذي انتقل إلى مناطق بعيدة. واستخدام الأسلحة المتطورة التي يدخل في تصنيعها اليورانيوم المنضب في حرب الخليج الثانية في 1991م والثالثة في 2003م باتت أبعاده الخطيرة تتضح في تلويث الهواء والماء والتربة ومن ثم تعريضها السكان إلى شتى الأمراض الفتاكة. ولم تقتصر تأثيرات ذلك على مسرح العمليات العسكرية، فمثلا تلوث أنهار العراق يساهم في انتقال الملوثات إلى الخليج العربي ثم إلى خليج عمان والمحيط الهندي وباقي المحيطات. وساهم قصف المفاعلات المحملة بالوقود النووي في تلوث حتى المناطق القريبة المكتظة بالسكان. كذلك تخزين واستخدام وإتلاف أسلحة الدمار الشامل العراقية أدى إلى تلوث التربة والمياه والأغذية. عموماً فقد ارتفعت نسبة الملوثات في العراق 11 مرة مقارنة بعام 1987 بسبب الحروب واستخدام الأسلحة الكيميائية وتجفيف الاهوار حسب وزير البيئة العراقي. بالطبع تأثيرات ذلك لابد أن تنتقل إلى المناطق المحيطة بالعراق على أقل تقدير.
اختلاف التوازن الديناميكي
التأثيرات الخطرة الناتجة عن النشاطات البشرية واضحة في معظم مكونات البيئة كالغلاف الحيوي والجوي، والمائي وأجزاء من الغلاف الصخري، مما يعني أن التناقض بين المجتمع والطبيعة أصبح حاداً وخطراً، فنشاطات الإنسان التحويلية (مثل استعمال الموارد الطبيعية، وتعريف وتصريف المخلفات، وتغيير المظهر، الطبيعي للأرض وخلق أنظمة بيئية جديدة... الخ) تتعارض مع تنظيم التوازن الديناميكي. وقد ينتج عنها تغيرات خطيرة في الأنظمة الطبيعية لا يمكن إلغاؤها محليا وعالميا. ويؤثر ذلك على سيرة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.
تتميز المرحلة الحالية بانبثاق مظاهر جديدة لمشاكل البيئة، سواء تلك التي لم تكن موجودة، أو التي كانت مستترة، مما زاد من مشاكل مكونات البيئة بشكل يتعذر قياسه أو الحد منه، وفرض بالتالي وضعية اجتماعية ـ سياسية ذات بعد عالمي، ذلك إن التأثيرات الضارة لنشاطات الإنسان كانت قبل وقت قريب محصورة في الحياة البرية، والغطاء النباتي، والمظهر الطبيعي، خلافاً للوقت الحاضر حيث أصبح التلوث البيئي المكثف، واستنزاف الموارد الطبيعية أيضاً جزءاً من مكونات الصورة التي نعيشها اليوم.
وبالإضافة إلى التلوث البيئي، (الذي يخص البيئة الطبيعية والمراكز السكنية والصناعية) والمستويات العالية من التلوث البايولوجي (الفضلات العضوية) ثمة أيضاً زايدة حادة في التلوث الكيميائي والفيزيائي، إذ يشمل الإنتاج الصناعي على عشرات الآلاف من المواد الكيميائية، وتضاف إليها سنويا مئات أخرى جديدة التي يؤدي انتاجها واستعمالها إلى زيادة حدة التلوث. وهناك تأكيدات على خطر التلوث الفيزيائي مثل ارتفاع الحرارة (من ادفأ سنوات المائة سنة الأخيرة: 1980، 1981، 1983، 1987، 1988، 1990) والضوضاء والإشعاع والتلوث الكهرومغناطيسي.
تغير المناخ سوف تكون له تأثيرات هامة على البيئة. فهناك سيناريو يتوقع ارتفاع حرارة الأرض 5.8 درجة مئوية في القرن الحالي بسبب التلوث وهو معدل لم تصل إليه خلال 10000 سنة الماضية. ويتوقع ارتفاع مستوى مياه البحار نصف متر في سنة 2100 نتيجة لذوبان المياه المتجمدة وهو أكبر من الزيادة خلال القرن الماضي. فقد حذر علماء سويسريون في دراسة نشرت في نهاية عام 2003م بأن التغير في المناخ يهدد مناطق التزحلق على الجليد في أوروبا وشمال أمريكا واستراليا وإن مستوى الثلوج في مناطق رياضة الشتاء في أوروبا سوف ينخفض بشكل حاد في الثلاثين أو الخمسين سنة القادمة. نتائج ارتفاع مياه البحر سوف تمثل في زيادة الفيضانات وتعرية السواحل وارتفاع ملوحة الطبقات الصخرية المائية والأنهار وفقدان الأراضي الزراعية الساحلية ونزوح السكان وغيرها. وإذا حدث ذلك فسوف يكون العراق من بين الدول التي تتأثر به.
تلوث الموارد الطبيعية
يتأثر عدد من الموارد الطبيعية خصوصاً بالتلوث. فمثلاً، يزيد انبعاث الدخان الصناعي والغازات من حموضة التربة من خلال تساقط ما يسمى بالمطر الحامضي، إضافة إلى ارتفاع الحموضة في الأنهار وخزانات المياه العذبة، وتسبب هذه الأمطار أضرار كبيرة في الدول الصناعية خصوصاً في كندا وبولندا والدول الاسكندنافية. ففي أوربا تعاني 60% من الغابات التجارية من ترسبات الكبريت. وفي السويد أصيبت 20000 بحيرة من مجموع 90000 بالتحمض إلى حد ما. وفي كندا تحمضت 48000 بحيرة. وأصبح المطر تحمضت 48000 بحيرة. وأصبح المطر الحامضي أيضاً مشكلة كبيرة في الدول النامية مثل في جنوب ـ شرق الصين والشمال ـ شرق الهند وكوريا الجنوبية وتايلاند. كذلك تصريف الفضلات السائلة نحو الأنظمة المائية ينتج عنه تلوث المياه العذبة وتقليل التنوع البايولوجي (الاحيائي) في الأنهار والبحيرات والبحار. ففي الدول النامية تصرف 90-95% من مياه المجاري و 70% من المخلفات الصناعية إلى المياه السطحية دون معالجتها. وفي العراق ينذر تلوث المياه بالخطر فالملوحة تتزايد ففي بغداد ارتفعت 42% وفي الموصل 20% في 1967-1979م وفي شط العرب عند السيبة 13.5% في 1996ـ2000م. نتج هذا من الأسباب التالية: إقامة السدود والخزانات على نهري دجلة وفرات في العراق وتركيا وسوريا التي تؤثر على كمية ونوعية الأملاح. تقدم مياه الخليج العربي المالحة في شط العرب نتيجة قلة مياهه. صرف مياه المعامل ومشاريع التصنيع العسكري في عهد النظام السابق إلى الأنهار دون معالجتها كيمياويا لضعف الرقابة وإهمالها إن وجدت. قلة معالجة مجاري المدن التي تصرف إلى الأنهار. صرف مياه البزل المالحة إلى الأنهار.

جدول رقم (1)
تركز الملوثات في أنهار دجلة والفرات وشط العرب لعام 2001 (ملغم/لتر)

العنصر

دجلة قبل الملتقى

الفرات قبل الملتقى

ملتقى النهرين

التركيز في سط العرب بعد الملتقى«الشافي»

الحامضيةPH

8

7.98

8.10

 8.00

التوصل الكهربائي

2410

1970

2610

3140
العكارة 47.0 36.3 44.3 35.0
العسرة الكلية 510 570 520 610
عسرة الكالسيوم 190 220 200 240
عسرة المغنيسيوم 123 119 125 123
الكلورايد 606 789 691 846
الكبريتات 319 280 348 464
السيليكات 16.09 15.5 16.9 99
المواد الصلبة الذائبةT.D.S 1620 2000 1800 2200
الحديد 2.64 1.31 2.15 1.17

المصدر: وزارة الصحة، قسم حماية وتحسين البيئة، البصرة، بيانات غير منشورة، 2001م، نقلاً عن د. كاظم عبد الوهاب حسن وبشرى رمضان ياسين، مجلة البحوث الجغرافية، جامعة الكوفة، العدد الرابع، 2002م، جدول (2): 97.
يتضح من الجدول رقم (1) إن تركز الملوثات في نهري دجلة والفرات قبل الملتقى فوق الحدود المسموح بها وهذا يعني إن شط العرب يحصل على مياه ملوثة أصلاً قبل أن تلعب البيئة الجغرافية المحيطة به بزيادة تركزها.

جدول رقم (2)
كمية المياه الثقيلة المطروحة في شط العرب من أقضية البصرة وإيران.

الوحدات الإدارية كمية مياه الصرف الصحي «لتر/ يوم»(1)
القرنة 27635760
البصرة 148691340(2)
شط العرب 15196500
ابو الخصيب 24138180
الفاو 278820
الأحواز «إيران» 571680000

المصدر: د. كاظم عبد الوهاب حسن وبشرى رمضان ياسين، نفس المصدر، جدول(6): 102.
يبلغ عدد العراقيين الذين تصرف مياههم الثقيلة إلى شط العرب 1199670 نسمة بمعدل تصريف 215940600 لتر/يوم بينما يبلغ عدد سكان الأحواز 3176000 نسمة بمعدل 571680000 لتر/يوم. جدول رقم(2) وهذه المياه تحتوي على ملوثات بايولوجية وكيميائية وملوثات صلبة تصرف مباشرة إلى النهر دون معالجتها سوى لـ 59476653 لتر/يوم لمدينة البصرة.
انعكست أثار التلوث على مختلف الكائنات الحية فقد أشارت دراسة إلى أن تركز العناصر الثقيلة في عضلات الأسماك في شط العرب تجاوز بكثير الحدود المسموح بها عالمياً؛ إذ يصل المنغنيز إلى أكثر من سبعة أضعاف والكروم خمسة وأربعين ضعفا والرصاص ستة أضعاف. جدول رقم(3).

جدول رقم (3)
تركز العناصر الثقيلة في عضلات الأسماك في شط العرب (مايروغرام/غرام)

العنصر كادميوم خارصين كروم منغنيز نيكل رصاص فناديوم
شط العرب 0.10 13.0 4.5 7.3 4.1 3.0 1.7
المقياس العالمي 0.10 8.0 0.10 1.0 7.8 0.46 1.0

المصدر AL – Saad H.T. and others: نقلاً عن د. كاظم عبد الوهاب حسن وبشرى رمضان ياسين،نفس المصدر، الجدول (12): 117.
وعلى مستوى العالم يُضعف تلوث الهواء بالفريون Freon مواد هدروكاربونية مشبعة يدخل في تركيبها الفلور والكلور وهي إما أن تكون على شكل غازات أو سوائل عديمة اللون والرائحة) والكاربوهدرات من طبقة الأوزون التي تعمل على الوقاية من الإشعاع فوق البنفسجي. ويؤثر ذلك على صحة الإنسان بالأخص تزايد الإصابة بالسرطان وأمراض العيون. باختصار، يؤدي التلوث إلى تدهور إعادة الإنتاج الطبيعي لكثير من الموارد المتجددة مثل الهواء، والماء، والنبات، والحيوان.
 

الهوامش
ـــــ
(1) حسبت الكمية بضرب عدد السكان في 180(معدل تصريف الفرد للمياه الثقيلة في المحافظة).
(2) يتم تصفية 40% من هذه الكمية قبل طرحها إلى شط العرب في محطة تصفية المياه الثقيلة في حمدان.

المصدر: مجلة «ميزوبوتاميا»، العدد: 10، تشرين 2006.