|
الأربعاء: 18/05/2011
المستشرقون وكتابة التاريخ الإسلامي
إ. ليفي
بروفنسال نموذجاً
الدكتور عبد
القادر بوباية(*)

مقدمة
يرجع تاريخ الاستشراق في بعض
البلدان الأوربية إلى القرن الثالث عشر الميلادي. وربما كانت هناك
محاولات فردية قبل ذلك، غير أن المصادر التي بين أيدينا لا تلقي الضوء
الكافي على الموضوع، ويكاد المؤرخون يجمعون على أن الاستشراق قد انتشر
في أوربا بصفة جدية بعد »الإصلاح الديني«. إن السبب الرئيس
لظهور الاستشراق سبب ديني بالدرجة الأولى. فقد تركت الحروب الصليبية في
نفوس الأوربيين ما تركت من آثار مُرّة وعميقة. وجاءت حركة الإصلاح
الديني المسيحي، فشعر المسيحيون بحاجات ضاغطة لإعادة النظر في شروح
كتبهم الدينية. ومن هنا اتجهوا إلى الدراسات العربية الإسلامية، لأنها
كانت ضرورية لفهم هذه الشروح على أساس التطورات الجديدة؛ كما أن رغبة
المسيحيين في التبشير بدينهم بين المسلمين جعلهم يقبلون على الاستشراق
ليتسنى لهم تجهيز المبشرين، وإرسالهم إلى العالم الإسلامي. ولذلك قام
الاستشراق في أول أمره على أكتاف المبشرين والرهبان.
ومما لا شك فيه أن المستشرقين، بغض
النظر عن كل الانتقادات الموضوعية الموجهة إليهم، قد أدَّوا دوراً
كبيراً في إحياء عدد هام من كتب التراث الإسلامي، وبالتالي حفظوها من
الضياع. وبذلك وفروا للمهتمين بدراسة هذه الكتب المادة الأولية التي
تسمح لهم بإنجاز بحوثهم ودراساتهم.
لقد كان للمستشرقين دور هام في نشر
التراث التاريخي والأدبي لبلاد الغرب الإسلامي، ومن هؤلاء المستشرق
الفرنسي ليفي بروفنسال الذي نشر عدداً كبيراً من المصادر التاريخية
والأدبية الهامة المتعلقة بهذا الجزء من العالم الإسلامي. وسأعمل من
خلال هذه المقالة على التعريف به، وإبراز دوره في عملية إحياء تراث
الغرب الإسلامي، إضافة إلى تبيان النقائص والأخطاء الواردة في طيات
الكتب التي نشرها.
التعريف بشخصية إ. ليفي بروفنسال
ولد إيفارست ليفي بروفنسال
بالجزائر العاصمة سنة 1894 م، وتلقى تعليمه الثانوي بمدينة قسنطينة، ثم
عاد إلى العاصمة والتحق بكلية الآداب التي تعرّف فيها إلى الأستاذ
جيروم كَرْكُوبينو الذي حبّب إليه علم التاريخ ودراسة الآثار والنقوش،
والأستاذ روني باصي الذي شجعه على التعمق في دراسة اللغة العربية
والاعتناء بالببليوغرافية العربية، وبخاصة المخطوطات. وقد نال شهادة
الليسانس في سنة 1913 م([1]).
اشترك في الحرب العالمية الأولى،
وجرح في معركة الدردنيل، فنقل إلى مصر ومنها إلى فرنسا، فالمغرب الأقصى
حيث عيّن ضابطاً في الشؤون الإسلامية. وفي سنة 1919 م، انتدبه
الماريشال ليوطي للعمل في معهد الدراسات العليا المغربية بالرباط؛ كما
عين أستاذاً بنفس المعهد سنة 1920 م، ثم مديراً له فيما بين عامي 1925
و1935 م. وفي تلك الأثناء تقدم برسالة لنيل شهادة دكتوراه موضوعها
"مؤرخو الشرفاء"، وتتمتها "نصوص الأوارغة العربية"، وهي عبارة عن بحث
مخصص للغة جبالة القاطنة شمالي المغرب([2])، وكان ذلك في سنة 1922 م
بالجزائر العاصمة.
إن موضوع الرسالة والأبحاث التي
انكبّ عليها لإنجاز هذا العمل هي التي أكسبته حنكة التقصي والنقد
والتحليل، والتدرب على تقدير محتوى المخطوطات العربية([3]). وعلى أثر
ذلك، وجهته وزارة التعليم الفرنسية إلى مكتبة الإسكوريال سنة 1923 م،
وكلفته بوضع قائمة ما بها من مخطوطات، والتي تعود في معظمها إلى خزانة
السلطان زيدان التي كان قد استولى عليها الإسبان في عرض البحر، فمكنه
عمله هذا من الاتصال بعدد كبير من المستشرقين الإسبان، ومعرفة ما نشروه
من دراسات، إضافة إلى العثور على مخطوطات قيِّمة تتعلق بتاريخ العدوتين
الأدبي والاجتماعي. وبفضل هذه المهمة، شاهد أيضاً ما تزخر به بلاد
الأندلس من آثار الحضارة الإسلامية. ومنذ تلك الزيارة أخذ يتردد على
هذه البلاد، ويتجول في مختلف مناطقها، ويواصل عملية البحث والتنقيب عن
محتويات خزائنها([4]).
في سنة 1927 م، انتدبته كلية
الآداب الجزائرية أستاذاً لتدريس تاريخ العرب والحضارة الإسلامية، فقسم
وقته بين الرباط والجزائر، ثم بينها وبين معهد الدراسات الإسلامية في
السوربون (باريس) حيث كان يدرّس تاريخ العرب وكتاباتهم. وفي سنة 1935
م، استعفي من مهمة إدارة معهد الرباط؛ فتفرّغ للتدريس والتأليف. وفي
سنة 1938 م، وجّهت له جامعة القاهرة دعوة لزيارتها، وعين أستاذاً
زائراً بها؛ كما عينته إدارة الجامعة في اللجنة المكلفة بتحقيق كتاب
"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لابن بسام الشنتريني([5]).
وفي سنة 1939، جُنِّد في القيادة
العليا لشمالي أفريقيا، وفي السنة الموالية أحالته حكومة فيشي إلى
المعاش. وفور انتهاء الحرب العالمية الثانية، ألحقه وزير التربية
الفرنسية بديوانه؛ كما عُين في نفس السنة، أي عام 1945 م، أستاذاً
للعربية والحضارة الإسلامية بجامعة باريس، ووكيلاً لمعهد الدراسات
السامية في الجامعة نفسها، مع العلم أنه كان حتى عام 1939 م مديراً
للطبعة الفرنسية لدائرة المعارف الإسلامية([6])؛ كما أنشأ مجلة
"أرابيكا" للدراسات العربية سنة 1945 م.
نال ليفي بروفنسال مقابل جهوده في
العمل الاستشراقي أوسمة رفيعة؛ كما عين في عضوية جمعيات عديدة، منها
المجمع الإسباني والجمعية الملكية الآسيوية البريطانية؛ كما كان يعتبر
المرجع الأول لتاريخ الأندلس في الغرب.
لقد كانت حياة ليفي بروفنسال كلها
حركة دائبة منتجة، ورحلات متواصلة للتنقيب والتحقيق، أو للنشر
والتأليف، أو للتدريس والتوجيه، أو للمشاركة في الندوات العلمية
والمؤتمرات الاستشراقية([7]). وكانت وفاته في غشت من سنة 1956 م([8]).
آثار ليفي بروفنسال ومؤلفاته
الكتب التي أشرف على تحقيقها
ونشرها أو شارك في تصحيحها:
1 - "المسند الصحيح الحسن في مآثر
مولانا الحسن" لابن مرزوق الخطيب. ويتناول سيرة السلطان أبي الحسن
المريني([9]). ونشر في باريس عام 1925 م.
2 - "الجامع الصحيح" لأبي عبد الله
البخاري عن نسخة بخط أبي عمران موسى بن سعادة الأندلسي الذي وضعه في
مرسية سنة 492 هـ، ونشر بمطبعة قوثنر سنة 1927 م.
3 - "آداب الحسبة" لأبي عبد الله
محمد السقطي المالقي بمساعدة كولان، ونشر في باريس سنة 1931 م.
4 - "نبذ تاريخية في أخبار البربر
في القرون الوسطى"، منتخبة من كتاب "مفاخر البربر" لمؤلف مجهول، ونشر
بالرباط سنة 1934 م.
5 - كتاب "صلة الصلة" - القسم
الأخير - لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، نزيل غرناطة،
والتي ذيّل بها على كتاب "الصلة" لابن بشكوال، وأضاف لها مجموعة ضخمة
من تراجم الأندلسيين والطارئين عليها من الغرباء، ونشر عام 1938 م
بالرباط([10]).
6 - "صفة جزيرة الأندلس في العصور
الوسطى" عن كتاب "الروض المعطار في خبر الأقطار" لابن عبد المنعم
الحميري المتوفَّى عام 726 هـ/ 1326 م، وهو يذكر فيه المدن والقرى وما
إليها في قارات الدنيا المعروفة في عصره([11]). ويعتبر ليفي بروفنسال
أول من عثر عليه، ونشر عام 1939 م بمكتبة ليدن.
7 - سبع وثلاثون رسالة موحدية
رسمية، وقد نشرها في الرباط عام 1941 م تحت عنوان "مجموعة رسائل موحدية
من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية"، وهي موزعة كما يلي: ثلاث وعشرون رسالة
صادرة عن عبد المؤمن، وثلاث رسائل عن يوسف ابنه، وتسعة عن يعقوب
المنصور، واثنتان عن محمد الناصر، نشرها مترجمة إلى الفرنسية في باريس
سنة 1942 م([12]).
8 - كتاب "المرقبة العليا فيمن
يستحق القضاء والفتيا" لمؤلفه علي بن عبد الله النباهي المالقي، وهو
يتألف من بابين: أولهما في ولاية القضاء وما يتعلق بها، بينما يتناول
الباب الثاني سير مجموعة من القضاة. ويتضمن الكتاب بضعة ومئة ترجمة
تتعلق بقضاة من الأندلس وبلاد المغرب وغيرها. وقد نشر هذا الكتاب في
دار الكاتب المصري سنة 1948 م([13]).
9 - كتاب "أعمال الأعلام فيمن بويع
قبل الاحتلام من ملوك الإسلام" لمحمد بن عبد الله بن سعيد السلماني
الغرناطي المعروف بلسان الدين بن الخطيب الذي رتبه على ثلاثة أقسام.
وقد نشر ليفي بروفنسال القسم الثاني منه، ويتعلق بدول الأندلس
الإسلامية مع موجز لتاريخ دول إسبانيا المسيحية، سنة 1934 م
بالرباط([14]).
10 - كتاب "آداب الحسبة" لابن
عبدون. وقد نشره تحت عنوان »إشبيلية المسلمة في مطلع القرن 12 م« في
المجلة الأسيوية، ثم منفرداً سنة 1934 م.
11 - مذكرات عبد الله آخر ملوك بني
زيري بغرناطة، واسمه الكامل: "التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني
زيري في غرناطة". وقد دونها آخر ملوك الطوائف بغرناطة، وهو عبد الله بن
بلقين بن باديس الصنهاجي الذي اعتلى عرش غرناطة من عام 469 هـ/ 1077 م
إلى عام 483 هـ/ 1090 م، وهو تاريخ عزله عن ملكه، ونفيه إلى مدينة
أغمات حيث توفي([15]).
نشر ليفي بروفنسال قطعاً من
المخطوط في مجلة "الأندلس" (العدد 3، صص. 265 - 344) سنة 1935 م مع
ترجمة فرنسية وبعض الهوامش. وفي عام 1955 م نشر النص العربي، وأضاف
إليه مقطوعات أخرى عثر عليها فيما بعد في مدينة القاهرة([16]).
12 - "أخبار المهدي بن تومرت
وبداية دولة الموحدين" مع نبذ من "مختصر كتاب الأنساب في معرفة
الأصحاب" المعروف بـ"المقتبس" لمؤلفه أبي بكر علي الصنهاجي المكنى
بالبيدق. وقد نشره ليفي بروفنسال في باريس عام 1928 م([17]).
13 - كتاب "نسب قريش" لعبد الله بن
مصعب بن الزبير، وقد نشره في مصر عام 1958 م بدار المعارف.
14 - "جمهرة أنساب العرب" لمؤلفه
علي بن أحمد بن سعيد القرطبي الشهير بابن حزم، وقد نشره عام 1948 م
بمصر (دار المعارف).
15 - كتاب "رايات المبرّزين وغايات
المميّزين" لابن سعيد المغربي، وقد انتقاه المؤلف من كتاب له باسم
"المغرب في شعراء المغرب"، وصنفه في قسمين: الأول في شعراء الأندلس وما
إليها، والثاني في شعراء العدوة([18]). وقد نشره إيميليو قارثيا قوميث
عام 1942 م في مدريد.
16 - "البيان المغرب في أخبار
الأندلس والمغرب" لمؤلفه ابن عذاري، وهو أحمد بن محمد المراكشي. وقد
أعاد ليفي بروفنسال وكولان نشر الجزء الأول "تاريخ إفريقية من الفتح
الإسلامي إلى القرن الرابع الهجري" في ليدن سنة 1948 م، ونشر الجزء
الثاني "تاريخ الأندلس من الفتح إلى القرن الرابع الهجري" سنة 1951 م.
أما الجزء الثالث، فقد طبع في باريس بعنوان "تاريخ الأندلس من حين
انقراض الدولة الأموية إلى آخر ملوك الطوائف" سنة 1930 م بتحقيق ليفي
بروفنسال الذي أضاف إليه قطعة موضوعية مبتورة الطرفين ومجهولة
المؤلف([19]).
17 - وصف الأندلس لمؤلفه أبي بكر
أحمد بن موسى الرازي الذي يعتبر أول من وضع وصفاً جغرافياً لشبه جزيرة
إيبيريا. وبذلك يعتبر مؤسس علم الجغرافيا في إسبانيا الإسلامية (ولد
سنة 274 هـ، وتوفي سنة 344 هـ).
استطاع ليفي بروفنسال أن يتحقق من
غالبية مواد النسخة الأصلية الواردة في الكتب الجغرافية التي صنفها
الكتاب العرب بعد القرب العاشر الميلادي؛ كما نجح في إعادة بناء النسخة
الأصلية، وقام بترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وذلك في مجلة "الأندلس"
سنة 1953 م([20]).
18 - كتاب "الذخيرة في محاسن أهل
الجزيرة" لأبي علي بن بسّام الشنتريني المتوفى سنة 542 هـ والذي خصّص
كتابه لأدباء عصره، حيث لم يذكر إلا من أدركه بنفسه أو أدركه بعض
معاصريه. ويعتبر كتابه أوفى مرجع لمعرفة حياة أدباء الأندلس في تلك
الفترة، فضلاً عما احتواه الكتاب من أخبار تاريخية نقلها عن مؤرخ
الأندلس ابن حيان. وقد شارك ليفي بروفنسال ضمن لجنة الترجمة والتأليف
التي شكلتها جامعة فؤاد الأول بالقاهرة في نشر الأجزاء الثلاثة من هذا
المصدر الهام، وذلك بداية من 1939 م([21]).
19 - كما نشر المستشرق الفرنسي
نصوصاً مقتبسة من كتاب "المقتبس" لابن حيان في مجلة "أرابيكا" مع ترجمة
فرنسية لها، وذلك في الجزء الأول الصادر عام 1954 م([22]).
الكتب التي ألفها أو أعاد نشرها:
1 - "مؤرخو الشرفاء"، وهو عبارة عن
دراسة للأدب التاريخي والسير في المغرب الأقصى من القرن السادس عشر إلى
القرن العشرين. وتقع هذه الدراسة في 470 صفحة، ونشرها في باريس سنة
1922 م.
2 - إعادة نشر كتاب "تاريخ
المسلمين في إسبانيا" الذي ألفه رينهارت دوزي مع تنقيح وترتيب معلومات
الأجزاء الثلاثة التي يتكون منها الكتاب، وذلك في عام 1932 م بليدن.
3 - "إسبانيا المسلمة في القرن
العاشر الميلادي" (272 صفحة، القاهرة، 1938 م).
4 - "الحضارة العربية في إسبانيا"
(205 صفحة، القاهرة، 1938 م).
5 - "تاريخ إسبانيا الإسلامية"
(الجزء الأول، من الفتح إلى سقوط الخلافة، القاهرة، 1944 م).
6 - "تاريخ إسبانيا الإسلامية"
(الجزء الثاني، الخلافة الأموية في قرطبة، باريس، 1950 م).
7 - "خلافة قرطبة: المؤسسات
والحياة الاجتماعية والدينية والثقافية" (نشره مجمع التاريخ الملكي،
مدريد، 1950 م).
8 - "محاضرات عن إسبانيا
الإسلامية" ألقاها في كلية الآداب في سنتي 1947-1948 م، القاهرة، 1951
م.
9 - "تاريخ إسبانيا الإسلامية"
(الجزء الثالث).
10 - "الإسلام في المغرب والأندلس:
دراسات في تاريخ العصر الوسيط" (باريس، 1948).
11 - »سياسة عبد الرحمن الناصر
الأفريقية«، مجلة "الأندلس" (ج 9، 1946 م).
فهارس المخطوطات:
1 - "فهرس المخطوطات العربية"
المحفوظة بالخزانة العامة (الرباط): القسم الأول ووصف فيه 455 مخطوط،
باريس 1921 م.
2 - "التقويم التاريخي لمطبوعات
فاس" بمساعدة الأستاذ محمد بن شنب، الجزائر، 1922 م.
3 - "المخطوطات العربية في مكتبة
الإسكوريال"، الجزء الثالث، ويتعلق بكتب الفقه والجغرافيا والتاريخ في
330 صفحة، باريس 1927 م.
ويضاف إلى كل ما سبق ذكره، ما نشره
الأستاذ ليفي بروفنسال من النقد والتعريف في المجلة "الإفريقية"،
ومجلات "هسبريس" و"أرابيكا"، وما نشره من المقالات في "دائرة المعارف
الإسلامية"، وفي المجلات المختلفة، والتي تتعلق بالتاريخ السياسي
والأدبي والاجتماعي.
يعتبر ليفي بروفنسال من أكثر
المستشرقين اهتماماً بالتراث الأدبي والتاريخي لبلاد الغرب الإسلامي،
وبخاصة بلاد الأندلس. ومن خلال ما قام بنشره وتحقيقه من مصادر تاريخية
وجغرافية وأدبية، وما قام بتأليفه من كتب ودراسات مسّت التاريخ
الأندلسي خاصة، والمغربي عامة، يتبيَّن مدى الجهد الذي قام به في سبيل
إخراج المصادر التاريخية الهامة المتعلقة بهذا الجزء من العالم
الإسلامي إلى الوجود.
إن إلقاء نظرة على المصادر التي
نشرها وحققها المستشرق الفرنسي تبين تلك الأهمية. فكتاب "البيان المغرب
في أخبار الأندلس والمغرب" لابن عذاري الماركشي يعتبر من أهم مصادر
تاريخ الغرب الإسلامي، لما يتضمنه من معلومات ذات قيمة تاريخية كبيرة
أغلبها مقتبس من مصنفات عبثت بها أيادي الدهر، ولم تصل إلينا مثل كتاب
الرقيق القيرواني والوراق وغيرهما. ولهذا السبب جاء الكتاب حافلاً
بمعلومات تاريخية وجغرافية قيمة ينفرد بها عن غيره من المؤرخين، والشيء
نفسه يمكن قوله بخصوص كتاب لسان الدين بن الخطيب الموسوم بـ"أعمال
الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام" والذي هو عبارة عن
تاريخ عام للأندلس من الفتح الإسلامي حتى عصر المؤلف، أي حتى القرن
الثامن الهجري. وقد أضاف إليه ابن الخطيب جزءاً مختصراً لتاريخ الممالك
المسيحية مثل قشتالة وأرغون والبرتغال. وبذلك فهو يعتبر أول تاريخ شامل
لبلاد الأندلس([23]).
نفس القول ينطبق على الجزء الكبير
الذي انتخبه من كتاب "مفاخر البربر" الذي يورد صاحبه المجهول معلومات
ينفرد بها عن أي مصدر آخر معروف، فيستمدها من تحرياته الخاصة، أو من
كتب ضائعة يثبت شذرات منها([24]).
كما أن كتاب "وصف الأندلس" لأحمد
الرازي يكتسي أهمية خاصة. ذلك بأن هذا المؤلف يعتبر أول وصف جغرافي
لشبه جزيرة إيبيريا، ولذلك يعتمد عليه كل الجغرافيين الذين جاءوا بعده
مثل الحميري وأبي عبيد البكري وغيرهم.
ويعتبر كتاب "الذخيرة في محاسن أهل
الجزيرة" الذي شارك ليفي بروفنسال ضمن لجنة الترجمة والنشر في تحقيق
أجزاء منه، موسوعة أدبية وتاريخية تضمنت تراث القرن الخامس الهجري/
الحادي عشر الميلادي، وهي الفترة العلمية المزدهرة التي جمعت بين عصري
الخلافة الأموية وعصر ملوك الطوائف. ولما كان ابن بسام الشنتريني -
مؤلفها - أديباً وليس مؤرخاً، فقد اعتمد في الجزء التاريخي من كتابه
على ما كتبه المؤرخ الأندلسي العظيم ابن حيان في كتاب "المتين" الذي
يعتبر في عداد المصادر التاريخية الهامة المفقودة. وبذلك، فقد حفظ لنا
ابن بسام الكثير من هذا الكتاب الضائع.
هذا بإيجاز ما يمكن قوله بشأن
المصادر التاريخية التي »حققها« ليفي بروفنسال مع إبداء تحفظ على مفهوم
كلمة »تحقيق« عند هذا المستشرق. فهي ليست التحقيق العلمي الذي يتطلب
خطوات معينة من دونها يصبح العمل مجرد نشر فقط، وهذا ما سأحاول إثباته
من خلال عنصر لاحق في هذا البحث.
أفادنا ليفي بروفنسال أيضاً من
خلال الفهارس التي وضعها لمكتبات هامة مثل الخزانة العامة بالرباط،
ومكتبة الإسكوريال بمدريد حيث جرد فيها أسماء المصادر الموجودة، وهو
الأمر الذي يسهل مهمة الباحث؛ إذ يوفر عليه مشقة البحث عنها في الخزائن
المنتشرة هنا وهناك. وبالرجوع إلى هذه الفهارس، يمكنه التوجه مباشرة
إلى مراكز وجود هذه المظان، وبالتالي الاطلاع على أمهات المصادر
المتعلقة بتاريخ المغرب والأندلس.
منهج ليفي بروفنسال في التحقيق:
بهدف التعريف بمنهج المستشرق
الفرنسي في مجال التحقيق، سأورد نموذجين لأعماله. يتعلق الأول بالجزء
الذي نشره من كتاب "مفاخر البربر"؛ أما الثاني، فيخص كتاب "أعمال
الأعلام".
¯ "مفاخر البربر": قام الأستاذ
ليفي بروفنسال بنشر جزء كبير من كتاب "مفاخر البربر" لمؤلف مجهول - كان
بقيد الحياة عام 712 هـ - تحت عنوان "نبذ تاريخية في أخبار البربر في
القرون الوسطى"، وصدر الكتاب عن المطبعة الجديدة بالرباط سنة 1352 هـ/
1934 م، وتقع نشرة المستشرق الفرنسي في مئة صفحة: اثنتان وثمانون صفحة
منها تتضمن النبذ التاريخية المختارة من المخطوط؛ أما بقية النشرة (أي
19 صفحة)، فتتضمن الفهارس. ويتألف ما نشره بروفنسال من المحاور
التالية:
- مقدمة مؤلّف "مفاخر البربر" (ص.
1-2)؛
- ذكر أخبار المنصور بن أبي عامر
مع البربر (صص. 3-37)؛
- ذكر بعض أخبار زيري بن عطية
المغراوي وابنه المعز (صص. 37-42)؛
- ذكر ثوار المغرب ورؤسائه وبعض
ملوكه (صص. 43-60)؛
- ذكر الفقهاء والأعلام من البربر
(صص. 60-78)؛
- ذكر البربر بجزيرة الأندلس
(صص. 78 - 80)؛
- ذكر ولاة لمتونة بالأندلس (صص.
81-82).
أما بقية النشرة، فتشتمل على
الفهارس العامة.
من خلال مقارنة ما نشره الأستاذ
ليفي بروفنسال بالمخطوط الموجود بالخزانة العامة (الرباط)، يتبين أنه
لم ينشره كاملاً، إذ أغفل الكثير من الفصول والأبواب التي تكتسي أهمية
بالغة، لأنها تمس جوانب هامة من تاريخ البربر. ومما لم ينشره المستشرق
الفرنسي:
1. قصيدة شرف الدين البوصيري
المتعلقة بمدح الشيخ أبي مدين شعيب، والكثير من شيوخ الصوفية في بلاد
المغرب والمشرق، وتتألف من تسعة وخمسين بيتاً، ويقول في مطلعها:
قفا بي على الجرعاء من جانب الغرب
ففيه حبيب لي يهيم به القلب
قريب إلى سرّي بعيـــد مرامــه
جنيت به وجداً على البعد والقرب
إذا ما هبّت النكبـــاء في ترب
داره تعطّرت الأكوان من ذلك الترب
وتستغرق هذه القصيدة الورقات من
101 إلى 104 من المخطوط ك 1275.
2. فصل في ذكر سبق البربر وفخرهم
والحدود الجغرافية لبلاد المغرب، وتستغرق الورقات من 104 إلى 107.
3. يتوقف المستشرق الفرنسي في ما
نشره عند الورقة 107 من المخطوط. وبذلك فهو يبتر المؤلَّف من اثنتي عشر
ورقة. وتحتوي هذه الأوراق على معلومات قيمة تتعلق بأنساب البربر،
والأحاديث النبوية التي تبرز فخرهم ومكانتهم العالية، وأخبار فتح عقبة
بن نافع لبلاد المغرب، وبنائه لمدينة القيروان، وأخبار الأدارسة بعد
وفاة إدريس الأكبر، وأخبار نسب بني عبد المؤمن، وحكام الدولة الموحدية،
والأحاديث المتعلقة بالمهدي الذي بشر به الرسول r، وأبرز من تلقّب به.
ما يلاحظ أيضاً على نشرة ليفي
بروفنسال، إضافة إلى ما ذكر سابقاً، أنه لم يقارن المخطوط الذي نشر
جزءاً منه([25])بالمجموع الثاني الذي كان موجوداً بالخزانة الكتانية
بفاس قبل أن ينقل إلى الخزانة العامة بالرباط([26])؛ كما أنه نشر هذا
الجزء دون دراسة وتحقيق، حيث لا يوجد أي هامش في كتاب "نبذ تاريخية في
أخبار البربر في القرون الوسطى". ولذلك جاءت هذه النشرة مليئة
بالأخطاء، ومنها على سبيل المثال:
أ - الأخطاء الإملائية واللغوية:
- لظهور الطاغية هناك عن أهله (ص.
12)، وفي المخطوط: »لظهور الطاغية هناك على أهله« (ورقة 64 من النسخة ك
1275).
- أباحها على الاقتطاع (ص. 14)،
وفي المخطوط: »وأباحها على ما افتتحاه« (ورقة 65).
- وأنه متى نكث بالذمة منه بريء
(ص. 14)، وفي المخطوط: »وإنه متى نكث فالذمة منه بريئة« (ورقة 65).
- ثاب له في غزوهم رأي قدر (ص.
15)، وفي المخطوط: »ثاب له في غزوهم رأياً« (ورقة 65).
- فإن انكسرت، أطبقوا عليك؛ فعسى
تخلصك (ص. 18)، وفي المخطوط: »فعسر تخلصك« (ورقة 65).
- فلما دخل لمودعه (ص. 18)، وفي
المخطوط: »فلما دخل ليودعه« (ورقة 68).
- لتسد به ثغور الأندلس (ص. 13)،
وفي المخطوط: »لتشد به ثغور الأندلس« (ورقة 65).
- بأحد الحسنيين (ص. 13)، وفي
المخطوط: »بإحدى الحسنيين« (ورقة 65)([27]).
ب - الأخطاء العلمية:
- أحمد عند ليفي (ص. 5)، وفي
المخطوط: »أحمد بن أبي بكر« (الورقة 60).
- ملتفة بالأندلس (ص. 7)، وفي
المخطوط: »ملتفة بالأندلسي، وهو جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي«
(الورقة 61).
- الوزير يحيى التجيبـي (ص. 9)،
وفي المخطوط: »الوزير يحيى بن محمد بن هاشم التجيبـي« (الورقة 62).
- بزار بن معد (ص. 15)، وفي
المخطوط: »نزار بن معد« (الورقة 66).
هذه بعض الأخطاء التي أحصيتها بعد
مقارنة ثمان عشرة صفحة من الكتاب الذي نشره ليفي بروفنسال، وما يقابلها
في المخطوط "ك 1275" (عشر ورقات فقط).
¯ كتاب "أعمال الأعلام فيمن بويع
قبل الاحتلام من ملوك الإسلام"([28]): الذي ألفه لسان الدين بن الخطيب،
وقام ليفي بروفنسال بتحقيقه والتعليق عليه. ولكننا بتصفحه لا نلاحظ فيه
لا تحقيقاً ولا تعليقاً، وإنما مجرد نشر لكتاب، إذ يكتفي المستشرق
الفرنسي في المقدمة بذكر من وصف هذا الكتاب أو نشر جزءاً منه مثل ما
فعل كل من المستشرقين كوديرا ف. وفانيان إ. وملشور أنطونيا، ثم يورد
نبذة موجزة جدّاً عن مؤلف الكتاب لا تزيد عن عشرين سطراً. وفي نهاية
المقدمة، يذكر النسخة التي اعتمد عليها في عمله، وهي النسخة الموجودة
بمكتبة جامع القرويين بفاس؛ كما يذكر النسخ الأخرى لهذا الكتاب،
والموجودة بالجزائر وتونس ومدريد (المقدمة كلها تحتوي على خمس صفحات)،
ثم ينتقل مباشرة إلى متن المخطوط، ويقتصر في عمله أيضاً على نشر ما جاء
في النسخة التي اعتمد عليها دون تحقيق للأعلام البشرية والجغرافية وما
أكثرها، حيث لا نجد في الكتاب كله - ويحتوي على 338 صفحة - إلا اثنين
وثلاثين هامشاً، أغلبها عبارة عن الإحالات إلى المصادر التي يوجد فيها
نفس الكلام، ويتعلق الأمر خاصة بالأبيات الشعرية الموجودة في الكتاب.
خاتمة
إن المستشرق ليفي بروفنسال قد ساهم
بقسط وافر في عملية نشر التراث التاريخي والأدبي لبلاد المغرب
الإسلامي. ومع ذلك، فقد جاء ما نشره مشوهاً نظراً لعدم قيامه بتحقيق
هذا التراث تحقيقاً علمياً، والذي من دونه لا يمكن الاستفادة من كتب
التراث. ولذلك كله، وجب علينا إعادة النظر في ما نشره المستشرقون، ولا
يمكن أن يتم ذلك إلا بإعادة تحقيق هذه المصادر تحقيقاً علمياً.
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
(*)
أستاذ محاضر في تاريخ المغرب الإسلامي - قسم التاريخ - جامعة وهران
الهوامش
والمصادر:
.......................
([1]) إ.
ليفي بروفنسال، مؤرخو الشرفاء، تعريب عبد القادر الخلادي، مطبوعات دار
المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، 1397 هـ/ 1977 م، ص. 9.
([2])
نجيب العقيقي، المستشرقون، دار المعارف، القاهرة، ط. 4، 1980، ج 1، ص.
10.
([3])
ليفي بروفنسال، المرجع السابق، ص. 10.
([4])
المرجع نفسه.
([5])
نجيب العقيقي، المرجع السابق، ص. 293.
([6])
المرجع نفسه.
([7])
المرجع نفسه.
([8])
ليفي بروفنسال، المرجع السابق، ص. 14.
([9])
محمد المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية بالرباط، 1404 هـ/ 1983 م، ج. 1، ص. 102.
([10])
المرجع نفسه، ص. 77.
([11])
المرجع نفسه، ص. 78.
([12])
المرجع نفسه، ص. 42.
([13])
المرجع نفسه، ص. 92.
([14])
المرجع نفسه، ص. 99.
([15])
المرجع نفسه، ص. 31.
([16])
عبد الله بن بلقين، كتاب التبيان، تحقيق وتعليق أمين توفيق الطيبي،
منشورات عكاظ، الرباط، 1995، ص. 25.
([17])
ناصر الدين سعيدوني، من التراث التاريخي والجغرافي للمغرب الإسلامي،
دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 1، 1999، صص. 63 -64.
([18])
محمد المنوني، المرجع السابق، ج 1، ص. 59.
([19])
المرجع نفسه، صص. 66 - 67.
([20])
ك. بويكا، المصادر التاريخية العربية في الأندلس، نقله إلى العربية
نايف أبو كرم، منشورات دار علاء الدين، دمشق، ط. 1، 1999، صص. 103 -
104.
([21])
محمد ماهر حمادة، المصادر العربية والمعرَّبة، مؤسسة الرسالة، بيروت،
ط. 6، 1407 هـ/ 1987 م، ص. 259.
([22])
حسين مؤنس، موسوعة تاريخ الأندلس، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط.
1، 1416 هـ/ 1996م، ج 2، ص. 383.
([23])
نجيب العقيقي، المرجع السابق، صص. 294 - 300؛ ليفي بروفنسال، المرجع
السابق، صص. 12-14.
([24])
محمد المنوني، المرجع السابق، ج 1، ص. 68.
([25])
مجهول، مفاخر البربر، المخطوط د 1020، الخزانة العامة بالرباط.
([26])
مجهول، مفاخر البربر، المخطوط ك 1275، الخزانة العامة بالرباط.
([27])
مجهول، مفاخر البربر، تحقيق عبد القادر بوباية، رسالة ماجستير، معهد
التاريخ، جامعة وهران، 1996، صص. 22-25.
([28])
لسان الدين بن الخطيب، تاريخ إسبانيا الإسلامية أو كتاب "أعمال الأعلام
فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام"، تحقيق وتعليق إ. ليفي
بروفنسال، دار المكشوف، بيروت، ط. 2، 1956.
>>>>>>>>>>>>>
المصدر
من الموقع :
http://www.biblioislam.net/ar/Elibrary/card.aspx?tblid=2&ID=26093
|